الجمعة، 16 أكتوبر 2015

الحب والمعاناة .


  
 على مدار التاريخ أرتبط الحب بالمعاناة والألم والتضحية , طيب ده ليه ؟
الحقيقة الاجابة مرتبطة بظهور الملكية الخاصة , تحول العلاقات الانسانية من حالة المشاعية البدائية الى حالة أكثر تعقيداً وتركيباً وبالتالى ظهور عوائق اجتماعية وحدودية أيضا تمنع من التقاء الجماعات البشرية وتحد من حرياتهم .
لما ظهرت الملكية الخاصة وتحول العرق والدين والجغرافيا الى أدوات فى أيـد الأنظمة السياسية اللى بتمثل مصالح طبقة معينة وبتستخدم الدولة لتحقق النظام بفرضه بالقوة واجبار الطبقات الفقيرة على العمل , بدأ الحب يعانى .
ولما كان تاريخ الحضارة البشرية هو تاريخ ظهور الدولة والملكية الخاصة , فـ ارث الحب كله استغلال ومعاناة , ولكن أيضا كان هناك تحدى فى مرات لكنها محدودة .
الكل بيستسلم فى النهاية والقصة أصبحت كلاسيكية ولا سبيل لمنعها من التكرار فى اطار فردى " الجواز مش النهاية السعيدة ".
وبناء عليه فـ عشان البشرية تلاقى مفهوم أكثر رقياً وانسانية للحب , حب متحرر من الاستغلال والتمايز الطبقى والأثنى والدينى , حب بين ذات حرة وأخرى , حب فيه ذات كل من الطرفين لا تنسحق فى الأخرى , بل بيمثلوا تكامل واضافة جديدة قدامها مساحة للتطور أيضا . حب مش منفصل عن الأرتباط بالمجموع وقيمه .
لـازم البشرية كلها تخطو خطوة للامام . نظام اجتماعى - اقتصادى أرقى .
وبالتالى اجابة السؤال , هل أنت بتحب ؟
بالتأكيد , كل محاولة - ولو كانت بسيطة - فى أن يربط الفرد مصيره بمصير الجماعة , ألا يكون الانسان أنانى , عايش لنفسه فقط وبيحاول يشبع رغباته .
كل محاولة تدور اطار دفع البشرية للامام هى محاولة جادة للبحث عن الحب , وأى محاولة لتجميل الصورة وانتظار نتائج ايجابية من علاقة متخلفة بتقف أمامها قيم وأفكار رجعية هى خروج عن الموضوعية واستسلام .
البحث عن الحب يكون فى اطار يتجاوز - ولو نسبياً - هذا الواقع , اطار يبشر بخلاص يسوعى جديد .
وهذا أمـر ممكن .

من ناحية أخرى يبدو أن معاناة الحب هى نفسها معاناة الأشتراكية , ليس سهلاً ان تتحقق بدون بنيتها التحتية , وهزيمة الثورات الاشتراكية هزيمة كبيرة لتطور مفهوم الحب .
وخلاصة المعاناة والانحطاط اللى بيعانى منه الحب اليومين دول مرتبط بان النظام الرأسمالى فقد دوره التاريخى , كل شىء تم تسليعه . تديين الصراع , ورطة فائض الانتاج وبالتالى الحرب اللى مبتحصلش الا لما تصرف الملايين على تأجيج صراع طائفى وأثنى , وبالتالى لو كنت بتحب واحدة من دين أخر أو من بلد أخر فـ أثناء الحرب هتتحولوا لأعداء . اساسا البشر كلهم مفيش بينهم أى تعارض مصالح لأن الأغلبية الساحقة كلها شغيلة .
لكن هنا يعانى الحب , يعانى كل انسان . يسحق فى مفرمة مشاكله الفردية وعوائق كثيرة تمنعه دون تحقيق ذاته . الحب فى هذة الأيام هو راية هزيمة لانه بيحصل وفق شروط النظام .

زى ما كان فيه اشتراكية طوباوية , فـ ارث الحب كله طوباوى . ولما خد منحى أخر أصبح بفعل البروباجندا والهيمنه الأمريكية " برجماتى " .
لكن هل فيه حب علمى - اذا جاز التعبير - زى ما فيه اشتراكية علمية ؟
الحقيقة هناك اتهام دايما موجه للماركسية انها بتسلب حرية الانسان وبتحيله الى وضع جبرى , الكلام ده غير صحيح .
يعنى مثلا .. معنى حتمية التاريخ هو انه هتتوافر شروط معينة فى اطار الصراع الاجتماعى هينتج عنها وضع يؤدى الى تغيير اذا حصل كذا وكذا وكذا وأهم هذة العوامل هو العامل الذاتى .
الاشتراكية - عشان مدخلش فى تفاصيل - غير كل الانظمة الاجتماعية - الاقتصادية السابقة . بمعنى ان بنيتها التحتية مبتحصلش الا بعد ما تتحقق شروط أغلبها مرتبط بالوعى الانسانى ودوره فى تنظيم الطبقة العاملة وتشكيل الحزب الثورى الخ . يعنى دى فلسفة بتقول ان الانسان هو صانع الثورة وانه حتى لو توافرت الشروط الموضوعية لهزيمة الرأسمالية بدون ما تكون الشروط الذاتية جاهزة يبقى لن يتحقق شىء .
وبالتالى توقعات الماركسية كانت سليمة , فعلا الطبقة العاملة دخلت فى تناقض مع الرأسمالية لكنها هزمت واستطاعت الرأسمالية انها تسحق الثورات الاشتراكية , لكن هل هناك نهاية للتاريخ ؟
التاريخ سوف ينتهى اما بنظام اجتماعى جديد أو بالقنابل النووية .
ومن هنا بالعودة لـ مفهوم الحب , الحب المنشود هنا هو حب يتجاوز اطار النظام الرأسمالى المستغل وقيمه اللى انحطت بالبشرية الى مستوى غير مسبوق , وبالتالى هو حب انسانى بل هو الانسانية نفسها فى مدى الأفق المنظور حتى يتحقق النظام الشيوعى . 


لما ضحى يسوع , ضحى من أجل الحياة . قام بعد 3 أيام لـ يمد الحياة بنور جديد وينتهى الظلام , لم تكن تضحيته من أجل الفناء أو من أجل مكاسب محدودة بل من أجل وعد بعالم أفضل , من أجل خلاص البشرية من الاستغلال والظلم والفقر , وعد بـ ملكوت سماوى فى رمزيته , لكنه أرضى عملياً لأن السماء ليست جزءاً منفصلاً عن الأرض . 
ان هزيمة الحب ومشروع المقاومة هى هزيمة للبشرية , وقتها يكون قد مات يسوع . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.