الاثنين، 20 يونيو 2011

أمبراطورية ... ولكن !!!

"إذا لم تكن تعرف إلى أين تتجه ، فإن كل الطرق تؤدي بك إلى هناك"

فى ملحمة الحرافيش يتتابع كفاح الاجيال من أجل الحرية والعدالة والحق ؛ ليصل بنا الكاتب الى المشهد الاخير الذى يجسد بعبقرية تبدو وكأنها تبنؤ لمراحل تطور حياة شعب .
 فى المشهد الاخير نجد عاشور الناجى "الحفيد" يوجه سؤالا مصيريا فى دقته للحرافيش ؛ ماذا بعد ؟ نعم ماذا بعد أن اساعدكم وأكون "فتوة" الحارة وأصون الحق ثم أموت .. فكيف يكون حالكم بعدى ؟
هذا هو السؤال الذى لابد ان توجهه الثورة الوليدة لنفسها أولا ؛ لقد كافح الشعب المصرى دائما من أجل أمته ومن أجل استقلاله وحرية اراضيه ؛ ثم وجد العالم من حوله يتقدم ويتغير بسرعة مذهلة فأبى ان يكون فى مصاف المتأخرين وانتفض ليزيل غبار الرجعية والانهزامية ؛ فكانت ثورتة الشاملة التى جمعت كل أطياف الشعب وفئاته من أجل هدف واحد الا وهو تقدم مصر ورفعتها
وانطلاقا من طبيعة هذة الثورة علينا ان نجيب على السؤال أولا ..ماذا بعد ؟ ؛ وكيف نحقق انطلاقه عصرية لمصر دون أن تخضعنا صراعات الموضع والموقع - التى تميز الشخصية المصرية - الى قوانينها فتنتهى بنا الى شمولية جديدة والى استبداد لا نهاية له .

لقد قيل كثيرا أن الشعب المصرى تواقا الى حياة الذل والاستبداد ؛ وانه لا يقبل الا ان يحكمه "فرعون" ؛ وقد يكون فى هذا الرأى شيئا من الصحة تدعمه أحداث التاريخ الذى يبدو تاريخا استبداديا بجداره ؛ الا ان واقع الامر وبتمعن قليل فى تفاصيل شخصية مصر يفتح الافاق امام الرؤية الكاملة التى كونت بالفعل الشخصية المصرية ؛ فهناك سمات عده تميزت بها مصر عن بقية دول العالم مما اعطى لها شخصية فريدة ومتميزة .

والباحث فى شخصية مصر لابد ان يتوقف كثيرا عند احدى اهم السمات وضوحا الا وهى المركزية الطاغية التى تميزت بها البلاد
فنحن أولا ازاء مركزية جغرافية تميز بها شكل اللاندسكيب المصرى ؛ فالجسد المصرى بأكمله يمتد طولا من الجنوب الى الشمال داخل شرنقه الصحراء الواسعة ؛ وهو ما يعبر عنه جمال حمدان ببراعه حيث يقول أن مصر مسافه لا مساحة ؛ فلدينا الصعيد الذى يترامى بتعرجاته نحو 1000 كم ؛ أما الدلتا فبرغم اتساعها النسبى فهى تعدم أى محاور عرضيه بين الشرق والغرب ولهذا نجد صعوبة فى المواصلات عبر الدلتا بالعرض وكثيرا ما تدور الطرق حولها بعيدا عن قلبها اما نحو الساحل شمالا او الى رأسها فى القاهرة جنوبا ؛ وهنا تظهر القاهرة كقلب للجسد المصرى حتى يمكننا أن نقول ان كل الطرق تؤدى الى القاهرة .

ثانيا ونتيجة لتلك المركزية الجغرافية تأتى المركزية الوظيفية ؛ فنحن ازاء بيئة فيضية  ولمواجهة مشكلات الرى احتاجت تلك البيئة للتنظيم الذى كان لابد أن يكون مركزيا ؛ وبالتالى يتبع سلطة مركزية واحدة
صحيح ان هذة المركزية كانت سببا فى وحدة مصر السياسية لكنها انتجت معها جيشا من الموظفين وأصبحت البيروقراطية أحد مركبات الحضارة المصرية ؛ والدليل على ذلك الاهمية الكبرى التى كان عليها الموظفين فى مصر القديمة مثلا ؛ حتى ليمكننا أن نقول ان البرجوازية التى مثلتها طبقة التجار فى أوربا ؛ كانت تمثلها طبقة الموظفين فى مصر ؛ وكان الانتقال من رى الحياض الى الرى الدائم خطوة أساسية لتأكيد هذا النمط المركزى البيروقراطى ؛ والذى يزيد من أزمته تحديدا هو عدم التوازن بين حجمه ووظيفته والذى يظهر دائما فى ظل النظام الرأسمالى والاقطاعى .

من هذة المركزية الجغرافية والوظيفية ظهرت المركزية الحضارية التى تميزت بها العاصمة فى مصر عموما ؛ فنحن أمام حاله متكررة فى التاريخ المصرى كانت فيه العاصمة تمثل طغيانا لمظاهرة الحياة فى القطر بأكلمه ؛ واذا أخذنا القاهرة كعاصمة تاريخية ألفيه نجد ان المركزية الصارخة واضحه للغاية فنحن ازاء كثافة سكانية تصل الى أكثر من 20 مليون نسمة وهو ما يماثل ربع سكان الدولة بأكلمها ؛ فى حين ان مدينة كالاسكندرية وبافتراض انها العاصمة الثانية لا يزيد سكانها عن الاربعة ملايين ؛ بالاضافة لتركز رأس المال والخدمات والمصالح الحكومية فى القاهرة ؛ حتى ليمكننا أن نقول ان تاريخ مصر يكاد يكون هو تاريخ القاهرة ؛ ومن الظواهر النادرة ان يقترن اسم الدولة باسم العاصمة ؛ وهو ما نجده فى حاله القاهرة والتى تشتهر فى الاوساط الشعبية "بمصر" ....

من هنا يتضح لنا أن المركزية أثرت فعليا فى تشكيل الشخصية المصرية ؛ بل وأعطت مبررا بشكل أو بأخر للاستبداد السياسى ؛ فما علاقة كل هذا بالثورة واجابة السؤال المطروح ؟....

فالنتابع ... لقد قامت الثورة كتتويج لكفاح الشعب وباعتبارها طورا متقدما يعبر به الشعب المصرى لمصاف الشعوب الحرة فى العالم ؛ ورفعت الثورة شعارات العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية  ؛ ولتحقيق ذلك فعليا وللمحافظة على التعددية التى تميزت بها الثورة ؛ بل نقول من أجل المحافظة على الوحدة الوطنية ضد الافكار الشمولية التى من الطبيعى ان ينتجها مجتمعا بهذا التاريخ العريق من المركزية التى وفرت مناخا للاستبداد ؛ بل ويزيد ان المجتمع المصرى الذى يعانى من أزمه حضاريه يعانى أيضا من حاله تبعيه وتخلف وكل هذا مبرر للشمولية ورفض الاخر فى ظل تباين واضح بين الافكار مما يعود بنا الى الوراء مرة أخرى .

 فما العمل ؟.... الحقيقة ان العدالة التى نطالب بها فى توزيع الثروة لابد ان يلازمها عدالة فى توزيع الادوار أيضا بين الاقاليم المصرية  بالتزامن مع مشروع تنموى يفتح افاق جديدة ويغير من شكل اللاندسكيب المصرى تماما ؛ فنحن بصدد ضرورة تبنى عدد من المشروعات التنموية المطروحه مثل مشروع ممر التعمير فى الصحراء الغربية ويفتح هذا المشروع افاقا جديدة للامتداد العمرانى والزراعى والصناعى والتجارى حول مسافة تصل الى 2000 كم ؛ بالاضافة للمشاريع الخاصة بتنمية سيناء والتى تهدف الى توطين 3 مليون مصرى بها بحلول عام 2017 .

ان العمل أولا من أجل تنفيذ هذة المشاريع وتحويلها الى أمر واقع سيكون الدفعة الاولى فى سبيل توسيع أفاق الشخصية المصرية ويؤكد تعددية ثورتها ؛ حيث سيكون خطوة أولى فى سبيل التخلص من المركزية الجغرافية والوظيفية والتى قد تكون مبررا للاستبداد السياسى وسيقضى ذلك تماما على صورة الحاكم التقليدية كضابط للعلاقة بين النهر والمصريين؛ ثم انها ستوفر امكانات عديدة تمكن مصر من القيام بنهضة فى كافة المجالات ؛ مما يرفع من امكانات الموضع والبيئة الطبيعية ليتوافق مع ما يفرضه الموقع من التزامات وما يعطيه من مميزات .
فدائما كانت مصر ضحية للعلاقة التاريخية بين الموضع حيث الموارد الطبيعة ومدى توافقها مع موقع مصر الاستراتيجى فى العالم ؛ ولطالما كانت المعادلة بينهما هى التى تحدد مصير مصر ؛ فاذا توافقت امكانات الموضع مع متطلبات الموقع المتوسط قامت مصر أمبراطورية عظيمة ؛ اما اذا لم تتوافق تراجعت مصر وأصبحت تابعا للقوى العالمية المسيطرة .

ومن هنا فمع العمل من أجل تغيير شكل اللاندسكيب المصرى ستفقد القاهرة جزء من أسباب عوامل هيمنتها ألا وهى الموقع المتوسط وذلك بشكل نسبى ؛ لكن اذا كنا بصدد الحديث عن امبراطورية بحق فان دوائر عمل السياسة المصرية تفتح لنا افاقا ثلاثة أولها الدائرة العربية والاسلامية وتستطيع القاهرة بجدارة باعتبارها عاصمة تاريخية أن تقوم تكمل دورها العربى والاسلامى حتى بعد انهيار الكيان الصهيونى ؛ ثم الدائرة الافريقية والتى تحتاج لانشاء عاصمة جديدة  تكون اقرب الى الجنوب الغربى حيث تشرف على مشاريع التنمية فى الصحراء الغربية وتكون منطلق للتوجه المصرى لافريقيا باعتبارها دائرة امن قومى من ناحية ؛ وسوقا لاستيراد المواد الخام وتصدير المنتجات المصرية من ناحية أخرى ؛ ثم تأتى الاسكندرية لتلعب دورها فى الدائرة الثالثة حيث الاتصال بأوربا فى ظل علاقات التبادل التجارى والتكنولوجى ؛ ومن هنا فنحن ندعوا لثلاث عواصم لمصر العظمى وهو أمر مقبول اذا كنا نتحدث عن امبراطورية ؛ واعتمادنا هنا سيكون على مبدأ العاصمه الموجهه الذى اعده وقدمه لآول مره "فوجان كورنيش" فى كتابه العواصم العظيمة فى اطار الدوائر الثلاثة التى يجب ان تحكم السياسة الخارجية لمصر بشكل عام .

من كل ما سبق نقول اننا نحاول أن نرسم طريقا يكمل مسار الثورة منطلقا من أهدافها ؛ من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على التعددية الرائعة التى تميزت بها الثورة وللقضاء على أى ذريعة قد تفضى بنا الى نظام شمولى جديد أى كانت مبرراته ؛ كل هذا سعيا لبناء الامبراطورية المصرية ؛ ولا نقول دولة امبريالية بل نقول دولة عظمى لها مكانتها الدولية تحمل رسالة السلام والخير للبشرية .

فى الحقيقة ان الذى يمعن النظر فى شخصية مصر جغرافيا وتاريخيا يدرك انها حقا أمبراطورية .... ولـكـن

وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

والله الموفق

بقلم وليد سامى واصل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.