السبت، 14 أكتوبر 2017

الله فى التفاصيل " نموذج حياة أم حسن "


No automatic alt text available.

لست بصدد كتابة قصة قصيرة , ما يلى هو فقط رصد لواقع مغاير فى قطار الغلابة .
لا حاجة لوصف القطار , لأنه لا داعى لتوجيه هذة السطور الا لمن يعرفون قطار المراكز . باختصار الأمور سيئة وكل شىء محتمل .
أم حسن ظهرت فجأة من العدم , أجلسها الرجل فى مقعده وظل واقفاً وبدأت أم حسن تسرد قصة مأساتها مع زوجة أبنها .
ساعدت أم حسن أبنها الوحيد فى الزواج , تخلت عن مجوهراتها لعروسته وساعدته فى أعداد الشقة وتكاليف كل شىء تقريباً
الزوجة كالعادة ناكرة للجميل , لأنها غضبت من زوجها فذهبت الى بيت أمها وبعد يومين عادت وأدعت أن المجوهرات فقدت .
قالت أم حسن انها استعوضت الله فى الأمر , لكنها أخذت تحسبن على الزوجة وأمها وأبيها وجميع خالاتها وعماتها وكل من شارك فى
اتمام هذا الزواج اللعين , ثم قالت أن الله شاهد على ما قدمته هى من أحسان وما قوبل به هذا الأحسان من نكران للجميل من تلك الفتاة.
طلب منها الرجل أن تسامح زوجة الابن , قالت لو ان الله نفسه سامحها لن أسامحها .
أخذت أم حسن تعدد مساوىء تلك الفتاة , وكيف أنها نقيضها التام .
فى خلفية المشهد صوت الشيخ سيد سعيد يقرأ ما تيسر من سورة مريم الى حين فراغ ما تبقى فى بطارية هاتف أحد الركاب من شحن .
لا مانع فى تلك الأجواء من سب الدين واستدعاء الله فى التفاصيل , فهو شاهد على جرائم زوجة حسن وهو أيضا طرف أصيل فى عملية المحاسبة , لكن أم حسن لن تسامح حتى اذا هو نفسه سامح .
الله أيضا فى حياة أم حسن وكذلك فى حياة كل الجالسين من يدبر كل شىء , مثلا هو العالم وحده لماذا تأخر القطار أربعين دقيقة عن
ميعاد أنطلاقه , رغم ان أحد الركاب سأل أحد العاملين بالقطار واخبره أن السبب مسألة متعلقة بالعربة الأمامية وأنه تم حلها .
ما بعد القطار , الله موجود أيضا على موائد الفقراء والأغنياء .. فى محادثات المتعلمين والمثقفين وفى وعيهم بهذا العالم .
كيف يمكن معاداة هذا الوجود .. لابد لهذا الكم الهائل من مدبر أو نسق ما منطقى , ليس لشىء الا لأننا لن نقبل بغير ذلك .
أثبتت لى أم حسن أن التزام قضية ما لابد وأن يعيد ترتيب أولويات الثورة , طالما هى تستقى من الواقع لتعيد بناء النظرية ثم منها الى
الواقع مرة أخرى فى علاقة جدلية مستمرة .

الجمعة، 14 يوليو 2017

حول ماهية الوطن ..


الوطن مش مجرد ارتباط بالأرض يعنى ييجى فى خيال كل واحد فينا انه هذة القطعة من اليابسة اللى انا عايش عليها هى أرضى وتبدأ تتكون روابط انسانية واجتماعية مع الحته دى ويرفض الانسان مغادرتها وتبدأ تتحول الى وطن , لآ المسألة مش كده لأن الأرض فى المطلق كده ممكن يكون ليها مدلول خاطىء , مثلا القبائل الرعوية فى التاريخ متقدرش تقول انها كانت مرتبطة بالأرض بل بالعكس كانت دائمة التنقل لانه الأرض الصحراوية لا توفر مسألة الاستقرار , ولما حصل الاستقرار فده كان لعوامل مرتبطة بتغيير النشاط زى مثلا انهم يشتغلوا مرتزقة أو حراس لقوافل امبراطورية ما زى ما حصل فى صحراء نجد واستخدام بنى عبس لحراسة قوافل فارس , لكن فيه عوامل كتير منها البعد الخاص بالاستقرار وبالتالى مصدر دائم للخيرات يسهل قيام الحياة البشرية زى وادى النيل مثلا , وطبعا مع نشوء الحياة وتطور المجتمع بتظهر روابط اجتماعية مرتبطة بالواقع المادى اللى نشأت فيه وبتتطور على اساسها الشخصية الوطنية , فمثلا مصر تقدر تضيف عليها طوال تاريخها القديم وقبل غزو الهكسوس انها كانت معزولة تماما بسبب وجود الصحارى وده عامل مهم فى الشخصية المصرية وطبيعتها الغير عدائية لحد ما حصل الغزو او حالة الفوضى اللى سمحت بدخول القبائل الهكسوسية وسيطرتهم على شمال البلاد فبعدها بدأت مصر تتجه لتكوين امبراطورية , لكن كمان بيظهر عامل زمنى مهم او مرتبط بطبيعة العصر الحديث ونشأة الدول القومية وترسيم الحدود السياسية وبالتالى بقى فيه صعوبة فى التنقل من مكان لمكان , ومن هنا بشوف اننا بصدد الحديث عن مفهوم الوطن - بما يمثله من بنيه تحتيه وفوقيه - واللى هو مش مفهوم مجرد وانما هو المكان اللى بتعيش فيه وبيوفرلك مقومات حياة كريمة وبيترتب على ذلك تطور المجتمع وتكون روابط اجتماعية وانسانية بين افراده فأنت هنا جمب اهلك وصحابك وهو ده المكان اللى فيه معيشتك ومصالحك , ولكن لو ضاق بيك هذا المكان فأنت هتشعر بالغربة ولو كان فيه فرصة للهجرة فأنت ممكن تهاجر وتروح مكان جديد وتؤسس لحياة جديدة وطالما هناك بعض من اهلك واصدقائك او اسرة جديدة انت بتكونها ولقيت مصالحك فى مكان جديد ممكن يكون هذا المكان وطن جديد , لكن فى اطار العامل الزمنى والتاريخى ايضا ظهرت خصوصية أخرى وهى الشخصية الوطنية وارتباط الفرد بتاريخ طويل كون شخصيته خاصة لو عاش الفرد فى هذا البلد فترة طويلة تتجاوز التلاتين سنة فبتكون شخصيته اكتملت وقدرته على التأقلم على حياة جديدة صعبة وكلما كان الموروث الوطنى وتأثير الشخصية الوطنية قوى عليه هيكون مستوى تأقلمه صعب , وكمان سهولة الاتصال ايضا بتخلى الانسان يتذكر وطنه ويشعر بحنين اليه وللذكريات اللى عاشها فيه , وبالتالى فيه عوامل كتير جدا بتأثر فى المسألة دى وقد تكون نسبية فيما يتعلق بالأفراد خاصة فى فترة الاضمحلال الاجتماعى والأزمات الحضارية لدولة زى مصر مثلا , الانسان بيترسخ جواه الشعور بالغربة وبيكون أقوى من شعور الحنين ولو قدر يتجاوز المعوقات المتعلقة بالسفر والهجرة هيمشى وينسى كل شىء وده ممكن رصده لان احنا عندنا 8 مليون مصرى بره مصر فشوف كام واحد فيهم عايز يرجع ولو رجع هيقدر يتأقلم ولا هيلعن حظه السىء اللى خلاه ياخد قرار خاطىء بالعودة .

الأربعاء، 12 يوليو 2017

معالم فى الطريق " الحقيقة المره " .



قاربت على الانتهاء من قراءة كتاب الأستاذ سيد قطب " معالم فى الطريق " والحقيقة لابد من توضيح السبب الذى دعانى الى ذلك . سابقا تناولنا مسألة الوعى وطبيعة المجتمع الذى نعيش فيه . ليس لأنه مجتمع ذو طبيعة متفردة من منطلق تعالى أخلاقى على بقية الأمم والشعوب , ولكن من منظور الظروف الموضوعية لنشأة مجتمع ما وما يتمايز به عن المجتمعات الأخرى . وبناء عليه فمسألة الوعى هى مسألة محورية , والوعى مرتبط بالمعرفة ,وجميعنا يعرف أزمة الماركسيين العرب الكلاسيكيين منهم تحديداً فى تبنيهم لنموذج أوربا القرن الثامن عشر والتاسع عشر , العمال المنظمين فى مصانع " نظام تجميع الانتاج " أصحاب البدل الزرقاء والذين يشعرون بتضامن ما يتجاوز العرق واللون والدين , ومستوى وعيهم لتعاملهم مع الألة مختلف عن العامل الأجير فى الأرض الزراعية , وبالتالى هم طبقة منظمة وتستطيع أن تكون طليعة الثورة والنضال والتغيير الثورى . وكانت توقعات ماركس صحيحة تماماً وقامت الثورات ليس فقط فى روسيا والصين وبعض الدول المتخلفة تكنولوجيا واقتصاديا ولكن فى ألمانيا ذاتها وتم قمع الثورة وفى انجلترا وغيرها من الدول وكان التناقض بين قوى العمل والرأسمالية هو عنوان تاريخ القرن العشرين كله .
لكن ما حدث هنا مختلف ,لقد تأخر تطورنا الاجتماعى وكنا نحن مركز النظام الخراجى . وأغلق العالم من حولنا بسياج كبير من التصورات المتخلفة , ليس فقط تحت عنوان تبعية اسميه للامبراطورية العثمانية وهى كانت أكبر مركز رجعى فى القرن التاسع عشر والعشرين الى حين زوالها . ولكنها فرضت سياج من حظر مرور التصورات من أوربا الى العالم العربى . ومن هنا نجد أن تاريخ البعثات لأوربا كان متأخراً جداً . وبداية التأثر وحتى التحول الاجتماعى بظهور برجوازية وطنية كان بعد سنة 1871 تقريبا لما صدر قانون المقابلة وبدأت البرجوازية الوطنية تشتبك مع التدخل الاجنبى فى عهد اسماعيل وانتهى بها الحال الى هزيمة الثورة العرابية كما نعرف جميعاً.
فكرة الصحوة الأسلامية والتى تبناها أفندية ايضا مثل مصطفى كامل لم تكن مجرد رد فعل على انهيار الخلافة الاسلامية , ولكن هى كانت بالأساس صدمة كبيرة لوعى جمعى يشعر بتمايز قومى ودينى ولاشك أنه هذا التمايز يحمل قدراً من العنصرية ومن الأنسانية فى ذات الوقت , هذا التمايز هو ما دفع الشعور بعقدة النقص الحضارية الى التفاقم , تورطنا 70 سنة من الاحتلال ولما تحررت أراضينا كانت أوربا قد صنعت القنبلة النووية ونحن تقريبا لم يكن لديناً جيوشاً حديثة بالمعنى الحقيقى فى عالم فيه موازين القوى تحسب بفارق التكنولوجيا والنفوذ الاقتصادى .
مثلا حتى الأن نحن لا نفهم الظاهرة الامبريالية جيداً ونقرنها دائما بالاستعمار الكلاسيكى وبالتالى نتسرع ونخرج بتصورات خاطئة , ومنها تصورات الاستاذ سيد قطب . الذى فى مقدمة كتابه قال أنه نحن لا نستطيع ولاحتى فى الـ 200 سنة القادمة أن نتجاوز الغرب مادياً , ولكن نستطيع أن نقدم للعالم شىء مختلفاً , القيم والأخلاق من خلال المنظومة التى يقدمها الاسلام فقط . وذلك منطق مزايدة طبعا, لأن الرجل فى مجمل طرحه يتكلم من منظور عقائدى بحت حتى فى تناوله لأسباب تراجع الظاهرة الاخلاقية فى أوربا الرأسمالية أو حتى المعسكر الشيوعى أنذاك , لم يتناول طرح اجتماعى بديل , لأنه من منظوره نحن نمتلك منظومة أخلاقية هى الحق المبين بما لا يدع مجالاً للشك , لأنها منزلة من الله وهذا أمر غير قابل للتشكيك أصلا من خلال أطروحته فى معالم للطريق , وهو فى سبيل تنظيره لذلك يتكلم عن الجيل الأول بمنتهى المثالية تجاوزاً حتى لما حدث فعلياً فى الواقع . هذا كان جيلاً قرأنياً كما وصفه , والأمر ببساطة أنهم أتبعوا تعاليم القرأن والرسول بما تحمله تلك التعاليم فى طياتها من أتباع الأوامر وتنفيذها وليس مجرد الدراسة من أجل المتعة العقلية .
هنا حال الازمة . فذلك رد فعل لا أستطيع أن أقول أنه مقبول لكنه موجود , رد فعل على الهجمة الاستعمارية وهذا النوع من رد الفعل يجد مجالاً طالما كان هناك فشل مستمر للمشاريع العلمانية فى قيادة تحول اجتماعى حاسم . ولن يكون ذلك سهلاً بالنسبة للمنطقة بدون تناول كل الموضوعات المعلقة , أو الموضوعات القائمة فعلا .
الدين ظاهرة شديدة التجذر فى المنطقة لا يمكن القفز عليها . ولا يمكن تجاهلها ولم تستطع الحركة الماركسية المصرية تجاوز تلك الورطة . ولهذا فالشارع دائما يتسجيب لأنحطاط على كافة المستويات كما هو حاصل الأن فى اطار نموذج تنمية تابع , أو من ناحية ثانية يستجيب للخطاب الدينى الذى يضيف للانسان طاقة تدفعه للشعور بأنه رغم الكبت والقهر والفقر ممكن أن ينال شيئاُ , وأنه مميز بقيمه وبأخلاقه وأنه أفضل من العالمين . هذة الورطة وعدم الأجابة السليمة على متطلبات الواقع ستعيد انتاج افكار سيد قطب وأبو الاعلى المودودى وستعيد انتاج داعش والنصرة الى ما لا نهاية .
سيد قطب قبل أن يكون أرهابياً أو مجرماً أو أخد عناصر تنظيم الأخوان المسلمين أو شخص مضطرب نفسياً , هو تعبير عن أزمتنا وتناقضاتنا الداخلية , سيد قطب لم يأت بأفكار خرافية , هو جاء بأفكار قد تراود ملايين المصريين والعرب والمسلمين , وذلك لأن الناس مازالت غير مقتنعة بما تقدمه التيارات الأخرى .
هكذا بمنتهى البساطة لابد أن نضع الحقيقة أمام أعيينا . سيد قطب جزء من هذة الحقيقة المره . وتلك مقدمة لمعالم أخرى فى طريق أخر , كان لابد لها أن تمر بمعالم طريق سيد قطب أولاً .

وليد سامى واصل

الجمعة، 23 يونيو 2017

عن ماهية الوجود الاجتماعى وغائيته ..



 مفهوم الأله مطلق القوى لم يكن موجوداً فى عالم تسوده الفوضى, اذ ان صعوبة رصد نمط معين من الاحداث فى مجتمع مشاعى بدائى لا يتضمن قدر كبير من تنظيم العلاقات الاجتماعية وبالتالى الاقتصادية يؤدى بالضرورة الى عدم الاعتقاد بوجود الله مطلق القوى ومدبر سير أحداث الزمان.
كانت الارهاصات الأولى عن الأله لدى الانسان الأول مرتبط بتفسير بدائى للسبب الماورائى لظواهر الطبيعة, فخلقت المخيلة البشرية من خلال الموجودات صور مركبة عن قوى ما فوق بشرية تقوم بتسيير الظواهر الطبيعية.
لكن تطور وعى الانسان بذاته والاسئلة االوجودية الاولى عن نشأة الحياة, ارتبطت بشكل اجتماعى منظم أعطى للحياة نسق معين من خلال سطوة طبقية احتكرت الثروة وحددت المفاهيم الكلية وفق مصالحها الطبقية, فانتج ذلك النسق الاجتماعى مفهوم محدد لحياة الانسان ودوره فأصبحت غائية وجوده مرتبطه بدوره الاجتماعى - أى أصبح الوجود الأجتماعى قدرياً أيضا - ومع تطور مفهوم الاله المطلق القوى مدبر الاحداث, صارت القدرية مرتبطة ليس فقط بمجمل الظواهر الطبيعية بل بأثر تلك الاقدار على مسار ترقى الانسان اجتماعيا, أى أن قيم المجتمع ومنظومته الاقتصادية وحاصل نتيجة تفاعل الانسان مع واقعه الاجتماعى اصبح محسوبا على أقدار محدده سلفا حددت ذلك المسار واعطته معنى وغاية ذلك أن السياق الأجتماعى أصبح منظومة متكالمة يستغرق فيها الأنسان بشكل كامل ويواجه صعوبات حقيقية فى تصور أى فكرة أو رؤية خارج نطاق ذلك الأطار والنسق .
اذا فأنت عندما تقرأ هذة السطور, فهذا يعنى ان هذا الأمر كان محددا سلفا لو أخذنا بالاعتبار القول بالقدرية, أو أن لهذا الكلام معنى ما مرتبط بغائية وجودنا الاجتماعى ذاته, فى حين اننا لو تخيلنا نموذج ما لعالم تسوده الفوضى ولا يحكمه نظام اجتماعى معين, ستبدو عديد من الحوداث غير ذات جدوى أو لا تحتمل نفس الأثر النفسى والمعنى الأجتماعى المسبب بالقدرية, كموت عزيز عليك فى ظروف ما وميلك وقتها لمحاولة تفسير ذلك الغياب وربطه باسباب عديدة متعلقة ومرتبطة بدورك الاجتماعى ومستوى وعيك بحوادث العالم من حولك.
لكن حقيقة الأمر أن وجودنا الاجتماعى ليس غائيا, وأن مجمل القيم والتصورات التى نتبناها ليست قدراً او مساراً قد حدد سلفا وانما هى نتاج نسق اجتماعى معين, وأن ذلك المجتمع طالما ظلت امامه آفاق اوسع للتطور فهو فى سبيل تطوير رؤاه وتصوراته عن الحياة بشكل مضطرد ومختلف لكن بما لا يحيل الاله المطلق الى التقاعد, لانه طالما ظل هناك مجتمعاُ منظماُ حتى لو افترضنا تحقق نموذج المجتمع الشيوعى, فان وجود الاله المسبب ومدبر احداث الزمان سيكون حاضراً ليس فقط ليعوض نقصا واضحاً فى ما نعرفه عن العالم بل هو ما يقدم تبريراً لغاية وجودنا الاجتماعى الى حين تجاوز تلك الحاجة لايجاد مبرر لوجودنا.

الأحد، 13 نوفمبر 2016

تـرامب وهتلر والسيد بـراين " تحليل مقارن " .


  التحليلات البسيطة والمقارنات السطحية تؤدى لنتائج سريعة ومرضية للكثيرين , بينما لا تبدو أحداث التاريخ كسيناريو مكرر ذلك لأعتبارات تتعلق باختلاف الظروف الموضوعية التى تؤدى دورها فى تبلور حدث سياسى ما بملابسات معينة تختلف بالضرورة مع اختلاف السياق الاجتماعى والاقتصادى . فلا مجال للمقارنة على سبيل المثال بين هتلر وكاليجولا الا فى ملابسات عامة قد تختزل الى المستوى الفردى فى اتهام كليهما بالجنون , بينما تكاد تلك الملابسات العامة تكون أقرب للتطابق بين كاليجولا وسيدة تدير أحدى شبكات الدعارة لا داعى لذكر اسمها فى هذا المقال لدواعى مرتبطة بالصحة العامة لعموم القراء .
على كل حال سأحاول فى هذا المقال جاهداً ايجاد صيغة ملائمة للمقارنة , وأعتذر مقدماً عن أى تقصير فى حق البحث العلمى .

حينما بدأ السيد فردريك راتزل يضع أسس علم الجغرافيا السياسية كانت القوميات الأوربية قد تشكلت فى اطار دولة البرجوازية الصناعية , وعلى هذا الأساس حدد راتزل مقومات القوة لدى الدول , ومنها عدد السكان والموارد مما ينعكس بالضرورة على القوة العسكرية بالأضافة لمقومات الموقع الجغرافى الذى جعل من أنجلترا دولة عظمى بتفوقها من ناحية القوة البحرية مما أتاح لها فرصة كبيرة للتوسع الأستعمارى .
كانت القوة البرية الألمانية قد تأخرت وحدتها القومية ثم تعرضت لهزيمة ساحقة بعد معاهدة فرساى مما أدى لأقتطاع أراضى من الرايخ لصالح الحلفاء ,فدفع الألمان بهتلر الى السلطة بعد انتخابه بالأقتراع الحر المباشر وبعد أزمة اقتصادية طاحنة وعد هتلر بايجاد حل سريع لها فتجاوز معاهدة فرساى والاتفاقيات الاقتصادية التى وقعتها جمهورية فيمار وأتجه لتدخل الدولة المباشر فى ادارة الاقتصاد القومى , ذلك ما اسماه بالأشتراكية القومية وهى شكل من أشكال رأسمالية الدولة , المهم أن هتلر نجح فى خلق وظائف واعاد بناء الجيش وأراد أن تستعيد القوة البرية الألمانية حقها فى تقاسم النفوذ حول العالم , فبدأ يعمل على تطبيق نظرية المجال الحيوى لراتزل بحيث تتمد ألمانيا فى أوربا مستغلة تفوقها البرى الكاسح ثم تتفاوض مع بريطانيا على نصيب من المستعمرات , فى ذلك الوقت كانت فرنسا العقبة الوحيدة أمام هتلر لكن لم يكن الهجوم على الغرب من أولوياته , حيث عرض على الأنجليز التحالف أكثر من مره حتى أثناء الحرب , بينما رفض البريطانيون كل العروض , وبالأخير كانت بريطانيا وفرنسا هم من أعلنوا الحرب على المانيا وليس العكس .
رفضت البنوك الأنجليزية عروض المحاصصة التى عرضها هتلر , فكان الصدام بين الرأسماليات الكبرى حتمى , فخسرت ألمانيا الحرب وخسرت بريطانيا الأمبراطورية .
فى أثناء الحرب وفى فيلمه الشهير " الديكتاتور " تناول تشارلى شابلن شخصية هتلر كرجل مختل عقلياً يسعى للسيطرة على العالم , فى ذلك الوقت كانت بريطانيا تحتل أكثر من 40% من مساحة اليابس وتسيطر على البحار سيطرة تامة , وكان رئيس الوزراء تشرشل يحكم نصف سكان الأرض بالسخرة والعمل الأجبارى , فى حين لم تتناول سخرية تشارلى من تورطوا فى أكبر عملية استعمار عرفها التاريخ تتحمل فرنسا وبريطانيا المسئولية التاريخية لتلك الجريمة أمام البشرية .
وفى حقيقة الأمر قد تبدو أطروحات هتلر سخيفة ومضحكة بالفعل , كاستعادة خطاب قومى صريح مرتبط بلون البشرة والجذور العرقية المشتركة لشعوب أوربا كسبب للوحدة وتوافق المصالح , فى حين كانت الرأسمالية فى طورها الأمبريالى تدرك أن المصالح تديرها البنوك تحديداً , وهذا لا ينفى الطابع القومى للأمبرياليات الغربية ولكن يحيل عوامل مثل لون البشرة والجذور القومية المشتركة الى مرتبة أقل فى الأهمية .
لكن ما سهل السخرية من هتلر حتى قبل هزيمة ألمانيا فى الحرب ,أنه لم يكن من النخبة السياسية وغريب عنها وبالتالى كان من السهل احتقاره والنيل منه , ومن ناحية أخرى مثل نظامه شخصية القائد الملهم وهو بذلك ورط نفسه فى تحمل مسئولية كل أخطاء النظام الاجتماعى - الاقتصادى باعتبارها قرارات تصدر عنه مباشرة , بينما فى حالة تشرشل كان النظام غير قابل للنقد بينما رئيس الوزراء سوف يرحل بعد انتهاء مدة انتخابه وبالتالى هناك أمل سيتجدد بحكومة جديدة وشخصيات جديدة تعطى وعود بمستقبل أفضل بدون تغيير حقيقى فى السياسات الاقتصادية والانحيازات الاجتماعية , لكن فى العادة يميل الناس الى قبول مثل تلك الوعود ولا ينتبهون الى أن المشكلة فى النظام الاجتماعى نفسه ذلك لأن الأمر قد يحتاج الى مجهود كبير فى الرصد والتحليل ثم المشكلة الكبرى فى ايجاد بديل مختلف , والأمر مشابه لدعوات الثورة التى تستقطب العديد من الشباب الى حالة الثورة وهدم النظام القديم ثم التورط فى اشكالية غياب رؤية بديلة لأدارة تحول اقتصادى- اجتماعى لصالح الشعب .

على الجانب الأخر من المحيط الأطلنطى كانت الولايات المتحدة معزولة داخل القارة الأمريكية عملاُ بمبدأ مونرو فى عدم التورط فى الصراعات الأوربية , لكن مصالح البنوك الأمريكية دفعت أمريكا للتورط فى الحرب ودفع ملايين الشباب للتطوع بحجة الدفاع عن المصالح الوطنية وتحرير أوربا من النازى .
كان تكون الولايات المتحدة مختلف عن نشوء وتطور القوميات الأوربية فهى مجتمع كوزموبوليتانى يضم جنسيات وثقافات متعددة لكنها أستطاعت أن تصنع تاريخاً مشتركاً تحت راية وطنية وفى اطار الحلم الأمريكى بمجتمع أمن ومستقر ومستوى من الرفاهية يحقق للفرد حياة كريمة .
بعد دخول الولايات المتحدة الحرب تحولت الى أكبر قوة عسكرية فى العالم والى أكبر تاجر سلاح أيضا , وأطاحت بنفوذ القوى الأمبريالية الكلاسيكية وبدأت تدير عالم ما بعد الحرب فى ظل الحرب الباردة مع الأتحاد السوفيتى . تبنى النظرية الكنزية كان لحماية النسيج الاجتماعى الهجين من الدعايا الماركسية التى تعد بنظام اجتماعى مختلف وهى شكل من أشكال رأسمالية الدولة لضبط فوضى السوق . كانت دولة الرفاه الاجتماعي بديل جيد لسياسات ما قبل الحرب التى تسببت فى أزمات اقتصادية كبيرة وأرتفاع نسبة البطالة والفقر بين الأوربيين .
فى سبعينات القرن الماضى وبعد التخلى عن قاعدة الذهب والتحولات الاقتصادية بعد سقوط الاتحاد السوفيتى التى تبعتها اتفاقيات التجارة الحرة تعرضت الولايات المتحدة لأزمة كبيرة , فالليبرالية الجديدة التى استفادت من اتفاقيات التجارة الحرة التى فرضتها حاملات الطائرات الأمريكية فرضاً على شعوب العالم أضرت بالداخل الأمريكى أيضا , فهجرة رؤوس الأموال الى الصين وما وراء البحار أدت الى أن يفقد ملايين من العمال وظائفهم , وارتفعت نسبة البطالة بشكل كبير وأرتفع الدين العام للولايات المتحدة متجاوزاً 20 تريليون دولار , وفقدت بذلك الولايات المتحدة تدريجياً مقومات القوة التى حددهـا راتزل فى بدايات القرن العشرين فصارت القوة النووية الأمريكية تحمى مصالح الأحتكارات التى تعمل فيما وراء البحار .
على العكس من هتلر , فدونالد ترامب يحكم الولايات المتحدة فى عصر النيوليبرالية - أو قد نسميه عصر ما بعد الاتحاد السوفيتى - وهو عالم لابد من تحديد ملامحه بقدر الأمكان حتى يمكننا وضع تصور لسياسات ترامب وفهم مضمون خطاباته, ثم توقع مسار السياسية الأمريكية فى السنوات القادمة .
أستفادت الصين من الاستثمارات الأمريكية وتحولت الى قوة اقتصادية كبيرة , وبدأت تزاحم نفوذ الولايات المتحدة والثالوث الكلاسيكى للامبريالية الغربية , ومن ناحية أخرى أفادت اصلاحات بوتين روسيا فى استرداد جزء من نفوذ الأتحاد السوفيتى السابق فى شرق أوربا وفى محاولة لأعادة التمركز بشكل أقوى فى الشرق الأوسط عبر البوابة السورية , وباتفاقيات التجارة مع الصين بحيث تغلق بوابة أسيا أمام النفوذ الأمريكى سياسيا واقتصاديا وعسكرياً .
على هذا الأساس أرتكزت دعايا ترامب على عدة محاور , أولها الهجوم على سياسة ادارة أوباما خاصة فيما يتعلق بملفات الشرق الأوسط , حيث ركز هجومه على دعم جماعات الاسلام السياسى والقضاء على الأنظمة العسكرية شبه العلمانية التى كانت تحكم الشرق الأوسط , حتى أنه هاجم غزو العراق فى عهد ادارة بوش " الحزب الجمهورى " لأن تدمير العراق دفع بايران للواجهة وللسيطرة المباشرة على العراق وتهديد مصالح حلفاء الولايات المتحدة فى الخليج .
ترتكز رؤية ترامب على عداء مباشر لمشروع الاسلام السياسى والعودة لسياسات ما قبل ادارة أوباما فى دعم الأنظمة الحاكمة , بينما أرتكز خطابه الداخلى على ضرورة استرداد الأمن وذلك بمواجهة الهجرة غير الشرعية خاصة عبر المكسيك ثم بتقييد حركة ما اسماه الاسلام الراديكالى فى الداخل الأمريكى , حيث أعتبر الاسلام أيديولوجية غريبة ومعادية لقيم الداخل الأمريكى .
حمل ترامب المهاجرين جزء من مسئولية الأزمة الاقتصادية , وهى سياسة معتادة لكل نظام يعانى أزمة اقتصادية فلابد من استخدام مجموعة تتمايز أثنياً أو دينياً كجماعة وظيفية تؤدى دورها فى تحمل الأزمة وتقدم للرأى العام كعدو محتمل تنتهى الأزمة بانتهاء وجوده .


كذلك أرتكزت دعايا ترامب الانتخابية على توفير فرص عمل لملايين العمال الأمريكيين , حيث وضح فى أحد خطاباته أنه سيفرض ضرائب مرتفعة على السلع المصنعة فى المكسيك والصين باستثمارات أمريكية لأجبار أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار فى السوق الأمريكى , وهنا ركز ترامب على مواجهة مباشرة مع الصين حيث اتهمهم بالتلاعب بالعملة بمعنى تخفيض سعر صرف العملة الصينية مقابل الدولار حتى لا تستطيع الصناعة الأمريكية المنافسة .
اذا ترامب خارجيا سيدخل فى مواجهة مع الصين , هذة المواجهة الاقتصادية سوف تشمل أشكال من الاستنفار العسكرى الحاصل بالفعل فى شرق أسيا فى محاولة لتطويق الصين , وهذة الأستراتيجية كانت أقرها تقرير مراجعة الدفاع الذى تصدره الولايات المتحدة كل أربع سنوات عام 2006 " ان هدف الولايات المتحدة بالنسبة للصين هو أن تستمر كشريك اقتصادى وأن تظهر فى صورة مشارك فى الرهان ذى مسئولية وصاحب قوة من أجل خير العالم " ويختتم التقرير رؤيته بقوله " وسوف نحاول ردع اى منافس عسكرى عن طريق الاقناع لمنعه من تطوير قدرات معطله أو غيرها تمكنه من تحقيق هيمنة أقليمية أو القيام بعمل معاد ضد الولايات المتحدة أو البلدان الصديقة وسوف تسعى الولايات المتحدة الى ردع أى عدوان أو أسلوب قسرى واذا ما أخفق اسلوب الردع فان الولايات المتحدة ترفض من أى قوة معادية أن تعطل أهدافها الاستراتيجية " .
اما فيما يخص ادارة ملف الشرق الأوسط فسيقبل ترامب بوجود روسى أصبح أمراً واقعياً فى سوريا وبالتنسيق مع روسيا يمكن ادارة محاولة ايجاد صيغة اتفاق سلام بين سوريا والكيان الصهيونى , بينما سيعمل على تكسير عظام المقاومة الفلسطينية وحزب الله ومحاصرة النفوذ الأيرانى فى العراق واليمن .
بينما ترتكز دعايا ترامب الداخلية على تصعيد لهجة العداء ضد الاسلام وهى التى بدأتها ادارة بوش وكان طبيعياً فى عالم ما بعد الأتحاد السوفيتى أيجاد عدو بديل , فى حين كان يقدم الأتحاد السوفيتى نظاماً اجتماعياً مغايراً , يقدم الأسلام فرص متنوعة لصالح الأمبريالية سواء فى حالة استخدامه كحليف كما كان الامر فى مشروع ادارة أوباما لأعادة تشكيل المنطقة , أو لاستخدامه كمبرر للغزو والتدخل العسكرى كما كان الحال مع ادارة بوش , لكن ترامب يواجه عقبة التمويل ومغامرات الحرب ستكون عالية التكلفة على الخزانة الأمريكية التى تعانى من تراكم الديون , فيما وضح ترامب أن رؤيته ترتكز على أن يشارك الحلفاء فى الناتو والخليج بنصيب أكبر فى دعم العمليات العسكرية ودفع ضريبة حماية الولايات المتحدة لهم , بينما تعانى دول الخليج من أزمة اقتصادية وهو الحال نفسه فى منطقة اليورو وبريطانيا وبالتالى العالم يتجه الى تعدد الأقطاب واعادة تشكيل خريطة النفوذ السياسى مرة أخرى , والى انحسار القوة العسكرية الأمريكية تدريجياً , بينما يواجه ترامب احتمالات توتر الأوضاع فى الداخل الأمريكى اذا فشل مشروعه فى ضبط معدل أنحسار القوة الأمريكية .

بالنسبة لى لا يبدو دونالد ترامب مجنوناً بقدر جنون هارى ترومان الذى وقع قرار قصف المدن اليابانية بالقنبلة الذرية , لكن مشكلة ترامب تبدو مشابهة لمشكلة هتلر , أنه من خارج دوائر السياسة الأمريكية الكلاسيكية وبالتالى تستهل النخبة الأعلامية السخرية منه , فى حين رؤية ترامب لا تختلف كثيراً عن أى رؤية أى رئيس أمريكى أخر الا بحساب اختلاف الظروف الموضوعية التى تحدد خياراتنا جميعاً فلو كان ترامب أنتخب عام 2008 لكان برنامج أوباما للرعاية الصحية هو برنامج ترامب للرعاية الصحية .
 
على أن أكثر من تعرض السخرية’, خاصة فيما يتعلق بمحاولاته للسيطرة على العالم هو السيد براين , وذلك ليس لأنه شخصية كرتونية بل لنفس الأسباب التى تعرض هتلر وترامب وغيرهم للسخرية , فالسيد براين فى النهاية فـأر تجارب وبالتالى سخرية النخبة منه غير محدودة , رغم أن محاولاته للسيطرة على العالم قد تحمل قدراً حقيقياً من الخطورة لدرجة أن نجد يوماً العالم يحكمه فـأر تجارب برأس كبير ,  فى أحدى محاولاته الشهيرة للسيطرة على العالم قام بـراين بالعودة الى القرن الثامن عشر فى محاولة للسيطرة على المطبعة - وهى التى قامت بنقلة تكنولوجية كبيرة باسراع معدل نقل المعرفة - وبالتالى السيطرة على العالم وهى فكرة فى منتهى العبقرية لكنها لو كانت نجحت كانت ستضع براين على أكثر تقدير على رأس دولة من الدول الأوربية ربما لبضع سنوات قبل أن تطيح به ثورة عمالية , بينما امكانية السيطرة على العالم ستكون مستحيلة لأن أغلب العالم وقتها لم يكن يجيد القراءة والكتابة , لكن مشكلة براين الأساسية تكمن فى قفزاته غير المنطقية على الواقع الموضوعى كأن ينتقل فى الزمن أو يحاول السيطرة الى عقول الناس دون التورط فى ادارة مصالح الناس المباشرة , والأمر هنا لا يستدعى أن يكون حاكماً للعالم , عليه فقط أن يكون رئيس مجلس ادارة أحدى الأحتكارات الكبرى .
على كل حال أنتحر هتلر , وجاء ترامب الى السلطة , ومازال براين يحاول كل ليلة السيطرة على العالم .


وليد سامى واصل

الخميس، 23 يونيو 2016

على هـامـش السيرة ..


قالا : أما قومنا فالرأى أن تدعهم , فان الله لم يقدر لك أن تملك أرضهم, انما أدخرهم وأدخر أرضهم لشىء سيكون فى آخر الزمان نجده عندنا فى هذه الأسفار التى نتلوها عليك. قال وما ذاك؟
قالا : نبى يخرج من هذا الصوب – وأشارا نحو مكة – فيمكر به قومه ويأبون عليه, ويكيدون له, ويخرجونه من الأرض, فيأوى إلى هذا البلد, فيجد النصر والمنع, ويجد العزة والقوة, وينشر دينه فى هذة الأطام فيملأ به الأرض كلها ويخرج به الناس من الظلمات الى النور. وما كان الله ليمكنك من أرض أعدها داراً لنبيه, ومهبطاً لوحيه, ومصدراً لنوره المبين.
هكذا أحال الحبران من يهود بين سيد اليمن وبين يثرب ومكة التى كان سيتوجه اليها بفعل خديعة من قوم أخبروه أن بالبيت الحرام كنوز من ذهب وفضة بينما كانوا يتأمرون عليه ليهلك جيشه اذ يحاول هدم الكعبة ليلقى مصير أبرهة الحبشى.
ما يهمنا هنا أن قصة تبع مع أهل يثرب ومكة لا تبدو غير مألوفة للوعى العربى, ذلك أن مقدم المخلص وصيرورة الأحداث وفق نسق تحدده أقدار أزلية هو ما يوافق هوى العربى فى أشعاره وأحلامه وحتى فى اندفاعه للفداء والتضحيه, كل ذلك يحتاج لغطاء كبير توفره الأسطورة.
ذلك أيضاً ليس بغريب عن الشرق بشكل عام , فالمخلص قورش الكبير, يسوع, صلاح الدين الأيوبى, الظاهر بيبرس, ومهدي منتظر, كلها صور متعددة لنفس الاحتياج إلى الخلاص, كل ذلك تعززه بيئة مليئة بمفردات سحرية سجلت على جدران المعابد القديمة, تشهد أن حجم الأسطورة أكبر من أن يتم تجاهله أو القفز عليه فجأة باستيراد نتاج تطور 500 عام فى بيئة تغلب عليها البرودة وضيق مساحة الأراضى وكثافة السكان والتطلع نحو البحر والمغامرة.
إننا نعيش اليوم فى عالم واحد وتكاد المسافات تتلاشى عبر وسائل الأتصال المتعددة لكن هذا لا يعنى أننا أبناء حضارة واحدة بينما واقع الأمر أن عدة حضارات تعيش فى زمن واحد, لكن درجة التطور مختلفة, مختلفة على المستوى التكنولوجى والاجتماعى والنفسى كذلك , هناك  وراء الأفق خلف بحارنا الممتدة بشر أخرون يجمعنا بهم مشترك واحد, وهو علاقة الاستغلال المتضمنة فى الملكية الخاصة, وهذا ما يوحد البشرية فى ظل الرأسمالية لكن بفعل عامل الاستغلال نفسه وحجز تطور مناطق كثيرة من العالم, بالإضافة لسياق تطور الحضارة البشرية؛ فهناك حضارات قديمة لا تزال تحمل تمايزها وعبىء الاحتماء فى ماضيها إلى اليوم, بفعل تأثير غطاء الأسطورة الضخم وبفعل فاعل آخر, وهو الخوف من الوحدة فى عالم يسحق الإنسان كل يوم فى معارك تحديد انتماء وهمية, يسعى البشر إلى البحث عن مكان آمن داخل أى قطيع وتحت أقرب راية لبيئة الإنسان التى نشأ فيها.
لن يطرح الإنسان وقتها كثيراً من الأسئلة لأن مكانه وحالة الأمان وسط القطيع تعفيه من ذلك احتراماً لتقليد المجموع وكمقابل ضمنى للحماية.
اذاً نحن نحتاج الى أسطورة وإلى مخلص, والسؤال هنا, كيف نستفيد من هذا الواقع لأحداث نقلة نوعية تدفع بمجتمعاتنا خطوات الى الأمام ؟
لا أستطيع تحديد معادلة تضمن حل المعضلات العديدة التى نعاني منها لكى تناسب خطاب تقدمى يدفع باتجاه مشروع تنمية مستقلة, لكن على سبيل المثال فالبعد العربي لابد أن يكون مطروحاً, ليس كهوية قومية ممايزة ولكن كشعار حضارى وراية توحد شعوب تتعرض للاستغلال فى مواجهة الإمبريالية .
نحتاج إلى بروباجندا عصرية تستفيد من غطاء الأسطورة وتضيف إلى فكرة المخلص بعد جماعى, كأن يكون البطل شعب بأكمله, هذا سيحتاج إلى مجهود كبير فى البروباجندا والتعليم, وليس صحيحاً أن مهمة البروباجندا يضطلع بها مجموعة من الأشخاص, بل هى مهمة الحزب الثورى كله وخسارة تلك المعركة معناها خسارة الثورة.
ويبقى الحل العملى فى الحسم القاطع مع نموذج التنمية الريعية وانهاء كل اشكال التبعية الاقتصادية والسياسية, وليترك للمجتمع مجال أوسع للتطور الذاتى.


وليد سامى واصل

الخميس، 7 أبريل 2016

فـاشيون مغفلون ...


تناسى السيد حامد عبد الصمد فى حلقاته الأخيرة من برنامجه صندوق الأسلام التى خصصها للتأصيل لمسألة الفاشية الاسلامية من وجهة نظره ,أو ربما غفل عن حقيقة أن الأسلام ليس فقط قد جرد من خطابه الثورى وانما صارت قيم الجهاد والفداء رأس حربه توجه لصدور المسلمين أنفسهم , وبينما تظهر دعاوى المشروع الاسلامى أنه مشروع وحدوى يتجاوز نطاق القوميات , كانت نتيجة عمل التيارات الدينية أكثر فظاعة وأعمق أثراً مما خطه السيدين سايكس وبيكو بما يخدم مصالح الجمهورية الامبريالية الفرنسية وبريطانيا العظمى الامبريالية .
فى حين أن دعاوى الفاشية والرغبة فى السيطرة على العالم لا تخرج عن كونها محاولات فاشلة يروج لها مجموعة من البلهاء , وليس هتلر وموسولينى وربما بينكى وبراين بعيدين عن هذا الوصف .
هتلر مثلا انسان تافه , لكن نجح بدعم جناح من البرجوازية وبقايا الارستقراطية البروسية فى الوصول الى السلطة لمواجهة المد الشيوعى , لكن دعواه الفاشية كانت مباشرة وساذجة ومغرقة مرات فى الأسطرة , كأن يعيش الرايخ الثالث ألف عام بدلاً من ثمانمائة وخمسة وعشرين مثلا !
بينما كانت الطغمة المالية التى تدير البنوك الأمريكية أكثر ذكاءاً , فبعد وراثة دور الامبرياليات الكلاسيكية بعد الحرب صارت هيمنة الأحتكارات على العالم فى طريق مختلف , فالعالم كله تحت سيطرة الهيمنة الأمبريالية , كلنا مجرد أدوات ومنسحقين تماماً أمام قيم تقدم الينا فى كل يوم على أنها هى الحياة ذاتها , هكذا كانت وهكذا سوف تكون .
لابد مثلا من الحفاظ على معدلات مرتفعة للنمو , لماذا ؟ لا أحد يعرف تماماً , ما الفائدة التى سوف تعود على فلان الفلانى اذا علم ان الاقتصاد قد حقق نمواً مطرداً بنسبة مئوية معقولة !
فى الحقيقة لا شىء , ليس فقط لطبيعة الملكية , ولكن لأن الهدف من النمو بالاساس لن يكون الا لصالح الطبقة المترفة خوفاً من تراكم الأرباح أو بقول أخر فائض القيمة المنهوب من قوة عمل الشغيلة فى العالم , حيث اذا تراكمت الأرباح دون أن تجد محلل شرعى لقيمتها سوف تنهار وتصبح جبال الأوراق الخضراء بلا قيمة ولا معنى .
أنت فى اطار دائرة النمو تلك لست مجرد راصد , بل فى حقيقة الأمر فأر تجارب , فكل اسهامات علم النفس مثلا بدلاً من أن توجه الى فائدة الانسان واشباع حاجاته وتحقيق غايات عليا تتطور باطراد مع نمو الوعى الجمعى للبشرية , توجه تلك الاسهامات العلمية لسحق الانسان وقولبته فى دائرة مفرغة تدفعه الميول الفردية التى تحول الفرد الى شخص شره يريد اقتناء كل شىء وأى شىء , أو ربما يدعى بعض العقلانية فيميز بين رغبته فى اقتناء بعض السلع وعدم اهتمامه بأخرى . لكن فى النهاية هو مستهلك , تتم دراسة جميع جوانبه النفسية لدفعه للشراء وللحفاظ عليه كمحلل شرعى لبقاء النظام من خلال الأفيون المقدم فى شكل سعادة زائفة تحققها الأعلانات , أو عن طريق الأختراق الأكثر خطورة باستخدام العلاقات الانسانية الحقيقية لأشعار المستهلك بحميمية بينه وبين موظفى الشركة وبالتالى بينه وبين السلع التى تقدمها .
ما الذى يعنيه كل ذلك ؟ هذا يعنى أننا مستعبدين تماماً حتى فى أدق تفاصيل حياتنا التى نظن أن لنا فيها حرية الاختيار , نحن نتاج تطبيقات الدراوينية الاجتماعية وهى ليست كشعارات هتلر وموسولينى عن عرق مفضل , الطبيعة أصلا غير انتقائية ولو كانت كذلك لما تركتنا أحياء حتى الأن فكيف يقدم نتاج التأقلم والتكيف فى البيئة على انه اختيار واع من الطبيعة ! الأنسان فى الحقيقة هو من نظر للقتل ووضع له قوانين وتشريعات وليست الطبيعة , فالطبيعة وفرت كل شىء وما كان على الانسان الا استخدام عقله للافادة من الموارد وليس تدمير الطبيعة وقتل غيره من البشر .
أما المسلمون فلو كانوا اليوم فاشيون , فهم حقاً مجموعة من البلهاء الذين تتلاعب بهم الامبريالية لتحقيق مزيد من تراكم الأرباح , هم فاشيون كلاسيكيون مغفلون لأنهم لم يتعلموا من وول ستريت أصول الفاشية الحق التى أشترت بالمناسبة ذمة الجميع .

وليد سامى واصل