الاثنين، 18 يناير 2016

ثـلاث مقالات عن دبـى .



تقديم : هذة المقالات تعرض ارهاصات الأنطباع الأول عن زيارتى الأولى لدولة الأمارات العربية المتحدة , قضيت فيها مدة شهر بين دبى والشارقة, أنقلها بعين الراصد لا الباحث المتخصص لعلها تفتح مجالاً أوسع للبحث واعادة النظر فى النظريات المطروحة بخصوص التركيبة الاجتماعية فى منطقة الخليج وقيمها ودورهـا - الموصوم بالرجعية - فى اطار مشروع وحدوى عربى وباعتبار دولة الأمارات نموذجـاً مصغراً لتلك الوحدة .
المقال الثالث / عن المدينة واليها . 

كتب / وليد سامى واصل .

 سأحاول فى هذا المقال عرض بعض التفاصيل الخاصة بالحياة فى مدينة دبى , ومن ناحية أخرى وضع المدينة قيد التقييم من حيث كونها مدينة ناجحة أم لا , فقد تطورت مدينة دبى تطوراً هائلاً بعد الطفرة البترولية وأصبحت أحدى أهم المدن فى الشرق الأوسط والعالم , ولاشك أن الأرتباط بالاقتصاد الحديث هو ما أعطى هذة الامكانية لتطور مدينة كدبى ليس لها ظهير زراعى أو كتلة سكانية كبيرة , لتنافس المدن الكبرى وتنازعها نفوذها .

قديما كانت المدن تعتمد اعتماداً كلياً على الريف فى توفير احتياجاتها الأساسية بما فيها الحاجات المصنعة يدوياً والتى كان يقوم بها حرفيون يعيشون فى الريف بالأساس وأكتفت المدينة بأن تكون مقراً للحكم أو حصناً متقدماً للدفاع , ومع تطور التبادل السلعى - النقدى وظهور البرجوازية التجارية أستطاعت المدينة أن تلعب دوراً أكبر بل وأن تفرض سطوتها تدريجياً على الريف , فكان التجار يمدون الحرفيون فى الريف بالمواد الخام ثم يستردونها مصنعة لتنقل الى أسواق المدن بعد ذلك , ثم كان التحول النوعى فى العلاقة بين الريف والمدينة عقب الثورة الصناعية حيث استغنت المدن عن اعتمادها الكامل على الريف بما أتاحه الانتاج الصناعى من قدرة للمدينة على توفير أغلب احتياجاتها وكذلك تنوع مجالات الانشطة الأقتصادية داخلها , وهى الفترة التى شهدت هجرات السكان من الريف الى المدن الصناعية ليصبح الريف معتمداً بشكل عام على الخدمات التى تقدمها له المدينة , بل وأن تصبح القيم المدنية الأكثر قبولاً وانتشاراً لأنها ببساطة تمثل نموذجاً ناجحاً .
ومن هنا تحدد للمدينة دورين أساسيين , الأول محلى وهو أن تلبى المدينة حاجات سكانها وتوفر لهم الخدمات الأساسية والثانى اقليمى بمعنى أن تؤدى المدينة دورها تجاه الريف المحيط وتوفر له الخدمات المختلفة , وسوف أعين هذا الدور معياراً للحكم على كفاءة مدينة دبى مع الأخذ فى الاعتبار سياق تطورها التاريخى بالمقارنة بالمدن الكلاسيكية , وكذلك طبيعتها الطوبوغرافية والوضع الجيوسياسى لدولة الأمارات العربية المتحدة بشكل عام .
لاشك أنه وفق معطيات العصر الحالى , فالمدينة التى تتحرك بسرعة هى الأكثر نجاحاً أما المدن البطيئة فهى تسير فقط باتجاه الفشل , وقد حققت دبى طفرة هائلة فى مجال المواصلات والنقل عبر شبكة من الطرق الواسعة والتى سهلت حركة النقل والمواصلات مع ضبط ايقاعها بقوانين صارمة توقع عقوبات مالية كبيرة على كل من يخالف القوانين المرورية , ويكفى للعلم أن غرامة مخالفة اشارة المرور تتجاوز 2500 درهم . وأضافت دبى مشروع مترو دبى لشبكة مواصلاتها الذى بدأ تشغيله فى عام 2009 ليساهم بدوره فى تسهيل الحركة المرورية ونقل ألاف من العمالة يومياً من أماكن العمل الى أماكن اقامتهم عبر المدينة .
لم تكتف دبى بتسهيل خدمة المواصلات لسكانها بل كان توفير خدمة الأمن أهم ما يميز المدينة , فقد تطور أداء شرطة دبى لتصبح من أكثر الأجهزة الأمنية كفاءة فى العالم , يكفى أن تمشى فى شوارع المدينة فى أى وقت من اليوم لتشعر بأمان حقيقى خاصة أن سرعة استجابة عناصر الشرطة لأى بلاغ مذهلة , والأهم من ذلك هو حرصهم على تطبيق القانون وحسن المعاملة فاذا كنت تواجه مشكلة ما فى دبى , كل ما عليك فعله هو الأتصال بالشرطة .
ولتكتمل عوامل نجاح المدينة , استطاعت المدينة توفير مظلة قانونية لتسهيل حياة المواطنين والمقيمين داخلها فدائما يتم تطوير القوانين الخاصة بالاقامة وشروط العمل , وكل ذلك يمكن التعامل معه الكترونياً دون الحاجة للتزاحم عند المقرات الحكومية ولعل أهم ما يميز المدينة فى هذا المجال هو جهاز حماية المستهلك , فبرغم من القوانين والتسهيلات المقدمة للاستثمار الا أن جهاز حماية المستهلك لديه صلاحية اغلاق سلسلة من المطاعم أو المحلات الشهيرة بناء على تحقيق فى شكوى مقدمة من المستهلك بسوء المعاملة أو رفضهم استرجاع أحدى السلع المعيبة .
ويحسب للمدينة أيضا هذا المناخ من التسامح الدينى الذى يضمن حرية العبادة لأصحاب الديانات المختلفة , وكذلك القوانين العلمانية التى تعطى مساحة كبيرة من الحرية لمدينة يعيش فيها أكثر من مائة جنسية مختلفة يمثلون أعراق وأديان وقوميات عديدة , ولا شك أن تأثر تلك الثقافات ببعضها له أثر ايجابى فى التركيز على المشتركات بين البشر وتجاوز تمايزاتهم .
لكن على النقيض من ذلك نجد أن سياسة الدولة بشكل عام لا تهدف الى توطين هذة العمالة وصهر هذة الثقافات لتكون مجتمع كوزموبوليتانى انسانى حقيقى , فالقانون الأماراتى لا يسمح بمنح الجنسية للأجانب ولا أن تتزوج المواطنة الأماراتية من غير اماراتى , بالاضافة لسياسة الأجور نفسها والتى تكرس هذة السياسة حيث تعطى أجور متفاوتة حسب سعر صرف الدرهم فى كل بلد , فيمكن أن يختلف المرتب الخاص بنفس الوظيفة باختلاف الجنسيات , والأفضلية طبعا للجنسيات الأوربية . وهو ما يجعل هذا الأجتماع الأنسانى الحافل غير مكتمل الأركان ,وعلى كل حال فنموذج التنمية نفسه مسئول عن ذلك ولن يتحقق مجتمع انسانى حقيقى فى ظل عمل قيم وقوانين الرأسمالية التى تدفع البشر باتجاه المنافسة والصراع من أجل تعظيم الربح لصالح الطبقة المترفة. ليس هذا فحسب , فانخفاض الأجور لدى أغلب العمالة القادمة من شرق أسيا  - وهم يمثلون أغلب السكان - يدفعهم للسكن فى الشارقة وهو أرخص كثيراً من تكلفة السكن فى دبى , فايجار السرير الواحد فى دبى يتجاوز 1200 درهم وهو ما يزيد أيضا الضغط على خط المترو خاصة فى المحطات القريبة من الشارقة , بالاضافة لأرتفاع تعريفة التاكسى الذى صمم لأغراض سياحية بالاساس .
أما على المستوى الأستراتيجى فتواجه دبى والامارات عامة عدة مشكلات خطيرة , أولها بلا شك هو قرب انتهاء عصر البترول وقد حققت دبى نجاحا كبيراً فى تقليل اعتمادها على البترول وأن يكون 70 % من عوائد الاقتصاد غير بترولية ولكن هذا مرتبط بارتباط اقتصاد المدينة بالاقتصاد العالمى المهدد بالركود دائما تبعاً لأزمة هيكلية يعانى منها النظام الرأسمالى , وبالتالى استعانت دبى بأمارة أبو ظبى لاستكمال المشاريع المعمارية التى توقفت بعد الأزمة المالية فى 2008 والتى بدأت فى القطاع العقارى بالذات ومنها مشروع برج خليفة نفسه والذى كان من المفترض أن يسمى برج دبى وتحول اسمه لبرج خليفة لأن امارة أبو ظبى أكملت تمويل المشروع .
 وتواجه مدن الخليج بشكل عام أزمة كبيرة متعلقة بارتفاع درجات الحرارة والتى ستتجاوز حاجز الخمسين درجة مئوية صيفاً بشكل مستمر مع ظاهرة الاحتباس الحرارى وهو ما قد يشل حركة هذة المدن بشكل كبير , يضاف الى ذلك التغيرات الجيوسياسية فى معادلة الصراع فى المنطقة واحتمالات انحسار السعودية أو حتى تفككها وتراجع القوى الكوكبية الغير اقليمية عن تواجدها العسكرى فى الأقليم " الامبريالية الامريكية ومناطق تمركز الأسطول الخامس " بعد ظهور بدائل لبترول الخليج وسعى الولايات المتحدة للاعتماد على انتاجها من البترول الصخرى , ومع تغير المعادلة السياسية سيتأثر الواقع الاقتصادي للمدينة التى ستحتاج الى قواها الذاتية لكى تتطور لا أن ترتد تاريخياً لتعود لممارسة الصيد واستخراج اللؤلؤ من الخليج , لكن البلد يعانى نقصاً فى السكان وكذلك فى الموارد الغذائية نظراً لعدم وجود ظهير زراعى , يضاف الى ذلك أن أغلب المواطنين يعملون فى قطاعات خدمية غير انتاجية , وأى تنمية لا تشمل الجانب الزراعى والصناعى ستواجه فشلاً مستقبلياً , وبالتالى فأى دولة بلا ظهير زراعى هى دولة بلا مستقبل , وهذا ما يستدعى اعادة النظر فى مشروع الوحدة العربية كهدف استراتيجى لبلدان المنطقة فى اطار تشكل واقع جيوسياسى جديد .


 هوامش / انطباعات شخصية عن المدينة .
الشعور بالغربة / شخصياً لم أشعر بذلك أبداً منذ أول يوم لوصولى هناك وهذا ليس لكونها بلد عربى , بالعكس فالهنود هناك يمثلون أغلبية السكان واللغة الأكثر استخداماً بين مختلف الجنسيات هى الأنجليزية , ولكن أتصور أن لـ خط المترو تحديداً دور فى ذلك - وهذا لأعتبارات شخصية مرتبطة بتحديد نمط معين لكل مدينة يمكن فهم المدينة من خلاله - وهو تحديد نمط واضح للمدينة والسيطرة على تمددها العمرانى بحيث لا يتجاوز التخطيط حتى اذا أنحسرت سلطة الحكومة وفقد سيطرتها على التخطيط العمرانى , والمترو يمثل مرجع للمدينة وهذا يمثل بالنسبة لى شخصياً مدخلاً لفهم المدينة وادراك أبعادها عكس القاهرة الكبرى كنموذج لمدينة غير واضحة الملامح وتتوسع بشكل عشوائى حيث تمثل ضواحيها مدن فندقية وسكنية غير مرتبطة بمشروع تنمية صناعية وليس لديها ظهير زراعى وهى مجرد رقع مدنية كما يصفها الدكتور جمال حمدان فى كتابه جغرافية المدن .

الشعور بالأنبهار / لم أشعر بالانبهار مطلقاً من المبانى الشاهقة ولعل سبب ذلك فى رأى يتمثل فى أن سبب الانبهار فى الغرب مرتبط بسطوة الحضارة الغربية وتميز الرجل الأبيض ونفوذه الثقافى على الحضارة الانسانية , وليس لأهمية المبانى المرتفعة فى حد ذاتها بينما فى الخليج عامة أنت تدرك أن هذة المبانى تم شراء الخبرات التى قامت ببنائها ولم تكن نتيجة تطور ذاتى وخبرات متراكمة , ويعلق أغلب الأصدقاء الذين زاروا المدينة بأنها مدينة بلا روح , فى الحقيقة هى مدينة بلا شخصية وطنية واضحة وحتى هذا الاجتماع الانسانى الرائع لم يسمح له أن يشكل مزيج ثقافى مختلف , لهذا فالمدينة تحتاج الى عديد من السنوات لتطور شخصية مستقلة وهذا لا يمكن أن يحدث بدون اعتماد نموذج تنموى مختلف يعتمد على القوى الذاتية للدولة فى اطار مشروع وحدة عربية . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.