قاربت على الانتهاء من قراءة كتاب الأستاذ سيد قطب " معالم فى الطريق " والحقيقة لابد من توضيح السبب الذى دعانى الى ذلك . سابقا تناولنا مسألة الوعى وطبيعة المجتمع الذى نعيش فيه . ليس لأنه مجتمع ذو طبيعة متفردة من منطلق تعالى أخلاقى على بقية الأمم والشعوب , ولكن من منظور الظروف الموضوعية لنشأة مجتمع ما وما يتمايز به عن المجتمعات الأخرى . وبناء عليه فمسألة الوعى هى مسألة محورية , والوعى مرتبط بالمعرفة ,وجميعنا يعرف أزمة الماركسيين العرب الكلاسيكيين منهم تحديداً فى تبنيهم لنموذج أوربا القرن الثامن عشر والتاسع عشر , العمال المنظمين فى مصانع " نظام تجميع الانتاج " أصحاب البدل الزرقاء والذين يشعرون بتضامن ما يتجاوز العرق واللون والدين , ومستوى وعيهم لتعاملهم مع الألة مختلف عن العامل الأجير فى الأرض الزراعية , وبالتالى هم طبقة منظمة وتستطيع أن تكون طليعة الثورة والنضال والتغيير الثورى . وكانت توقعات ماركس صحيحة تماماً وقامت الثورات ليس فقط فى روسيا والصين وبعض الدول المتخلفة تكنولوجيا واقتصاديا ولكن فى ألمانيا ذاتها وتم قمع الثورة وفى انجلترا وغيرها من الدول وكان التناقض بين قوى العمل والرأسمالية هو عنوان تاريخ القرن العشرين كله .
لكن ما حدث هنا مختلف ,لقد تأخر تطورنا الاجتماعى وكنا نحن مركز النظام الخراجى . وأغلق العالم من حولنا بسياج كبير من التصورات المتخلفة , ليس فقط تحت عنوان تبعية اسميه للامبراطورية العثمانية وهى كانت أكبر مركز رجعى فى القرن التاسع عشر والعشرين الى حين زوالها . ولكنها فرضت سياج من حظر مرور التصورات من أوربا الى العالم العربى . ومن هنا نجد أن تاريخ البعثات لأوربا كان متأخراً جداً . وبداية التأثر وحتى التحول الاجتماعى بظهور برجوازية وطنية كان بعد سنة 1871 تقريبا لما صدر قانون المقابلة وبدأت البرجوازية الوطنية تشتبك مع التدخل الاجنبى فى عهد اسماعيل وانتهى بها الحال الى هزيمة الثورة العرابية كما نعرف جميعاً.
فكرة الصحوة الأسلامية والتى تبناها أفندية ايضا مثل مصطفى كامل لم تكن مجرد رد فعل على انهيار الخلافة الاسلامية , ولكن هى كانت بالأساس صدمة كبيرة لوعى جمعى يشعر بتمايز قومى ودينى ولاشك أنه هذا التمايز يحمل قدراً من العنصرية ومن الأنسانية فى ذات الوقت , هذا التمايز هو ما دفع الشعور بعقدة النقص الحضارية الى التفاقم , تورطنا 70 سنة من الاحتلال ولما تحررت أراضينا كانت أوربا قد صنعت القنبلة النووية ونحن تقريبا لم يكن لديناً جيوشاً حديثة بالمعنى الحقيقى فى عالم فيه موازين القوى تحسب بفارق التكنولوجيا والنفوذ الاقتصادى .
مثلا حتى الأن نحن لا نفهم الظاهرة الامبريالية جيداً ونقرنها دائما بالاستعمار الكلاسيكى وبالتالى نتسرع ونخرج بتصورات خاطئة , ومنها تصورات الاستاذ سيد قطب . الذى فى مقدمة كتابه قال أنه نحن لا نستطيع ولاحتى فى الـ 200 سنة القادمة أن نتجاوز الغرب مادياً , ولكن نستطيع أن نقدم للعالم شىء مختلفاً , القيم والأخلاق من خلال المنظومة التى يقدمها الاسلام فقط . وذلك منطق مزايدة طبعا, لأن الرجل فى مجمل طرحه يتكلم من منظور عقائدى بحت حتى فى تناوله لأسباب تراجع الظاهرة الاخلاقية فى أوربا الرأسمالية أو حتى المعسكر الشيوعى أنذاك , لم يتناول طرح اجتماعى بديل , لأنه من منظوره نحن نمتلك منظومة أخلاقية هى الحق المبين بما لا يدع مجالاً للشك , لأنها منزلة من الله وهذا أمر غير قابل للتشكيك أصلا من خلال أطروحته فى معالم للطريق , وهو فى سبيل تنظيره لذلك يتكلم عن الجيل الأول بمنتهى المثالية تجاوزاً حتى لما حدث فعلياً فى الواقع . هذا كان جيلاً قرأنياً كما وصفه , والأمر ببساطة أنهم أتبعوا تعاليم القرأن والرسول بما تحمله تلك التعاليم فى طياتها من أتباع الأوامر وتنفيذها وليس مجرد الدراسة من أجل المتعة العقلية .
هنا حال الازمة . فذلك رد فعل لا أستطيع أن أقول أنه مقبول لكنه موجود , رد فعل على الهجمة الاستعمارية وهذا النوع من رد الفعل يجد مجالاً طالما كان هناك فشل مستمر للمشاريع العلمانية فى قيادة تحول اجتماعى حاسم . ولن يكون ذلك سهلاً بالنسبة للمنطقة بدون تناول كل الموضوعات المعلقة , أو الموضوعات القائمة فعلا .
الدين ظاهرة شديدة التجذر فى المنطقة لا يمكن القفز عليها . ولا يمكن تجاهلها ولم تستطع الحركة الماركسية المصرية تجاوز تلك الورطة . ولهذا فالشارع دائما يتسجيب لأنحطاط على كافة المستويات كما هو حاصل الأن فى اطار نموذج تنمية تابع , أو من ناحية ثانية يستجيب للخطاب الدينى الذى يضيف للانسان طاقة تدفعه للشعور بأنه رغم الكبت والقهر والفقر ممكن أن ينال شيئاُ , وأنه مميز بقيمه وبأخلاقه وأنه أفضل من العالمين . هذة الورطة وعدم الأجابة السليمة على متطلبات الواقع ستعيد انتاج افكار سيد قطب وأبو الاعلى المودودى وستعيد انتاج داعش والنصرة الى ما لا نهاية .
سيد قطب قبل أن يكون أرهابياً أو مجرماً أو أخد عناصر تنظيم الأخوان المسلمين أو شخص مضطرب نفسياً , هو تعبير عن أزمتنا وتناقضاتنا الداخلية , سيد قطب لم يأت بأفكار خرافية , هو جاء بأفكار قد تراود ملايين المصريين والعرب والمسلمين , وذلك لأن الناس مازالت غير مقتنعة بما تقدمه التيارات الأخرى .
هكذا بمنتهى البساطة لابد أن نضع الحقيقة أمام أعيينا . سيد قطب جزء من هذة الحقيقة المره . وتلك مقدمة لمعالم أخرى فى طريق أخر , كان لابد لها أن تمر بمعالم طريق سيد قطب أولاً .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.