قالا : أما قومنا فالرأى أن تدعهم , فان الله لم يقدر لك أن تملك أرضهم, انما أدخرهم وأدخر أرضهم لشىء سيكون فى آخر الزمان نجده عندنا فى هذه الأسفار التى نتلوها عليك. قال وما ذاك؟
قالا : نبى يخرج من هذا الصوب – وأشارا نحو مكة – فيمكر به قومه ويأبون عليه, ويكيدون له, ويخرجونه من الأرض, فيأوى إلى هذا البلد, فيجد النصر والمنع, ويجد العزة والقوة, وينشر دينه فى هذة الأطام فيملأ به الأرض كلها ويخرج به الناس من الظلمات الى النور. وما كان الله ليمكنك من أرض أعدها داراً لنبيه, ومهبطاً لوحيه, ومصدراً لنوره المبين.
هكذا أحال الحبران من يهود بين سيد اليمن وبين يثرب ومكة التى كان سيتوجه اليها بفعل خديعة من قوم أخبروه أن بالبيت الحرام كنوز من ذهب وفضة بينما كانوا يتأمرون عليه ليهلك جيشه اذ يحاول هدم الكعبة ليلقى مصير أبرهة الحبشى.
ما يهمنا هنا أن قصة تبع مع أهل يثرب ومكة لا تبدو غير مألوفة للوعى العربى, ذلك أن مقدم المخلص وصيرورة الأحداث وفق نسق تحدده أقدار أزلية هو ما يوافق هوى العربى فى أشعاره وأحلامه وحتى فى اندفاعه للفداء والتضحيه, كل ذلك يحتاج لغطاء كبير توفره الأسطورة.
ذلك أيضاً ليس بغريب عن الشرق بشكل عام , فالمخلص قورش الكبير, يسوع, صلاح الدين الأيوبى, الظاهر بيبرس, ومهدي منتظر, كلها صور متعددة لنفس الاحتياج إلى الخلاص, كل ذلك تعززه بيئة مليئة بمفردات سحرية سجلت على جدران المعابد القديمة, تشهد أن حجم الأسطورة أكبر من أن يتم تجاهله أو القفز عليه فجأة باستيراد نتاج تطور 500 عام فى بيئة تغلب عليها البرودة وضيق مساحة الأراضى وكثافة السكان والتطلع نحو البحر والمغامرة.
إننا نعيش اليوم فى عالم واحد وتكاد المسافات تتلاشى عبر وسائل الأتصال المتعددة لكن هذا لا يعنى أننا أبناء حضارة واحدة بينما واقع الأمر أن عدة حضارات تعيش فى زمن واحد, لكن درجة التطور مختلفة, مختلفة على المستوى التكنولوجى والاجتماعى والنفسى كذلك , هناك وراء الأفق خلف بحارنا الممتدة بشر أخرون يجمعنا بهم مشترك واحد, وهو علاقة الاستغلال المتضمنة فى الملكية الخاصة, وهذا ما يوحد البشرية فى ظل الرأسمالية لكن بفعل عامل الاستغلال نفسه وحجز تطور مناطق كثيرة من العالم, بالإضافة لسياق تطور الحضارة البشرية؛ فهناك حضارات قديمة لا تزال تحمل تمايزها وعبىء الاحتماء فى ماضيها إلى اليوم, بفعل تأثير غطاء الأسطورة الضخم وبفعل فاعل آخر, وهو الخوف من الوحدة فى عالم يسحق الإنسان كل يوم فى معارك تحديد انتماء وهمية, يسعى البشر إلى البحث عن مكان آمن داخل أى قطيع وتحت أقرب راية لبيئة الإنسان التى نشأ فيها.
لن يطرح الإنسان وقتها كثيراً من الأسئلة لأن مكانه وحالة الأمان وسط القطيع تعفيه من ذلك احتراماً لتقليد المجموع وكمقابل ضمنى للحماية.
اذاً نحن نحتاج الى أسطورة وإلى مخلص, والسؤال هنا, كيف نستفيد من هذا الواقع لأحداث نقلة نوعية تدفع بمجتمعاتنا خطوات الى الأمام ؟
لا أستطيع تحديد معادلة تضمن حل المعضلات العديدة التى نعاني منها لكى تناسب خطاب تقدمى يدفع باتجاه مشروع تنمية مستقلة, لكن على سبيل المثال فالبعد العربي لابد أن يكون مطروحاً, ليس كهوية قومية ممايزة ولكن كشعار حضارى وراية توحد شعوب تتعرض للاستغلال فى مواجهة الإمبريالية .
نحتاج إلى بروباجندا عصرية تستفيد من غطاء الأسطورة وتضيف إلى فكرة المخلص بعد جماعى, كأن يكون البطل شعب بأكمله, هذا سيحتاج إلى مجهود كبير فى البروباجندا والتعليم, وليس صحيحاً أن مهمة البروباجندا يضطلع بها مجموعة من الأشخاص, بل هى مهمة الحزب الثورى كله وخسارة تلك المعركة معناها خسارة الثورة.
ويبقى الحل العملى فى الحسم القاطع مع نموذج التنمية الريعية وانهاء كل اشكال التبعية الاقتصادية والسياسية, وليترك للمجتمع مجال أوسع للتطور الذاتى.
وليد سامى واصل

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.