التحليلات البسيطة والمقارنات السطحية تؤدى لنتائج سريعة ومرضية للكثيرين ,
بينما لا تبدو أحداث التاريخ كسيناريو مكرر ذلك لأعتبارات تتعلق باختلاف
الظروف الموضوعية التى تؤدى دورها فى تبلور حدث سياسى ما بملابسات معينة
تختلف بالضرورة مع اختلاف السياق الاجتماعى
والاقتصادى . فلا مجال للمقارنة على سبيل المثال بين هتلر وكاليجولا الا فى
ملابسات عامة قد تختزل الى المستوى الفردى فى اتهام كليهما بالجنون ,
بينما تكاد تلك الملابسات العامة تكون أقرب للتطابق بين كاليجولا وسيدة
تدير أحدى شبكات الدعارة لا داعى لذكر اسمها فى هذا المقال لدواعى مرتبطة
بالصحة العامة لعموم القراء .
على كل حال سأحاول فى هذا المقال جاهداً ايجاد صيغة ملائمة للمقارنة , وأعتذر مقدماً عن أى تقصير فى حق البحث العلمى .
حينما بدأ السيد فردريك راتزل يضع أسس
علم الجغرافيا السياسية كانت القوميات الأوربية قد تشكلت فى اطار دولة
البرجوازية الصناعية , وعلى هذا الأساس حدد راتزل مقومات القوة لدى الدول ,
ومنها عدد السكان والموارد مما ينعكس بالضرورة على القوة العسكرية
بالأضافة لمقومات الموقع الجغرافى الذى جعل من أنجلترا دولة عظمى بتفوقها
من ناحية القوة البحرية مما أتاح لها فرصة كبيرة للتوسع الأستعمارى .
كانت القوة البرية الألمانية قد تأخرت وحدتها القومية ثم تعرضت لهزيمة
ساحقة بعد معاهدة فرساى مما أدى لأقتطاع أراضى من الرايخ لصالح الحلفاء
,فدفع الألمان بهتلر الى السلطة بعد انتخابه بالأقتراع الحر المباشر وبعد
أزمة اقتصادية طاحنة وعد هتلر بايجاد حل سريع لها فتجاوز معاهدة فرساى
والاتفاقيات الاقتصادية التى وقعتها جمهورية فيمار وأتجه لتدخل الدولة
المباشر فى ادارة الاقتصاد القومى , ذلك ما اسماه بالأشتراكية القومية وهى
شكل من أشكال رأسمالية الدولة , المهم أن هتلر نجح فى خلق وظائف واعاد بناء
الجيش وأراد أن تستعيد القوة البرية الألمانية حقها فى تقاسم النفوذ حول
العالم , فبدأ يعمل على تطبيق نظرية المجال الحيوى لراتزل بحيث تتمد
ألمانيا فى أوربا مستغلة تفوقها البرى الكاسح ثم تتفاوض مع بريطانيا على
نصيب من المستعمرات , فى ذلك الوقت كانت فرنسا العقبة الوحيدة أمام هتلر
لكن لم يكن الهجوم على الغرب من أولوياته , حيث عرض على الأنجليز التحالف
أكثر من مره حتى أثناء الحرب , بينما رفض البريطانيون كل العروض , وبالأخير
كانت بريطانيا وفرنسا هم من أعلنوا الحرب على المانيا وليس العكس .
رفضت البنوك الأنجليزية عروض المحاصصة التى عرضها هتلر , فكان الصدام بين
الرأسماليات الكبرى حتمى , فخسرت ألمانيا الحرب وخسرت بريطانيا
الأمبراطورية .
فى أثناء الحرب وفى فيلمه الشهير " الديكتاتور " تناول
تشارلى شابلن شخصية هتلر كرجل مختل عقلياً يسعى للسيطرة على العالم , فى
ذلك الوقت كانت بريطانيا تحتل أكثر من 40% من مساحة اليابس وتسيطر على
البحار سيطرة تامة , وكان رئيس الوزراء تشرشل يحكم نصف سكان الأرض بالسخرة
والعمل الأجبارى , فى حين لم تتناول سخرية تشارلى من تورطوا فى
أكبر عملية استعمار عرفها التاريخ تتحمل فرنسا وبريطانيا المسئولية
التاريخية لتلك الجريمة أمام البشرية .
وفى حقيقة الأمر قد تبدو أطروحات هتلر سخيفة
ومضحكة بالفعل , كاستعادة خطاب قومى صريح مرتبط بلون البشرة والجذور العرقية المشتركة لشعوب
أوربا كسبب للوحدة وتوافق المصالح , فى حين كانت الرأسمالية فى طورها
الأمبريالى تدرك أن المصالح تديرها البنوك تحديداً , وهذا لا ينفى الطابع
القومى للأمبرياليات الغربية ولكن يحيل عوامل مثل لون البشرة والجذور
القومية المشتركة الى مرتبة أقل فى الأهمية .
لكن ما سهل السخرية من هتلر حتى قبل هزيمة ألمانيا فى الحرب ,أنه لم يكن من النخبة
السياسية وغريب عنها وبالتالى كان من السهل احتقاره والنيل منه , ومن
ناحية أخرى مثل نظامه شخصية القائد الملهم وهو بذلك ورط نفسه فى تحمل
مسئولية كل أخطاء النظام الاجتماعى - الاقتصادى باعتبارها قرارات تصدر عنه
مباشرة , بينما فى حالة تشرشل كان النظام غير قابل للنقد بينما رئيس
الوزراء سوف يرحل بعد انتهاء مدة انتخابه وبالتالى هناك أمل سيتجدد بحكومة
جديدة وشخصيات جديدة تعطى وعود بمستقبل أفضل بدون تغيير حقيقى فى السياسات
الاقتصادية والانحيازات الاجتماعية , لكن فى العادة يميل الناس الى قبول مثل تلك
الوعود ولا ينتبهون الى أن المشكلة فى النظام الاجتماعى نفسه ذلك لأن الأمر
قد يحتاج الى مجهود كبير فى الرصد والتحليل ثم المشكلة الكبرى فى ايجاد
بديل مختلف , والأمر مشابه لدعوات الثورة التى تستقطب العديد من الشباب الى
حالة الثورة وهدم النظام القديم ثم التورط فى اشكالية غياب رؤية بديلة
لأدارة تحول اقتصادى- اجتماعى لصالح الشعب .
على الجانب الأخر من المحيط الأطلنطى كانت الولايات المتحدة معزولة داخل القارة الأمريكية عملاُ بمبدأ مونرو فى عدم التورط فى الصراعات الأوربية , لكن مصالح البنوك الأمريكية دفعت أمريكا للتورط فى الحرب ودفع ملايين الشباب للتطوع بحجة الدفاع عن المصالح الوطنية وتحرير أوربا من النازى .
كان تكون الولايات المتحدة مختلف عن نشوء وتطور القوميات الأوربية فهى مجتمع كوزموبوليتانى يضم جنسيات وثقافات متعددة لكنها أستطاعت أن تصنع تاريخاً مشتركاً تحت راية وطنية وفى اطار الحلم الأمريكى بمجتمع أمن ومستقر ومستوى من الرفاهية يحقق للفرد حياة كريمة .
بعد دخول الولايات المتحدة الحرب تحولت الى أكبر قوة عسكرية فى العالم والى أكبر تاجر سلاح أيضا , وأطاحت بنفوذ القوى الأمبريالية الكلاسيكية وبدأت تدير عالم ما بعد الحرب فى ظل الحرب الباردة مع الأتحاد السوفيتى . تبنى النظرية الكنزية كان لحماية النسيج الاجتماعى الهجين من الدعايا الماركسية التى تعد بنظام اجتماعى مختلف وهى شكل من أشكال رأسمالية الدولة لضبط فوضى السوق . كانت دولة الرفاه الاجتماعي بديل جيد لسياسات ما قبل الحرب التى تسببت فى أزمات اقتصادية كبيرة وأرتفاع نسبة البطالة والفقر بين الأوربيين .
فى سبعينات القرن الماضى وبعد التخلى عن قاعدة الذهب والتحولات الاقتصادية بعد سقوط الاتحاد السوفيتى التى تبعتها اتفاقيات التجارة الحرة تعرضت الولايات المتحدة لأزمة كبيرة , فالليبرالية الجديدة التى استفادت من اتفاقيات التجارة الحرة التى فرضتها حاملات الطائرات الأمريكية فرضاً على شعوب العالم أضرت بالداخل الأمريكى أيضا , فهجرة رؤوس الأموال الى الصين وما وراء البحار أدت الى أن يفقد ملايين من العمال وظائفهم , وارتفعت نسبة البطالة بشكل كبير وأرتفع الدين العام للولايات المتحدة متجاوزاً 20 تريليون دولار , وفقدت بذلك الولايات المتحدة تدريجياً مقومات القوة التى حددهـا راتزل فى بدايات القرن العشرين فصارت القوة النووية الأمريكية تحمى مصالح الأحتكارات التى تعمل فيما وراء البحار .
على العكس من هتلر , فدونالد ترامب يحكم الولايات المتحدة فى عصر
النيوليبرالية - أو قد نسميه عصر ما بعد الاتحاد السوفيتى - وهو عالم لابد
من تحديد ملامحه بقدر الأمكان حتى يمكننا وضع تصور لسياسات ترامب وفهم
مضمون خطاباته, ثم توقع مسار السياسية الأمريكية فى السنوات القادمة .
أستفادت الصين من الاستثمارات الأمريكية وتحولت الى قوة اقتصادية كبيرة ,
وبدأت تزاحم نفوذ الولايات المتحدة والثالوث الكلاسيكى للامبريالية الغربية
, ومن ناحية أخرى أفادت اصلاحات بوتين روسيا فى استرداد جزء من نفوذ
الأتحاد السوفيتى السابق فى شرق أوربا وفى محاولة لأعادة التمركز بشكل
أقوى فى الشرق الأوسط عبر البوابة السورية , وباتفاقيات التجارة مع الصين
بحيث تغلق بوابة أسيا أمام النفوذ الأمريكى سياسيا واقتصاديا وعسكرياً .
على هذا الأساس أرتكزت دعايا ترامب على عدة محاور , أولها الهجوم على
سياسة ادارة أوباما خاصة فيما يتعلق بملفات الشرق الأوسط , حيث ركز هجومه
على دعم جماعات الاسلام السياسى والقضاء على الأنظمة العسكرية شبه
العلمانية التى كانت تحكم الشرق الأوسط , حتى أنه هاجم غزو العراق فى عهد
ادارة بوش " الحزب الجمهورى " لأن تدمير العراق دفع بايران للواجهة
وللسيطرة المباشرة على العراق وتهديد مصالح حلفاء الولايات المتحدة فى
الخليج .
ترتكز رؤية ترامب على عداء مباشر لمشروع الاسلام السياسى
والعودة لسياسات ما قبل ادارة أوباما فى دعم الأنظمة الحاكمة , بينما أرتكز
خطابه الداخلى على ضرورة استرداد الأمن وذلك بمواجهة الهجرة غير الشرعية
خاصة عبر المكسيك ثم بتقييد حركة ما اسماه الاسلام الراديكالى فى الداخل
الأمريكى , حيث أعتبر الاسلام أيديولوجية غريبة ومعادية لقيم الداخل
الأمريكى .
حمل ترامب المهاجرين جزء من مسئولية الأزمة الاقتصادية ,
وهى سياسة معتادة لكل نظام يعانى أزمة اقتصادية فلابد من استخدام مجموعة
تتمايز أثنياً أو دينياً كجماعة وظيفية تؤدى دورها فى تحمل الأزمة وتقدم
للرأى العام كعدو محتمل تنتهى الأزمة بانتهاء وجوده .
كذلك أرتكزت دعايا ترامب الانتخابية على توفير فرص عمل لملايين العمال
الأمريكيين , حيث وضح فى أحد خطاباته أنه سيفرض ضرائب مرتفعة على السلع
المصنعة فى المكسيك والصين باستثمارات أمريكية لأجبار أصحاب رؤوس الأموال
على الاستثمار فى السوق الأمريكى , وهنا ركز ترامب على مواجهة مباشرة مع
الصين حيث اتهمهم بالتلاعب بالعملة بمعنى تخفيض سعر صرف العملة الصينية
مقابل الدولار حتى لا تستطيع الصناعة الأمريكية المنافسة .
اذا ترامب خارجيا سيدخل فى مواجهة مع الصين , هذة المواجهة الاقتصادية سوف تشمل
أشكال من الاستنفار العسكرى الحاصل بالفعل فى شرق أسيا فى محاولة لتطويق
الصين , وهذة الأستراتيجية كانت أقرها تقرير مراجعة الدفاع الذى تصدره
الولايات المتحدة كل أربع سنوات عام 2006 " ان هدف الولايات المتحدة
بالنسبة للصين هو أن تستمر كشريك اقتصادى وأن تظهر فى صورة مشارك فى الرهان
ذى مسئولية وصاحب قوة من أجل خير العالم " ويختتم التقرير رؤيته بقوله "
وسوف نحاول ردع اى منافس عسكرى عن طريق الاقناع لمنعه من تطوير قدرات معطله
أو غيرها تمكنه من تحقيق هيمنة أقليمية أو القيام بعمل معاد ضد الولايات
المتحدة أو البلدان الصديقة وسوف تسعى الولايات المتحدة الى ردع أى عدوان
أو أسلوب قسرى واذا ما أخفق اسلوب الردع فان الولايات المتحدة ترفض من أى
قوة معادية أن تعطل أهدافها الاستراتيجية " .
اما فيما يخص ادارة ملف
الشرق الأوسط فسيقبل ترامب بوجود روسى أصبح أمراً واقعياً فى سوريا
وبالتنسيق مع روسيا يمكن ادارة محاولة ايجاد صيغة اتفاق سلام بين سوريا
والكيان الصهيونى , بينما سيعمل على تكسير عظام المقاومة الفلسطينية وحزب
الله ومحاصرة النفوذ الأيرانى فى العراق واليمن .
بينما ترتكز دعايا
ترامب الداخلية على تصعيد لهجة العداء ضد الاسلام وهى التى بدأتها ادارة
بوش وكان طبيعياً فى عالم ما بعد الأتحاد السوفيتى أيجاد عدو بديل , فى حين
كان يقدم الأتحاد السوفيتى نظاماً اجتماعياً مغايراً , يقدم الأسلام فرص
متنوعة لصالح الأمبريالية سواء فى حالة استخدامه كحليف كما كان الامر فى
مشروع ادارة أوباما لأعادة تشكيل المنطقة , أو لاستخدامه كمبرر للغزو
والتدخل العسكرى كما كان الحال مع ادارة بوش , لكن ترامب يواجه عقبة التمويل ومغامرات الحرب ستكون عالية
التكلفة على الخزانة الأمريكية التى تعانى من تراكم الديون , فيما وضح
ترامب أن رؤيته ترتكز على أن يشارك الحلفاء فى الناتو والخليج بنصيب أكبر
فى دعم العمليات العسكرية ودفع ضريبة حماية الولايات المتحدة لهم , بينما تعانى
دول الخليج من أزمة اقتصادية وهو الحال نفسه فى منطقة اليورو وبريطانيا
وبالتالى العالم يتجه الى تعدد الأقطاب واعادة تشكيل خريطة النفوذ السياسى
مرة أخرى , والى انحسار القوة العسكرية الأمريكية تدريجياً , بينما يواجه
ترامب احتمالات توتر الأوضاع فى الداخل الأمريكى اذا فشل مشروعه فى ضبط
معدل أنحسار القوة الأمريكية .
بالنسبة لى لا يبدو دونالد ترامب مجنوناً بقدر جنون هارى ترومان الذى وقع قرار قصف المدن اليابانية بالقنبلة الذرية , لكن مشكلة ترامب تبدو مشابهة لمشكلة هتلر , أنه من خارج دوائر السياسة الأمريكية الكلاسيكية وبالتالى تستهل النخبة الأعلامية السخرية منه , فى حين رؤية ترامب لا تختلف كثيراً عن أى رؤية أى رئيس أمريكى أخر الا بحساب اختلاف الظروف الموضوعية التى تحدد خياراتنا جميعاً فلو كان ترامب أنتخب عام 2008 لكان برنامج أوباما للرعاية الصحية هو برنامج ترامب للرعاية الصحية .
على أن أكثر من تعرض السخرية’, خاصة فيما يتعلق بمحاولاته للسيطرة على العالم هو السيد براين , وذلك ليس لأنه شخصية كرتونية بل لنفس الأسباب التى تعرض هتلر وترامب وغيرهم للسخرية , فالسيد براين فى النهاية فـأر تجارب وبالتالى سخرية النخبة منه غير محدودة , رغم أن محاولاته للسيطرة على العالم قد تحمل قدراً حقيقياً من الخطورة لدرجة أن نجد يوماً العالم يحكمه فـأر تجارب برأس كبير , فى أحدى محاولاته الشهيرة للسيطرة على العالم قام بـراين بالعودة الى القرن الثامن عشر فى محاولة للسيطرة على المطبعة - وهى التى قامت بنقلة تكنولوجية كبيرة باسراع معدل نقل المعرفة - وبالتالى السيطرة على العالم وهى فكرة فى منتهى العبقرية لكنها لو كانت نجحت كانت ستضع براين على أكثر تقدير على رأس دولة من الدول الأوربية ربما لبضع سنوات قبل أن تطيح به ثورة عمالية , بينما امكانية السيطرة على العالم ستكون مستحيلة لأن أغلب العالم وقتها لم يكن يجيد القراءة والكتابة , لكن مشكلة براين الأساسية تكمن فى قفزاته غير المنطقية على الواقع الموضوعى كأن ينتقل فى الزمن أو يحاول السيطرة الى عقول الناس دون التورط فى ادارة مصالح الناس المباشرة , والأمر هنا لا يستدعى أن يكون حاكماً للعالم , عليه فقط أن يكون رئيس مجلس ادارة أحدى الأحتكارات الكبرى .
على كل حال أنتحر هتلر , وجاء ترامب الى السلطة , ومازال براين يحاول كل ليلة السيطرة على العالم .
وليد سامى واصل