الأحد، 1 مارس 2015

تحقيق إستقصائى عن سيناء الغائبة





تحقيق: ياسمين الجيوشي - تصوير أحمد العطيفى / ديسمبر 2012

* التحرير تقضى 6 أيام على الحدود مع إسرائيل
* الدولة غائبة فى سيناء إلا فى العريش والمدن السياحية.. وما عدا ذلك خارج السيطرة
* لا حياة فى قرى الحدود ولا وجود للأمن.. وفريق «التحرير» تعرض للخطر عند جبل الحلال
* الشيخ حسن خلف: القوات المسلحة تستطيع أن تضبط الأمن السيناوى خلال يومين.. ومرسى لا يريد

«آدى السلام ولا بلاشى.. سينا اللى مدفع مافيهاشى.. بالأمر جيش مايروحهاشى.. حطولها قفل ورزّة وباب» كلمات للشاعر أحمد فؤاد نجم، كانت حاضرة فى ذهنى طيلة ستة أيام قضيتها على حدود مصر الشرقية، لمعايشة أبناء الشريط الحدودى فى المنطقة «ج» معاناتهم، منزوعة السلاح بموجب معاهدة السلام، لكنى فوجئت أنها قرُبت من أن تكون منزوعة البشر أيضا، وخلُصت إلى أنه لو ترك الأمر بهذا الشكل، فعلينا أن نقرأ الفاتحة على سيناء، إن لم يكن الأجدى بنا أن نقرأها منذ زمن.
سرنا على الحدود من أقصاها إلى أقصاها، وعند أبعد نقطة عن الحدود ترجَّلنا فيها خمسة كيلومترات، حيث الخريزة وأقرب نقطة كانت العزازمة التى تبعد عن الحدود 1 كم تقريبا.
كانت النتيجة التى توصلنا إليها واحدة، وهى أن هناك نصا خفيا بمعاهدة السلام، ينص على ترك سيناء وبالأخص حدودها بلا تنمية، وتركها لأياد تعبث بأمنها وبأمن وطن بأكمله، فلا تنمية هنا ولا أمان، لا جيش ولا شرطة، فقط لا ترى سوى الرعب والفقر والحاجة، ولا يوجد دولة على سيناء إلا فى مدينة العريش فقط، أما عدا ذلك فهو خارج السيطرة الأمنية، بل خارج سيطرة كل شىء تقريبا.
الرحلة التى استغرقت من فريق التحرير 6 أيام، كان مرافقنا فيها شاب بدوى اسمه مصطفى الترابين، كان هو المرشد والدليل لنا من شمال سيناء حتى جنوبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اليوم الأول:تهريب 800 ألف لتر وقود يوميًّا بعلم الحكومة
هنا قرى رفح: مدارس بلا مدرسين ومستشفيات لا تعرف الأطباء
اتجهنا إلى شمال سيناء، حيث قرية المهدية بمدينة رفح، وتبعد عن الحدود الإسرائيلية 2كم، بيوت متناثرة -يبدو أنها شيدت حديثا- وسط صحراء عظيمة الاتساع، تلك القرية من أكثر المناطق التى كان لديها مشكلات مع الأجهزة الأمنية، وما زالت.
«سيناء تعانى من مشكلات التنمية، حيث البطالة منتشرة والمدارس بلا مدرسين، والمستشفيات بلا أطباء، وبشر بلا عقول يديرون المنطقة»، هكذا قال إبراهيم المنيعى أحد مشايخ القرية، مستكملا «المشكلة الكبرى هنا تهريب الوقود، فرفح بها 11 مضخة على مسافة 1كم يتم تهريب 800 ألف لتر وقود منها فى اليوم، يكلف الدولة خسائر 6 ملايين جنيه يوميا، فهل الحكومة لا تستطيع السيطرة على هذه المسافة؟ وإن كانت الأجهزة الأمنية لا تعلم هذا فتلك مصيبة، وإن كانت تعلم وتسكت، فالمصيبة أعظم».
كان يجلس بجوار الشيخ شاب فى عقده الثانى، يدعى سامى المنيعى خريج كلية التربية جامعة الأزهر، سألته إن كان تقدم للعمل كمدرس فى إحدى مدارس رفح، فأجاب «تقدمت للعمل فى الإدارة التعليمية بمدينتى الشيخ زويد أو رفح، لكن طلبى كان يرفض دوما، رغم خلوّ المدارس من المدرسين، وأبناء الوادى ومدينة العريش، يأتون من بلدانهم ليأخذوا الوظيفة فى الإدارة التعليمية فى مدينتى رفح والشيخ زويد ويقدمون عقد إيجار أنهم مقيمون هنا ثم يعودون إلى بلدانهم ويستمرون فى تقاضى المرتبات». خرجنا من المهدية وتوجهنا إلى قرية العجرة جنوب رفح، ونزلنا فى تجمع الأنصار الذى يبعد عن الحدود 2 كم، وتقوم القرى فى هذا المحيط على زراعة البطيخ فى ظل وجود المطر، لكن عندما يتوقف، تعود الأرض إلى سيرتها الأولى صحراء جرداء، إضافة إلى قيام الأهالى برعى الأغنام عندما يتوفر العشب.
كنا رصدنا فى طريقنا حاويات وقود ضخمة، فهذه المنطقة حسب قول الأهالى، أكبر مناطق تهريب الوقود، وعندما سألنا مصطفى عن ماهيتها قال «تلك الحاويات تتجه إلى الأنفاق لتهريب الوقود إلى غزة، ويتم تهريبه أيضا إلى إسرائيل». وصلنا إلى القرية التى تنتشر فيها العشش، وسط كثبان رملية كثيفة، كان بعض الأطفال يلعبون بكرة صنعوها من الخوص، عندما رأونا، ركضوا مسرعين إلى منازلهم المصنوعة من نفس ما صنعت منه الكرة، وخرج إلينا شيخ كبير اسمه سليمان سليم، استضافنا فى مضيفته المصنوعة من الخوص أيضا.
كانت بداية حديث الشيخ صادمة حيث قال «الموساد يعمل هنا على قدم وساق، والدليل على صحة حديثى، عندما أتت شركة رجوة المصرية والمتخصصة فى حفر آبار المياه، أعطاهم الموساد رشوة ليقولوا إنه لا توجد مياه فى تلك المنطقة، وقاموا بحفر خمس آبار كلفت الدولة ملايين الجنيهات، وقالت لنا الشركة فى النهاية لا توجد مياه».
وأوضح الشيخ أن الأهالى قاموا بحفر بئر كلفتهم 10 آلاف جنيه، قائلا «لو خرجت مياه فى تلك المناطق ستعمر بالناس، وهذا ما لا تريده إسرائيل، بسبب التصاق تلك القرى بالحدود، كما أن الحكومة ترفض منح تراخيص البناء، لنفس السبب».
أما سليمان الديب فأشار إلى غياب الأمن فى تلك المنطقة، وانتشار عصابات تهريب البشر، وأن الأهالى عثروا على جثة أحد الأفارقة قبل شهر تقريبا فى هذا المكان.
ترجلت بعد ذلك نحو عشة متواضعة جدا تقطنها امرأة بدوية، استأذنتها للدخول فوافقت، وجلست مع منى عيادة، التى قالت «زوجى كان يعمل سائقا لكنه الآن لا يجد ما يعمله، ونمتلك حلال (أى أغنام)، لكن الآن لا يوجد عشب للرعى وأحيانا نسافر بها إلى الإسماعيلية»، وأخبرتنا أنها لا تمتلك بطاقة، لكن ابنتها الصغيرة لديها شهادة ميلاد.
ما زلنا فى رفح واتجهنا صوب نجع شبانة البعيد عن الحدود 4 كم، وتقابلنا مع الشيخ عبد الهادى عتيق «قاضى عرفى من قبيلة السواركة» الذى قال «نحن نعانى من كل المشكلات التى يعانى منها المصريون لكن بشكل أكبر، كما أن لدى بدو سيناء أزمة معنوية فى هويتهم، فكثير منهم لا يشعرون بالانتماء للدولة، فالبدوى يستثنى من أى منصب رفيع فى الدولة، إضافة إلى حرمانه من الالتحاق بالكليات العسكرية أو الشرطة».
وأشار كذلك إلى حرمان البدوى من تملك الأرض، قائلا «كى أشترى أرضا من الدولة يجب أن أثبت أننى مصرى وأقدم حجة أرض من 200 عام، فى حين أن ابن الوادى يستطيع تملك الأراضى فى سيناء ببطاقة الرقم القومى ليس أكثر، لذلك فالأراضى هنا فى سيناء وضع يد، وتكون عقود البيع والشراء بين البدو، عرفية».
توجهنا بعد ذلك إلى قرية الجورة بمدينة الشيخ زويد والبعيدة عن الحدود 4 كم، وأجرينا مقابلة مع الشيخ حسن خلف «كبير مجاهدى سيناء فى حرب أكتوبر» الذى تحدث عن الوضع الأمنى فى سيناء قائلا «غياب الدولة أدى إلى انتشار التكفيريين والجهاديين فى سيناء، وأنا على يقين أن القوات المسلحة تستطيع أن تضبط الأمن خلال 48 ساعة، ومرسى يريد أن يظل الوضع فى سيناء على ما هو عليه». انتهينا من اليوم الأول وكنا نحضر للتحرك فى اليوم التالى إلى الوسط حيث القرى الأكثر فقرا ورعبا، ولم نكن نعلم ما يخبئه لنا القدر.
.....................................................................
اليوم الثانى:معظم أهالى «عيد القديرات» بلا بطاقة
كلمة السر للمرور من كمين المسلحين.. السواركة
تحركنا إلى وسط سيناء، وكنا نمزح مع مرافقنا مصطفى، لكن الابتسامة اختفت وتبدل المرح بالخوف عندما دخلنا مفترق طرق عند جبل الحلال، حيث استوقفتنا سيارة دفع رباعى وترجَّل منها ثلاثة ملثمون، كل منهم يحمل سلاحا آليا وأحدهم كان يحمل قنبلة يدوية.. تملكنا الرعب، واعتقدت أن هذه النهاية، وسأل الملثمون مصطفى «إنت من قبيلة إيه؟» فأجاب «السواركة»، فنظر لنا الملثمون نظرات مريبة وسمحوا لنا بالمرور، سألت مصطفى «لماذا لم تخبرهم أنك من الترابين»، فقال «لأن هؤلاء من التياهة ولو قلت لهم إننى تربانى لقتلونى بسبب ثأر معنا، ولو كنت حاولت الهرب بالسيارة لكانوا ألقوا علينا القنبلة».
كنت قبلها قد حددت وجهتى إلى قرية «عين القديرات» التى بها أقدم وأهم عيون المياه فى سيناء، وبالفعل وصلنا القرية، عبر طرق متهالكة، ومررنا على مدينة القسيمة التى كانت قرية وتم تحويلها إلى مدينة عام 2007.
دخل المضيفة بعد دقائق معدودة، رجل عجوز فى عقده السابع، يتكئ على عصا متهالكة، هو الشيخ سليمان سالم من مشايخ القرية، جلس بجوارنا مرحبا، وبدأ حديثه عن المجندين الذين يتم استهدافهم منذ فترة فى سيناء قائلا «ماذا فعل العساكر كى يُقتلوا، هم لم ينهبوا ولم يسرقوا، هم هنا ليحمونا، وباعتقادى أن الذين يقتلون الجنود عصابات متشددة مسلطة لزعزعة أمن مصر».
مشكلات الخدمات والتنمية ليست وحدها التى تواجه تلك القرية الفقيرة، فعدد كبير من سكانها لا يحملون بطاقات الرقم القومى، وأوضح محمد سليمان أحد سكان القرية ذلك، قائلا «بعد النكسة، قام الاحتلال بعمل شهادات توثيق لنا، وعندما ذهب الاحتلال عام 1982 تنفيذا لمعاهدة السلام، أمرتنا الحكومة باستبدال شهادات مصرية بشهادات الاحتلال، وكنا نقوم بعمل إسقاط قيد، لتحرير شهادة ميلاد مصرية، ولو وجد موظفو السجل المدنى تشابها أسماء بين عوائلنا وعائلات فلسطينية يقولون لنا «أنتم فلسطينيون»، مثلا أنا اسمى محمد العرجانى، وهناك عائلة العرجانى بفلسطين، قالوا لى أنت فلسطينى بسبب تشابه الاسم واستلمت بطاقة الرقم القومى فى 2007، بعدما أثبتُ لهم مصريتى، لكن هناك كثير من عائلتى دون شهادات ميلاد وبطاقات رقم قومى».
مصريون فى سجن بئر سبع: مصر تعاملنا كأننا كلاب
«ألو، كيفك يا خوى، كيف السجن معك؟» قالها فايز سليمان لأخيه سليم المعتقل فى سجن «بئر سبع» بالنقب الإسرائيلية، اقتربت من فايز وسألته «هل تتحدث مع أخيك المعتقل» فأومأ برأسه وقال نعم.
طلبت منه أن يعطينى الهاتف بعد استئذان أخيه، وبالفعل لحظات وكان الهاتف فى يدى أتحدث مع أسير مصرى فى سجون الاحتلال الإسرائيلى، والتهمة «اختراق الحدود الإسرائيلية وتجارة الهيروين».
يقول سليم سليمان «كنت أقوم بتهريب كراتين معسل إلى إسرائيل، لكن الشرطة الإسرائيلية بعد القبض علىّ حولتها إلى كرتونة هيروين وحُكم علىّ بالسجن 6 سنوات، وهاتفت السفير المصرى، فرد (عايزنى أعملك إيه يعنى)».
.....................................................................
اليوم الثالث:وادى عمرو..القرية التى اخترقها الموساد
توجهنا إلى جبل الحلال، أكثر مناطق سيناء خطورة حيث يلجأ إليه الخارجون عن القانون نظرا إلى جغرافيته الوعرة، وكثرة كهوفه، ويمتلئ بمغارات لا يعرفها إلا البدو، ويصعب على الأجهزة الأمنية اقتحامه.
وصلنا إلى «وادى العمرو» فى جبل الحلال ويبعد عن الحدود الإسرائيلية 3 كم، وتقابلنا مع سليم سليمان التيهى، سائق، يقول «ابن الوادى مفضل عن أبناء سيناء، نتعامل معاملة رديئة تحت الصفر 200 درجة، أنا كل اللى باطلبه من الحكومة إنها تعاملنا كآدميين، إحنا شوفنا الويل بعد النكسة».
خرجنا من وادى العمرو واتجهنا نحو قرية اسمها «الخريزة» تبعد عن الحدود 5 كم، وهى القرية التى قتل فيها إبراهيم عويضة، القيادى بجماعة أنصار بيت المقدس، أغسطس الماضى على يد الموساد الإسرائيلى، كما يقول الأهالى.
التقينا بعبد الله مزاح من قبيلة التياهة، نفس القبيلة التى كان ينتمى إليها عويضة، وحسب قوله فإن الخريزة مخترقة من جانب الموساد، وأن استهداف الموساد لعويضة كان بمساعدة عدد من أبناء المنطقة الذين ثبت تعاملهم مع العدو، وتم ذبح أحدهم.
وعن مشكلات القرية قال مزاح «لا توجد هنا كهرباء والمولدات معطلة دوما، كما أن الماء هنا لا يصلح للشرب ولا حتى لغسيل الجسد، كما أخبرنا الأطباء، وهناك ماكينة تحلية فى القسيمة لكنها تعطلت والناس تشترى خمسة براميل مياه بـ50 جنيها من محطة تحلية مياه تابعة للشركة القابضة».
وأضاف مزاح «الناس هنا تعمل إما فى الرعى وإما فى جمع الحطب وهناك من يزرع الزيتون، وإن توقف المطر الناس ماتلاقيش تاكل».
خرجنا من بيت مزاح، واتجهنا صوب السيارة التى نستقلها، لكن استوقفنى عدد من أطفال القرية يلعبون رغم برودة الجو، استوقفنا طفل يدعى عمار عمره 8 سنوات، سألته «إنت ليه مش فى المدرسة» فرد قائلا «المدرسة بعيدة عن البيت كيف أروحها يعنى، والمدرسين بييجوا البيت يدرسولى»، سألته «نفسك تطلع إيه» فرد قائلا «مدرس عشان أعلم الناس هنا».
انتهينا من يوم جبل الحلال، وكنا نعد العدة للتوجه إلى قبيلة العزازمة وسط سيناء فى اليوم التالى، حيث حدثنا أحد أهالى سيناء عن قبيلة تدعى العزازمة، وأخبرنا أن تلك القبيلة أوضاعها مأساوية للغاية، وأهلها لا يحملون جنسية مصرية ويعرفون بـ«البدون».
.....................................................................
اليوم الرابع:الوصول إلى القرية عبر مدقات وعرة.. وأهالى القبيلة لا يحملون الجنسية المصرية
ناس العزازمة.. «بُدُون» مصر
ها نحن فى يومنا الرابع نتحرك صوب «الحسنة» بوسط سيناء حيث قبيلة العزازمة، كان اليوم فى بدايته طويلا، وبدا لى أنه مجهول البدء والمنتهى.
كمين المحاجر كان أول كمين أمنى نمر عليه فى طريقنا، ثم كمين «الحفن»، وهو كمين من قوات حرس الحدود، قاموا بتفتيش السيارة وأمرونا بإبراز بطاقات الهوية، فهذا الطريق المؤدى إلى وسط وجنوب سيناء، لا يمر منه سوى المصريين فقط.
فى الطريق إلى العزازمة كان الجو ينذر بتقلبات جوية غير مطمئنة، كما أن عواصف رملية عاقت الرؤية تقريبا طوال الطريق، وكنا نسير على سرعة مخفضة «من باب الاحتياط»، ولم نرَ أى سيارة شرطة أو مدرعة جيش طوال هذا الطريق الطويل والمخيف، غياب أمنى واضح سببه الملحق الأمنى فى معاهدة السلام، وما زاد من القلق والحيرة أن هذا الطريق شبه الخاوى يتم من خلاله تهريب الأفارقة والسلاح والمخدرات.
العزازمة هم «بدون» مصر حيث لا هوية لهم، وهى قبيلة تسكن وسط سيناء لا يحمل أهلها بطاقات هوية مصرية أو غير مصرية، ويحملون بطاقات مكتوب فى خانة الجنسية «غير معين الجنسية» ويُعرفون اصطلاحا بـ«البدون»، وهى فى الأصل قبيلة منتشرة بين صحراء النقب فى فلسطين المحتلة «إسرائيل» وسيناء، والموجودون فى النقب يتم تجنيدهم فى الجيش الإسرائيلى.
يقول خالد عرفات أمين عام حزب الكرامة الناصرى بشمال سيناء «العزازمة هم ضحية سايكس بيكو بسبب تقسيم الأراضى، وكانت لهم أراض فى سيناء انتزعتها منهم القبائل البدوية الأخرى»، مضيفا «الحدود فى تلك المنطقة تعمدت مصر وإسرائيل تركها مفتوحة وهى المنطقة التى تم اختراقها من الموساد الإسرائيلى واستهداف إبراهيم عويضة، قبل شهرين فى وسط سيناء».
أخيرا وصلنا إلى قبيلة العزازمة، عبر مدقات وعرة، الحياة هنا تكاد تكون قاتلة، خيم وبيوت تتوسط عدد من جبال وسط سيناء متوسطة الارتفاع، ورجال ونساء يختبئون فى البيوت من قلة ذات اليد وقسوة الحياة.
تقابلنا مع الشيخ سالم عودة شيخ القبيلة، الذى كان جالسا بالقرب من مضيفته الخاصة، حيث استقبلنا بها، وجلس يحدثنا عن مأساة قبيلته «لا يوجد لدينا أى خدمات لا كهرباء ولا صحة ولا تعليم، وكتبت هذا فى خطابات وقدمتها إلى المحافظة مرارا وتكرارا، ولا من مجيب، والمشكلة الأولى لنا هى الجنسية، نحن نريد أن تعترف الدولة بنا كمصريين، ونمتلك بطاقات مكتوبا عليها (تذكرة مرور) حيث لا يحق لنا السفر إلى أى بلد وإذا اتجهنا نحو العريش نعانى الأمرّين وأنا رجل كبير السن «مش حمل بهدلة»، مشيرا إلى قيامهم برفع قضية على الدولة لمنحهم الجنسية، والبت فيها خلال يناير الجارى.
ويضيف الشيخ سالم «نقوم بتجديد الإقامة كل سنة بـ100 جنيه للفرد، وأنا لدىّ أسرة كبيرة فوق العشرين فردا، كى أقوم بتجديد إقامتهم فأنا أحتاج إلى ما يزيد على ألفى جنيه سنويا، كما أنه لا يحق لنا تملك أى شىء، والسيارات التى تريها هنا ملك أقارب لنا على الورق صوريا لكنها فى الحقيقة ملك لنا وهى مصدر رزقنا».
يصمت الشيخ سالم قليلا ويضيف «أبى كان يعمل مع المخابرات المصرية وقت الحرب، كما عملتُ مع المخابرات وعمرى لم يتجاوز 15 عاما، ونحن لسنا خونة، بل مصريون، وهذه الأرض أرضنا ولن نتخلى عنها أبدا، فنحن لا نعرف لنا وطنا بديلا».
اتجهنا من بيت الشيخ سالم نحو هضبة مرتفعة قليلا، عليها مبنى صغير، سألنا أحد المارة عنه، فأخبرنا أنها وحدة صحية لكن الأطباء والممرضات هجروها، وتم تحويلها إلى مدرسة ابتدائى ليتلقى أبناء القرية تعليمهم، ومع ذلك لا تعمل أغلب الوقت نظرا إلى غياب المدرسين، وتقابلنا مع الطفل عيد سويلم عند المدرسة كان يلعب مع أخته الصغيرة سألناه لماذا يتغيب عن المدرسة، فقال «مسكرين المدرسة، فيش مدرسين».
مرحبا بك فى إسرائيل، ذلك هو نص الرسالة التى استقبلتها أجهزتنا المحمولة ونحن نتجول على الشريط الحدودى، أرسلتها شبكة «أورانج» الإسرائيلية، التى تعمل بكفاءة عالية بطول الحدود، أما شبكات المحمول المصرية، فلا أثر لها هنا.
الأمر كان مؤلما، فالشبكة الإسرائيلية فى أكثر منطقة حساسة بمصر، تعمل بكفاءة، أما الشبكات المصرية فلا حول لها ولا قوة، نظرا إلى أن شركات الاتصالات المصرية لا تدعم المناطق الحدودية بشبكات تقوية، «وإن كانت الدولة تخاف من صنع جواسيس لصالح إسرائيل، فهذا الأمر -وإن بدا أننا نضخمه لبعض المسؤولين- كفيل بصنع جواسيس»، كما قال لنا عبد الله مزاح من قرية الخريزة.
ويضيف مزاح «الموساد يعمل على تقوية شبكة المحمول الإسرائيلية هنا فى حين أن الحكومة المصرية تتجاهل تقوية الشبكات المصرية، والموساد يقوم بالتنصت على مكالمات الهاتف، وكثير من ضعاف النفوس يتم تشغيلهم لحساب الموساد بهذه الطريقة»، مشيرا إلى أن الذين ساعدوا الموساد فى اغتيال عويضة أغسطس الماضى من أبناء المناطق الحدودية وأحدهم اعترف أنه تم تجنيده عبر الهاتف، وقامت جماعة أنصار السنة بذبحه.
أما إبراهيم المنيعى من المهدية برفح، قال «الشبكة الأولى فى شمال سيناء هى شبكة أورانج، سواء فى اتصالات الهاتف أو الإنترنت، والحكومة لم تهتم بطلب الأهالى بتقوية شبكات الاتصالات المصرية على الحدود، حتى شبكات الإنترنت الأرضية لا تعمل هنا».
فى أثناء عودتنا إلى الفندق قال لى مصطفى «هذا بيكفى»، فأجبته «أريد مواصلة الرحلة إلى الجنوب».
.....................................................................
اليوم الخامس:الكهرباء تمر عبر القرية للأردن دون أن تنير منازلها.. والمسجد الوحيد بلا خطيب
الكونتيلا.. مسرح تدريب الطائرات الإسرائيلية
قررنا الاتجاه نحو الجنوب، ووصلنا إلى قرية «الكونتيلا» الفاصلة بين شمال وجنوب سيناء، تبعد عن الحدود 2 كم، ويصل عدد سكانها إلى ألفى نسمة، ويوجد بالقرية مسجد يتبع وزارة الأوقاف التى عينت شيخا فيه لكنه لا يأتى حتى فى صلاة الجمعة، حسب الأهالى.
تقابلنا مع صباح سليمان، من مشايخ القرية، جلست بجواره، حيث كان جالسا مع بعض الرجال وسألته عن مشكلات القرية فقال «لدينا آبار لم تصل إليها الكهرباء لذلك فهى دوما معطلة، ومنطقة الحدود تعانى من الجفاف بسبب قلة المياه، لذلك فمزارع الزيتون دوما تجف ويحترق المحصول، ورغم وجود آبار لكن الحكومة لا تكلف خاطرها وتمدها بالكهرباء لرفع المياه». مضيفا «شركة أوراسكوم لديها مولدات عملاقة تبعد عن هنا مسافة 200 كم تخص الشركة فى منطقة النقب، ورغم أن الكونتيلا غنية بالمياه الحلوة والمالحة فإن الحكومة لم تضع مولدا كهربائيا هنا لرفع مياه الآبار».
وحسب ما قاله الأهالى فإن طائرات إسرائيلية تقوم باختراق المجال الجوى المصرى للتدريب، حيث تقوم بالطيران على ارتفاع منخفض مما أدى إلى تصدع المبانى.
«الإعدادية» هى آخر ما يتلقاه المرء هنا من تعليم، حسب ما قاله الأهالى، وذلك بسبب بعد المسافة بين القرية وأقرب مركز به مدارس صناعية وتجارية وعام، يقول سليمان عيد «آخر تعليم نتلقاه هو الإعدادية فأقرب مدرسة ثانوية من القرية هى مدرسة القسيمة وتبعد عن هنا 100 كم تقريبا».
وقال خليل سالم «نحن نزرع الزيتون ونرعى الأغنام ونربى الجمال ونقوم بذبح الحلال وبيعه، لكن عندما يتوقف المطر تجف مزارع الزيتون، ونتوقف عن العمل، ونشترى المياه من القسيمة أو العريش بالشىء الفلانى، ونقوم بحفر خزانات فى الأرض لنجمع فيها المياه، والحكومة كانت قد أنشأت خزانات على مسافة ألف متر دمرها السيل وطالبناها بتصليحها لكنها لم تفعل».
انتهينا من «الكونتيلا» وقررنا مواصلة الرحلة نحو الجنوب، وكان الطريق خاويا من كل شىء عدا الجبال القاسية، وفى أثناء الرحلة شاهدت أعمدة ضغط كهرباء عظيمة الحجم تشق الجبال، قلت لمصطفى «فيه ضغط عالى هنا، أمال مفيش كهرباء إزاى»، فرد قائلا «لأن دى اللى بتتصدر للأردن».
وصلنا إلى النقب المصرية، ودلفنا إلى طريق يتوسط جبال الجنوب العاتية، وكلما اتجهنا شمالا، أشعر بالبحر أكثر فأكثر، إلى أن وصلنا «طابا»، حيث أوقفنا ضباط الداخلية الموجودون فى كمين مدخل المدينة وسألونا «انتوا مين ورايحين فين» أخبرناه بأننا صحفيون نقوم بعمل تحقيق صحفى حول «السياحة»، سمح لنا الضابط بالمرور، فالإجراءات الأمنية كما قال لنا أبو قطة مشددة ليس لشىء إلا لأن طابا منطقة سياحية هامة.
بعد طريق طويل وساعات سفر منهكة، وصلنا إلى نويبع وبالأخص منطقة الترابين أو قرية الصيادين، التى تقع على خليج العقبة.
وصلنا فى وقت متأخر حيث بدأت الشمس تميل نحو مغيبها، وترجَّلنا على أقدامنا حتى وصلنا إلى عشة خوص كبيرة تقع على شاطئ البحر مباشرة، كان المنظر أبدع مما تخيلت، وبدأت الأنوار تشتعل فى نويبع والجانب الآخر من البحر، كنت أتطلع إلى المنظر بانبهار، ولاحظ ذلك أحد الموجودين الذى تقدم نحوى وأشار بيده إلى المناطق المقابلة من البحر قائلا «دى السعودية ودى العقبة الأردنية ودى أم الرشراش (إيلات) ودى طابا».
داخل العشة الخوص بدأ الرجال حديثهم، وبدأ الحديث محمد الأحمر «لدينا هنا مشكلات كبيرة كباقى الشريط الحدودى، والمشكلات تأتى من مصر إلينا، وبدو سيناء هم الشماعة الذين تُعلق عليهم أخطاء شعب بأكمله»، استوقفته وسألته «كيف؟»، فرد قائلا «من يقوم بالعمليات الإرهابية من أهل الوادى وهناك تصفية حسابات وصراعات بين النظامين السابق والحالى، والمقصود تصدير سيناء منطقة صراع، والانتماء للدولة يأتى عندما يحصل المواطن على حقوقه، ولو بدو سيناء خونة لباعوا سيناء لليهود منذ زمن»، وطالب «أن تولى الدولة اهتماماتها بالمنطقة (ج) من شبكات اتصالات وطرق وتدعيم مولدات الكهرباء والتوطين الكلى للمنطقة، فهى حائط الصد الأول للاحتلال».
وطوال الوقت كان سليم سلمان صاحب المضيفة يتحدث بلهجة حادة، تنم عن حقد دفين تجاه الحكومة، وعرفت أنه هارب من حكم بالسجن 86 عاما بتهمتى مقاومة السلطات وتجارة المخدرات، واتفق مع الأحمر فى رأيه أن المشكلات كلها تأتى من مصر قائلا «الحكومة أفسدت أخلاق البادية وجعلت البدو جواسيس على بعضهم لصالح الداخلية وجعلوا سيناء منطقة صراع على السلطة، ولا يوجد بيننا وبين الدولة أى ثقة، فهى تعتبرنا يهودا درجة ثانية ونحن فى حكم القانون مخالفون بسبب تلفيق القضايا لنا».
وفى أثناء الحديث، دخل علينا شاب فى أواخر عقده الثانى، رحب الجميع به، وقال له سليم سليمان «احكى عن اللى شوفته لما كنت بتخلص ورق التجنيد»، فقال سليم عودة «عندما ذهبت لأنهى ورق المعافاة من الجيش قال لى جنرال فى الإسماعيلية: بتوع سينا يقفوا على جنب، حرام تدخلوا الجيش، انتو يهود سينا».
اقتربت الساعة من العاشرة مساء وقررنا المبيت فى منطقة تفصل بين نويبع وطابا، لأن مضيفينا نصحونا بعدم التحرك فى هذا التوقيت لأن الطرق غير آمنة، وبالفعل قضينا هذه الليلة فى معسكر يقع على البحر مباشرة ويحتضنه جبل كبير، وكانت أنوار أم الرشراش «إيلات» تجلب على النفس شيئا من الحزن والحسرة.
.....................................................................
اليوم السادس:أهالى النجمات: نعمل خفراء على أرضنا التى انتزعها رجل أعمال
فى الصباح توجهنا صوب قرية النجمات، البعيدة عن طابا 1 كم، وتقع فى حضن جبل ضخم، ويفصلها عن البحر قرية سياحية، تفصلها عن الرفاهية والحياة أيضا.
كانت ألوان بيوت القرية مبهجة ورائعة رغم الفقر الذى بدا على أهلها، ويوجد بالقرية مسجد ومدرسة ابتدائى، لكن المدرسة لا يوجد بها سوى مدرس واحد فقط، يمر على جميع الفصول ويدرس جميع المواد.
تقابلنا مع الشيخ سلامة الزميلى من قبيلة الحيوات، رجل طاعن فى السن، استضافنا وجلس يحدثنا عن القرية، مشيرا إلى البيوت قائلا «هذه البيوت أنشأتها لنا شركة أوراسكوم منذ عامين تقريبا، كمقابل بعد أن أخذت أرضى ملكنا لعمل هذه القرية السياحية عليها»، مشيرا إلى المنتجع السياحى المقابل لقريتهم، مضيفا «نحن أجبرنا الشركة على بناء القرية كتعويض لنا عن أراضينا وكنا قبل ذلك نسكن فى خيام وعشش».
وحسب كلام الزميلى فالأراضى لا تُملك لبدو سيناء منذ عهد الملك فاروق، الذى أمر برفع ملكية الأراضى عن أبناء سيناء كى لا يبيعوها لليهود، مثلما باع الفلسطينيون أراضيهم وبيوتهم لليهود.
وعن عمل أهل القرية قال الزميلى «نعمل غفر لتأمين القرية السياحية الموجودة أمامنا لكننا لن نتنازل عن مطلبنا بصرف تعويضات لنا عن الأرض التى سرقت منا، إضافة إلى أن النظام الحالى يتعامل بنفس معاملة النظام القديم، كأن ثورة لم تقم».
أنا مش مصرى.. أنا بدوى
كانت أكثر جملة صادمة لى فى أثناء التحقيق، عدم الاهتمام ببدو سيناء جعلهم يتملصون من مصريتهم، بل الأدهى من ذلك أن البعض يرى أن مصر تحتل سيناء وأن المصريين أو أهل الوادى -كما يُطلقون- يريدون خطف سيناء منهم.
تلك الجملة سمعتها أول مرة من منى عيادة فى رفح، عندما سألتها عما إذا كان لديها علم باستشهاد أفراد من الجيش قبل أشهر فى قرية الماسورة برفح، وكانت المفاجأة عندما قالت «زعلت عشان المصريين جايين هنا يحمونا»، سألتها مباغتة «المصريين! هو إنتى مش مصرية؟»، فردت بأسلوب أكثر مباغتة «أنا بدوية مش مصرية».
وطوال الرحلة كانت تلك الجملة تتردد على مسامعى كثيرا، لكن الأكثر صدمة لى كان كلام سليم سلمان، من نويبع، الذى كان يتحدث دوما عن كون مصر تحتل سيناء، وأن المصريين أو أهل الوادى «أحفاد فرعون» أما أهل سيناء فهم أحفاد إبراهيم عليه السلام.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.