كتب وليد سامى واصل ..
بعد 30 يونيو 2013 والأطاحة بنظام الأخوان المسلمون والأمال الكبيرة التى تعلق على مستقبل الوطن والنتائج الايجابية المرجوة لحل الأزمة الأجتماعية - الاقتصادية الطاحنة التى تعانى منها مصر , أصبح هناك سؤال ملح يطرح نفسه , أين تتجه السياسة المصرية بما يحقق مصالح الشعب المصرى والى أى مدى هى قادرة على المضى قدما فى ذلك المسار ؟ ..
لا يمكن الأجابة بأى حال على هذا السؤال بدون ادراك وتوضيح للعوامل والمؤثرات الخارجية التى قد تتعارض أو تتوافق مع ما تراه القاهرة مناسباً وفى مصلحة مصر , وبالتالى لا يمكن الحديث عن 30 يونيو بدون تقييم مبدأى للموقف السعودى ودوره , فالسعودية التى أعلنت دعمها للحراك الشعبى فى 30 يونيو وما نتج عنه من تغييرات سياسية , ظهرت فى المشهد المصرى بشكل قوى حيث دخلت اطار المواجهة مع الدولة المصرية ضد جماعة الأخوان المسلمون وأدرجتهم على قوائم المنظمات الأرهابية فى دعم واضح لموقف القاهرة , ولاعتبارات تخص أمن المملكة السعودية نفسها التى دخلت فى عداء مع جماعة الأخوان منذ التسعينات اثـر محاولة الجماعة أزاحة أسرة ال سعود عن السلطة , ومن ناحية أخرى وجهت المملكة السعودية انتقادات لاذعة للولايات المتحدة على موقفها الداعم لجماعة الأخوان والسلبى تجاه النظام فى مصر , وكانت تصريحات الملك عبد الله صريحة خلال اللقاء بالرئيس باراك أوباما وبالفعل تراجع الضغط الأمريكى على القاهرة خاصة فيما يتعلق بمجال التعاون العسكرى ..
على صعيد أخر كانت المعركة نفسها قد وضعت القاهرة والرياض على نفس المسار فى مواجهة النفوذ المتصاعد لقطر فى المنطقة فى اطار دعم جماعة الأخوان المسلمون , وكان للضغط السعودى أثره من خلال المواجهة المباشرة ضد قطر فى اطار مجلس التعاون الخليجى , ثم المواجهة غير المباشرة عن طريق الراعى الأمريكى الذى وجه التعليمات المباشرة لقطر بالتراجع وتخفيف دعم الأخوان المسلمون والتوقف عن اثارة التوتر فيما يخص الملف المصرى , بينما عادت قناة الجزيرة للتركيز على الملف السورى وهو الأمر المقبول سعودياً ..
السعودية لم تكتف بذلك بل وعدت القاهرة بحزمة مساعدات مالية وباستثمارات سعودية وخليجية بعد استقرار الأوضاع وانتخاب رئيس جديد للبلاد , لكن بين المطلوب سعودياَ والمقبول مصرياً تبدو عدة نقاط خارج السياق ..
فبالعودة لملف العلاقات المصرية - السعودية منذ الستينات , كانت القاهرة فى صراع مباشر مع السعودية وربما لم تتوقف حدة الخلاف بين جمال عبد الناصر والملك فيصل الا بعد هزيمة 1967 , الا ان الرياض استمرت فى الهجوم على مصر لمدة شهر ونصف بعد النكسة , ولم تتوقف الشتائم السعودية الا بعد مؤتمر الخرطوم , فى حين تتحدث بعض الوثائق عن دور سعودى مباشر فى هزيمة مصر فى 67 , لتحقيق هدف استراتيجى وهو دفع مصر الى التراجع الى ما وراء قناة السويس واشغال عبد الناصر بعيدا عن دائرة الأمن القومى العربى فى مواجهة مباشرة مع اسرائيل ( 1 )..
وهنا يظهر التناقض الرئيسى بين مصالح مصر والسعودية ويتضح ما هو مقبول سعودياً لمصر , فالدولة المصرية تمثل عنصر رئيسى فى المحور الحضارى فى المنطقة والذى يشمل أيضا سوريا والعراق , وهذة الدول لديها طموح ورغبة دائمة فى تحقيق مشروع حضارى خاص بها فى اطار تنمية مستقلة ولكنها اما فقيرة فى مصادر الطاقة أو أن طموحاتها سوف تصطدم بالدول الكبرى ومصالحها والتى ترتكز بشكل رئيسى فى العلاقات القوية مع دول الخليج وعلى رأسها السعودية , وبالتالى فالدول الثلاث التى تمثل المحور الحضارى هى فى تناقض رئيسى مع دول الخليج التى تمتلك ثروات هائلة من النفط وتخشى من أطماع هذة الدول فلتجىء دائما الى طلب الحماية من الدول الكبرى , وورثت الولايات المتحدة الدور الذى كانت تقوم به انجلترا فى السابق , وعلى هذا الاساس كان اندفاع السعودية لمعاداة عبد الناصر يتم تحت دعايا الخوف من طموحات عبد الناصر ورغبته فى انهاء حكم أسرة ال سعود واقامة جمهورية تقدمية على شاكلة ما حدث فى اليمن , وبالتالى فالخليج من خلال بنيته الاجتماعية - الاقتصادية وطبيعة النخب القبلية الحاكمة فيه ومرتكزات الأستعمار المباشرة من قواعد عسكرية أو مصالح للاحتكارات الكبرى تجعل مصالح الخليج دائما متوافقة مع الدول الكبرى ومتعارضة دائما مع أى مشروع تنمية مستقلة , وبالتالى هو فى تناقض وصراع مباشر مع كل من مصر والعراق والشام , ولذلك انتقلت المواجهة السعودية بعد عبد الناصر الى العراق ثم هى الأن فى مواجهة صريحة مع النظام فى سوريا ..
من هنا يتضح أن المطلوب سعوديا لمصر أن تظل مصر مختبئة خلف قناة السويس , ولا تتدخل القاهرة فى الشأن العربى بما يتعارض مع السياسة السعودية , وبالتالى فالمساعدات والدعم السعودى لمصر هو بكل تأكيد مشروط بالتزام مصر بالترتيبات التى استقرت بعد كامب ديفيد وأولوياتها تقييد حركة الجيش المصرى والنفوذ المصرى فى المحيط العربى ..
وبالعودة للموقف السعودى من 30 يونيو , تظهر الشروط السعودية من خلال تصعيد حزب النور واستمرار دوره فى الواجهة فى دعم الدولة وموقفها من تنظيم الأخوان على شرط الاحتفاظ بمشروع الهوية السلفية الذى صدرته السعودية لمصر منذ السبعينات وأنفقت عليه ملايين الدولارات من دعم للاخوان المسلمين ثم السلفيين منذ التسعينات , وعليه أشترط حزب النور استمرار المواد المتعلقة بالشريعة الاسلامية وما يسمى بالهوية الاسلامية للدولة , فى اطار تراجع عن العلمانية من الأحزاب الليبرالية بطبيعة الحال خوفاً من ردة فعل المجتمع الذى أنفقت الملايين فى سبيل تشكيل وعيه الجمعى ليكون دائما على أرضية التيارات الدينية حتى لو أختار الا يصوت لهم فى الانتخابات أو يصعدهم للسلطة , وبالتالى فالسلفيين لديهم دور رئيسى فى الاستمرار فى تديين مظاهر الحياة ومنع تسلل أى أفكار تقدمية قد تدفع باتجاه نظام علمانى ديمقراطى يسعى لتنمية مستقلة واستقلال وطنى وهذا ما يخشاه الجميع ..
من ناحية أخرى نشرت صحيفة الفجر المصرية يوم 6 / 1 / 2013 خبر بعنوان " إثيوبيا تشكر إسرائيل والإمارات والسعودية على تمويل سد النهضة " وأوردت الصحيفة فى تفاصيل الخبر نقلا عن صحيفة " العلم " الأثيوبية أن المتحدث باسم الحكومة الأثيوبية "بريخيت سمؤون" وجه الشكرا للدول الداعمة لبناء سد النهضة ومنها السعودية والامارات , والغريب أن أحداً لم يهتم بالخبر أو يعلق عليه سواء بالنفى أو الاثبات ..
وبالبحث عن ملف العلاقات السعودية - الأثيوبية قدم موقع " Geeska Africa " - وهو موقع يهتم بتغطية أخبار منطقة القرن الأفريقى - تقريراً بعنوان " Ethiopia: Saudi Arabia mediation under the leadership of Al-Amoudi " عن العلاقات بين البلدين حيث ذكر الموقع أن السعودية هى أكبر مستثمر فى أثيوبيا وأن تقدير حجم الاستثمار السعودى هناك عام 2011 وصل الى 3 مليار دولار يتبعها الهند ثم الصين وتركيا , وأن مجالات الاستثمار السعودى فى أثيوبيا تتوجه لمجالات الطاقة والزراعة والبنية التحتية !! , وتناول التقرير الحديث عن وساطة خليجية بقيادة السعودية لحل أزمة سد النهضة مع مصر من خلال رجل الأعمال السعودى من أصول أثيوبية - سعودية مشتركة محمد العمودى ..
وباعتبار تعويل القاهرة على الضغط الخليجى على أديس أبابا , أبرز التقرير تصريح لمحمود أبو زيد رئيس المجلس العربى للمياه أن الحديث عن وساطة خليجية يحتاج لموافقة الدولتين ولكن الموقف المصرى مازال معلقاً لان القضية بحاجة لتوجيه مباشر من الرئيس القادم ..
والواضح من التقرير ان مجالات الاستثمار السعودى عموما مرتبطة بمشروع سد النهضة رغم عدم وجود اشارة صريحة بذلك , ومن ناحية أخرى يظهر حجم الشراكة الاقتصادية بين السعودية ودول الخليج مع أثيوبيا من خلال البنك العربى لتنمية أفريقيا والبنك الكويتى للتنمية أن الأمال المصرية المعلقة على دعم سعودى كامل للموقف المصرى قد تكون فى غير محلها بما يتعارض مع مصالح السعودية نفسها وبالأشارة الى العمودى نفسه باعتبار أصوله الأثيوبية , وعلى ضوء الموقف الأثيوبى العدوانى من حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل يظهر تناقض جديد بين المصالح المصرية فى دائرة أمنها القومى وبين الوجود السعودى فى أثيوبيا , وبالتالى فأى حل من خلال وساطة خليجية قد لا يضمن الحقوق المصرية والموقف المصرى الضعيف يمكن ارجاعه بطبيعة الحال الى المطلوب سعودياً من مصر بعد هزيمة 67 وترتيبات كامب ديفيد فيما بعد , بحيث تظل مصر ضعيفة ولا تملك الدفاع عن مصالحها المباشرة الا من خلال الوساطة الخليجية المشروطه , بينما تقف مصر عاجزة ولا تمتلك أى أوراق ضغط سياسية أو او اقتصادية لا لمد نفوذها وتوسيع دائرة مصالحها فى دوائر أمنها القومى بل للحفاظ على مقومات الحياة داخل مصر نفسها , وبالتالى فمصر تخوض معركة للدفاع عن العمق وما كانت معركة الحفاظ على الدولة من التفكك الا من أثر ترتيبات كامب ديفيد والقبول بشروط التبعية والاندماج فى الاقتصاد العالمى فى اطار شروط صندوق النقد الدولى بعد تفكيك القاعدة الصناعية التى بنتها مصر خلال التجربة الناصرية ..
وبطبيعة الحال تظهر القضية السورية كملف يحتاج الى تقييم , خاصة الموقف المصرى المختلف بعد 30 يونيووالموقف السعودى الواضح والداعم للجماعات المسلحة التى تقاتل على الأرض فى سوريا ضد الدولة والنظام منذ بداية الأزمة فى سوريا , ويظهر من تصريحات المسئولين المصريين تغير واضح فى الموقف من الأزمة السورية فمصر لا تريد أن تتدخل بشكل مباشر لأنها تدرك أنها لا تمتلك أى قدرة على التأثير , ولكن النظام الحالى فى مصر أعترف بالأمر الواقع فى سوريا بعد انتصارات الجيش العربى السورى بينما ترفض السعودية القبول بالأمر الواقع وهو ما ظهر جلياً فى انتقادات الرياض لواشنطن فيما يخص التراجع فى الموقف الأمريكى عن ما كان مقرراً لسوريا ..
فى تصريح أبرزته قناة العالم الأيرانية دعى نبيل فهمى وزير الخارجية المصرى بعد لقاءه بوفد من المعارضة السورية برئاسة معاذ الخطيب الى تشكيل حكومة انقاذ وطنى فى سوريا بعد فوز بشار الأسد بالرئاسة , على أن يتولى الوزارة أحد شخصيات المعارضة , والأمر الذى يبدو غير مقبول لدمشق باعتبار الوضع القائم على الأرض والذى تفقد بتأثيره المعارضة كل يوم قدرتها على التفاوض مع الدولة , يبرز فى نفس الوقت الاعتراف المصرى بالأمر الواقع فى سوريا , وفى تصريحات للمرشح الرئاسى المشير عبد الفتاح السيسى تحدث عن أن الأمن القومى المصرى يقتضى عدم تفكيك الدولة السورية والحفاظ على وحدتها , لكن الى أى مدى تغير الموقف المصرى من سوريا ؟
الواضح من الموقف الرسمى فى مصر , أن القاهرة لا ترغب بأى حال فى سقوط الدولة السورية وذلك لاعتبارات جيوسياسية وتاريخية , فسوريا هى بوابة مصر الى اسيا وهى دولة محورية فى معادلة الأمن القومى المصرى , وهى جزأ من المحور الحضارى فى المنطقة وجزأ مهم من معادلة التوازن فى الشرق الأوسط , وبالتالى فبرغم اختلاف السياسات بين الحكومات فى كل من دمشق والقاهرة الا انه عملية تأمين الأمن القومى لكل منهما يصب فى مصلحة الأخر , فصمود الجيش العربى السورى فى مواجهة الجماعات المسلحة دفع الأخوان المسلمون فى مصر الى التعجيل بالسيطرة على الدولة المصرية وهو ما عجل بسقوطهم , وهزيمة المشروع الذى تم استخدام الاخوان المسلمون لتنفيذه برعاية أمريكية - قطرية , وفى نفس الوقت تحرك الدولة المصرية لتأمين حدودها فى ليبيا بدعم مجموعة العسكريين بقيادة اللواء خليفة حفتر والذى توعد بتصفية وجود الجماعات الاسلامية المسلحة فى ليبيا يصب فى مصلحة سوريا باعتبار ان ليبيا مركز رئيسى لشحن المقاتلين الأجانب الى ساحة القتال فى الداخل السورى , وهنا تلاقت المصالح الأستراتيجية للدولتين بدون تنسيق واضح بين القاهرة ودمشق , فى حين أن ذلك لا يعنى أن سياسات النظام فى مصر ستتوافق مع النظام فى سوريا , فالقاهرة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد التزمت بتحييد الجيش المصرى عن أى تدخل فى المنطقة العربية , فمعاهدة السلام المصرية – الاسرائيلية لها الأولوية على أى معاهدة دفاع مشترك مع أى دولة عربية وهو ما أطلق العنان للجيش الأسرائيلى لممارسة الأرهاب على دول المنطقة منذ ثمانينيات القرن الماضى , ومن ناحية أخرى كان التحول الذى اتبعته القاهرة من خلال التحالف مع واشنطن بدلا من الأتحاد السوفيتى قد أسقط مصر فى فخ التبعية , وتنفيذاً لشروط صندوق النقد الدولى تم تدمير القاعدة الصناعية واعادة هيكلة الأقتصاد المصرى ليتحول الى اقتصاد خدمى مرتبط بشكل كامل بالسوق العالمى وهو ما افقد مصر استقلالها السياسى والاقتصادى وكل قدرة على حماية أمنها القومى , وكانت الحكومات المتعاقبة تعبر عن ترتيبات كامب ديفيد "السياسية والاقتصادية والاجتماعية" بما فيهم الأخوان المسلمون رغم تبنيهم لشعارات المقاومة وغير ذلك ..
بينما كانت اختيارات دمشق مختلفة , فاستمرت فى تحالفها مع الأتحاد السوفيتى ثم روسيا الأتحادية وهو تحالف استراتيجى وضعت سوريا من خلاله نفسها الى جانب المحور الصاعد فى مواجهة نفوذ الولايات المتحدة فى المنطقة والعالم والذى تتزعمه روسيا والصين , وقد كان التقدير السورى سليما بالتجربة العملية من خلال المواقف الروسية – الصينية الداعمة للدولة والنظام فى دمشق ..
وبطبيعة المسار الذى اختارته دمشق والذى يتمايز عن اختيارات القاهرة فى ارتباطها بواشنطن , تظهر للأزمة السورية ملامح مختلفة مرتبطة بالصراع العالمى الجديد والذى تشكلت خلاله قوى جديدة تنازع الولايات المتحدة نفوذها فى العالم .
فبعد سقوط الأتحاد السوفيتى وانهيار التوازن الدولى , أدرك الروس الخطأ الذى وقع فيه الاتحاد السوفيتى السابق الذى دخل الصراع مع الأمبرياليات الغربية على اساس أيديولوجى وتم جره الى سباق تسلح مرهق بينما سيطرت الولايات المتحدة على مناطق انتاج الطاقة فى العالم وضيقت على السوفيت امكانية مد نفوذهم خاصة فى منطقة الشرق الأوسط , وبالتالى بدأ الرئيس فلاديمير بوتين فى التسعينات يرسم خطة اعادة بناء روسيا ووضع فى أولوياته ضرورة تأمين متطلبات روسيا من الطاقة بالأساس ثم اعادة ترتيب الأوضاع تدريجيا لحماية الأمن القومى الروسى الذى تعرض لضربات عنيفه بعد تفكك الأتحاد السوفيتى , فتأسست فى النصف الأول من التسعينات شركة غاز بروم الروسية والتى استطاعت تأمين احتياجات روسيا من الطاقة ثم مدت خطوط الغاز عبر أوربا من خلال مشروعى السيل الشمالى والسيل الجنوبى , حيث ينتقل الغاز عبر خط السيل الشمالى من روسيا الى المانيا مباشرة ومن فاينبرج الى ساسنيتز عبر بحر البلطيق دون المرور ببيلاروسيا , أما السيل الجنوبى فيمر من روسيا الى البحر الأسود فبلغاريا ثم يتفرع الى اليونان فجنوب ايطاليا ثم الى النمسا والمجر .
وفى مواجهة هذا المشروع سعت الولايات المتحدة لانشاء مشروع منافس تحت اسم نوبوكو لنقل غاز أذربيجان والبحر الأسود الى مواقع تخزينه فى تركيا , ومساره منها الى بلغاريا ثم رومانيا فالمجر والتشيك وكرواتيا وسلوفينيا وايطاليا . "2"
كان من المفترض أن يسبق مشروع نوبوكو المشروعين الروسيين لكنه تأخر لاسباب تقنيه الى عام 2017 م , مما أتاح الفرصة لغاز بروم للسيطرة على سوق الطاقة فى أوربا بالأضافة لعامل أخر وهو انخفاض صادرات الغاز القادم من غرب أفريقيا عبر نيجيريا والجزائر وذلك لزيادة الاستهلاك المحلى لكلى الدولتين مما رفع أسعار الغاز فى أوربا وكان المجال مفتوحاً أمام غاز بروم لمزيد من الأرباح من خلال توريد الغاز الروسى لأوربا .
وهذا ما دفع الولايات المتحدة لايجاد بديل محتمل للغاز الروسى عبر مد خطوط الغاز من منطقة الشرق الأوسط سواء كان الغاز الايرانى أو غاز البحر المتوسط " سوريا – لبنان – اسرائيل " , وغاز منطقة الربع الخالى فى السعودية الذى لا طريق له لأوربا الا عبر سوريا ثم الغاز القطرى الذى لا طريق له الى أوربا الا عبر سوريا أيضا .
كانت بداية الأزمة من خلال اتفاقية بين العراق وايران فى يوليو 2011 لمد الغاز الايرانى عبر العراق الى سوريا وهو ما وافقت عليه دمشق , وهو ما يعنى حصار لمشروع غاز نوبوكو المتعثر أصلا فى أوربا بسبب نجاحات غاز بروم فى الحصول على عقود طويلة الأجل فى استكشاف الغاز وتوريده لأوربا ما يجعلها المورد الرئيسى لـ 41% من احتياجات أوربا من الطاقة وهو ما يعنى تغيير استراتيجى هام يعيد هيكلة ترتيبات الوضع الأمنى فى أوربا منذ الحرب العالمية التانية ..
ومن هنا تفجرت الأزمة السورية فى اطار عملية اعادة هيكلة للترتيبات الأمنية فى المنطقة , عبر ازاحة الدول الوطنية واستبدالها بحالة فوضى تؤدى الى تكون دول قزمية على اساس دينى أو قومى يسهل التحكم فيها وتمرير مشاريع مد أنابيب الغاز من خلالها , ودعمت الولايات المتحدة وشركائها وتحديداً قطر وتركيا المجموعات المسلحة على أمل سقوط الدولة فى سوريا , وتركيا متضرره من مشروع غاز بروم بينما مصالحها مرتبطة بالمشروع الأمريكى , بالاضافة لأن تركيا وافقت فى ظل حكومة أردوغان على نشر الدرع الصاروخى الموجه لروسيا على أراضيها فى مقابل المساعدات الاقتصادية والاستثمارات التى دعمت سلطة حكومة أردوغان وهذا ما يفسر الموقف التركى المعادى للدولة السورية .
أما الموقف السعودى فهو يضع سوريا فى مرمى المواجهة باعتبارات اضافية منها الصراع مع ايران على النفوذ فى المنطقة وخاصة الخليج , ودوائر الصراع الايرانى – السعودى تتضح فى أكثر من ملف بالاضافة للملف السورى , بداية من اليمن على خلفية دعم ايران للحوثيين ووصولا البحرين ومشاركة قوات درع الجزيرة العربية فى قمع مظاهرات خرجت ضد النظام هناك بحجة انها مظاهرات شيعية ..
وبالعودة للموقف المصرى الذى دخل فى تناقض مع المشروع الأمريكى , الا أن نقاط التشابه مع المسار السورى تختلف بشكل نوعى , فالدولة المصرية مازالت تتحرك فى اطار التحالف الاستراتيجى مع واشنطن مع رفضها بالتأكيد للمشروع الذى تبناه الديمقراطيون تحديداً بالاسراع فى اعادة هيكلة المنطقة او ما سمى بمشروع الفوضى الخلاقة , وعارضه الجمهوريون ووجهوا انتقادات لأدارة الرئيس أوباما التى عرضت الترتيبات والخطط الاستراتيجية الأمريكية للخطر والتى شكلت الوضع الأمنى وضمنت مصالح الولايات المتحدة فى المنطقة على مدى النصف الثانى من القرن الماضى , وبالتالى رفضت القاهرة محاولة اسقاط الدولة لكنها لم تعلن الخروج عن التحالف مع الولايات المتحدة , حيث أن تصريحات المسئولين المصريين مازالت تؤكد على التحالف الاستراتيجى مع واشنطن وأخره التصريح المثير للجدل لوزير الخارجية نبيل فهمى حين وصف العلاقات بين مصر والولايات المتحدة بأنها زواج شرعى ..
بينما يبدو التقارب المصرى مع روسيا فى اطار محدود ومحاولة للضغط على الولايات المتحدة , لكن واضح ان روسيا لا تعول كثيراً على علاقات استراتيجية مع مصر كما كانت مع الأتحاد السوفيتى السابق وهو ما ظهر فى تصريحات المسئولين الروس من انتقاد لما قامت به مصر من قطع علاقاتها مع الاتحاد السوفيتى ومعاداة المصالح الروسية حتى وصلت الى مشاركة مصر فى توريد أسلحة روسية الصنع للمقاتلين الأفغان فى الثمانينات ..
والحديث عن صفقات السلاح سواء بالنفى أو الايجاب لا يعنى بأى حال وجود علاقات استراتيجية بين بلدين , فالعلاقات الصينية - الروسية ظلت متوترة رغم أن روسيا كانت المصدر الأول للسلاح الى الصين , وبعدما انخفض اعتماد الصين على استيراد الأسلحة وتصنيعها السلاح محليا , لم تعتبر العلاقات الصينية - الروسية فى شراكة حقيقية الا بعد زيارة الرئيس بوتين الأخيرة للصين والتى وقع خلالها على عقود طويلة الأجل لتوريد الغاز الروسى الى الصين بالاضافة لاتفاقيات تجاربة وعسكرية أخرى , والتمايز هنا بين روسيا والأتحاد السوفيتى أن الأخير كان يدعم الدول المختلفة فى اطار معركة ايديدلوجية مع الأمبرياليات الغربية وبالتالى لم يتعامل السوفيت مع مصر باعتبارهم تاجر سلاح بل اعادوا تسليح الجيش المصرى بعد النكسة ولم يحصلوا على باقى مستحقاتهم المالية من عقود السلاح , والتى كانت تدفع فى اغلب الاحوال فى شكل منتجات زراعية وصناعية , أما روسيا الأتحادية فهى تاجر سلاح يعرض المنتج الروسى فى العالم ويحاول تسويقه وهناك دول عديدة عقدت صفقات سلاح مع روسيا منها الجزائر ..
وبالتالى فالموقف المصرى من سوريا ودائرة تحالفاتها قد يتقاطع فى دوائر تتوافق فيها مصالح الأمن القومى للبلدين لكن هناك تمايز واضح بين المسار السياسى لكل من القاهرة ودمشق طالما ظلت مصر تعمل فى اطار التبعية للولايات المتحدة وهو ما أضر بمصالح مصر وشعبها قبل كل شىء ..
ولم تكن الأزمة الأوكرانية بمعزل عن الصراع بين القوى الكبرى فى سوريا , فقبل الصراع بين روسيا والولايات المتحدة على الغاز ومصادر الطاقة كان الصراع قائما بالفعل بين الأتحاد السوفيتى والولايات المتحدة , ولم تتوقف الولايات المتحدة عن حصار الأتحاد السوفيتى فى كل مكان وأرهاقه فى سباق التسلح , بل ودفعت بالاستثمارات من خلال مشروع مارشال لأعادة اعمار أوربا خاصة فى المانيا الغربية لمواجهة المد الشيوعى الذى يقدم وعود بمجتمع عادل يحقق فيه الأنسان ذاته ويتلقى العلاج والتعليم المجانى ومستوى المعيشة الذى يضمن حياة كريمة للجميع , وأمام هذة المواجهة الأيديولوجية تبنت الرأسماليات الغربية نموذج اقتصادى يسمح للدولة بالتدخل فى ضبط السوق وقدمت الدولة الرأسمالية خدمات التعليم والصحة والتأمين الاجتماعى فيما عرف بدولة الرفاه الأجتماعى , وهو ما تم التراجع عنه بشكل تدريجى منذ سقوط الأتحاد السوفيتى وظهرت الليبرالية الجديدة التى ترسخ لمبدأ " أقطار نعم , دول لا " والذى تبنته مارجريت تاتشر والرئيس ريجان , حيث تفتح الأسواق فى العالم أمام حركة رؤوس الأموال الكوكبية , وبعد انهيار الأتحاد السوفيتى سقطت دولة الرفاه فى الولايات المتحدة وأوربا وعلى الرغم من ذلك ارتفعت ميزانية التسليح بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر وتم خصم تكاليف الحرب من الموارد المخصصة للتعليم والصحة والضمان الاجتماعى , وارتفعت نسبة البطالة فى الولايات المتحدة نفسها لتصل الى 9 مليون فى عهد ادارة الرئيس أوباما خاصة بعد تفعيل عملية " الأفشورنينج " أو هجرة رؤوس الأموال عبر البحار الى الصين بحثاً عن العمالة الرخيصة , وهو ما دفع بملايين الأمريكين الى طابور البطالة ..
وبسبب احتمالات الحرب بين السوفيت والولايات المتحدة ونتيجة الخوف من الصواريخ البالستية الروسية , نشرت الولايات المتحدة صواريخ فى الستينات من القرن الماضى فى تركيا كانت مقدمة لمشروع الدرع الصاروخى وهى نظام صاروخى دفاعى يهدف الى اسقاط أى صاروخ باليستى بعيد او قصير المدى قد يهدد أراضى الولايات المتحدة أو حلفاؤها , ولكن رد الاتحاد السوفيتى بنشر صواريخ فى كوبا وهو ما عرف بأزمة خليج الخنازير أو الصواريخ الكوبية , وبسبب الخوف من حرب نووية تراجع الطرفان عن نشر صواريخ فى مدى المجال الحيوى للأخر , لكن بعد سقوط الأتحاد السوفيتى ومع حالة الضعف التى عانت منها روسيا نجحت الولايات المتحدة فى نشر الدرع الصاروخى فى عدة دول لتطويق روسيا وشل قدراتها العسكرية , ومن هذة الدول تركيا فى ظل حكومة حزب العدالة والتنمية وتسعى الولايات المتحدة لنشر صواريخ فى رومانيا بحلول عام 2015 ودول أخرى فى شرق أوربا منها بولندا بحلول عام 2018 , فى حين طورت روسيا منظومة القوات الدفاعية الفضائية والتى تشمل منظومة صواريخ " اسكندر " القادرة على تدمير منظومة الدرع الصاروخى الأمريكية حسب ما أوردته روسيا اليوم .
ووضعت الأستراتيجية الأمريكية لمواجهة روسيا فى عقر دارها , من خلال التواجد فى دول الاتحاد السوفيتى السابق ومنها أوكرانيا , بالأضافة للصراع الجديد الذى تسعى فيه الصين وروسيا ودوائر تحالفاتهم فى العالم الى انهاء سيطرة الولايات المتحدة باعتبارها قطب واحد يقرر سياسة العالم وفقاً لما تقتضيه مصالحه ..
فبعد فشل مشروع نوبوكو فى أوربا والشرق الأوسط , كانت الاستراتيجية الامريكية تندفع بتهور لمواجهة مباشرة مع روسيا بالضغط على شركائها الأوربيين عبر تفجير الأزمة فى أوكرانيا , وكان للصراع على الطاقة وخاصة مع غاز بروم نصيبه من الأزمة حيث كانت روسيا تمد أوكرانيا بالغاز بعقود دفع طويلة الأجل وهناك اعتماد أوكرانى كامل على الغاز الروسى لكن السلطات الجديدة فى كييف طلبت وقف امدادات الغاز الروسى بل والضخ العكسى للغاز فى محاولة للتضييق على مسار أنانبيب غاز بروم فى أوربا , والغريب أن روسيا أعلنت موافقتها لكنها طلبت من كييف تسديد ديونها وان موسكو لن تبيع الغاز لأوكرانيا الا فى حالة الدفع المقدم ..
الجدير بالذكر العلاقات بين أوكرانيا وروسيا تتجاوز الأرتباط بالأتحاد السوفيتى السابق , فالمعروف أن العاصمة كييف كانت تمثل المركز التاريخى لنمو الثقافة الروسية وظلت تقوم بدورها حتى سقطت أمام الهجمات التتارية فى العصور الوسطى وسيطرت عليها القبيلة الذهبية " القبجاق " وأنتقل مركز الحضارة الروسية الى موسكو , بالاضافه لاعتبارات قومية تتعلق بانتشار وتواجد كبير للمتحدثين بالروسية داخل أوكرانيا خاصة فى الشرق , وهو ما يجعل أوكرانيا فى أزمة حقيقية وبالفعل طالبت عدة اقاليم فى الشرق بالانفصال وربما تتطور الأحداث باتجاه حرب أهلية , بينما تظهر تصريحات غربية تحذر من تدخل عسكرى روسى فى الوقت الذى يسخر فيه المسئولين الروس من تلك التصريحات لأن موسكو تدرك انها يراد لها أن تستدرك لمستنقع حرب فى أوكرانيا , وهنا يظهر التهور الامريكى فى المغامرة بأوربا ومصالحها وهو ما سيدفعنا الى تناول موقف الأوربيين خاصة الجانب الألمانى من الأزمة فى أوكرانيا .
فألمانيا منذ ترتيبات ما بعد الحرب العالمية التانية خاصعة تماما لنفوذ الولايات المتحدة , لكن فى السنوات الأخيرة دخلت فى شراكة واضحة مع روسيا خاصة فى مجال الطاقة , من خلال مسار السيل الشمالى المتجه مباشرة لألمانيا بل ان شركة غاز بروم الروسية تجد مثيل لها فى المانيا تحت اسم غاز بروم الجرمانية , وروسيا أيضا لديها أكتر من 3 مليون مواطن يتحدثون الروسية فى المانيا وهم تانى أكبر تجمع بعد الأتراك , وبينما ترى ألمانيا أنها تتحمل عبىء القارة الأوربية التى تعانى من الأزمة الأقتصادية فى حين أن مصالحها مع روسيا تحقق لها مكاسب حقيقية , أصبحت السياسة الألمانية فى مأزق بل هى حجر الزاوية فى مستقبل أوربا والأتحاد الأوربى نفسه .
فى تقرير نشرته مجلة دير شبيجل الألمانية بتاريخ 12 مايو 2014 بعنوان " لماذا تعتبر العقوبات الأوربية على روسيا مجرد خدعة ؟ " تناول التقرير مناقشة قادة الأتحاد الأوربى للمستوى الثالث من العقوبات على روسيا وهى العقوبات الاقتصادية فى حالة تدخل بوتين فى افشال انتخابات الرئاسة فى أوكرانيا " رغم عدم تقديم تصور لكيفية قيام بوتين بذلك " , ويظهر التقرير عدم وجود اتفاق واضح بين الدول الأوربية حول مسألة العقوبات , فبينما تتبنى دول غرب أوربا وتحديداً بريطانيا توقيع عقوبات صارمة ضد روسيا , تعارض دول شرق وجنوب أوربا مبدأ العقوبات من الأساس , بينما تقف فرنسا والمانيا موقف وسطى , فالدولتين صرحوا انهم قد يلجأوا لتوقيع العقوبات لكنهم يفضلون أى حل دبلوماسى للأزمة فى أوكرانيا ..
وأبرز التقرير أيضا وجود اختلاف بين دول الاتحاد على طبيعة عقوبات الدرجة الثالثة الاقتصادية , فبرلين ترى ان تكون العقوبات مالية من خلال بنك الاستثمار الأوربى والبنك الأوربى للبناء والتنمية , اما انجلترا وقبرص فتحدثوا عن عقوبات على الطاقة أى على شراء الغاز الروسى من دول الأتحاد , وهو ما يعتبر مصدر قلق لدول شرق أوربا النى بتعتمد بشكل كامل على الغاز الروسى ..
من ناحية أخرى تناول التقرير أضرار العقوبات على روسيا , فمثلا ذكر أن معدل النمو فى المانيا سوف ينخفض بنسبة 0.9 % فى أول سنة من توقيع العقوبات ثم سينخفض بزيادة 0.3 % فى السنة التالية ..
لكن البعد الأهم فى التقرير - والذى أكدته تقارير نشرها موقع روسيا اليوم - عن مدى تأثر روسيا بالعقوبات , يوضح أن العقوبات لن تؤثر بشكل كبير على روسيا لأن الدين الخارجى لروسيا قليل جدا , وموسكو لديها احتياطى ضخم من العملة الصعبة يكفى لمدة عامين , يستطيع خلالهم الروس أن يبحثوا عن مشترين جدد للغاز الروسى , بينما تتجمد أوربا فى البرد .
الغريب أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل صرحت بخصوص الأزمة فى أوكرانيا انها تخشى أن يتدخل الروس لعرقلة الأنتخابات فى أوكرانيا لأن الحكومة الألمانية قد تضطر الى التصعيد من خلال العقوبات الأقتصادية وهى تدرك تماما الخسائر والأضرار التى سوف تتعرض لها المانيا من جراء خطوة كهذة , فى اطار ضغوط تمارسها الشركات الألمانية على الحكومة من أجل الحفاظ على الشراكة مع روسيا , بينما ترى ميركل أن تأجيل الانتخابات الأوكرانية سيعتبر انتصار لبوتين الذى تتحدث عن أن لديه مخططات لتفكيك الأتحاد الأوربى ! ..
وعلى كل لم ينتظر بوتين عامين من أجل البحث عن مشترين جدد , وفى الأيام الماضية وقعت موسكو اتفاقا تاريخيا مع بكين لتوريد 38 مليار متر مكعب سنويا من الغاز الروسي من شرق سيبيريا إلى الصين لمدة ثلاثين عاما وفقا لشروط مرضية، وتم التوقيع بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ ,وأعلن المستثمرون الصينيون وأكتر من خمسين شركة صينية عن استعدادهم للاستثمار فى روسيا فى حالة توقيع العقوبات الأقتصادية من الأتحاد الأوربى التى وصفوها بالغير مسئولة , من ناحية أخرى أعطى الرئيسان اشارة البدء لمناورات " التعاون البحرى 2014 " والتى دعى خلالها الرئيس بوتين الى اعادة النظر فى الترتيبات الأمنية فى المحيط الهادى وشرق أسيا مما يوسع دائرة تعارض المصالح ومحاولة تقليص نفوذ الولايات المتحدة فى أكتر من منطقة فى العالم , وهو ما يحيلنا الى الوضع فى شرق أسيا والمحيط الهادى والعلاقات الأمريكية الصينينة ..
فمنذ عام 1978 م بدأت الصين فى اجراءات الانفتاح الاقتصادى والاندماج فى الاقتصاد العالمى خاصة انها كانت فى حاجة الى التكنولوجيا , واستثماراً للخلاف السوفيتى - الصينى بالاضافه لمواجهة حالة الركود التى كان يعانى منها الأقتصاد الامريكى , سارعت الولايات المتحدة للدخول فى علاقات شراكة اقتصادية كبيرة مع الصين , ووفرت الحكومة الصينية للشركات الأمريكية البنية الأساسية وشبكة الطرق الجديدة اللازمة وبالطبع العمالة منخفضة الأجر , ومع تفعيل عملية " الأفشورنينج " نقلت أغلب المصانع للصين , حتى أصبحت الصين مصنع العالم ..
فى نفس الوقت استفادت الصين وازداد معدل النمو الاقتصادى فيها حتى أصبح الأعلى عالمياً , وستصل الصين فى العام القادم 2015 الى مرحلة التكافؤ الأقتصادى مع الولايات المتحدة بل ان الميزان التجارى بين البلدين سوف يميل الى صالح الصين , ويتوقع كثير من الخبراء أن اقتصاد الصين بحلول عام 2030 سيكون أكبر من اقتصاد الولايات المتحدة ..
وبالتالى زادت حاجة الصين للموارد النفطية , فالصين تستورد البترول من الكنغو " أفريقيا " ؛ ثم تأتى السعودية وايران " الشرق الاوسط " وبعدهما روسيا " أوربا " ؛ بالاضافة الى أن 60% من النفط فى السودان يذهب الى الصين ؛ بالاضافة لفنزويلا فى أمريكا اللاتينية ؛ والأمر ليس مقتصرا على البترول فقط بل ان الصين تستورد خمس وارداتها الغذائية من أمريكا اللاتينية .
وهذا التضخم الصينى فى حجم الأقتصاد الصينى وبالتالى قدراتها العسكرية - رغم علاقات الشراكة الأقتصادية - أثار مخاوف الولايات المتحدة التى بدأت تتحدث فى تقارير لوزارة الدفاع الأمريكية منذ 2006 عن احتمالات المواجهة العسكرية مع الصين وقدرة الولايات المتحدة على تعطيل 40% من امدادات الصين من النفط , ولكن الصين ردت باطلاق أول حاملة طائرات فى عام 2011 لحماية مصالحها عبر البحار , بالاضافة للاتفاق على توريد الغاز الروسى عبر سيبريا وهو ما يعتبر خطوة استراتيجية موفقة للتحالف الصينى - الروسى القائم على المصالح المشتركة (3) ..
وقامت الصين بعملية هيكلة واسعة لقواتها العسكرية لتكون قادرة على حماية مصالحها , فتم تخفيض عدد القوات المسلحة من 15 مليون الى 2,3 مليون فرد حيث وجه الاهتمام للتطوير النوعى للاسلحة وانشاء جيش أكثر كفاءة , وضاعفت الصين ميزانيتها العسكرية حتى وصلت الى 70 مليار دولار سنوياً وأنخفض استيراد الصين للأسلحة بعدما أصبحت قادرة على تصنيع أسلحة بتكنولوجيا صينية , وأمام التضخم العسكرى للصين بدأت الولايات المتحدة فى حصار الصين داخل دائرة أمنها القومى عبر الفلبين من خلال السماح بوجود قوات عسكرية أمريكية على أراضيها , وعبر وجودها القوى فى كوريا الجنوبية واليابان والتى ناقش برلمانها مشروع القانون الذى يحظر استخدام القوات المسلحة فى أى عمل عسكرى خارج البلاد وطرح الغاؤه فى خبر أوردته قناة العالم الاخبارية , ولذلك صرح الرئيس الصينى فى أثناء لقاءه مع الرئيس الروسى ان كلا الدولتين لا تسعيان لاستفزاز دول المنطقة بالمناورات العسكرية ولا لمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ولكن بوتين أكد على استراتيجيته الرامية الى خلق عالم متعدد الأقطاب ..
وتستغل الولايات المتحدة بعض الملفات المتعلقة بالشأن الداخلى الصينى للتدخل والضغط على الصين من خلال قضية تايوان التى تعتبرها الصين جزأ من الوطن الأم وتدعم الولايات المتحدة استقلالها , وأيضا تدعم استقلال اقليم التبت وأقليم شينجيانغ فى شمال غرب الصين والذى يتمتع بالحكم الذاتى وهو ذو أغلبية مسلمة ..
لذلك تخشى الحكومة فى بكين من تكرار للسيناريو الأوكرانى فى مواجهة روسيا , فضاعفت من الأجراءات الأمنية فى المدن الكبرى واقليم شينجيانغ تحسباً لأى تحركات لمعارضة مدعومة من الخارج , خاصة فى الذكرة السنوية لأحداث ساحة تيانانمن بين 15 ابريل و4 يونيو 1989 ..
يتضح مما سبق أن الصراع المباشر بين القوى الكبرى أصبح كوكبياً وتأثيراته سوف تطال الجميع , ويمكن الحديث عن تمايز واضح بين جبهتين فى اطار حلف صينى - روسى ودائرة تحالفاتهم فى العالم مع دول البريكس , وفى منطقة الشرق الأوسط فى ايران وسوريا وحزب الله فى لبنان , فى مواجهة الولايات المتحدة وحلف الناتو وحلفاؤهم فى أسيا وفى الشرق الأوسط , ووفقاً للتحليل المادى الجدلى فان النظام الرأسمالى الذى يعانى من أزمة هيكلية منذ السبعينات يعوض خسائر القطاع الأنتاجى والخدمى بصناعة الحرب وتجارة السلاح ومشاريع اعادة الأعمار , بمعنى هدم أجزاء من السوق العالمى واعادة بنائها من جديد بعد ما تشبعت الأسواق وتواجدت الأحتكارات فى كل مكان ,مثلما حدث فى العراق وفى ليبيا , لكن تبقى فرضية واحتمالات الحرب تبحث عن اجابة لسؤال عن النقطة الضعيفة فى النظام العالمى الجديد ووفقاً لتوازنات القوى الحالية , يمكن المرور منها لأشعال حرب تعود على الأحتكارات التى تقود الدول الغربية بالفائدة ؟
قديما فى الحروب , كانت الجيوش تبحث عن أضعف نقطة فى أسوار القلاع ثم تبدأ فى توجيه الضربات لها , حتى تنهار أجزاء من السور تدريجيا وتبدأ عملية الاختراق , ومن مطالعة الوضع الحالى نجد أن أماكن التوتر فى العالم تمثل أربع مناطق رئيسية وهى أولا منطقة الشرق الأوسط وغرب أفريقيا , ويتضح من الوضع الحالى أن سوريا والتى كانت تعتبر فى بداية الأحداث فى 2011 نقطة الضعف الرئيسية فى المنطقة قد تغير الوضع فيها بشكل حاسم بعد انتصارات الجيش العربى السورى على الأرض وثبات الموقف الروسى - الصينى فى الدفاع عن سوريا فى مواجهة أى تدخل مباشر من حلف الناتو أو من اسرائيل , واسرائيل نفسها لا تستطيع أن تقوم بعمل عسكرى مباشر لسببين أولهم ان التجربة السورية أثبتت انه يمكن استخدام وكيل يقاتل على الأرض وخاصة من التيارات الدينية بدل من التورط المباشر , والأمر الأخر أن الوضع فى سوريا لا يحتمل تدخل اسرائيلى خاصة ان الأخيرة دائما ما تبحث عن تأييد دولى لأى عملية عسكرية تقوم بها , كما كان الأمر فى 67 حيث أعتبر العالم أن اغلاق مصر للمضايق هو اعلان حرب على اسرائيل وبالتالى خسرت مصر الرأى العام الدولى ..
والواضح من الموقف فى تل أبيب , أن اسرائيل تسعى لضربة استباقية ضد ايران وليس ضد سوريا ولكن الأمور تبدو أكثر تعقيداً فعلى المستوى العسكرى فان توجيه ضربة مباشرة لأيران سوف يغرق المنطقة فى مستنقع حرب عنيفه , بل ان التقديرات الأمريكية نفسها تتوقع خسائر تصل الى 25% من قدرات الأسطول الخامس والتقديرات الأيرانية تتحدث عن تدمير شامل لكل القطع البحرية كبيرة الحجم أى حاملات الطائرات الأمريكية , بالاضافه للصواريخ الأيرانية بعيدة المدى ثم وجود حزب الله على خط المواجهة مع اسرائيل والذى باستطاعته توجيه ضربات عنيفه للعمق الاسرائيلى , وكل هذا سوف يؤثر على حركة التجارة وواردات النفط , خاصة وأوربا تعانى من أزمة طاقة حقيقية وعليه فالولايات المتحدة لم تستطع توجيه ضربة لسوريا ولا ترغب فى مواجهة عسكرية مع ايران وبالتالى لا توافق على أى عملية عسكرية اسرائيلية ضد طهران ..
أما فى غرب أفريقيا فما أن وقعت غاز بروم اتفاقا مع نيجيريا فى عام 2013 حتى ظهرت أعمال العنف الطائفى وكان من نتائجة ظهور جماعة بوكو حرام فى الشمال الشرقى , وأدعت الولايات المتحدة أن الأمر حدث بالصدفة فى حين هاجمت الصحف الامريكية الدخول الروسى لمنطقة غرب أفريقيا باعتبارها منطقة مصالح غربية , والأمر ليس بمعزل عن الاتفاقات التى جرت منذ 2009 بين الحكومة الجزائرية وحكومة النيجر ونيجيريا لمد خطوط الغاز عبر الصحراء بمشاركة شركة غاز بروم التى تستثمر فى الجزائر وتنشط فى اعمال التنقيب عن الغاز بالشراكة مع الشركة الوطنية الجزائرية سوناطراك , ولكن تبقى احتمالات التدخل العسكرى المباشر فى غرب أفريقيا غير واردة لأن الشركات الأمريكية مازال لها نصيب الأسد فى الثروات الطبيعية لهذة الدول , ولكن من تجربة سوريا فأن دور الوكيل والذى يتصادف دائما أن يكون جماعات دينية اسلامية يوفر الكثير من تكاليف الحرب المباشرة , ويؤكد فى نفس الوقت أن الاسلام السياسى فى خدمة الأمبريالية على طول الخط من الصين شرقا الى نيجيريا غرباً ..
أما المنطقة الثانية فهى منطقة أسيا والمحيط الهادى , ويتضح مما سبق أن احتمالات المواجهة المباشرة بين الصين والولايات المتحدة هى كارثة على الاقتصاد العالمى بكل تأكيد , فى حين تبدو التوترات بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية تعبيراً عن الصراع بين الدولتين بشكل غير مباشر , لكن حتى احتمالات الحرب فى شبه الجزيرة الكورية سوف يكون لها أثار سلبية حقيقية خاصة على حركة التجارة العالمية , ومن هنا فالمشهد معقد جدا ولكن تستمر الولايات المتحدة فى حصار الصين والضغط على ملفاتها الداخلية , ومن ناحية أخرى تسعى الصين من خلال الشراكة مع روسيا ومن خلال توسيع دائرة مصالحها ونفوذها الى التخلص تدريجيا من التهديد الامريكى , وقد تبدأ الصين تدريجيا فى اتخاذ مواقف أكثر وضوحا فى السياسة العالمية لحماية مصالحها ومصالح حلفاؤها , وربما العام القادم تحديدا يشهد تغيراً واضحاً فى مواقف الصين السياسية تجاه قضايا العالم ..
اما المنطقة الثالثة فى محور الصراع , فهى أمريكا الجنوبية والتى تعتبرها الولايات المتحدة عمق استراتيجى لها وغير مسموح أبدا لأى قوى أجنبية أو أوربية بالتواجد فى أمريكا الجنوبية وذلك منذ تفعيل مبدأ مونرو 1823 م , ولكن مع انضمام البرازيل لدول البريكس ووجود دول مقاومة للنفوذ الأمريكى فى القارة تبدو احتمالات انتقال الصراع العالمى خاصة مع الصين التى تستورد خمس وارداتها الغذائية من أمريكا الجنوبية محتملاً فى السنوات القادمة , وهناك مرتكزات حقيقية للصين فى اطار التحالف مع الدول التى تقاوم النفوذ الأمريكى مثل فنزويلا والتى تحاول الأدارة الامريكية دون جدوى الاطاحة بالنظام الأشتراكى الذى اسسه الرئيس الراحل هوجو تشافيز , لكن لا تبدو المنطقة مرشحة بأى حال لأحتمالات حرب كبيرة فى المستقبل القريب ..
أما منطقة الصراع المتوتر الأن بشكل واضح فهى شرق أوربا , وهى دائرة الأمن القومى الروسى والغريب أن يتعامل الأمريكان مع مجال روسيا الحيوى باعتباره النقطة الضعيفة فى مناطق الصراع فى العالم , لكن لا تبدو روسيا ضعيفة ولكن تبدو السياسة الامريكية فى حالة تهور واضح , وربما تضحية بمصالح أوربا نفسها وخاصة المانيا والمجموعة الجرمانية " النمسا والتشيك وسويسرا والمانيا " , وتحاول الولايات المتحدة جر روسيا الى الحرب فى أوكرانيا او التصعيد عسكرياً ولكن تبدو السياسة الروسية أكثر انضباطاً واستراتيجية من حالة التخبط والعدوانية التى تمارسها واشنطن , وعلى جبهة الصراع فى شرق أوربا فالعقوبات الاقتصادية كما ذكرنا لن تؤثر على روسيا , بل ان التناقضات داخل الأتحاد الأوربى وتعارض المصالح بين دوله تدفعه الى التفكك والى تشكيل وضع استراتيجى وجيوسياسى جديد فى أوربا خلافا لما تم اقراره بعد الحرب العالمية الثانية , ومن هنا يبدو مصير الصراع فى السنوات القادمة الى مزيد من التراجع والانحسار للدور الأمريكى , وتثبيت دعائم نظام عالمى جديد متعدد الأقطاب والقوى , وهذا لا يعنى ان الولايات المتحدة سوف تنسحب بسهولة فمن المؤكد انها سوف تسعى لاستخدام سلاح المظاهرات الممولة ضد بوتين نفسه فى روسيا أو ضد الحزب الشيوعى الحاكم فى بكين , ولكن الولايات المتحدة نفسها ليست بمنأى عن مظاهرات مماثلة كالتى حدثت فى حركة " احتلوا وول ستريت " ولكن ربما بشكل أكثر تأثيراً فالواقع الداخلى فى الولايات المتحدة نفسها ليس مثالياً , وستضطر الولايات المتحدة عاجلا أم أجلا الى الانسحاب على مستوى جبهات عديدة , أو أن تسمح بمشاركة الصين وروسيا فى مناطق النفوذ على اساس قواعد النظام العالمى الجديد , وهذا يحيلنا مرة أخرى الى مصر ومستقبل الدولة بعد 30 يونيو ..
وتبدو القاهرة فى ضوء المتغيرات العالمية فى موقف صعب للغاية , فمع الضغط الشعبى المتزايد والازمة الاجتماعية - الاقتصادية المتفاقمة تجد مصر نفسها فى وضع لا يسمح بالتحرك فى مجال أمنها القومى الا فى الحدود الضيقة وخاصة الجوانب الأمنية والعسكرية , فالتحرك الواضح من الدولة المصرية لدعم اللواء خليفة حفتر فى ليبيا والرجل الذى كان قائدا للقوات الليبية التى شاركت فى حرب أكتوبر , اختلف مع القذافى بعد فشله فى ادارة عملية عسكرية ضد تشاد وتم أسره فتبرأ منه القذافى حيث نفى وجود قوات ليبية مقاتلة فى تشاد , فانشق حفتر على القذافى وسافر الى الولايات المتحدة وعاد ليشارك فى التمرد المسلح الذى أطاح بنظام القذافى عام 2011 , واتصالات حفتر بالأمريكان معروفة ولكن يبدو التعويل المصرى عليه بديلا للجماعات المسلحة تحرك سليم فى ضرورة تأمين الحدود الغربية للبلاد , ولكن أختيار حفتر تحديدا يشير بوضوح أن ليبيا ومصر يتحركون فى اطار الحلف الأمريكى ومصالحه ..
وفيما يتعلق بالحدود الشرقية , كانت تصريحات المسئولين المصريين وكل من مرشحى الرئاسة بخصوص اتفاقية كامب ديفيد والوضع فى سيناء متقاربة تماما , وبين الوعود المتكررة عن تعمير سيناء والتى تعهد بها مبارك نفسه يبدو النظام يكرر نفس الخطاب دون أن تكون لديه الجرأة لمصارحة المصريين بحقيقة الأمر , فانه من غير المقبول اسرائيلياً أن تتحول سيناء لخط دفاع أول يعيش فيه 3 مليون مواطن مصرى , وأن تحرك كهذا معناه أن النظام قد اتخذ قراراً بالمقاومة والتجربة مع جمال عبد الناصر تثبت أن أى محاولة مصرية للبناء والتنمية سوف تواجه بكل عنف ولهذا كانت ضربة 67 لتعطيل المشروع الناصرى ووقف قطار التنمية والتصنيع ..
أما على الحدود الجنوبية فتبدو الاشارة المصرية لمشكلة حلايب وشلاتين خالية من أى خطة مستقبلية للتكامل مع السودان , وتأمين مجالنا الحيوى فى الجنوب وهو ما يترتب عليه استنتاج ما سيكون عليه أداء النظام السياسى تجاه ملف سد النهضة , لأنه حتى وبعد انتخاب الرئيس فمصر لا تملك أدوات حقيقية للضغط وهى تسعى هنا وهناك وراء اثبات حقها التاريخى والقانونى فى مياه النيل بينما الموقف الأثيوبى لا يهتم بمطالب القاهرة , والمشكلة أن سد النهضة هو البداية فى سلسلة سدود تنوى أثيوبيا بنائها وهو ما سيؤدى لكارثة فى مصر , ولو لجأت مصر للوساطة فانها سوف تتنازل بكل تأكيد عن مصالحها ودورها فى المنطقة العربية ..
فى حين تستدرك مصر لصراع غير مقبول ولا تستطيع القاهرة تحمل تكلفته ضد ايران , فى اشارة للمناورات العسكرية المصرية الأخيرة فى الخليج , وبينما تستمر مصر فى التحرك داخل الحلف الامريكى يتمايز الموقف السورى وهو موقف ممانعة حقيقى وضع نفسه على مسار مختلف تماما فى دائرة الصراع العالمى بما يحقق المصالح المشتركة بينه وبين روسيا الأتحادية , وهو خلاف التنازلات المصرية المتتالية لصالح الولايات المتحدة والتى دفعت بالأخيرة الى محاولة التخلص من الدولة نفسها بتصعيد الاخوان المسلمين الى السلطة ..
ومصر تستطيع أن تتحرك فى مجالها الحيوى وتعيد رسم سياستها بما يحقق مصالحها , فهى لو تحركت فى أفريقيا سوف تصطدم بالجميع " الصين - السعودية - الولايات المتحدة واسرائيل " لكن لقوة مصر الناعمة فى مجالها الحيوى قدرة أكبر على اجتذاب الشعوب الأفريقية التى ينتمى لها الشعب المصرى بالاساس ..
اما عن الوضع الداخلى فيعول النظام على حزمة المساعدات والاستثمارات الخليجية , وعلى نفس المسار والاختيار الاقتصادى الذى بدأ بالانفتاح فى السبيعنيات ثم كانت قرارات الاصلاح الاقتصادى فى التسعينات وعمليات الخصخصة , وبعدها قروض صندوق النقد الدولى والتى قبلتها حكومة الأخوان وحكومة محلب على السواء , وهو ما يلقى الضوء على طبيعة الصراع الطبقى فى مصر , بين أجنحة البرجوازية المصرية التى تسطو على أحلام الشعب وتدفعه الى مسار صراع لا يخدم مصالحه بأى حال , وبالتالى سوف يستمر التناقض بين مصالح الشعب المصرى وبين الولايات المتحدة وارتباطات كامب ديفيد ومن يمثل مصالح الولايات المتحدة فى مصر , ولن يتوقف الغضب الشعبى حتى يصل الى السلطة تيار ثورى منظم يعبر عن مطالب الجماهير ومصر تحتاج الى عشر سنوات على الأقل لبناء تنظيم ثورى حقيقى يمتلك نظرية ثورية وكوادر مؤهلة تستطيع أن تقود الثورة المنظمة وتؤهل الوطن لمعركة الاستقلال الوطنى ...
المصادر والمراجع :
1 / معارك ناصرية " قراءة جديدة فى تاريخ مصر " عمرو صابح , الطبعة الأولى يناير 2011 , ص " 104 - 119 " , " 241 - 262 " ..
هامش 1 من المرجع السابق / وثيقة منسوبة للملك السعودى الراحل فيصل بن عبد العزيز نقلتها عن كتاب (عقود من الخيبات) للكاتب /حمدان حمدان ، والوثيقة عبارة عن رسالة من الملك فيصل إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون .
وهى وثيقة بتاريخ 27 ديسمبر1966 م، وتحمل رقم 342 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودى ،وفيها يقول الملك السعودى:
"من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس ، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هى العدو الأكبر لنا جميعا ، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا ، فلن يأتى عام 1970 – كما قال الخبير فى إدارتكم السيد كيرميت روزفلت – وعرشنا ومصالحنا فى الوجود , لذلك فأننى أبارك ، ما سبق للخبراء الأمريكان فى مملكتنا ، أن اقترحوه ، لأتقدم بالاقتراحات التالية:
-أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية فى مصر، لتضطرها بذلك ، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط ، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أى مصرى رأسه خلف القناة ، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر فى وحدة عربية ، بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب ، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها ، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول ( أرحموا شرير قوم ذل ) وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة فى الإعلام.
- سوريا هى الثانية التى لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم ، مع اقتطاع جزء من أراضيها ، كيلا تتفرغ هى الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر.
- لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة ، كيلا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك ، وحتى لا تستغلهم أية دولة عربية بحجة تحرير فلسطين ، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة ، كما يسهل توطين الباقى فى الدول العربية.
- نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البرازانى شمال العراق ، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أى حكم فى بغداد يريد أن ينادى بالوحدة العربية شمال مملكتنا فى أرض العراق سواء فى الحاضر أو المستقبل، علما بأننا بدأنا منذ العام الماضى (1965) بإمداد البرازانى بالمال و السلاح من داخل العراق ، أو عن طريق تركيا و إيران.
يا فخامة الرئيس
إنكم ونحن متضامين جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة و لمصيرنا المعلق ، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها ، دوام البقاء أو عدمه.
أخيرا
أنتهز هذه الفرصة لأجدد الإعراب لفخامتكم عما أرجوه لكم من عزة ، و للولايات المتحدة من نصر وسؤدد ولمستقبل علاقتنا ببعض من نمو و ارتباط أوثق و ازدهار".
المخلص : فيصل بن عبد العزيز
ملك المملكة العربية السعودية
عندما قرأ السيد"سامى شرف" سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات ووزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق تلك الرسالة/الوثيقة فى مقالى (غياب عبد الناصر ..هل كان صدفة؟) على موقع منتديات الفكر القومى العربى قام بكتابة هذا التعليق :
"كنت فى زيارة لإحدى البلدان العربية الشقيقة سنة 1995 وفى مقابلة تمت مع رئيس هذه الدولة تناقشنا فى الأوضاع فى المنطقة وكيف أنها لا تسير فى الخط السليم بالنسبة للأمن القومى وحماية مصالح هذه الأمة واتفقنا على انه قد حدث ذلك منذ أن سارت القيادة السياسية المصرية بدفع من المملكة النفطية الوهابية والولايات المتحدة الأمريكية على طريق الاستسلام وشطب ثابت المقاومة من أبجديات السياسة فى مجابهة الصراع العربى الصهيونى ، ولما وصلنا لهذه النقطة قام الرئيس العربى إلى مكتبه ،وناولنى وثيقة وقال لى : يا أبوهشام أريدك أن تطلع على هذه الوثيقة وهى أصلية وقد حصلنا عليها من مصدرها الأصلى فى قصر الملك فيصل ،ولما طلبت منه صورة قال لى يمكنك أن تنسخها فقط الآن على الأقل وقمت بنسخها ولعلم الأخوة أعضاء المنتدى فهى تطابق نص الوثيقة المنشورة فى هذا المكان وقد راجعت النص الموجود لدى بما هو منشور أعلاه فوجدتهما متطابقين ،أردت بهذا التعليق أن أؤكد رؤية مفادها ان عدوان 1967 كان مؤامرة مدبرة وشارك فيها للأسف بعض القادة العرب وقد يكون هناك ما زال بعد خفيا عنا مما ستكشفه الأيام القادمة، رحم الله عبد الناصر العظيم ، كان وسوف يظل البعبع لأعداء العروبة والوحدة ، ولن يصح إلا الصحيح وإن طال الزمن."
كان هذا هو تعقيب الوزير"سامى شرف" على تلك الوثيقة بالغة الخطورة،وعندما تشرفت بلقائه سألته عن أسم الرئيس العربي الذى أطلعه على الوثيقة الأصلية لرسالة الملك فيصل بن عبد العزيز إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون ؟
فأجابنى السيد "سامى شرف" : أنه الرئيس السورى الراحل "حافظ الاسد".
2 / مقال بعنوان " حرب الغاز والصراع على سوريا والشرق الأوسط , بقلم: د.عماد فوزي شعيبي صحيفة البناء اللبنانية , رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية ..
3 / روبين ميرديث " الفيل والتنين " تجربة صعود الهند والصين ودلالة ذلك لنا جميعاً ..
هامش 3 من المرجع السابق / تقرير " مراجعة الدفاع الذى تصدره الولايات المتحدة كل أربع سنوات عام 2006
" ان هدف الولايات المتحدة بالنسبة للصين هو أن تستمر كشريك اقتصادى وأن تظهر فى صورة مشارك فى الرهان ذى مسئولية وصاحب قوة من أجل خير العالم " ويختتم التقرير رؤيته بقوله " وسوف نحاول ردع اى منافس عسكرى عن طريق الاقناع لمنعه من تطوير قدرات معطله أو غيرها تمكنه من تحقيق هيمنة أقليمية أو القيام بعمل معاد ضد الولايات المتحدة أو البلدان الصديقة وسوف تسعى الولايات المتحدة الى ردع أى عدوان أو أسلوب قسرى واذا ما أخفق اسلوب الردع فان الولايات المتحدة ترفض من أى قوة معادية أن تعطل أهدافها الاستراتيجية " ... انتهى التقرير

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.