كتب / وليد سامى واصل
تقديم : هذة المقالات تعرض ارهاصات الأنطباع الأول عن زيارتى الأولى لدولة الأمارات العربية المتحدة , قضيت فيها مدة شهر بين دبى والشارقة, أنقلها بعين الراصد لا الباحث المتخصص لعلها تفتح مجالاً أوسع للبحث واعادة النظر فى النظريات المطروحة بخصوص التركيبة الاجتماعية فى منطقة الخليج وقيمها ودورهـا - الموصوم بالرجعية - فى اطار مشروع وحدوى عربى وباعتبار دولة الأمارات نموذجـاً مصغراً لتلك الوحدة .
المقال الأول / مدخل جيوسياسى " قراءة فى محددات السياسة الأماراتية " .
تقع دولة الأمارات فى الجزء الشرقى من شبه الجزيرة العربية, يحدها شمالاً الخليج العربى " الفارسى " وامارة قطر, ومن الجنوب والغرب المملكة السعودية , بينما من الجنوب والشرق سلطنة عمان.
عرفت هذة المنطقة استيطاناً بشرياً منذ الاف السنين والأثار الموجودة عن بقايا المجتمعات البشرية القديمة التى سكنت هذة المنطقة تكشف عن ارتباطها بهجرات من الساحل الهندى بشكل واضح كما الحال فى أغلب الساحل العمانى حيث تكشف الحفريات عن أن أغلب سكان المنطقة القدامى هم أقرب للتركيبة الأثنية لسكان الهند منها الى الجزيرة العربية , وهناك اختلاف واضح فى مقاييس الجماجم بين عرب عمان من جهة وبين مقاييس الجماجم لدى سكان العربية الجنوبية الغربية وتهامة من جهة أخرى "1", يؤيد هذا الاستنتاج ويدعمه واقع جغرافى يجعل من الساحل العمانى منطقة مرور للهجرات البشرية التى كانت الهند موطناً رئيسياً للعديد منها .
الموقع الجغرافى لدولة الأمارات يضعها فى اطار محددات ثلاث لدور أقليمى , فهى اما تقوم بدور الترانزيت كمحطة تجارية وهذا كان نشاط السكان الرئيسى بالاضافة لصيد الأسماك وأستخراج اللؤلؤ من الخليج العربى " الفارسى " , أو تكون مجال حيوى لتمدد أحدى الامبراطوريات أو القوى الاقليمية وخاصة مراكز الثقل فى محيطها الأقليمى بين ايران وعمان والسعودية , أو أن تتحرك بشكل فاعل لتمارس سياسة مستقلة ولو نسبياً , وهو ما قد حدث نوعا ما بعد مشروع الوحدة والتى كانت ستشمل البحرين وقطر لتكون دولة كبيرة فى شرق الجزيرة يوازى دورها دور الامبراطورية العمانية التاريخى .
التاريخ يفسر أكثر الوضع الجيوسياسى لدولة الامارات العربية المتحدة , فـ فى العصر البرونزى تظهر أثار مدن قديمة لعبت دور وسيط تجارى - فى موقع امارة رأس الخيمة الحالية - ونشطت تلك المدن فى التجارة بين الهند وميزوبوتاميا , أما فى عصر الحديد فقد أقام الفينيقيون محطات تجارية تظهر أثارها فى موقع امارة الفجيرة الحالية , ومع تمدد الامبراطورية الأخمينية الفارسية - التى أمتد نفوذها حتى مصر - خضعت منطقة الساحل العمانى والامارات للنفوذ الأخمينى ولم تتخلص منه الا بعد سقوط الدولة الأخمينية على يد الأسكندر المقدونى " قوة كوكبية غير اقليمية " الذى لم تكتمل مشاريعه للسيطرة على شبه الجزيرة العربية لتصبح المنطقة مجال فراغ استراتيجى فى ظل انحسار نفوذ القوة الأساسية الأقليمية المتمثلة فى ايران , وهو سيناريو سيتكرر عبر التاريخ مع صعود الامبراطورية العمانية وأنحسارها وكذلك الدولة السعودية ومراحل صعودها وانحسارها حتى قيام الدولة السعودية الثالثة فى القرن العشرين .
تبدأ منطقة القلب فى شبه الجزيرة العربية - الحجاز ونجد وحدود السعودية الحالية - فى لعب دور استراتيجى مهيمن ومؤثر على موقع الامارات والساحل العمانى مع ظهور الأسلام وتوسع الدولة فى عهد الخلفاء الراشدين , استطاعت دولة المتروبول الاسلامية سحق تمرد فى امارة الفجيرة ضد الحكم الاسلامى فى عهد الخليفة أبو بكر الصديق وهنا يظهر لنا أول صدام مع النفوذ الصاعد لمنطقة القوة الجديدة فى قلب الجزيرة وهو ما سيضعنا فى الصورة أمام الموقف الحالى من تنازع على مناطق النفوذ فى الخليج بين ايران ونفوذها التاريخى فى المنطقة وبين منطقة القوة الصاعدة فى شبه الجزيرة مع ظهور الاسلام ثم مع تأسيس المملكة السعودية فيما بعد ! "2" .
لنفس الاعتبارات الجغرافية التى حددت دور الفينيقيين فى اقامة محطات تجارية على الساحل الاماراتى , كان عهد الخلافة الأموية فترة أزدهار للساحل الاماراتى الذى لعب دور وسيط فى حركة التجارة, بينما أحتفظت القبائل باستقلال ذاتى كبير فى عهد الدولة العباسية التى كان مركزها بغداد وكان مجال تأثيرها محدود فى شرق الجزيرة العربية .
لتبدأ المنطقة تعانى مرة أخرى مع ظهور قوة الاستعمار التجارى البرتغالي " قوة كوكبية غير اقليمية " الذين أقاموا محطاتهم التجارية الخاصة لضمان السيطرة على بحر العرب , حتى تظهر دولة اليعاربة والتى استطاعت التخلص من النفوذ البرتغالى وكان مركزها عمان وأمتد نفوذها فى الخليج العربى وسواحل شرق أفريقيا بل وفى عمق فارس نفسها .
مع بروز الدولة السعودية الأولى للوجود , كانت منطقة الامارات خاضعة للنفوذ السعودى فى مواجهة الحكم العثمانى الى أن قضى ابراهيم باشا على الدولة السعودية الأولى , بينما غرقت الدولة السعودية الثانية فى مستنقع خلافات داخلية قضت عليها الى أن استعادت نفوذها مرة أخرى مع اعلان الدولة الثالثة عام 1902 ثم اعلان تأسيس المملكة السعودية عام 1932 م بما توفر لها من نفوذ وقوة بعد اكتشاف النفط ودوره فى الانتاج الصناعى .
كانت المنطقة تعرف حتى الستينات من القرن العشرين باسم إمارات ساحل عمان أو امارات الساحل المهادن ؛ أما الإنجليز فكانوا يسمونها "ساحل القراصنة" حيث كانت الأمبراطورية البريطانية " قوة كوكبية غير اقليمية " تعتبر المنطقة جزءًا من إمبراطوريتها التجارية، وهو ما ساهم في اندلاع عدد من المعارك البحرية بين الأسطول البريطاني وبين القبائل ، وانتهت العلاقة المتوترة مع بريطانيا بالتوقيع على اتفاقية السلام الدائم عام 1853 لتحقيق السلام البحري وفض النزاعات القبلية واستقلال القبائل في إدارة شؤونها الداخلية، وقد عدلت الهدنة عام 1892 التي منحت بريطانيا شؤون الدفاع والعلاقات الخارجية، مع احترام سيادة مشايخ الإمارات المتصالحة أو إمارات الساحل المتصالح، وقد استمر العمل بهذه الاتفاقية حتى 1971.
فى نوفمبر 1971 - قبل الأتحاد بشهر واحد - تقوم أيران باحتلال الجزر الاماراتية " طنب الصغرى والكبرى وأبو موسى " فى الخليج لضمان السيطرة على الحركة الملاحية فى مضيق هرمز , ويبدأ الصراع يتصاعد مع انتصار الثورة الاسلامية فى ايران لتتحدد ملامح الصراع الاقليمى بين منطقة قلب الجزيرة بما توفر لها بعد اكتشاف البترول من نفوذ وثروة هائلة فى مواجهة النفوذ التاريخى والطبيعى للدولة الايرانية والقوة الأمبريالية الأمريكية التى ورثت دور القوى الكوكبية غير الأقليمية التاريخى بما لها من قواعد عسكرية فى الخليج العربى, وهو أصعب تناقض مـر على هذة الامارات التى لم تتجنب كثير من أثـاره السلبية الا من خلال قوة الأتحاد الذى مكنها من ممارسة سياسة استقلال نسبى يسمح فيها بهامش من المناورة السياسية .
من هنا أستطيع عرض بعض الاستنتاجات التى يمكن من خلالها فهم الخطوط العامة للسياسة الأماراتية الحالية , فمبدئياً يظهر تاريخياً ضعف التأثير القادم من العراق وسوريا ومصر على هذة المنطقة " الساحل العمانى وساحل الخليج " وأكتفت القوى الأقليمية فى هذة الدول باقامة محطات تجارية لها لكن دون القدرة على التأثير المباشر على مستقبل المنطقة وتوجهاتها وهو نفس الحال مع النفوذ العثمانى , ويبقى الدور الأهم لأيران ونفوذها التاريخى وتأثيرها الثقافى والأثنى أيضا باعتبار هذة المنطقة خلاط أعراق , سبقتها الهند فى الهجرات الأولى ثم قامت فارس بدور أكبر فى ظل الدولة العباسية , وهذا الدور نازعه تاريخيا النفوذ العمانى ثم صعود الدولة السعودية فى القرن التاسع عشر لاستعادة دور منطقة القلب فى الجزيرة العربية , بينما يظهر تاريخيا دور هذة القوى الاستعمارية الغير اقليمية بداية من التوسع المقدونى والذى قام بسحق القوة الأقليمية الفارسية وترك هذة المنطقة فى ظل حالة فراغ استراتيجى , وعلى العكس من الامبراطورية التجارية للبرتغاليين التى دخلت اشتباك مباشر مع المدن الساحلية الاماراتية ولم تكن تهتم باحداث توازن فى المنطقة أو أستخدام الصراع الاقليمى لصالحها , فقد قامت بريطانيا بدور مختلف حيث تدخلت فى المنطقة لتحقيق مصالحها فى مواجهة النفوذ الايرانى وأعادت احياء منطقة القلب فى الجزيرة العربية لتقوم بدور الوكيل الاقليمى للمصالح الاستعمارية برعاية أطراف دولية , أنتهت بالنفوذ الأمريكى فى الخليج العربى بعد تدمير الدولة العراقية ومحاولة تعميق حالة الفراغ الاستراتيجى بتدمير حزام الصد الشمالى المقابل لأوربا فى مصر والشام .
وبناء عليه يمكن فهم السياسة الاماراتية المؤيدة للسياسة السعودية فى مواجهة ايران , بينما نلاحظ تناقض ثانوى فى الملفات المتعلقة بفتح مجال للتعاون مع الأخوان واستخدامهم ضد النظام المصرى بعد 30 يونيو , أو حتى انطواء مصر داخل حدودهـا وذلك حجر زاوية فى السياسة السعودية تجاه مصر . والأمارات تدرك وضعها فى هذا الصراع , هى لا تريد أن تكون متطرفة تجاه ايران لكنها لا تستطيع التخلص من النفوذ السعودى الذى يفرض هيمنته اقتصاديا وثقافيا بين دول مجلس التعاون الخليجى , وهى لا تستطيع كذلك استدعاء مصر للخليج - وفق ما تفرضه أولويات الأمن القومى المصرى أيضا - طالما بقيت المملكة السعودية بنفوذها وممارساتها الأمبريالية التى تخدم مصالح الامبريالية الأمريكية , ثم أنها لا تتنكر لأيران تماما بل هناك اعتراف واضح بنفوذ ايران التاريخى والثقافى من خلال الحضارة الفارسية , لكن لا تستطيع أن تعلن معاداة تديين الصراع فى المنطقة تحت ما يسمى بمواجهة المد الشيعى .
من هنا أستطيع أن أقول أن أمام السياسة المصرية مجالين للحركة نتيجتهما واحدة وهى صدام حتمى مع السعودية , فمصر أما أن تنسحب تماماً من الشرق الأوسط وتكف عن حضورات مؤتمرات القمة العربية وتكتفى بتأمين حدودها الشرقية والغربية وتتحرك باتجاه تأمين نفسها فى العمق الأفريقى وهذا اتجاه صدام مع السعودية التى تستثمر فى سدود أفريقيا على النيل للضغط على مصر وابتزازهـا كهدف مرحلى , وللقضاء على وجودها التاريخى كهدف استراتيجى . واما أن تتوغل مصر من كلا الاتجاهين لمحاصرة السعودية وتخليص رقبة الخليج من نفوذهـا وتحرير الشعب العربى من أثار مشروع الدين السياسى " الوهابية التكفيرية " وذلك بالاقتراب من ايران التى ليس من أهدافها تدمير مصر , فالخطأ الاستراتيجى التاريخى الذى حدث بعد الغزو الفارسى لمصر أدى لسقوط فارس نفسها أمام الأسكندر الذى لم يجد حائط صد قوى يوقف تقدمه وتوغله فى المنطقة , وكانت استراتيجية جمال عبد الناصر فى اطار حركة تمدد القومية العربية بمحاصرة السعودية من الجنوب فى اليمن ومن الشرق فى ايران نفسها , وكانت هناك اتصالات بين النظام الناصرى وبين القوى الثورية المعادية لحكم الشاه , لكن تأخرت الثورة الأيرانية وكانت مصر قد خرجت من دائرة الصراع وربما من التاريخ نفسه منذ أربعين عاماً وحتى الأن . لكن يظل لدى مصر فرصة لأن تقوم بدور أقليمى أوسع فى هذا الظرف التاريخى فى اطار مشروع وحدوى عربى وبالتعاون مع دول الخليج نفسها , لكن على مصر قبل أن تقرر ما لمصلحتها أن تحسم توجهها ومحددات أمنها القومى بما يضمن ثورة ثقافية شاملة وتبنى مشروع للتحرر الوطنى والتنمية , قبل أدعاء أفضلية حضارية على مجتمعات الخليج المتهمة بالرجعية والبداوة , بينما قد تكون تلك الادعاءات نفسها اتهامات رجعية .
المقال القادم " اتهامات رجعية " .
1- لطفى عبد الوهاب يحي , العرب فى العصور القديمة " مدخل حضارى فى تاريخ العرب قبل الاسلام ", ص 44 , دار النهضة العربية للطباعة والنشر , بيروت . ص . ب 749 .
2- هناك علامات استفهام على الصعود والاختفاء المفاجىء للدور التاريخى لهذة المنطقة باعتبارها قلب لامبراطورية مترامية الاطراف بينما مواردها البشرية والمادية لا تؤهلها للقيام بهذا الدور , حيث انتقل مركز السلطة الى عواصم الحضارات القديمة ولم تستعيد تلك المنطقة نفوذها الا برعاية قوى الاستعمار الحديث مع تأسيس المملكة السعودية , وبرغم ذلك لم يتماسك هذا المشروع الا بعد اكتشاف البترول وتعهد الولايات المتحدة بحماية العرش السعودى .



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.