السبت، 30 يناير 2016

بداية تعثر الثورة الوطنية الكبرى وخيانة البرجوازية المصرية .


تفيد أوراق الثورة العرابية ومحاضر التحقيق مع قادتها أن الريف المصرى شملته حركة فلاحية واسعة للاستيلاء على أراضى الخديوى وأسرته والأجانب والأتراك وكبار الملاك وخاصة الذين خانوا الثورة مثل محمد سلطان باشا وطلعت باشا وعثمان رفقى باشا , وكان الفلاحون يوزعون الأراضى فيما بينهم كما كانوا يستولون على ما فى المخازن وعلى المواشى ويرسلونها لجيش عرابى , بل كان هناك ما يمكن تسميته بأولى عمليات التأميم فى التاريخ المصرى , حيث استولى الفلاحون فى المنيا على مصانع السكر وأعتبروها ملكا لهم , وكذلك استولوا على بعض معامل حليج القطن فى قرية منية سلامة بمديرية البحيرة .
وكانت حركة الفلاحين أنشط ما تكون فى الشرقية والغربية والبحيرة والقليوبية والمنيا وأسيوط وقنا . وكانت تلك مناسبة لكى يصفى الفلاحون حساباتهم مع المرابين الأجانب من أرمن ويهود ويونانيين , كما أرتفعت الطلبات باسقاط ديون الفلاحين وديون الحكومة ..
وفى كثير من هذة الحالات فان الفلاحين كانوا يستخدمون السلاح للاستيلاء على اراضى كبار الملاك ...
( راجع ما كتبه أنجلز عن دور العنف فى التاريخ )
ومن المهم هنا تسجيل هذا التحول الهام فى موقف الفلاحين من الأرض , فالفلاحون الذين كانوا حتى عهد اسماعيل يهربون من الأرض , أصبحوا الأن يقاتلون بالسلاح من أجل امتلاك الأرض .. ( لأن الوطن مش كلام أغانى ولا حضن ولا حب ولكن مصلحة حقيقية لكل مواطن يشعر ان هذا المكان يحقق له اعاشه كريمة ومستقرة ويطمح فى مستقبل أفضل ) ..

وكان عمق المستوى الاجتماعى للثورة لدى القاعدة الفلاحية مقترنا بعمق المحتوى الوطنى والديمقراطى فالفلاحون لم يكونوا يريدون الأرض وحسب , بل كانوا يعتبرون أن الأرض لن تكون مضمونة لهم الا فى وطن مستقل وفى وجود حكومة تمثلهم ..
فاستجابة لطلب عرابى تطوع خمسة الاف من الفلاحين لحمل السلاح وحراسة شواطىء بحيرة المنزلة من نواحى دمياط والمطرية والمنزلة خشية أن ينزل الأنجليز هناك , كما كانت هناك حركة تطوع واسعة من جانب الفلاحين للانضمام للجيش , وبلغ عدد المتطوعين فى مديرية جرجا 2000 فلاح , وفى مديرية المنيا 2600 فلاح ..

انه من المهم هنا تسجيل هذا التحول أيضا , فالفلاحون الذين كانوا الى عهد قريب جدا يهربون من الجندية , ويصيبون أنفسهم بعاهات خطيرة مثل فقأ العين أو بتر الاطراف حتى لا يكونوا صالحين للتجنيد , يسارعون اليوم للانخراط فى الجندية تطوعا عن الوطن ..
كذلك يورد الدكتور على بركات نماذج عديدة من التبرعات التى قدمها بعض صغار الأعيان من العمد والمشايخ وجماهير الفلاحين لجيش عرابى , والتى كانت تصل الدفعة الواحدة منها الى الاف من الأرادب من القمح والفول والعدس وقطعان كاملة من الغنم ومئات من الخيل ورؤوس الماشية وعلف الماشية والاف من الأثواب للجنود ..
وعلى الجانب الأخر فان حركة الفلاحين بينما كانت تطالب بالقضاء نهائيا على سيطرة الأجانب والأتراك , فانها فى ذات الوقت كانت تطالب بقيام حكومة الفلاحين من عمد البلاد وتكون هذة الحكومة لنا نتوظف فيها كيف نشاء والديون التى على الحكومة وعلى الاهالى ترفع جميعا , وأطيان الجفالك نستولى عليها ..

واذا كانت ثورة الفلاحين قد أزعجت كبار الملاك والأعيان فى الريف , فان حركة جماهير المدينة أزعجت المجلس العرفى الممثل للطبقة الوسطى المدينية المشكلة أساسا من التجار وكبار الموظفين .. وكان المجلس العرفى قد شكل من وكلاء الوزارات وبعض كبار الضباط لادارة شئون البلاد بعد انحياز الخديوى توفيق صراحة للأنجليز وقرار الجمعية الوطنية بخلعه .. وحينما وجد عرابى انه قد يحتاج القوات الموجودة فى القاهرة أو قد يضطر للتراجع الى العاصمة والدفاع عنها أرسل للمجلس العرفى فى 16 يوليو 1882 طالبا بتشكيل حرس أهلى من سكان القاهرة ولكن المجلس رفض هذا الطلب فى جلسته بتاريخ 24 يوليو 1882 وقال صراحة فى قراره ( أنه لا يؤتمن للحرس الأهلى فى حراسة العاصمة ) وكان هذا القرار بناء على مذكرتين الأولى من يعقوب سامى وكيل الجهادية " وزارة الدفاع " يقول فيها " انه لا يؤتمن للحرس الأهلى اذا تحولت اليه حراسة العاصمة " والثانية من ابراهيم فوزى مأمور ضبطية مصر " أى حكمدار العاصمة " يقول فيها ( انه يخشى على البلاد منهم اذا سلمت اليهم حراستها ) هكذا !!!!!! , كما يقول الدكتور على بركات , خشيت البرجوازية المصرية أن تترك وجها لوجه دون جماية أمام الجماهير المسلحة ..
وحينما اضطر عرابى الى التراجع الى القاهرة وعقد اجتماعا فى قصر النيل مع الضباط والمدنيين ورجال الدين لم يجد سوى الضعف والرغبة فى استعطاف الخديوى , ولم يجد معه فى رفضه لهذا الاستسلام سوى عبد الله النديم , وأربعين جندى سوارى وألف خفير ليدافع بهم عن القاهرة .. ولهذا كانت هزيمة الثورة فى أولى حلقاتها أمرا محتوما .. وبدأ الاحتلال البريطانى لمصر .

طاهر عبد الحكيم / الشخصية الوطنية المصرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.