لقد شغلت مسألة القيمة الانسانية ومحدداتها المجتمع الانسانى عبر التاريخ ؛ وانقسمت المجتمعات البشرية الى طبقات مختلفة تحددت فيها القيمة الانسانية وفقا لمعايير العصر الذى عاشت فيه تلك المجتمعات ؛ فتنوعت بين السلطة والنفوذ والثروة ؛ او الاصل والنسب .ومع ظهور المجتمعات الراسمالية فى الغرب الاوربى مع عصر النهضة الصناعية ؛ ظهر راس المال كمحدد رئيسى للقيمة الانسانية ؛ وظهرت قوة ونفوذ طبقة الراسماليين التى استطاعت ان توجه كل طبقات المجتمع لخدمة مصالحها التجارية .فى ذلك الوقت الذى مرت فيه اوربا بطور الثورات الاجتماعية والنهضة الصناعية ؛ كانت مجتمعاتنا العربية خاضعة للاستعمار البغيض الذى اعادها للعصر الحجرى ؛ فبينما كانت اوربا تكتشف طاقة البخار ؛ كان الوطن العربى يكتشف القوة الخارقة لاعمال الدجل والشعوذة .ومع ظهور الحركات الاشتراكية بدات تعود للاذهان قيمة العمل باعتباره المحدد الوحيد للقيمة الانسانية فى المجتمع العادل ؛ الذى يمثله المجتمع الاشتراكى .فقيمة كل انسان تتحدد على قدر عمله ؛ ولا تتحدد على اساس ثروته او اصله او نسبه او غير ذلك من امور ؛ فالدور الذى يقوم به المهندس له اهمية ؛ والدور الذى يقوم به الطبيب له اهمية ؛ وكلاهما لا يزيدا اهمية عن دور العامل او الفلاح ؛ فى خدمة المصالح المشتركة للمجتمع ككل .ان اساس الفكرة المجتمعية تقوم على الاشتراك بين عناصر وافراد المجتمع فى تحمل اعباء حياتهم المشتركة ؛ فالكل يساهم فى الانتاج حسب ما يقدمه من جهد ؛ وبالتالى فالكل له الحق فى نصيب عادل من الثروة الوطنية ؛ وهنا يتحقق مبدأ المشاركة الفعلية لما نسميه بالفعل منظومة اجتماعية سليمة وصحيحة ؛ يتحمل فيها كل فرد واجباته وينال فيها كل فرد نصيبه من نجاح المجتمع بشكل عام .ان رأس المال لا يستطيع ان يقود حركة الانتاج وحده بدون الحاجة الى العمل ؛ وهنا نجد اصحاب رؤوس الاموال يسارعون بالرد بان اموالهم هى التى تحرك عجلة الاقتصاد وبدونها يصبح العمل بلا قيمة ؛ وهم يحاولون ان يغالطوا انفسهم حين يتناسوا ان رؤوس اموالهم فى حاجة للعمل الذى يحول هذة الاموال الى انتاج وبالتالى الى ارباح ؛ وهذا يؤكد فكرة المشاركة فلو افترضنا وجود راس المال بدون العمل الذى سيحوله لانتاج ؛ فاننا نعرف النتيجة الحتمية وهى تضخم فى راس المال ويصبح المال بلا قيمة .وبالتالى فالعمل وراس المال يشتركان فى الوجود وفى اعتماد كل منهما على الاخر فى وجوده ؛ وهذا يقتضى بالضرورة ان يشتركا سويا فى الارباح ؛ تحقيقا للعدل وتأكيدا على حقيقة المجتمع واسسه القائمة على العدل .وهذا هو اساس العدالة الاجتماعية ؛ واساس مجتمع تسوده حياة سلمية بين الطبقات بلا احقاد او ضغائن ؛ وهوالعكس تماما مما نراه الان فى المجتمع المصرى الذى سيطر عليه رأس المال واستطاع تسخير كل موارد الدولة لاجبار العمل على الارتباط به والحاجة اليه ؛ وهو ما يتزامن مع القهر السياسى وقمع الحريات ؛ وهى احد ظواهر المجتمعات الراسمالية المستغلة ؛ مما احدث خللا فى النظام الاجتماعى المصرى ؛ وساهم فى تهديد السلام الاجتماعى لهذا المجتمع العريق ؛ فاصبح المجتمع هشا ضعيفا امام المؤامرات الخارجية ؛ واكثر عرضة لخطر ثورات الجياع التى ستقضى على الاخضر واليابس .
***
اذا كيف نصل لهذا المجتمع الذى نتمنى فيه تعايشا سلميا بين طبقاته ؟؛ان طريق الاشتراكية العربية يمثل حلا ناجعا لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق بين الطبقات ؛ وحل الصراع الطبقى بشكل سلمى .ولم يكن ذلك الحل الاشتراكى وليد الصدفة ؛ بل جاء عن تجربة وممارسة فقد حاولت الثورة فى بداية الامر الاعتماد على التنمية الراسمالية ؛ وقدمت حكومة الثورة تسهيلات كبيرة لاصحاب رؤوس الاموال المصريين والاجانب ؛ فمثلا صدر القانون رقم 120 لسنة 1952 تعلن به الثورة انها تكفل للاجانب الذين يوظفون رؤوس اموالهم فى مصر ان يكون لهم متى ارادوا ا5 % من مجموع راسمال الشركة بدلا من 49% ؛ اى ان الثورة اعطتهم الحق الكامل فى الادارة ؛ ثم صدر القانون رقم 31 فى 15 يناير 1953 ليؤجل سداد الضرائب المستحقة اذا طرات ظروف عامة او خاصة تحول بالممول دون سداده للضرائب ؛ وغيرها من القوانين التى صدرت باعفاءات ضريبية للشركات الخاصة لحثها على المساهمة فى عملية التنمية .وفى خطبة للزعيم جمال عبد الناصر فى 26 يوليو بالاسكندرية عام 1957 ؛ هاجم فيها اليسار واليمين ؛ واكد على اعتماده على التنمية الرأسمالية كطريق للبناء والتنمية ؛ لكن الرأسمالية خذلته وتخلت عن كل وعودها خوفا على اموالها ؛ ومن هنا جاءت القوانين الثورية الاشتراكية فى 23 يوليو 1961 (الثورة الثانية ) التى قدمت الحل الاشتراكى كبديل لراسمال المستغل ؛ ليقود حركة التنمية الجبارة التى اوصلت مصر لمعدل تنمية بلغ 8% بعد تنفيذ الخطة الخمسية الاولى (1960- 1965 ).ورغم ان تخلى الراسمالية عن الثورة رغم كل التسهيلات التى قدمت لها ؛ كان احد اهم العوامل فى التحول الاشتراكى الكبيرة الذى احدثته قوانين يوليو الاشتراكية ؛ الا ان احد اهم الاسباب يعود لشىء اخر الا وهو البيئة المصرية الفقيرة ؛ فمصر دولة فقيرة ولا تسمح لها مواردها باقتصاد تقود النزعات الفردية للاستغلال ؛ فالراسمالية فى الدول النامية لا يمكنها ان تقود الانطلاق الاقتصادى الا فى حالتين ؛اولهما ان تحمى نفسها عن طريق فرض الرسوم الجمركية على الواردات ؛ وهذا الامر اصبح صعبا للغاية خاصة فى اطار اتفاقيات التجارة العالمية ثانيا ان تربط نفسها بأحد الاحتكارات العالمية وبهذا يظهر امامنا اقتصادا تابعا ؛ نفقد على اثره استقلالنا السياسى .ان الدول الراسمالية الحالية (باستثناء الولايات المتحدة) كونت ثرواتها خلال عهود الاستعمار وقادت نهضتها الاقتصادية فاصبح لديها القوة والقدرة على المنافسة بما يمكنها من الاستمرار طويلا دون ان تستطيع الدول النامية اللحاق بها ؛ بل انها تتدخل لمنع هذة الدول من استكمال تطلعاتها للنمو للتقدم .لهذا فان الاشتراكية العربية هى الوسيلة المتاحة لمواجهة مشكلات المجتمع المصرى والعربى ؛ والذى تواجهه مشكلتان اساسيتان ؛الاولى هى مشكلة النمو والتقدم ؛ وكما تحدثنا سابقا فان الظروف والموارد فى مصر واغلب الدول العربية لا تسمح بان تقود تنميتها الراسمالية المستغلة التى ستسعى لخدمة مصالحها فقط ؛ بل وقد تلجىء الى التأمر على مجتمعاتها حفاظا على مصالحها .وتقدم الاشتراكية العربية الحل فى سيطرة الشعب على وسائل الانتاج الرئيسية ورقابته عليها ؛ من اجل زيادة الثروة الوطنية وذلك بتجميع المدخرات الوطنية ووضع كل خبرات العلم الحديث فى خدمه استثمار هذة المدخرات فى اطار تخطيط مركزى وشامل لعملية الانتاج ؛ يتوافق معه عدالة فى التوزيع ؛ حيث تعود فائدة العمل الاقتصادى على الجموع الشعبية العاملة ؛ بما يصنع لها مجتمع الرفاهية الذى تتطلع اليه .
***
اما القضية الثانية فهى قضية السلام الاجتماعى داخل الجتمع العربى الذى تتعدد طبقاته وفئاته ؛ والاشتراكية كأسلوب ومنهج للحياة تقدم الحلول لهذة المشكلة من خلال تأكيدها على دور الانسان كقائد لحركة المجتمع باستخدام الية ديمقراطية تجسد الارادة الاجتماعية؛ وتساهم فى تاكيد التعايش السلمى بين طبقات المجتمع ؛ وبالتالى فاشتراكيتنا ليست مجرد نظام اقتصادى مجرد ولكنها منهجا للحياة فى مختلف المجالات ؛ وتعتبر صيغة تحالف قوى الشعب العاملة خير تعبير عن الديمقراطية الاجتماعية ؛ فان وحدة هذة القوى هى السبيل الوحيد لمواجهة التحديات التى يفرضها علينا الاستعمار وقوى الرجعية والراسمالية المستغلة ؛ وقد يحدث مناقشات واختلافات بين هذة القوى ؛ لكنها لا تتصادم باى حال من الاحوال ؛ فجميعها يعمل من اجل المصلحة العليا للمجتمع بدون استغلال ؛ وبدون سيطرة طبقة على اخرى .
لماذا اشتراكية عربية ؟ ؛ان الاشتراكية العربية هى نتاج ظروف مجتمعنا العربى والاسلامى ؛ فهى تسعى لتحقيق جوهر الاسلام فى العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر على اساس مبدأ اتاحة الفرصة للجميع ؛ واختلفت اشتراكيتنا عن الاشتراكية الماركسية اللينينية ؛ وكثيرا ما تمت مهاجمة هذة الاشتراكية بمصطلحات مثل الاشتراكية المزعومة او الاشتراكية الكاذبة ؛ ذلك لان اشتراكيتنا العربية لا تلغى الملكية الخاصة التى اقرها الاسلام ولا تستلزم تاميم كل وسائل الانتاج ؛ كذلك لا تمس الحق الشرعى فى الارث ؛ ولا تؤمن بتاميم الارض الزراعية وتحويلها إلى مجال الملكية العامة، وإنما تؤمن استناداً إلى الدراسة وإلى التجربة بالملكية الفردية للأرض فى حدود لا تسمح بالإقطاع ؛ وكل ذلك تأكيدا على دور الشرع الاسلامى واثره فى المنظومة الاشتراكية العربية .لقد اعتمد جمال عبد الناصر فى تعريفه للاشتراكية على قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( الناس شركاء فى الماء والكلاء والنار) باعتبار هذة الموارد هى الموارد الاساسية فى عصر الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ وبالتالى اختلفت اشتراكيتنا تماما عن الاشتراكية الشيوعية فى الاتحاد السوفيتى السابق والدول الشيوعية الحاليةوبرغم ذلك فان فكرة نقل التجارب ليست عيبا فى حد ذاتها ؛ فاننا نأخذ من التجربة ما يتوافق مع مبادئنا وافكارنا ونستغنى عن الباقى الذى يخالف تلك المبادىء ؛ وقد كانت مبادئنا هى مبادىء العروبة والاسلام والتى لا تؤمن بأحلال ديكتاتورية طبقة محل اخرى ؛ وانما تؤمن بالمساواة بين الناس كل على حسب عمله وخدمته للمجتمع ؛ فى اطار من السلم الاجتماعى .لقد اكد الاسلام على قيمة العمل كمحدد للقيمة الانسانية ؛ وقد فضل الله تعالى المؤمنين بعضهم على بعض بنتائج اعمالهم ؛ وبالتالى فالنوايا الطيبة ومظاهر التقوى امام الناس وحدها لا تكفى ولا تخدم المجتمع الانسانى ؛ والله تعالى وحده يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور .ان الراسمالية كثيرا ما استغلت الدين لخدمة مصالحها ؛ وتتجاهل بذلك دور العمل وتهاجم العدالة الاجتماعية ؛ وتتجاهل مبدا المشاركة بين العمل وراس المال فى خدمة المجتمع ؛ وحينما نرى قول المولى عز وجل{وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُوْلَـئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَـلَمِينَ}.نتذكر ذلك الانكار من الراسمالية لحقوق العمل فى نصيب من الربح على قدر قيمة ذلك العمل ؛ فرأس المال يقوم بدور التاجر الذى يعطى وياخذ ؛ فهو ياخذ من العامل جهده ويعطيه اجرا مقابل ذلك الجهد ؛ ولا بد ان يكون المقابل يتناسب على الجهد المبذول ؛ والا كانوا كالمطففين تماما .ان حتمية الحل الاشتراكى فى ضوء صيغة تحالف قوى الشعب العاملة هى الحل الامثل للخروج بهذا المجتمع من مشكلاته ؛ لتقوده للتنمية والتقدم فى وقت لا يمكن ان نترك فيه مستقبلنا لنزعات راس النال الجامحة ومصالحة المستغلة التى تعمق الانقسام داخل المجتمع وتهدد بصراع الطبقات .
والله الموفق
بقلم وليد سامى واصل
***
اذا كيف نصل لهذا المجتمع الذى نتمنى فيه تعايشا سلميا بين طبقاته ؟؛ان طريق الاشتراكية العربية يمثل حلا ناجعا لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق بين الطبقات ؛ وحل الصراع الطبقى بشكل سلمى .ولم يكن ذلك الحل الاشتراكى وليد الصدفة ؛ بل جاء عن تجربة وممارسة فقد حاولت الثورة فى بداية الامر الاعتماد على التنمية الراسمالية ؛ وقدمت حكومة الثورة تسهيلات كبيرة لاصحاب رؤوس الاموال المصريين والاجانب ؛ فمثلا صدر القانون رقم 120 لسنة 1952 تعلن به الثورة انها تكفل للاجانب الذين يوظفون رؤوس اموالهم فى مصر ان يكون لهم متى ارادوا ا5 % من مجموع راسمال الشركة بدلا من 49% ؛ اى ان الثورة اعطتهم الحق الكامل فى الادارة ؛ ثم صدر القانون رقم 31 فى 15 يناير 1953 ليؤجل سداد الضرائب المستحقة اذا طرات ظروف عامة او خاصة تحول بالممول دون سداده للضرائب ؛ وغيرها من القوانين التى صدرت باعفاءات ضريبية للشركات الخاصة لحثها على المساهمة فى عملية التنمية .وفى خطبة للزعيم جمال عبد الناصر فى 26 يوليو بالاسكندرية عام 1957 ؛ هاجم فيها اليسار واليمين ؛ واكد على اعتماده على التنمية الرأسمالية كطريق للبناء والتنمية ؛ لكن الرأسمالية خذلته وتخلت عن كل وعودها خوفا على اموالها ؛ ومن هنا جاءت القوانين الثورية الاشتراكية فى 23 يوليو 1961 (الثورة الثانية ) التى قدمت الحل الاشتراكى كبديل لراسمال المستغل ؛ ليقود حركة التنمية الجبارة التى اوصلت مصر لمعدل تنمية بلغ 8% بعد تنفيذ الخطة الخمسية الاولى (1960- 1965 ).ورغم ان تخلى الراسمالية عن الثورة رغم كل التسهيلات التى قدمت لها ؛ كان احد اهم العوامل فى التحول الاشتراكى الكبيرة الذى احدثته قوانين يوليو الاشتراكية ؛ الا ان احد اهم الاسباب يعود لشىء اخر الا وهو البيئة المصرية الفقيرة ؛ فمصر دولة فقيرة ولا تسمح لها مواردها باقتصاد تقود النزعات الفردية للاستغلال ؛ فالراسمالية فى الدول النامية لا يمكنها ان تقود الانطلاق الاقتصادى الا فى حالتين ؛اولهما ان تحمى نفسها عن طريق فرض الرسوم الجمركية على الواردات ؛ وهذا الامر اصبح صعبا للغاية خاصة فى اطار اتفاقيات التجارة العالمية ثانيا ان تربط نفسها بأحد الاحتكارات العالمية وبهذا يظهر امامنا اقتصادا تابعا ؛ نفقد على اثره استقلالنا السياسى .ان الدول الراسمالية الحالية (باستثناء الولايات المتحدة) كونت ثرواتها خلال عهود الاستعمار وقادت نهضتها الاقتصادية فاصبح لديها القوة والقدرة على المنافسة بما يمكنها من الاستمرار طويلا دون ان تستطيع الدول النامية اللحاق بها ؛ بل انها تتدخل لمنع هذة الدول من استكمال تطلعاتها للنمو للتقدم .لهذا فان الاشتراكية العربية هى الوسيلة المتاحة لمواجهة مشكلات المجتمع المصرى والعربى ؛ والذى تواجهه مشكلتان اساسيتان ؛الاولى هى مشكلة النمو والتقدم ؛ وكما تحدثنا سابقا فان الظروف والموارد فى مصر واغلب الدول العربية لا تسمح بان تقود تنميتها الراسمالية المستغلة التى ستسعى لخدمة مصالحها فقط ؛ بل وقد تلجىء الى التأمر على مجتمعاتها حفاظا على مصالحها .وتقدم الاشتراكية العربية الحل فى سيطرة الشعب على وسائل الانتاج الرئيسية ورقابته عليها ؛ من اجل زيادة الثروة الوطنية وذلك بتجميع المدخرات الوطنية ووضع كل خبرات العلم الحديث فى خدمه استثمار هذة المدخرات فى اطار تخطيط مركزى وشامل لعملية الانتاج ؛ يتوافق معه عدالة فى التوزيع ؛ حيث تعود فائدة العمل الاقتصادى على الجموع الشعبية العاملة ؛ بما يصنع لها مجتمع الرفاهية الذى تتطلع اليه .
***
اما القضية الثانية فهى قضية السلام الاجتماعى داخل الجتمع العربى الذى تتعدد طبقاته وفئاته ؛ والاشتراكية كأسلوب ومنهج للحياة تقدم الحلول لهذة المشكلة من خلال تأكيدها على دور الانسان كقائد لحركة المجتمع باستخدام الية ديمقراطية تجسد الارادة الاجتماعية؛ وتساهم فى تاكيد التعايش السلمى بين طبقات المجتمع ؛ وبالتالى فاشتراكيتنا ليست مجرد نظام اقتصادى مجرد ولكنها منهجا للحياة فى مختلف المجالات ؛ وتعتبر صيغة تحالف قوى الشعب العاملة خير تعبير عن الديمقراطية الاجتماعية ؛ فان وحدة هذة القوى هى السبيل الوحيد لمواجهة التحديات التى يفرضها علينا الاستعمار وقوى الرجعية والراسمالية المستغلة ؛ وقد يحدث مناقشات واختلافات بين هذة القوى ؛ لكنها لا تتصادم باى حال من الاحوال ؛ فجميعها يعمل من اجل المصلحة العليا للمجتمع بدون استغلال ؛ وبدون سيطرة طبقة على اخرى .
لماذا اشتراكية عربية ؟ ؛ان الاشتراكية العربية هى نتاج ظروف مجتمعنا العربى والاسلامى ؛ فهى تسعى لتحقيق جوهر الاسلام فى العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر على اساس مبدأ اتاحة الفرصة للجميع ؛ واختلفت اشتراكيتنا عن الاشتراكية الماركسية اللينينية ؛ وكثيرا ما تمت مهاجمة هذة الاشتراكية بمصطلحات مثل الاشتراكية المزعومة او الاشتراكية الكاذبة ؛ ذلك لان اشتراكيتنا العربية لا تلغى الملكية الخاصة التى اقرها الاسلام ولا تستلزم تاميم كل وسائل الانتاج ؛ كذلك لا تمس الحق الشرعى فى الارث ؛ ولا تؤمن بتاميم الارض الزراعية وتحويلها إلى مجال الملكية العامة، وإنما تؤمن استناداً إلى الدراسة وإلى التجربة بالملكية الفردية للأرض فى حدود لا تسمح بالإقطاع ؛ وكل ذلك تأكيدا على دور الشرع الاسلامى واثره فى المنظومة الاشتراكية العربية .لقد اعتمد جمال عبد الناصر فى تعريفه للاشتراكية على قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( الناس شركاء فى الماء والكلاء والنار) باعتبار هذة الموارد هى الموارد الاساسية فى عصر الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ وبالتالى اختلفت اشتراكيتنا تماما عن الاشتراكية الشيوعية فى الاتحاد السوفيتى السابق والدول الشيوعية الحاليةوبرغم ذلك فان فكرة نقل التجارب ليست عيبا فى حد ذاتها ؛ فاننا نأخذ من التجربة ما يتوافق مع مبادئنا وافكارنا ونستغنى عن الباقى الذى يخالف تلك المبادىء ؛ وقد كانت مبادئنا هى مبادىء العروبة والاسلام والتى لا تؤمن بأحلال ديكتاتورية طبقة محل اخرى ؛ وانما تؤمن بالمساواة بين الناس كل على حسب عمله وخدمته للمجتمع ؛ فى اطار من السلم الاجتماعى .لقد اكد الاسلام على قيمة العمل كمحدد للقيمة الانسانية ؛ وقد فضل الله تعالى المؤمنين بعضهم على بعض بنتائج اعمالهم ؛ وبالتالى فالنوايا الطيبة ومظاهر التقوى امام الناس وحدها لا تكفى ولا تخدم المجتمع الانسانى ؛ والله تعالى وحده يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور .ان الراسمالية كثيرا ما استغلت الدين لخدمة مصالحها ؛ وتتجاهل بذلك دور العمل وتهاجم العدالة الاجتماعية ؛ وتتجاهل مبدا المشاركة بين العمل وراس المال فى خدمة المجتمع ؛ وحينما نرى قول المولى عز وجل{وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُوْلَـئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَـلَمِينَ}.نتذكر ذلك الانكار من الراسمالية لحقوق العمل فى نصيب من الربح على قدر قيمة ذلك العمل ؛ فرأس المال يقوم بدور التاجر الذى يعطى وياخذ ؛ فهو ياخذ من العامل جهده ويعطيه اجرا مقابل ذلك الجهد ؛ ولا بد ان يكون المقابل يتناسب على الجهد المبذول ؛ والا كانوا كالمطففين تماما .ان حتمية الحل الاشتراكى فى ضوء صيغة تحالف قوى الشعب العاملة هى الحل الامثل للخروج بهذا المجتمع من مشكلاته ؛ لتقوده للتنمية والتقدم فى وقت لا يمكن ان نترك فيه مستقبلنا لنزعات راس النال الجامحة ومصالحة المستغلة التى تعمق الانقسام داخل المجتمع وتهدد بصراع الطبقات .
والله الموفق
بقلم وليد سامى واصل

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.