الأربعاء، 29 يونيو 2011

هـل بـاع الفلسطينيون أرضهم !

××الصهيونية والارض ...كيف حدثت النكبه ؟

كانت حركة الاصلاح الدينى فى اوربا فى القرن السادس عشر السبب فى تغيير النظرة الى اليهود بعد ان كان اليهود يتهمون بانهم مارقين وبانهم قتلة المسيح
وبدات الكتابات تدعوا لاعادة بعث اليهود وعودتهم لفلسطين فى انجلترا وغيرها من الدول وكانت فرنسا اول من تبنى هذا المشروع
الصهيونى حيث اعدت الحكومة الفرنسية سنة 1798 خطة سرية لاقامة كومنولث يهودى فى فلسطين حال نجاح الحملة الفرنسية فى احتلال المشرق العربى .
وكان بونابارت اول من منح وعدا لليهود عام 1799 اثناء حصار عكا وخاطب فيه اليهود على انهم ورثة فلسطين الشرعيين ودعاهم لمؤازرته ورغم فشل مشروع نابليون الا ان مسالة الوطن اليهودى فى فلسطين اصبحت ركيزة السياسة الاستعمارية فى المشرق العربى ومن هنا جاء الدور الانجليزى حيث رات بريطانيا ضرورة وجود طائفة تعتمد عليها فى الشرق وكان اليهود خير من يقوم بهذا
الدور ؛ وقد ظهر هذا فى مواقف بالمرستون وزير خارجية بريطانيا عام 1830 وحتى بعد توليه لمنصب الوزارة حيث عبر مرارا عن ايمانه ببعث الامة اليهودية والذى سيعطى قوة للسياسة الانجليزية فى المنطقة وتم افتتاح القنصلية البريطانية فى القدس التى اعلن ان هدفها رعاية مصالح بريطانيا فى فلسطين وتقديم الحماية لليهود هناك
وحاول الانجليز الضغط على الدولة العثمانية لقبول تسهيل هجرات اليهود لكنهم فشلوا  ؛ لكن رغم هذا الفشل ظلت قضية توطين اليهود حجر الزاوية فى السياسة البريطانية تجاه الشرق العربى ومن هنا يتضح لنا ان اسرائيل كانت وليدة الاطماع الاستعمارية خاصة من جانب انجلترا وفرنسا وان كانت بريطانيا ستحسم الامر فى 1917 باصدار وعد بلفور

اما على الجانب اليهودى فقد بدات فكرة الاستطان فى فلسطين بصورة جدية فى اواسط الثلاثينيات من القرن التاسع عشر ؛ اما قبل ذلك التاريخ فقد كانت الصلة بين اليهود وفلسطين مجرد صلة عاطفية دينية
ولهذا يعد تيودور هرتزل المؤسس الحقيقى للصهيونية السياسية ؛ وكان هرتزل قد اصدر عام 1896 كتابه الدولة اليهودية والذى دعا فيه الى تاسيس دولة يهودية وان لم يحدد لها مكانا معينا وان اعتبر فلسطين الوطن التاريخى لليهود ؛ حيث كانت هناك عدة مشاريع لاقامة الدولة اليهودية فى مناطق مختلفة من العالم منها ارض مدين فى شمال الحجاز وفى سيناء والجبل الاخضر فى ليبيا والبحرين والاحساء وقبرص واوغندا والارجنتين وغيرها من المناطق .
وقد تمكن هرتزل عام 1897 من عقد مؤتمر فى مدينة بال بسويسرا وتم تدارس موضوع انشاء الوطن القومى لليهود واستقر رأى الاغلبية على اختيار فلسطين وعندئذ اطلق على حركة اليهود السياسية هذة اسم الحركة الصهيونية ربطا لها بفلسطين وصهيون
لقد كان على هرتزل التحرك لدى الدولة العثمانية صاحبة السيادة على فلسطين فى ذلك الوقت للسماح لليهود بالتوطن فى فلسطين وقد واجه متاعب كثيرة من رجل اوربا المريض رغم حاله الضعف التى انتابت أركان الدولة.

لقد كان المشروع الصهيونى بطىء فى التقدم ؛ ومن الثابت أن الدعايا الصهيونية قد فشلت فى اجتذاب اليهود الى الهجرة
لفلسطين حتى ان اكثر المتفائلين بقيام الدولة نفسها وهو هرتزل توقع ان توجد الدولة بعد خمسين عاما من مؤتمر بال فى سويسرا وهو ما كان بالفعل.
ومن هنا توضح لنا الارقام ان السبب الرئيسى للهجرات اليهودية التى بدات منذ 1882 كانت عوامل خارجية مثل اضطهاد اليهود فى روسيا واتهامهم بقتل القيصر اسكندر الثانى ؛ ولهذا فان معظم اليهود فى فلسطين كانوا من روسيا وجاءوا الى فلسطين حاملين
معهم ظروفهم الاقتصادية السيئة وكانت هذة الهجرة الاولى من 1882 حتى 1903 ووصل تعدادها حوالى 25 الف يهودى
ولم يستطع اليهود التاقلم مع الحياة فى فلسطين و من أجل هذه المشاكل وخاصة المالية منها فاعتمدوا على المساعدات الخارجية وخاصة من البارون روتشيلد الذي أمدهم بالمال والخبرة
اما الهجرة الثانية فكانت من 1904 حتى 1914 ووصل تعدادها الى 40 الف مهاجر يهودى هربوا من القمع فى روسيا وكانوا يحملون افكارا اشتراكية ومثلوا دعامة للمشروع الصهيونى , ويلاحظ زيادة اعداد هؤلاء المهاجرين بعد اسقاط عبد الحميد الثانى الذى كان معارضا للهجرات اليهودية رغم الضغوطات عليه من قبل انجلترا بشكل خاص ؛ مع الاخذ فى الاعتبار ايضا ان الهجرات اليهودية توجهت لغرب اوربا فقد ارتفع عدد اليهود من اوربا الشرقية المتواجدين فى بريطانيا وهو الذى سيدفع السيد بلفور وزير للهجرة وقتها وصاحب الوعد المشئوم لاصدار قانون عام 1905 للحد من هجرة اليهود الى انجلترا.

ان عدد اليهود فى فلسطين حتى عام 1882 كان 24 الف يهودى مع الارقام الموجودة فى الهجرتين الاولى والثانية كان المفروض ان يكون عدد اليهود 90 الفا تقريبا ؛ الا ان الاحصائيات تقول ان عدد اليهود عام 1918 كان 56,671 تقريبا وذلك بسبب العوامل الاقتصادية والامراض وعدم تكيف اليهود الروس على طبيعة المناخ فى ارض فلسطين .

ولو تابعنا بقية حركة الهجرات اليهودية نجدها تؤكد لنا انها مرتبطة بعوامل خارجية , وبخاصة هجرات اليهود من دول اوربا الشرقية فنجد الهجرة الثالثة 1918 - 1923 اغلب مهاجريها من شرق اوربا وذلك بعد صدور وعد بلفور وزيادة الامل فى امكانية تحقيق الوطن اليهودى
اما الهجرة الرابعة 1924 - 1928 فكانت سبعين الف يهودى بعد ازدهار الاوضاع الاقتصادية لليهود فى فلسطين
اما الهجرة الخامسة 1929 - 1939 فكانت 28 الف يهودى هربوا من الملاحقات فى النازية .
فان عدد اليهود لم يبلغ الـ 12 % الا سنة 1922 ولم يتخط عدد اليهود حتى 1918 اكثر من 56 الف يهودى

 ** قضية بيع الاراضى

اما قضية الاراضى فالبفعل قد وصل عدد الاراضى التى تحصل عليها اليهود حتى نهاية الحكم العثمانى لحوالى 650 الف دونم (الدونم يساوى 1000 متر مربع تقريبا او ربع فدان ) ولكن هذة النسبة ضئيلة جدا اذا عرفنا ان الاراضى الزراعية بفلسطين تبلغ حوالى 27 مليون دونم
وهنا يتضح ان النسبة الاكبر من الاراضى التى استولى عليها اليهود كانت تحت الانتداب البريطانى حيث حصل اليهود على 679 دونم من الاحتلال الانجليزى سواء مجانا او باجر رمزى
وحصلوا على 678 دونم من الاسر غير الفلسطينية ( كاسرة ال سلام وال سرسق والتبان والتونى والقبانى وشمعة والقوتلى وغيرها من الاسر )
وحصلوا على 68 الف دونم بالاغتصاب والقوانين التى نص عليها مشروع الانتداب خاصة فى مادته السادسة التى تؤكد على تسهيل هجرة اليهود وتملكهم للاراضى العربية بالاضافه لضعف الدولة العثمانية الواضح أمام الضغط الانجليزى بشكل خاص .

ويذكر المؤرخ الصهيونى جيفرز  ان هرتزل فشل فى جمع الاموال من اغنياء اليهود  .
ان هرتزل نفسه كان هدفه استعمارى واستغل الاساطير الدينية تحقيقا لهذا الهدف حيث اعتبر ان دولة اسرائيل ستكون قاعدة للغرب يعتمد عليها فى المنطقة
ان ما يؤكد ذلك ان هرتزل نفسه لم يكن متدينا فيقول فى مذكراته" انه مراعاة للدوافع الدينية فقد ذهبت الى المعبد يوم السبت قبل المؤتمر"

ويكفى للعلم انه كل ما حصلت عليه اسرائيل من الاراضى الزراعية فى فلسطين حتى عام 1948 لم يزد عن %7
وهو ما ينفى الاتهامات التى توجه للفلسطينيين بانهم باعوا اراضيهم لليهود ؛ ويذكر التاريخ الموقف المشرف لاهل فلسطين فى رفضهم لبيع الاراضى للمهاجرين اليهود ؛ وتجلى ذلك بمعارضه شاملة قادها العلماء ورجال الدين الذين اصدروا فتاوى بتحريم بيع الاراضى لليهود وكان منهم الشيخ امين الحسينى مفتى القدس .


وليد سـامـى

الاثنين، 20 يونيو 2011

مـنـشـور الــوحــدة

يبدو الحديث عن دولة الوحدة العربية فى هذة الايام وكأنه حديث تقليدى عن أحلام هى أبعد ما تكون عن الواقعية وقد يحمل صاحب هذا الرأى بعض ما يؤيد وجهة نظره ؛ ومن هنا فاننا سنحاول أن نستقرأ الواقع لنرى الى نتيجة سوف نصل فى النهاية
فى البداية فأن الحديث عن مقومات الوحدة بين مجموعة من الشعوب يفترض انها أمة واحدة هى اللغة المشتركة والجغرافيا الحاكمة الرابطة بين تلك الشعوب والدين السائد وعلاقته بالاديان الاخرى ؛ ثم بعد  ذلك التاريخ المشترك ووحده المصير خلاله والامة العربية تتوافر لديها كل هذة الشروط بالتأكيد ولكن لعلنا نهتدى لاسباب أخرى تعبر عن اختيارنا للوحده العربية دون غيرها كحل لمشكلات الامة العربية .

** تاريخ الصراع " كيف نشأت الدولة وكيف انهارت ؟ "
لقد تطور مفهوم الصراع فى العالم بشكل كبير بين مقومات كانت فى وقتها تعطى أسباب للقوة واخرى تعطى أسباب للضعف ومنها ظهرت القوى العظمى وتلاشت بعد فقدانها أسباب القوة وتمسكها بأسباب الضعف ؛ فقد كانت معادلات الصراع قديما كما يقسمه جمال حمدان بين قوى " الاستبس والغابة " كما فى حالة الصين حيث تواجه الصين فى مناطق التخوم مساحات شاسعة من الاستبس التى تعج بالقبائل البربرية التى لا تعرف الاستقرار وكانت أبواب الصين مفتوحة امامهم وتعرضت الصين للغزو أكثر من مره ؛ ثم صراع " الرمل والطين " وهو ما يماثله هجرات الشعوب من الجزيرة العربية الى مناطق الهلال الخصيب ومصر ؛ ثم أخيرا صراع " السهل والجبل " فنرى رعاة الجبل المحاربون " الاشوريون " ينقضون على السهول كما فى جبال أرمينيا وكردستان الى سهول الرافدين ويسيطرون عليها
ثم يتطور مفهوم الصراع ليتحول الى صراع بين قوى البر " فارس " وقوى البحر " اليونان " ؛ وتظهر بذلك أول أمبراطورية قارية وهى امبراطورية الاسكندر والتى ما تلبث ان تتفتت وتسيطر عليها قوى بحر أخرى وهى روما ؛ فى مواجهة فارس والتى استعادت قوتها مرة أخرى ؛ وما يهمنا هنا أن الصراع ما بين قوى البر والبحر منذ ذلك التاريخ قد جعل المنطقة البينية " الشرق الاوسط " منطقة خاضعة لهيمنة أحد الطرفين ؛ رغم ما تملكه من مقومات القوة وكأنه حكم على هذة المنطقة اما ان تكون خاضعة او تنتفض لتخضع هى القوى الاخرى وهذا ما حدث فى العصور الوسطى حيث جاء الفتح العربى والاسلامى ليوحد بين هذة الشعوب ويجعل منها قوة بحرية وبرية فى نفس الوقت واستطاعت أن تخضع قوى البر والبحر لسلطانها

لم تستطع الدولة العربية أن تحافظ على كيانها السياسى موحدا ؛ فقد بدأت تظهر فيها الانقسامات السياسية والوحدات الاقليمية المستقلة ويحلل جمال حمدان ذلك بأن الدولة كان تهتم بالاتساع العرضى مما سبب ضعفها وسهولة أختراقها وايضا كان عدد السكان " القوة البشرية " قليل بالنسبة لخامة حجم وموارد الدولة ؛ ولكن الدولة العربية لم تسقط بسهولة فقد تعرضت للحملات الصليبية " قوى البحر " وظلت فى صراع طويل معها ؛ ولكن يصادف ذلك ظهور قوة بر جديدة وهى قوة المغول الوثنيين الذين اجتاحوا بغداد عام 1158 م ؛ وفى نفس الوقت كانت الصليبيات مازالت موجوده ومن هنا تحالفت قوى البر والبحر ضد الدولة العربية والتى استطاعت فى النهاية أن توقف زحف المغول وأن تصفى الصليبيات تماما ؛ ولكن بعد أن تأثرت بشكل كبير وخرجت الدولة ممزقة الاوصال الا من دولة المماليك فى مصر والشام والتى حافظت على كيانها حتى أكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح والذى وجه اليها الضربة الاقتصادية ثم مجىء الاتراك العثمانيين الذين كونوا قاعدة أرضية لهم فى البلقان وبعدها توجهوا للعالم العربى واستطاعوا أخضاعه تماما فى بدايات القرن السادس عشر ؛ واستنفذوا موارده لخدمة العاصمة " استنبول " وفرضوا عليه حظرا كاملا تأخر على أثره العالم العربى كثيرا أمام العملاق الصناعى الصاعد فى أوربا.

فى أوربا يحدث الانقلاب التجارى بالكشوف الجغرافية وانفتاح العالم الغربى امام الثروات التى تأتى من العالم الجدبد ؛ثم يأتى الانقلاب الصناعى المدعوم من الطبقة البرجوازية ليغير وجه التاريخ ؛ فقد تحول الصراع الاجتماعى بين الاقطاع والبرجوازية بشكل جذرى سياسيا بعد الثورة الصناعية والتى أكسبت البرجوازية قوة لا مثيل لها وتحول المجتمع لعلاقة جديدة هى من يملك ومن لا يملك ؛ الا أن الرأسمالية كنظرية نفعية بالاساس لم تكن لتقف عن الحاجز المحلى بل كان عليها ان تتخطى الحدود ليتحول الامر من مجرد طبقة تملك وأخرى لا تملك الى دول تحكم ودول تخضع لهذا الحكم ؛ وبالتالى يصبح الاستعمار كما يقول جمال حمدان هو أعلى مراحل الرأسمالية وهو أمتداد خارج الحدود للطبقية داخل الحدود .
لم يكد يمر القرن التاسع عشر حتى كان أغلب العالم العربى خاضعا لسيطرة الاستعمار ؛ ولم تكن الدولة العثمانية " رجل أوربا المريض " لتستطيع بأى حال أن تقوم بأى رد فعل بل بدت مستسلمة لمصيرها تماما ؛ وعلى هذا تتلقى الدولة العربية الضربة القاسمة بالتجزئة التى انتهت الى تقسيم الدولة العربية الى عديد من الاقطار المتفاوتة فى الحجم والاهمية وفقا لرغبة الاستعمار الذى رسم الخريطة بنفسه فى مكاتب لندن وباريس

كان سقوط العالم العربى تحت سيطرة قوة البحر الصناعية المتقدمة هزيمة كبيرة بالتأكيد لكنها كانت مؤشرا أن هناك فارقا كبيرا تحتاجه تلك المنطقة البينية " الشرق الاوسط " لكى تستطيع أن تنتفض مره أخرى ؛ الا وهو التكنولوجيا والثروة فالعالم الغربى كان متفوقا تكنولوجيا ولديه من فائض الثروة مما يطيل من عمر الاستعمار مهما تعددت اشكاله .
لم يكد العالم العربى يفيق من الصدمة وهى يحاول أن ينفض غبار الاستعمار حتى يزرع الاستعمار جسما غريبا يفصل بين شرقه وغربه ليكون موضع قدم دائم للاستعمار فى المنطقة ويعمل بكل جهد على منع تقدمها ونهضتها فكان الكيان الصهيونى الذى سلب الاراضى العربية فى فلسطين ولتكن سابقة تاريخية أن يأتى شعب من أقصى الارض ليرحل شعب أخر عن أرضه ويستطوطن هو بدلا منه هذة الارض .
مع نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة المانيا النازية يظهر امام العالم قوتين جديدتين هما الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتى ويبدأ عصر الحرب الباردة وانقسام العالم لمعسكرين بين الشرق والغرب ؛ فى تلك الاثناء ومع مطلع الخمسينيات تقوم الثورة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر والذى يتخذ خطا تحرريا ضد الاستعمار يتجلى فى حرب 1956 م من أجل تأميم قناة السويس ثم فى دعمه لحركات التحرر فى العالم العربى وأفريقيا والعالم ؛ وتتكون على اثر ذلك حركة عدم الانحياز التى يصل جمال حمدان لاعتبارها قوة ثالثة أمام القوتين العالميتين ؛ لكن القوى الامبريالية الغربية لم تكن لترضى بأن تهدد مصالحها فى تلك المنطقة الحيوية من العالم حيث بترول الخليج ؛ فوجهت ضربات متتالية لحركات التحرر والانظمة القومية المعادية لها واستطاعت أن تحجم الدولة الناصرية خلف حدودها بعد هزيمة 1967 م ؛ ثم انتهى المشروع الوحدوى فى صورته الناصرية بموت جمال عبد الناصر عام 1970 م ؛ ليفتح الطريق أمام الولايات المتحدة وحلفائها لاختراق العالم العربى من أوسع أبوابه ليصبح منطقة خدمات حصرية لصالح الغرب بعد أن تم القضاء على وحده الصف العربى تماما .
كانت سياسة الولايات المتحدة تهدف بكل وسيلة للقضاء على الخطر السوفيتى سلميا فى ظل حالة " الجمود الذرى " الحادثة بسبب خوف كل طرف من أن يؤدى الصراع العسكرى الى فنائهما معا ؛ ولهذا وبعد التراجع الواضح لحركة عدم الانحياز اتجهت الولايات المتحدة للصين من أجل احتوائها واستغلال الخلافات بينها وبين الاتحاد السوفيتى من أجل تحجيم السوفيت رغم خوف الولايات المتحدة من قوة الصين التى كان يخشى أن تكون عملاقا نائما وفى حاجة الى من يوقظه ؛ لكن كان عليهم المغامرة وبالفعل بدأت العلاقات الامريكية الصينية تأخذ منحا أخر بضغط من الشركات الامريكية الكبرى التى رأت فى الصين سوقا يسمح بانتعاش الاقتصاد الامريكى ؛ وفى نفس الوقت كانت الصين بحاجة الى التكنولوجيا
لم تكن مسألة احتواء الاتحاد السوفيتى تقتصر على الجوانب السياسية فقط بل كانت الجوانب الاقتصادية حاضرة فى صورة النظرية الكنزية التى تسمح بدور للدولة فى العملية الاقتصادية فى مواجهة مزايا الاشتراكية فيما يخص دولة الرفاهية الاجتماعية ؛ وبالفعل يسقط الاتحاد السوفيتى الملىء بالتناقضات فى مطلع العقد الاخير من القرن العشرين ويصبح العالم أمام قوة الولايات المتحدة منفرده ؛ وفى الخلفية مجموعة من الدول النامية والتى يتوقع أن تصبح عملاقة فى وقت ليس ببعيد ؛ فى كل هذا كان العالم العربى المجزأ يحمل فروض الطاعة والولاء للقطب المنتصر ويسمح لحملات طائراته بدخول الخليج لمواجهة قوة العراق فى حرب الخليج الاولى بدعم مصرى سعودى ؛ ويصبح الاستعمار مره ثانية فى قلب العالم العربى تخدمه أنظمه كارتونية عميلة تعمل دور الحارس للمصالح الامبريالية بكل أقتدار .

** الخريطة السياسية المعاصرة
  أنفردت الولايات المتحدة وحلفائها فى حلف النيتو بالساحة السياسية الدولية ؛ غير أن الصين كانت تتقدم بخطى ثابتة الى الامام فمنذ عام 1978 م بدأت الصين فى عهد " هسياو بنغ " عملية الانفتاح الاقتصادى وسمحت بالاستثمارالاجنبي لانها كانت فى حاجة الى التكنولوجيا ورؤوس الاموال من أجل خوض سباق التنمية ؛ وعلى الناحية الاخرى كان الاقتصاد الامريكى يعانى من الركود وكانت السوق الصينية بمثابة المنقذ الوحيد للدولار بالاضافة للبعد السياسى حيث أردات الولايات المتحدة أن تستفيد من العداء الصينى السوفيتى فى ظل سياستها التى اثمرت فى النهاية بسقوط الاتحاد ؛ واستخدمت الصين نظاما تقوم فيه الدولة بدور رئيسى فى العملية الاقتصادية من خلال التخطيط الشامل ثم يأتى دور رؤوس الاموال المتعطشة للعمل والاستفاده من ميزات كثيرة وفرتها الصين منها البنية التحتية وشبكة الطرق الجيدة ثم العمالة الرخيصة والتى بدأت على أثرها تظهر عملية هجرة الوظائف عبر البحار حيث قامت عديد من الشركات الامريكية بنقل جزء كبير من اعمالها الى الصين للاستفاده من هذة المميزات .
أدى معدل النمو السريع للاقتصاد الصينى الى زيادة تعطش الصين للموارد البترولية بشكل خاص فزادت استهلاك الصين للبترول حتى وصلت للمرتبة الثانية عالميا فى استهلاك الطاقة بعد الولايات المتحدة ؛ فالصين تستورد البترول من الكنغو " أفريقيا " والتى تعتبر أكبر مورد للبترول بالنسبة للصين
عام 2006 ؛ ثم تأتى السعودية وايران " الشرق الاوسط " وبعدهما روسيا " أوربا " ؛ بالاضافة الى أن 60% من النفط فى السودان " الشرق الاوسط "
يذهب الى الصين ؛ بالاضافة لفنزويلا فى أمريكا اللاتينية ؛ وليس الامر مقتصرا على البترول فقط بل ان الصين تستورد خمس وارداتها الغذائية من أمريكا اللاتينية ؛ ومن هنا كان على الصين أن توازن بين نموها الاقتصادى ووضعها العسكرى وبالفعل فقد ضاعفت الصين ميزانيتها العسكرية بين عامى 2000 و 2003 باكثر من 18% سنويا ويتحدث الخبراء العسكريون عن أن الصين سوف تمتلك عام 2025 م موارد دفاعية مماثلة لما تملكه الولايات المتحدة هذة الايام ؛ ويتكون الجيش الصينى من 2,3 مليون جندى نظامى وتبلغ ميزانية الجيش الصينى ما بين 30 الى 70 بليون دولار سنويا
كان هذا التضخم العسكرى كفيلا بقلق الولايات المتحدة فنقرأ فى تقرير " مراجعة الدفاع الذى تصدره الولايات المتحدة كل أربع سنوات عام 2006
" ان هدف الولايات المتحدة بالنسبة للصين هو أن تستمر كشريك اقتصادى وأن تظهر فى صورة مشارك فى الرهان ذى مسئولية وصاحب قوة من أجل خير العالم " ويختتم التقرير رؤيته بقوله " وسوف نحاول ردع اى منافس عسكرى عن طريق الاقناع لمنعه من تطوير قدرات معطله أو غيرها تمكنه من تحقيق هيمنة أقليمية أو القيام بعمل معاد ضد الولايات المتحدة أو البلدان الصديقة وسوف تسعى الولايات المتحدة الى ردع أى عدوان أو أسلوب قسرى واذا ما أخفق اسلوب الردع فان الولايات المتحدة ترفض من أى قوة معادية أن تعطل أهدافها الاستراتيجية " ... انتهى التقرير

من المعروف أن التاريخ السياسى يؤكد مبدأ المصالح المتغيرة ؛ فعدو الامس قد يصبح صديق اليوم وعلى هذا فمنذ صعود الصين كقوة أقتصادية نجد انفسنا امام محورين يحكمان السياسة العالمية ويحددان مصير العالم ؛ فأولا نجد المحور الشرقى الذى تقوده الصين بامكانات سوقها الاقتصادى والذى تحتاجه الولايات المتحدة واليابان من أجل انعاش الاقتصاد العالمى ؛ ثم نجد روسيا الاتحادية بما تملكه من عتاد عسكرى يؤهلها لتقوم بدور قوة عظمى ولو فى اطار دائرة الامن القومى الروسى وفى مواجهة هذا المحور يوجد الثالوث القديم وتمثله الولايات المتحدة بقوتها الاقتصادية والعسكرية وما تملكه من تكنولوجيا ومعها دول غرب أوربا واليابان ؛ والصراع بين هذين المحورين يحدد مصير منطقة الشرق الاوسط بل ومصير العالم بأسره ؛ والعلاقة بين دول الثالوث
وبين الصين علاقة متداخله فمثلا نجد العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تبدو متشابكة بشكل كبير فالتوتر بين البلدين واضح  - رغم الشراكة الاقتصادية - حيث تتمسك الصين فى ظل سلطة الحزب الشيوعى بدوافع قومية تجعلها ترفض بشكل كامل انفصال " تايوان " عن الصين الآم ؛ مما يجعل البلدين فى حالة مواجهه حيث تدعم الولايات المتحدة أستقلال تايوان ومن ناحية أخرى تتواجه البلدان مرة أخرى فى قضية كوريا الشمالية والتى تعتبرها الصين قضية تمس الامن القومى ؛ من ناحية أخرى فان ملامح المواجهة تبدو مع اليابان حليفة الولايات المتحدة حيث مازالت مشاعر الكراهية بين البلدين بتأثير العامل النفسى للاحتلال اليابانى للصين أثناء الحرب العالمية الثانية تهدد السلام فى المنطقة ومن ناحية أخرى فان اليابان نفسها مضطرة للحفاظ على علاقاتها مع الصين باعتبارها سوقا لتسويق منتجاتها ؛ بل انها متضررة من عملية الشراكة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة
على الوجه الاخر نجد الولايات المتحدة فى محاولة للتودد للهند الصاعدة لمواجهة الصين غير ان الهند ترفض الدخول فى مواجهات ضد مصلحتها وتحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع الصين خصوصا انها فى مواجهة مع جارتها النووية باكستان
ان الدافع القومى وراء توتر العلاقات بين الصين والولايات المتحدة فكما يظهر من التقرير فان الولايات المتحدة تعلم أنها مرتبطة اقتصاديا بالصين وهذا ما تعرفه الصين ايضا ؛ حيث يقول مستشاروا الرئيس الصينى الحالى أن الصين فى حاجة لاسواق الولايات المتحدة وتكنولوجيتها غير أن البلدان سيصلان الى مرحلة التكافؤ الاقتصادى فى 2015 وبالتالى سيبدأ الميزان التجارى بين البلدين فى التحول تدريجيا لصالح الاقتصاد الصينى الاسرع نموا ؛ مما سيوفر نفوذا سياسيا أكثر للصين على حساب الولايات المتحدة حيث يتنبىء الاقتصاديون أن اقتصاد الصين سوف يصبح أضخم من اقتصاد الولايات المتحدة بحلول العام 2030  وبالتالى ستزداد حاجة الصين للموارد وخاصة البترول مما ينقل المعركة بينهم الى خارج الحدود
وهذا ما تؤكده تقارير الدفاع الامريكية حيث أن الخبراء يقولون أن صراعا بين الصين والولايات المتحدة سيكون عبر البحار والولايات المتحدة يمكنها أن تعطل 40% من قوة امدادات الصين من النفط ؛ وبالتالى تسعى الصين لزيادة قدراتها البحرية وأنشاء حاملات طائرات لحماية وارداتها من النفط ؛ وتطوير صورايخ بالستية عابرة للقارات
وفى هذا الاطار فنحن امام وضع أستراتيجى جديد يمثل صراعا بين عدد من القوى ؛ تتزعم الصين المحور الشرقى منه ومعها روسيا وأيران ومجموعة الدول التى تسعى للاستقلال السياسى فى أمريكا الجنوبية ؛ ومن ناحية اخرى الولايات المتحدة وأوربا الغربية واليابان اول مجموعة الثالوث فى حين ستبقى دولا كالهند وباكستان - مضطرة - على الحياد ؛ اما العالم العربى فنحن نجد أن الخليج كبؤرة للبترول سيستمر فى علاقة التابع ؛ ودول شمال أفريقيا تفقد خياراتها لتتبقى أمامها فرنسا ؛ ودول كمصر وسوريا لن يكون امامها سبيل سوى أن تقدم تنازلات تجعلها تكمل طريق السباحة فى فلك الغرب ومصالحه

غير أن الامر لا يقتصر على التأثير فى المجال السياسى والعسكرى فقط ؛ وانما تصل الخطورة الى مرحلة أخرى أكثر تطرفا وخطورة على السلام العالمى بأسره فالامبريالية الغربية تستخدم سلطة المال فى فرض نفوذها لاختراق المجتمعات وعلى أثر ذلك وفى ظل سياسات الليبرالية الجديدة فان حركة رؤوس الاموال أصبحت كوكبية لا تعرف حدودا قومية ؛ وتقوم هذة الحركة على أطلاق حرية الحركة لرأس المال وتوقف الدولة عن التدخل فى العملية الاقتصادية اعتمادا على تلقائية قوانين السوق وبالتالى تنتقل رؤوس الاموال عبر العالم الى حيث العمالة رخيصة الثمن ومنها السوق الصينية وهو ما يسمى بعملية " الافشورنينج " او هجرة الوظاءف عبر البحار وتذكر لنا الارقام أن اقتصاد الولايات المتحدة نفسها خسر فى الفترة ما بين 2003 الى 2008  1,1 مليون وظيفة فى مجال تكنولوجيا المعلومات ؛ وبالتالى أصبح الانسان الغربى نفسه مهدد بفقدان وظيفته
 ولعلنا جميعا نذكر كيف كانت النظرية الكنزية بديلا للماركسية وطرحها حول دولة الرفاه الاجتماعى مما أعطى للدولة دورا فى الاقتصاد الرأسمالى لتوفر الخدمات الاجتماعية مثل التعليم والصحة والاعانات الاجتماعية ولكن بعد سقوط الاتحاد السوفيتى وانتهاء الخطر الشيوعى بدأت الليبرالية تكشف عن وجهها الحقيقى ؛ انها الحرية فقط لحركة رؤوس الاموال وليس لحركة العمل نفس المساواة فى الحرية ؛ انها حرية الاستغلال .
 من هنا بدأ دور الدولة يتراجع شيئا فشيئا مما هدد السلم الاجتماعى للمجتمع الغربى ويهدد بالثورات ضد الرأسمالية ؛ فاتجهت الدولة الرأسمالية الى خدمة مصالح الطبقة التى تحكم - كالعادة - فعملت على تشجيع اتجاهات شوفينية " عنصرية " معادية للشعوب والامم المقهورة وتحميلها ذنب ما يعانيه الرجل الغربى من معاناه ؛ سواء على المستوى الداخلى ضد المهاجرين من دول العالم الثالث او على المستوى الخارجى ضد شعوب هذة الدول الفقيرة التى حكم عليها القدر أن تتعرض لاكبر مأساة فى التاريخ بين الاستعمار المباشر ثم الاستعمار الاقتصادى الجديد ؛ أن هذة الرؤية يؤكدها الباحث معمر نصار فى دراسة بعنوان " منشور الانسانية " حيث يقول

"" تتعرض الانسانية في الفترة الحالية لعملية كسح مستمرة عبر تجريف تربة نشط تستخدم فيها مكانس ناعمة أو خشنة في بعض المناطق الجغرافية وتستخدم الجرافات والحفارات في مناطق أخرى. تشمل الأولى مناطق أوربا الغربية والولايات المتحدة وبقية البلدان الصناعية, والثانية تشمل بقية بقاع العالم وفي مقدمتها المنطقة العربية وبقية البلدان الإسلامية.
في مناطق الكسح الناعم يتم سحب كل المكتسبات الأساسية التي حققها الإنسان الغربي ببطء من أول حقوق الرعاية الصحية والاجتماعية وإجراءات الضمان الاجتماعي إلى الديمقراطية وحرية التعبير والكسب فعن طريق اتفاقيات التجارة الحرة وحرية تنقل رؤوس الأموال والأفراد بات الإنسان الأوروبي حصورا في خيارين أحلاهما مر. الأول: هو تقديم التنازل تلو التنازل عن حقوق التأمين الصحي والضمان الاجتماعي والتسكين وزيادة الرواتب باستجداء بقاء المؤسسات الإنتاجية ومن ثم الحفاظ فقط على فرصة عمل تضمن استمرار حياته أو التمسك بهذه الحقوق والمكتسبات وبالنتيجة التضحية بهروب رؤوس المال تلك وبالضرورة فقدان الحقوق هذه كلها دفعة واحدة بما فيها فرصة العمل ذاتها
وقد أطل شبح الشيوعية مخوفا ودافعا لاستجابة الرأسمالية لمطالب اليسار ومنظماته العمالية وصنعت بتأثير الرعب الاشتراكي أغلب الحقوق الاجماعية التي خلقت نموذج دولة الرفاه الأوروبية لمواجهة النموذج الشيوعي الضاغط.
صارت الأمور إلي استحالة التراجع بعد رسوخ النمط الرفاهي الأوروبي , وهكذا تأجلت عملية الانسحاب من دولة الرفاه ( الرعاية الاجتماعية ) لحين القضاء على الشبح. وقد كان إن الخيانات العظمي التي مارستها أحزاب اليمين واليسار في أوروبا طوال الثمانينيات والتسعينيات أدت إلي الرضوخ لنموذج تاتشر ريجان " أقطار نعم , دول ... لا "".
وبالتالى تصبح الخيارات الديمقراطية لشعوب أوربا الغربية وشبيهاتها في آسيا و أمريكا هي انتخاب أقدر السماسرة السياسيين على التنازل بالنيابة عنهم لمؤسسات الرأسمالية وتجمعات التجارة الحرة مقابل وتيرة أبطأ أي مجرد تمديد محدود لعمر دولة الرفاه الاجتماعي .
من ناحية أخرى تعرض الليبرالية الجديدة نموذجا جديدا للعدو بعد سقوط الاتحاد السوفيتى وهو الاسلام فى صورة جماعات الاسلام السياسى التى تصدرها للمجتمع الغربى فى صورة العدو المرعب المسئول عن معاناة الانسان الغربى بعد سقوط الشيوعية ؛ الغريب أن جماعات الاسلام السياسى لا تحمل تمتلك نظرية متماسكة فى المجال الاقتصادى او الاجتماعى ؛ ولا تقدم حلولا جديدة تهدد المنظومة الرأسمالية بل بالعكس فانها تأول الاسلام ليصبح نسخة ليبرالية فى ثوب أسلامى ولا تختلف فى الضمون ؛ ان أمرا كهذا تثبته نظره الاسلام السياسى لمسالة الاقتصاد مثلا والتى لا تعدو الا ان تكون رأسمالية واستغلال فى ثوب دينى وهذا ما يؤكده المرحوم مالك بن نبى  في كتابه "المسلم في عالم الإقتصاد" فالرجل يرفض بشدة تناول مسألة الاقتصاد من باب التعاملات الربوية لأننا بهذا الشكل لا نغير شيئا جوهريا الا ان نختار الاقتصاد الرأسمالى وكل ما يحدث اننا نجعل الفائدة البنكية تاخد شكلا مختلفا
وهو يقول أن الاقتصاد أكبر من فكرة الرصيد المالي التى تمثل جزءا من العملية الاقتصادية ؛ وعلم الاقتصاد كما نعرفه اليوم هو حصيلة دراسات تجميعية للعمليات التى يدخل فيها عمل الانسان من أجل انتاج الخدمات والسلع كما وكيفا ؛ اما العالم القديم
لم يكن فيه اقتصاد بالمعني الحديث ؛ وانما كان فيه ثروات وكانت العملة تكتسب قيمتها من قيمة معدنها بمعني أنك لو امتلكت دينارا رومانيا من الذهب تستطيع أن تستخدمه في بلاد فارس بنفس قيمته حيث لم يكن هناك تحويل للعملات .
أن الاسلام فى نظرته لامور حياة الانسان اليومية حدد اطارا عاما يتمثل فى مبادىء عامة لا تقيد التطور الاجتماعى ؛ فالعدل والمساواة وحب الخير للاخرين والتعاون وعدم الاستغلال كلها مبادىء صالحة لكل زمان ومكان والرسول " صلى الله عليه وسلم " يلخص هذة النظرة بحكمه رائعة حين يقول " أنتم أعلم بشئون دنياكم " ؛ والتاريخ الاسلامى يتحدث عن أن عمر بن الخطاب اتحدث نظام الدواوين من الفرس لتنظيم شئون المجتمع الاسلامى الذى أصبح فى حاجة لتنظيم موارده الضخمة ؛ ولم يقل أبدا انها نظاما اسلاميا اللهم الا فى اختلاف المضامين ؛ فالجزية كانت تفرض من قبل الامبراطوريات على رعاياها ولم تكن اختراعا اسلاميا وانما كانت استمرار لنظام اجتماعى قائم ؛ واختلفت فقط فى المضامين فأصبحت تفرض على الرجال القادرون فقط وتم استثناء النساء والشيوخ والاطفال ؛ ومن هنا فالاسلام السياسى لا يتعدى الا أن يكون عميلا للامبريالية فى كل صورها مهما كانت النوايا ؛ بل أن الطريق الى الجحيم دائما مفروش بالنوابا الحسنة !.

اننا بدون شك امام أكبر عملية تنفيذ عملى لنظرية الانتخاب الطبيعى على مستوى العالم ؛ وهذة النظرية تعمل على محورين
المحور الاول داخلى " المجتمعات الصناعية الكبرى " وهى تقوم على تصنيف الافراد ليس وفقا للون ولكن لقدرة الفرد على التكيف ؛ انها ببساطة تعتمد مبدأ عام وصريح وهو ان السبب فى كونك فقير ليس لانك ولدت فى مزبله بل لانك لا تريد الخروج منها ؛ ولقد فضح المسلمون القدماء في العالم العربي بإبداع أدبي هذا التضليل في قصة جحا مع جاره الـذى أستودع عشرة أوزات عند جحا ؛ وفى ليلة من الليالى طمع جحا فى لحم الاوزفأمر زوجته فذبحت واحدة منها ؛ ولما عاد الرجل طلب من جحا أمانته ولكنه غضب عندما وجدها تسعة وليست عشرة  ؛ فتجادولوا وتجمع الجيران وطلب جحا أن يأتى عشرة من الشبان وأطلق الاوز ليجمعوها ؛ وبالفعل عاد كل شاب منهم يحمل أوزه ما عدا واحدا ؛ فقال الرجل ها هو الشاب العاشر لم يحصل على أوزة فقال جحا كان الاوز أمامه ولم يمنعه أحد !!
وتحت هذا الضغط يكون الانسان الغربى مضطر الى تقديم التنازلات تلو الاخرى ؛ ليرضى بفرصة العمل المتاحة بل ان تغيرا حادا سيحدث فى شكل الوظائف التى قد يحتفظ بها المواطن الغربى لخدمة من ارتقوا لمصاف الاغنياء وكما تقول روبين ميرديث فان وظائف مثل مصففى الشعر وخبراء التجميل وخبراء الاعتناء الزهور وغيرها ستكون الوظائف المتاحة فى الغرب والتى يصعب نقلها عبر البحار حيث العمالة الرخيصة ؛ الهذا الحد ... ؟
اما المحور الثانى فتقوم الليبرالية الجديدة باستخدام طاقة الغضب المشحونة لدى المواطن الغربى وتوجيهها الى مواجهة عنصرية مع عدو غير موجود بالاساس ولا يمثل بأى حال - فى ظل وضعية تخلفه- اى خطر على المجتمع الغربى ؛ بل أن ما يصدر فى الاعلام على انه العدو انما هو فى حقيقة الامر أكبر معاون وصديق لخدمة مصالح الاستعمار الجديد وفى ذلك تتعرض  شعوب العالم الثالث والمنطقة العربية بشكل خاص لحملة كبيرة من أجل اشعال الفتن الطائفية وضرب أى مشروع تنموى مستقل والذاكرة التى تبدأ من ضربة 1967 م لم تتوقف حتى الان ؛ فتكتمل مسيرة التفتيت والتفريغ وصولا الى العراق 2003 والى ما لا نهاية فى اليمن وسوريا ومصر عملا بمبدأ " ريجان - تاتشر " أقطار نعم , دول ... لا " .


**  المشكلة والحل
أن القارى للخريطة السياسية الدولية الان يدرك أن المنطقة العربية بحاجة الى تكتل اقتصادى واجتماعى وسياسى بل وعسكرى كبير لمواجهة التحديات الجديدة ؛ بل وانقاذ البشرية من سيناريوهات الفقر المدقع والطبقية المستغلة والتى ستعيد البشر الى عصور العبودية لخدمة مصالح رأس المال
والدول العربية فى حالتها القطرية لن تستطيع وحدها أن تقاوم هذة الظروف بمفردها ؛ فدولة كمصر لا تسمح لها وضعيتها الاقتصادية أن تقوم بمعلية تنمية مستقلة دون أن ترضخ لضغوطات الغرب الممثلة فى منظمة التجارة الدولية وصندوق النقد الدولى الذى ينفذ سياسات تخدم مصالح الدول الكبرى وهذا ما يؤكده ريك رادون مؤلف كتاب " السياسات المميته لليبرالية الجديدة " حيث يقول " ان صندوق النقد ليس مؤسسة تنمية ودودة، بل على العكس فان ادارته تأتمر بأمر وزارة الخزانة الامريكية ووزارات مالية الدول المقرضة الغنية الكبرى، والتي تتعرض هي نفسها اصلا لضغوط من مؤسسات صناعة المصارف داخل هذه الدول من اجل اقراض الآخرين بمكاسب عالية
وان اولويات صندوق النقد هي فرض اصلاحات وتغييرات اقتصادية داخل البلاد المقترضة تضع مصلحة المقرضين واصحاب المال فوق اي اعتبار، في حين تضع احتياجات الشعوب من يعيشون في الاقتصاد الحقيقي لتلك الدول في اخر الاولويات  وحذر الباحث الامريكي من ان بعض الاتفاقات الدولية والتي تأتي مع القروض  تقيد يد الدولة في فرض سياسات تراها مناسبة حيث ان الكثير
 من الاتفاقات الدولية التي تؤيدها الدول الصناعية الغنية تمنع مثلا ان تقوم مصر وتونس من وضع قيود على حركة رأس المال وتقلل من قدرة الدول النامية مثل مصر وتونس من وضع الحماية التجارية الكافية لصناعاتها المحلية الوليدة وتحظر حتى عليهما وضع تشريعات وقوانين خاصة تنظم القطاع المالى الداخلى ؛   وقال راودن ان مصر على سبيل المثال، اذا ما اخذت قروض صندوق النقد – التي تروج اعلاميا على انها مساعدات – فانها "ستدخل في مرحلة جديدة"من الخصخصة التي تدمر الوظائف وعمليات تحرير اقتصادي تتم قبل حينها" اي قبل خلق قاعدة صناعية وتجارية محلية اولا تسمح بالمنافسة الدولية .

  فمجموعة ورغم ذلك فأن أكثر مشاكل الوحدة والتضامن العربى ليس بعيدا عن مسرح السياسة العربية بأى حال
 دول الخليج فى ظل النظم الملكية الاستبدادية ستعمل بكل ما أوتىت من قوة لمواجهة اى مشروع تنموى ثورى يعرض مصالح العائلات الحاكمه للخطر ومن هنا فان هذة العائلات الحاكمة سوف تستمر فى التحالف مع المصالح الغربية فى المنطقة بل انها لا تتورع أن تدخل فى أحلاف غير شريفة لمواجهة اى خطر ضد مصالحها الضيقة ولم يكن الامربعيدا بأى حال حين سمعنا خبر انضمام الاردن والمغرب لمنظمة دول مجلس التعاون الخليجى بينما يتم استبعاد اليمن لانها جمهورية ! ؛ وبالتالى يجد فالمشروع الغربى يجد منفذا يسهل له الدخول الى المنطقة بل والتوطن فيها عسكريا من خلال القواعد العسكرية والاسطول الخامس الامريكى المرابط فى الخليج العربى .

فى ظل هذة الوضعية تجد دول المغرب العربى نفسها أمام خيارات الفرنسة والتكامل مع الاتحاد الاوربى فى ظل عملية تجريف واضحة للهوية العربية والاسلامية ؛ وتبقى دولا مثل سوريا ولبنان مضطرة لتقديم تنازلات تلو الاخرى لتخرج من دائرة " محور الشر " الغربية  الى دائرة الدول الصديقة ! .
وبالتالى نجد انفسا امام معضلة لا حل لها ؛ فمن ناحية نجد ان الوحدة ضرورة موضوعية فى ظل عالم جديد يفرض تحديات لا تستطيع الدول العربية أن تواجهها منفرده ؛ وهى تحديات جوهرية خاصة بالتنمية وبالاستقلال السياسى والاقتصادى  وعلى صعيد أخر يواجه مشروع الوحده مشكلات وعقبات تتمثل فى النظم الملكيه الاستبدادية والقبلية التى مازالت مكونا رئيسيا فى التركيبة السكانية للمنطقة العربية .

ان الحل ليس صعب المنال لهذة الدرجة فكل ما علينا أن ننقل معركة الوحدة الى القوة الوحيدة القادرة على تحقيقها وحل مشاكل المثقفين فى التنظير لها ؛ انها بالتأكيد الجماهير العربية التى يمكنها وحدها تخطى كل المشكلات الفكرية التى يعجز المفكرون والمثقفون عن حلها وأن يصوغوا الحلم واقعا ؛ أوليس الشعب هو المعلم ام انها كلمات من فراغ !!!
أن التحرك الشعبى من أجل أقامة السوق العربية المشتركة ولو على مستوى محور شمال أفريقيا ومصر هو بداية وخطوة فى اتجاه الوحده اى كان شكلها سياسى ؛ فكما قلنا فان الجماهير وحدها هى من ستقرر ما اذا كانت دولة الوحدة فيدرالية ام مركزية وبالتالى تبقى مهمتنا الاولى الان أن توجد دولة الوحدة أولا ؛ وفى ظل الثورات العربية والتى توفر مناخا جيدا للوحدة والتضامن العربى فان واجب القوميين الان أن ينقلوا مسألة التنظير للشعب بنقل المعرفة اليه أولا ليقرر الشعب العربى وحده مصيره .


بقلم وليد سامى واصل

المراجع والمصادر
1- جمال حمدان : استراتيجية التحرير والاستعمار
2-روبين ميرديث : الفيل والتنين " صعود الهند والصين " ودلالة  ﺫﻟﻚ ﻟﻨﺎ جميعا
3- معمر نصار : بحث بعنوان " منشور الانسانية "
4- مالك بن نبى : المسلم فى عالم الاقتصاد
5- عيدروس القصير : الاشتراكية فى السياسة والتاريخ " خرافة الطريق الثالث "
6- فايز محمد العيسوى : الجغرافيا السياسية المعاصره
والله الموفق

زيــارة الــى حيث ولــد الــزعيــم جمــال عبــد النــاصــر

فى الطريق الى منزل الزعيم جمال عبد الناصر بالاسكندرية ؛ حيث دوت اول صرخة له لتعلن مجىء هذا البطل الذى غير تاريخ امته العربية ؛ كانت الاحاسيس والمشاعر تختلف ؛ فبينما نمر بين مكان وأخر كنا نلاحظ امرا واحدا ؛ وهو وجوه المصريين ؛ فالكل سواء ؛ الناس تنتابهم حالة من الحزن ؛ وقلما ما نجد احدا يبتسم ؛ استمرينا فى الطريق ودخلنا منطقة باكوس وهى منطقة فقيرة ؛ وجدنا فيها الوجه الاخر للاسكندرية ؛ فتدنى مستوى المعيشة واضح جدا والقمامة كالجبال ؛ هناك فرق واضح بين الاسكندرية التى اعرفها وما رايته اليوم ؛ بعد ان وصلنا لباكوس اضطررنا لركوب (توك توك ) لانه وسيلة المواصلات الوحيدة بين  حوارى باكوس التى توصلنا لفليمنج حيث منزل عبد الناصر ؛ بالفعل وصلنا التوك توك لحدود حى فليمنج ؛ وبعد سؤال احد الناس وصف لنا طريق المنزل بالتحديد ؛ بالفعل وجدنا انفسنا امام شارع قنواتى وهو شارع جانبى متفرع من شارع مصطفى كامل ؛ واستمرينا فى السير حتى وصلنا لمنتصف الشارع حيث وجدنا اسم عبد الناصر بالازرق فى لوحة يظهر امامنا ؛ ويظهر معه أحد حراس المكان وهو ( العربى ) الذى اخبرنا انه ممنوع الدخول للتصوير لكن يمكننا التصوير من خارج المنزل وهذا ما حدث فعلا المنزل فى حالة ليست سيئة ؛ وتم أزالة المخلفات من حوله ؛ لكن الوعد بتحويله لمكتبة لا ارى فيه سوى مجرد سراب ؛ فالبيت يتكلف 10 الاف جنيه شهريا تصرف كلها على الحراسات والعمال ؛ عدد العمال هو سبعة بالاضافة لتسعة حراس من شركة امنية ؛ وطبعا للعلم ان محتويات المنزل لا تساوى 100 جنيه ؛ فليس بالمنزل اى شىء ذا قيمة كما اخبرنا احد الحراس ؛ الا ان اهدار االمال العام هى عادتنا الدائمة ؛ طبعا لو كانت هناك نية صادقة لتحويله لمكتبة ؛  ولكن لا حياة لمن تنادى
بعدها خرجنا من المنطقة بعد ان تبادلنا اطراف الحديث مع حراس المقر وكانوا (ولاد بلد ) ثم جلسنا على احدى القهاوى البلدية لفترة وجيزة ؛  وفى طريق العودة وجدنا نفس المشهد ؛ مصريون بعيون حزينة ؛ ونفس الرؤية التى تاتينى دائماعبد الناصر ينظر الى ويطالبنى بمساعدة مجموعات من الفقراء وانا اقف مكتوف الايدى ولا استطيع ان احرك ساكنا ؛ ويبقى سؤالا فى بالى  ؛ متى يعود فارس الفقراء من جديد ؟

قام بالزيارة 22 سبتمبر 2010
وليد سامى
محمد جمال متولى

طريق الاشتراكية العربية

لقد شغلت مسألة القيمة الانسانية ومحدداتها المجتمع الانسانى عبر التاريخ ؛ وانقسمت المجتمعات البشرية الى طبقات مختلفة تحددت فيها القيمة الانسانية وفقا لمعايير العصر الذى عاشت فيه تلك المجتمعات ؛ فتنوعت بين السلطة والنفوذ والثروة ؛ او الاصل والنسب .ومع ظهور المجتمعات الراسمالية فى الغرب الاوربى مع عصر النهضة الصناعية ؛ ظهر راس المال كمحدد رئيسى للقيمة الانسانية ؛ وظهرت قوة ونفوذ طبقة الراسماليين التى استطاعت ان توجه كل طبقات المجتمع لخدمة مصالحها التجارية .فى ذلك الوقت الذى مرت فيه اوربا بطور الثورات الاجتماعية والنهضة الصناعية ؛ كانت مجتمعاتنا العربية خاضعة للاستعمار البغيض الذى اعادها للعصر الحجرى ؛ فبينما كانت اوربا تكتشف طاقة البخار ؛ كان الوطن العربى يكتشف القوة الخارقة لاعمال الدجل والشعوذة .ومع ظهور الحركات الاشتراكية بدات تعود للاذهان قيمة العمل باعتباره المحدد الوحيد للقيمة الانسانية فى المجتمع العادل ؛ الذى يمثله المجتمع الاشتراكى .فقيمة كل انسان تتحدد على قدر عمله ؛ ولا تتحدد على اساس ثروته او اصله او نسبه او غير ذلك من امور ؛ فالدور الذى يقوم به المهندس له اهمية ؛ والدور الذى يقوم به الطبيب له اهمية ؛ وكلاهما لا يزيدا اهمية عن دور العامل او الفلاح ؛ فى خدمة المصالح المشتركة للمجتمع ككل .ان اساس الفكرة المجتمعية تقوم على الاشتراك بين عناصر وافراد المجتمع فى تحمل اعباء حياتهم المشتركة ؛ فالكل يساهم فى الانتاج حسب ما يقدمه من جهد ؛ وبالتالى فالكل له الحق فى نصيب عادل من الثروة الوطنية ؛ وهنا يتحقق مبدأ المشاركة الفعلية لما نسميه بالفعل منظومة اجتماعية سليمة وصحيحة ؛ يتحمل فيها كل فرد واجباته وينال فيها كل فرد نصيبه من نجاح المجتمع بشكل عام .ان رأس المال لا يستطيع ان يقود حركة الانتاج وحده بدون الحاجة الى العمل ؛ وهنا نجد اصحاب رؤوس الاموال يسارعون بالرد بان اموالهم هى التى تحرك عجلة الاقتصاد وبدونها يصبح العمل بلا قيمة ؛ وهم يحاولون ان يغالطوا انفسهم حين يتناسوا ان رؤوس اموالهم فى حاجة للعمل الذى يحول هذة الاموال الى انتاج وبالتالى الى ارباح ؛ وهذا يؤكد فكرة المشاركة فلو افترضنا وجود راس المال بدون العمل الذى سيحوله لانتاج ؛ فاننا نعرف النتيجة الحتمية وهى تضخم فى راس المال ويصبح المال بلا قيمة .وبالتالى فالعمل وراس المال يشتركان فى الوجود وفى اعتماد كل منهما على الاخر فى وجوده ؛ وهذا يقتضى بالضرورة ان يشتركا سويا فى الارباح ؛ تحقيقا للعدل وتأكيدا على حقيقة المجتمع واسسه القائمة على العدل .وهذا هو اساس العدالة الاجتماعية ؛ واساس مجتمع تسوده حياة سلمية بين الطبقات بلا احقاد او ضغائن ؛ وهوالعكس تماما مما نراه الان فى المجتمع المصرى الذى سيطر عليه رأس المال واستطاع تسخير كل موارد الدولة لاجبار العمل على الارتباط به والحاجة اليه ؛ وهو ما يتزامن مع القهر السياسى وقمع الحريات ؛ وهى احد ظواهر المجتمعات الراسمالية المستغلة ؛ مما احدث خللا فى النظام الاجتماعى المصرى ؛ وساهم فى تهديد السلام الاجتماعى لهذا المجتمع العريق ؛ فاصبح المجتمع هشا ضعيفا امام المؤامرات الخارجية ؛ واكثر عرضة لخطر ثورات الجياع التى ستقضى على الاخضر واليابس .
***

اذا كيف نصل لهذا المجتمع الذى نتمنى فيه تعايشا سلميا بين طبقاته ؟؛ان طريق الاشتراكية العربية يمثل حلا ناجعا لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق بين الطبقات ؛ وحل الصراع الطبقى بشكل سلمى .ولم يكن ذلك الحل الاشتراكى وليد الصدفة ؛ بل جاء عن تجربة وممارسة فقد حاولت الثورة فى بداية الامر الاعتماد على التنمية الراسمالية ؛ وقدمت حكومة الثورة تسهيلات كبيرة لاصحاب رؤوس الاموال المصريين والاجانب ؛ فمثلا صدر القانون رقم 120 لسنة 1952 تعلن به الثورة انها تكفل للاجانب الذين يوظفون رؤوس اموالهم فى مصر ان يكون لهم متى ارادوا ا5 % من مجموع راسمال الشركة بدلا من 49% ؛ اى ان الثورة اعطتهم الحق الكامل فى الادارة ؛ ثم صدر القانون رقم 31 فى 15 يناير 1953 ليؤجل سداد الضرائب المستحقة اذا طرات ظروف عامة او خاصة تحول بالممول دون سداده للضرائب ؛ وغيرها من القوانين التى صدرت باعفاءات ضريبية للشركات الخاصة لحثها على المساهمة فى عملية التنمية .وفى خطبة للزعيم جمال عبد الناصر فى 26 يوليو بالاسكندرية عام 1957 ؛ هاجم فيها اليسار واليمين ؛ واكد على اعتماده على التنمية الرأسمالية كطريق للبناء والتنمية ؛ لكن الرأسمالية خذلته وتخلت عن كل وعودها خوفا على اموالها ؛ ومن هنا جاءت القوانين الثورية الاشتراكية فى 23 يوليو 1961 (الثورة الثانية ) التى قدمت الحل الاشتراكى كبديل لراسمال المستغل ؛ ليقود حركة التنمية الجبارة التى اوصلت مصر لمعدل تنمية بلغ 8% بعد تنفيذ الخطة الخمسية الاولى (1960- 1965 ).ورغم ان تخلى الراسمالية عن الثورة رغم كل التسهيلات التى قدمت لها ؛ كان احد اهم العوامل فى التحول الاشتراكى الكبيرة الذى احدثته قوانين يوليو الاشتراكية ؛ الا ان احد اهم الاسباب يعود لشىء اخر الا وهو البيئة المصرية الفقيرة ؛ فمصر دولة فقيرة ولا تسمح لها مواردها باقتصاد تقود النزعات الفردية للاستغلال ؛ فالراسمالية فى الدول النامية لا يمكنها ان تقود الانطلاق الاقتصادى الا فى حالتين ؛اولهما ان تحمى نفسها عن طريق فرض الرسوم الجمركية على الواردات ؛ وهذا الامر اصبح صعبا للغاية خاصة فى اطار اتفاقيات التجارة العالمية ثانيا ان تربط نفسها بأحد الاحتكارات العالمية وبهذا يظهر امامنا اقتصادا تابعا ؛ نفقد على اثره استقلالنا السياسى .ان الدول الراسمالية الحالية (باستثناء الولايات المتحدة) كونت ثرواتها خلال عهود الاستعمار وقادت نهضتها الاقتصادية فاصبح لديها القوة والقدرة على المنافسة بما يمكنها من الاستمرار طويلا دون ان تستطيع الدول النامية اللحاق بها ؛ بل انها تتدخل لمنع هذة الدول من استكمال تطلعاتها للنمو للتقدم .لهذا فان الاشتراكية العربية هى الوسيلة المتاحة لمواجهة مشكلات المجتمع المصرى والعربى ؛ والذى تواجهه مشكلتان اساسيتان ؛الاولى هى مشكلة النمو والتقدم ؛ وكما تحدثنا سابقا فان الظروف والموارد فى مصر واغلب الدول العربية لا تسمح بان تقود تنميتها الراسمالية المستغلة التى ستسعى لخدمة مصالحها فقط ؛ بل وقد تلجىء الى التأمر على مجتمعاتها حفاظا على مصالحها .وتقدم الاشتراكية العربية الحل فى سيطرة الشعب على وسائل الانتاج الرئيسية ورقابته عليها ؛ من اجل زيادة الثروة الوطنية وذلك بتجميع المدخرات الوطنية ووضع كل خبرات العلم الحديث فى خدمه استثمار هذة المدخرات فى اطار تخطيط مركزى وشامل لعملية الانتاج ؛ يتوافق معه عدالة فى التوزيع ؛ حيث تعود فائدة العمل الاقتصادى على الجموع الشعبية العاملة ؛ بما يصنع لها مجتمع الرفاهية الذى تتطلع اليه .
***
اما القضية الثانية فهى قضية السلام الاجتماعى داخل الجتمع العربى الذى تتعدد طبقاته وفئاته ؛ والاشتراكية كأسلوب ومنهج للحياة تقدم الحلول لهذة المشكلة من خلال تأكيدها على دور الانسان كقائد لحركة المجتمع باستخدام الية ديمقراطية تجسد الارادة  الاجتماعية؛ وتساهم فى تاكيد التعايش السلمى  بين طبقات المجتمع ؛ وبالتالى فاشتراكيتنا ليست مجرد نظام اقتصادى مجرد ولكنها منهجا  للحياة فى مختلف المجالات ؛ وتعتبر صيغة تحالف قوى الشعب العاملة  خير تعبير عن الديمقراطية الاجتماعية ؛ فان وحدة هذة القوى هى السبيل الوحيد لمواجهة التحديات التى يفرضها علينا الاستعمار وقوى الرجعية والراسمالية المستغلة ؛ وقد يحدث مناقشات واختلافات بين هذة القوى ؛ لكنها لا تتصادم باى حال من الاحوال ؛ فجميعها يعمل من اجل المصلحة العليا للمجتمع بدون استغلال ؛ وبدون سيطرة طبقة على اخرى .

لماذا اشتراكية عربية ؟ ؛ان الاشتراكية العربية هى نتاج ظروف مجتمعنا العربى والاسلامى ؛ فهى تسعى لتحقيق جوهر الاسلام فى العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر على اساس مبدأ اتاحة الفرصة للجميع ؛ واختلفت اشتراكيتنا عن الاشتراكية الماركسية اللينينية ؛ وكثيرا ما تمت مهاجمة هذة الاشتراكية بمصطلحات مثل الاشتراكية المزعومة او الاشتراكية الكاذبة ؛ ذلك لان اشتراكيتنا العربية لا تلغى الملكية الخاصة التى اقرها الاسلام ولا تستلزم تاميم كل وسائل الانتاج ؛ كذلك لا تمس الحق الشرعى فى الارث ؛ ولا تؤمن بتاميم الارض الزراعية وتحويلها إلى مجال الملكية العامة، وإنما تؤمن استناداً إلى الدراسة وإلى التجربة بالملكية الفردية للأرض فى حدود لا تسمح بالإقطاع ؛ وكل ذلك تأكيدا على دور الشرع الاسلامى واثره فى المنظومة الاشتراكية العربية .لقد اعتمد جمال عبد الناصر فى تعريفه للاشتراكية على قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( الناس شركاء فى الماء والكلاء والنار) باعتبار هذة الموارد هى الموارد الاساسية فى عصر الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ وبالتالى اختلفت اشتراكيتنا تماما عن الاشتراكية الشيوعية فى الاتحاد السوفيتى السابق والدول الشيوعية الحاليةوبرغم ذلك فان فكرة نقل التجارب ليست عيبا فى حد ذاتها ؛ فاننا نأخذ من التجربة ما يتوافق مع مبادئنا وافكارنا ونستغنى عن الباقى الذى يخالف تلك المبادىء ؛ وقد كانت مبادئنا هى مبادىء العروبة والاسلام والتى لا تؤمن بأحلال ديكتاتورية طبقة محل اخرى ؛ وانما تؤمن بالمساواة بين الناس كل على حسب عمله وخدمته للمجتمع ؛ فى اطار من السلم الاجتماعى .لقد اكد الاسلام على قيمة العمل كمحدد للقيمة الانسانية ؛ وقد فضل الله تعالى المؤمنين بعضهم على بعض بنتائج اعمالهم ؛ وبالتالى فالنوايا الطيبة ومظاهر التقوى امام الناس وحدها لا تكفى ولا تخدم المجتمع الانسانى ؛ والله تعالى وحده يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور .ان الراسمالية كثيرا ما استغلت الدين لخدمة مصالحها ؛ وتتجاهل بذلك دور العمل وتهاجم العدالة الاجتماعية ؛ وتتجاهل مبدا المشاركة بين العمل وراس المال فى خدمة المجتمع ؛ وحينما نرى قول المولى عز وجل{وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُوْلَـئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَـلَمِينَ}.نتذكر ذلك الانكار من الراسمالية لحقوق العمل فى نصيب من الربح على قدر قيمة ذلك العمل ؛ فرأس المال يقوم بدور التاجر الذى يعطى وياخذ ؛ فهو ياخذ من العامل جهده ويعطيه اجرا مقابل ذلك الجهد ؛ ولا بد ان يكون المقابل يتناسب على الجهد المبذول ؛ والا كانوا كالمطففين تماما .ان حتمية الحل الاشتراكى فى ضوء صيغة تحالف قوى الشعب العاملة هى الحل الامثل للخروج بهذا المجتمع من مشكلاته ؛ لتقوده للتنمية والتقدم فى وقت لا يمكن ان نترك فيه مستقبلنا لنزعات راس النال الجامحة ومصالحة المستغلة التى تعمق الانقسام داخل المجتمع وتهدد بصراع الطبقات .

والله الموفق

بقلم وليد سامى واصل

الـنـاصـريـة بـيـن الـحـيـاة والـمـوت

فى لحظات فارقة فى تاريخ العالم يبدو العام 1453 عاما فاصلا فى تاريخ البشرية بكل تأكيد ؛ فقبل هذا العام كان العالم منقسما الى شرق يحمل - بشكل ما - مشعل النور والحضارة الوحيد ولديه فائض من الثروة بما يتيحه الموقع المتوسط على طرق التجارة الدولية ما يكفيه لكى يضمن استمرار نظامه العسكرى الاقطاعى الذى يدعم أركانه بالتحالف مع المؤسسة الدينية ؛  وكانت الصورة الاسوأ فى أوربا والتى كانت فى هذا العصر تعانى تحت اقدام السلطة الكنسية وتحت ضغط سلطة الاقطاع و دون أن يكون لديهم فائض من الثروة بعد تصفية الامارات الصليبية فى الشرق انتشر التخلف وأصبحت أوربا على حافة الهاوية
فى العام 1453 يهاجم الاتراك العثمانيين القسطنطينية فى عهد السلطان محمد الفاتح وبذلك تسقط عاصمة الدولة الرومانية القديمة فى الشرق وتعم الافراح فى الشرق العربى
فى تلك الاثناء يهاجر العلماء من القسطنطينية الى غرب اوربا ويبدأ تحول نوعى تحت وطأة الضغط السياسى والاقتصادى نتيجة الحصار الذى يفرضه الاتراك ؛ وفى هذة الاثناء تبدأ مسيرة عصر النهضة ويبدأ الاوربيون فى انتقاد منظومة الحياة العقيمة التى تسببت فى معاناتهم
فى نهاية هذا القرن تبدأ حركة الكشوف الجغرافية فبعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح عام 1498 م يبدأ الشرق فى التضرر من أثر تحويل طريق التجارة وفقد ميزة الضرائب الباهظة التى كانت تفرضها دولة المماليك فى مصر والشام ؛ ثم تبدأ الكشوف الجغرافية فى سباق بين اسبانيا والبرتغال يأخد منحنى أخر بعد  ان تأكد الاسبان ان ما اكتشفه كريستوفر كولمبوس عام 1492 م لم يكن الهند وانما عالم جديد ؛ فقد وصل الرجل الاوربى الى قارات العالم الجديدة بمواردها الضخمة وبدأت عملية اقامة المستعمرات ونقل السكان تزداد بشكل مطرد ؛ فى هذا الوقت كانت أنجلترا - والتى تأخرت قليلا - تبدأ فى الاستعداد للتحرك وبالفعل فى بدايات القرن السابع عشر تبدأ الكشوف الانجليزية فى اكتشاف الامريكتين ووضع موطىء قدم للمملكة هناك وتأسست أول مستعمرة انجليزية عام 1706 م وهى مدينة " جيمستون " فى ولاية فرجينيا الحالية ؛ وفى ظل هذا الصخب بدأت موارد تلك الدول تزداد وتتضخم بشكل واضح وازدهرت طبقة التجار والتى سمح لها الوضع فى انجلترا بالذات بسبب موقهعا البحرى المتميز البعيد عن الصراع بين القوى البرية داخل القارة العجوز ونظامها الملكى الدستورى بان تتحرك وتدعم الاقتصاد الانجليزى وتأسست أول شركتين تجاريتين فى انجلترا باذن من ملك بريطانيا جيمس الاول وهما شركة لندن وشركة بليموث والتى قامت بتمويل مشروع الاستعمار فى العالم الجديد ؛ وهو ما أدى لتضخم حجم الاقتصاد الانجليزى وتفوقه على قرائنه فى الدول الاخرى وأصبحت انجلترا أقوى الدول الاوربية بلا منازع .

لم يكن الامر سهلا على بقية شعوب أوربا أن ترى نهضة انجلترا وتقف هى عاجزة دون حراك ؛ فمازالت سلطة الاقطاع  مدعوما من المؤسسة الدينية هو المسيطر ؛ لكن الافكار الثورية وبدعم من طبقة التجار الجديدة تدعم الحراك الشعبى فيبدأ ربيع الثورات فى الغرب فتعلن الولايات المتحدة استقلالها عن انجلترا عام 1776م  ؛ ثم تظهر الثورة الفرنسية فى أوربا عام 1789 م وتقلب الاوضاع رأسا على عقب ؛ ويبدأ نظاما اجتماعيا جديدا فى الظهور يستهدف بالاساس القضاء على تحالف الاقطاع والمؤسسة الدينية واطلاق الحرية لحركة التجارة وبالفعل يقدم فلاسفة عصر التنويرالبديل الفكرى لمنظومة اجتماعية مختلفة وفى اطار تغير العلاقات الاقتصادية كانت الاقطاع يلفظ انفاسه الاخيرة
. وأصبحت الملكيات فى اوربا مهددة وكان عليها - اذا أرادت أن تبقى - فعليها أن تعمل وفقا لشروط النظام الاجتماعى الجديد 
فى الناحية الاخرى كان الشرق العربى تزداد حالته سوءا ولم تتغير طبيعة الحكم فيه فقد ظل الاقطاع مستمرا بل ان الدولة المملوكية نفسها خضعت للاحتلال التركى الذى أدعى أنه يفرض حماية لهذة الدول فى حين انه اسقطها فى مستنقع استعمارى استنفذ كل طاقة ابداعية وانتاجية لصالح العاصمة الام اسطنبول ؛ ثم كانت الضربة القاضية مع بداية الثورة الصناعية فى انجلترا فى القرن الثامن عشر حيث حلت الالات محل العمل اليدوى وأصبحت أوربا مصدركبير للمصنوعات رخيصة الثمن التى وجدت أقتصاديات عقيمة وتقليدية فى الشرق العربى وفى الشرق الاقصى وقضت على تنافسيتها جميعا ثم بدأت عملية التضخم العسكري ليفرض الغرب شروطه بالقوة ولم يكد ينتهى القرن التاسع عشر حتى كانت بريطانيا وحدها تحتل أكثر من ثلث مساحة العالم وتسخر شعوب واقتصاديات هدة الدول لخدمة الشعب الانجليزى ورفاهيته ؛ كان صيغة تحالف العمال ورأس المال بديعة جدا وحققت النتائج المرضية وفى ظل هذة الصيغة كانت الديمقراطية نظاما يحقق التوازن من خلال مراعاة الدولة لمصالح رأس المال فى ظل حقوق العمال فى التظاهر وانشاء النقابات والاحزاب وكل هذا فى ظل رقابة القضاء والصحافة وكانت هذة لحظة ميلاد الليبرالية .

أفاقت شعوب الشرق العربى على وقع الصدمة المفجع واكتشفت كارثة الاحتلال العثمانى " كانوا يسمون السلطان خليفة فى وقت ما "  ولكن لم تكن الشعوب العربية لترضى بالخضوع فبدأت مسيرة نضال طويل من أجل الاستقلال وقام فلاسفة النهضة العرب بمحاولة أكتشاف لهوية جديدة تضمن وضع حلول للخروج من الازمة ؛ لم يكن هناك مثال ناجح غير الغرب ومن هنا بدأت مصر تأخذ بنظام الاحزاب والتى حملت على عاتقها مواجهة الاستعمار ؛ وظهر حزب الوفد بزعيمه سعد زغلول لمواجهة الانجليز وقامت ثورة 1919 م ولكن الانجليز لم يخرجوا !! وحصلت مصر على استقلال جزئى وظلت مصر فعليا تحت الحكم البريطانى ؛ فى وضع الاستقرار النسبى أظهرت الصيغة الحزبية انها غيرصالحة للبيئة المصرية وبدأت الاحزاب تتناحر وتتقاتل فيما بينها من أجل السلطة وظهر تدخل القصر وخاصة فى عهد الملك فاروق فى الحياة السياسية  ليوضح الصورة الحقيقية فى عالم  السياسة المصرية الحزبية المخادع فى بلد لا يملك لا عمال ولا رأس مالية مستقلة قادرة على النهوض بالمجتمع من كبوته ؛ فالقوة الصناعية لمصر لم تكن باى حال تقارن باى دولة فى اوربا والشركات المصرية كانت تعمل كظل حائط للشركات الانجليزية ؛ وكان حزب الوفد صاحب اكبر شعبية يمثل مصالح طبقة من كبار الاقطاعيين والرأس ماليين الذين يدورون فى فلك الاقتصاد الانجليزى الضخم
 يوم 21 فبراير 1946 اجتاحت شوارع القاهرة المحتلة عشرات الالوف من الطلبة والعمال والتجار وصغار الموظفين فى مظاهرات كثيفة تردد " الجلاء بالدماء " و " لا حزبية بعد اليوم " وقد كان هذا الهتاف حكما بانتهاء مرحلة حزبية تاريخية بدأت منذ 1907

فى العام 1952 يستولى الجيش على السلطة بقيادة البكباشى جمال عبد الناصر والذى يحقق الرغبة الشعبية فى الغاء الاحزاب ؛ ولم يكن الامر عبسا أو ارضاءا عاطفيا للجماهير فقد رأت الثورة  أن الشعب المصرى لا تناسبه صيغة هى بالتأكيد وليدة مجتمع مختلف بظروف مختلفة ؛ فالديمقراطية فى التعريف الغربى لها تقول
Democracy is a form of government in which all citizens have an equal say in the decisions that affect their lives
لم يكن هذا موجودا فى تاريخ مصر بأى حال ؛ فالشعب المصرى كان فى اغلبه من الفلاحين الفقراء وكانت طبقة الاقطاعين وكبار الرأس ماليين مازالت تتحكم فى مصير الامة ؛ لم تكن هناك طبقات واضحة المعالم ولم تكن قادرة على الدفاع عن حقوقها فى ظل نظام سلطوى يدعى الحرية وفى ظل مركزية عنيفة تحتفظ فيها القاهرة بكل زخم المدنية بينما تعانى بقية الاقاليم من التخلف وهكذا ورثت الثورة مجتمعا متخلفا وشعب لا يدرك أن له حقوق بالاساس وجدير بالذكر أن أخر مشروع قدمته حكومة الوفد سنة 1950 م كان يسمى المشروع القومى لمحاربة حفاء المصريين !!!
 حاول عبد الناصر البحث عن صيغة تحقق سلطة الجماعة وتراعى العدالة والمساواة الاجتماعية قبل السياسية ولكن فى نفس الوقت كان يواجه مشكلة الجهل والامية ؛ وكان عليه أن يدفع الناس دفعا لتنظيم سياسى يعرفهم أن لهم حقا فى الحياة فبدأ بفكرة انشاء هيئة التحرير ثم الاتحاد القومى وبعدها الاتحاد الاشتراكى وكلها صيغ شاملة كان مقصدها خلق حالة تفاعل ينتج بشكل أو بأخر نفس النتائج التى أنتجها عصر النهضة والتنوير فى أوربا ؛ فتتحدد ملامح المجتمع وطبقاته وتدرك كل طبقة ان عليها أن تدافع عن مصالحها وان لها حقوق وواجبات تجاة المجتمع الدى نتشارك الحياة فيه ؛ غير ان الفشل يواجه عبد الناصر !! فالصيغة لم يكن بها عيب وتبدو رائعة جدا ولكن المشكلة ان السلطة لا تستطيع أن تجمع حولها الا المدعين والافاقين والذين بدأوا يتجمعون فى شلليه لحماية مصالحهم واستبعد المواطن صاحب الحق ؛ ويعترف عبد الناصر بذلك فى بيان 30 مارس حيث يقول " ولم تكن المشاكل التى عاناها الاتحاد الاشتراكى ترجع إلى قصور أو عيوب فى صيغته العامة، وإنما كانت أسباب القصور والعيوب ترجع إلى التطبيق.
وأول هذه الأسباب هو أن عملية إقامة الاتحاد الاشتراكى لم تبن على الانتخاب الحر من القاعدة إلى القمة.
 إن علينا الآن أن نعيد بناء الاتحاد الاشتراكى عن طريق الانتخاب من القاعدة إلى القمة؛ أى من اللجان التأسيسية فى القرية، والحى، والمصنع، والوحدة، إلى المؤتمر القومى للاتحاد الاشتراكى، وإلى لجنته المركزية، وإلى اللجنة التنفيذية العليا.
وتذكرون أننى كنت قد أشرت فى خطابى يوم ٢٣ يوليو الماضى إلى تكوين اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى، وكان التصور فى ذلك الوقت أن تكون بالتعيين، ولقد أجلت ذلك خلافاً لما قلت ووعدت به، عن اقتناع بأن أسلوب التعيين ليس أفضل الأساليب، وأن التعيين فى النهاية قد لا يعطينا إلا ما تفرزه مراكز القوى، أو ما تقدمه المجموعات المختلفة والشلل، وليس ذلك هو المرجو، وليس هو ما يحقق لنا الهدف والدور الذى كنا نطلبه للجنة المركزية.
إن طريق الانتخاب سوف يعطينا الحل الأوفق؛ أن يتم بناء الاتحاد الاشتراكى بالإرادة الشعبية وحدها، وأن تقوم قوى الشعب العاملة باختيار قيادتها المعبرة عنها والمستوعبة لآمالها الثورية، ثم تدفعها إلى مواقع القيادة السياسية ".

فالسلطة لا تستطيع أن تحل محل حركة التاريخ بابعاده المختلفة وهكذا مات الرجل ومات معه حلم تحقيق العدالة والمساواة ؛ وكان على الشعب أن يعرف طريقه وان يقاتل لكى يأخـذ حقه بنفسه ولا ينتظر السلطة وذلك الفارس النبيل الذى سيحقق كل شىء بلمحة بصر ؛ لقد تحمل الرجل اكثر مما يمكن ان يتحمله بشر ولما انتهت التجربة بالانقلاب الساداتى كان العدوان على ذكراه واضحا ؛ وأغتيل ميتا !! .
لم يتعلم الناصريون من التجربة ولم يأتوا بجديد !! ؛ فقط انهمكوا فى الدفاع عن تجربة عبد الناصر ومحاولة استعادة السلطة مرة اخرى لتصحيح الاخطاء !! نعم هكذا يفكر الناصريون ؛ يريدون اعادة نفس التجربة بل حتى استنساخ شخص عبد الناصر نفسه لو أمكن فأى ناصرية هذة ؟ 
الغريب ان الجميع يتحدث عن مفاهيم الناصرية والبعض يصل براديكالية واضحة ان ما قاله عبد الناصر وما لم يقله هو المحدد الوحيد لمعنى الناصرية ولكن دعونا نعود للرجل نفسه ونراه وهو يتحدث فى فلسفة الثورة عن الدوائر الثلاثة ويزعم من كان انها اختراع ناصرى ؛ وهذا ليس صحيحا فالرجل فقط قرأ جغرافية مصر بحيادية وربطها بتاريخ منطقة يبدو مترابطا فى أغلبه بمصير واحد وتوصل لنتائج ؛ هدة النتائج واعتمادا على منهج التجربة والخطأ تطورت حتى صاغت اهداف لنضال أمة باسرها ووضعت بعض القواعد التى يلتزمها أى من كان ليس لانه ناصرى بل لانه مصرى وهكذا فهم الدكتور جمال حمدان مضمون الناصرية فقال انك لتكون مصرى عليك ان تكون ناصرى فالناصرية هى بوصلة مصر الطبيعية ؛ وليس فى الامر كما يستخدمه بعض الراديكاليون مسألة للتفاخر بشهادة بعض المفكرين لعبد الناصر او لعهده
فالقضية ليست شخصية ولم تكن ابدا كذلك وجمال عبد الناصر لم يكن رئيسا للناصريين ! بل كان رئيسا لمصر والناصرى الحق عليه أن يدرك ان مصلحة مصر تقتضى التجديد وتقتضى التعلم من التجربة بدلا من تضييع الوقت فى جدل عقيم لن يقدم للامة شيئا مفيدا .
 يقول دعاة الاسلام السياسى ان دعوتهم لاحياء الاسلام وكأن الاسلام قد مات! وكأن المواطن المسلم ليس هو المشكلة وليس هو الذى أخذت منه حقوقه المدنية باسم الدين وباسم الخلافة ؛ وعلى الجانب الاخر يقول بعض الناصريون انهم يحملون راية التقدمية ضد الرجعية والتخلف ! فى حين اننا لا نجد اختلاف كبيرا فى طريقة التفكير فهم يدعون لاحياء تجربة عبد الناصر دون أن يطوروا من الاطروحات وكأن الناصرية كتابا منزل من السماء !؛ وينظرون للسلطة كوسيلة من أجل تحقيق الخير لمصر وكأن التجربة لم تحدث ولم تقدم بيانا عن اسباب الفشل وكيفية النجاح
 ان طريق السلطة لن يستطيع أن يحرك المجتمع ويقوده طالما ظل تحالف رجل الدين والسلطة ورأس المال مستمرا ؛ وهل انتهى بعد ثورة 25 يناير ؟ هذا ما تؤكده الجغرافيا فى مصر بالذات فنحن امام جغرافيا مركزية توفر الظروف المثالية للاستبداد وامام شعب لم يمر بمراحل التكوين نفسها التى خاضها الرجل الاوربى؛ وبالتالى فليس هناك سبيل امام الناصريين الا الجماهير والالتحام بها وأعدادها من أجل الاهداف الكبرى؛ نعم اعداد الجماهير فى الجامعة وفى القرية والنقابات والمصانع وتوعية جيل جديد يقبل التجديد فى صيغة تقدمية حقيقية نابعة من البيئة العربية ؛ من أجل حراك شعبى يخلق تنظيما قوميا عربيا يحقق دولة الوحدة المنشوده وهذا العمل يشترط بالضرورة وحدة الهدف وليس وحدة التنظيمات
كان جمال عبد الناصر دائما يقول " إن الجماهير هى القوه الحقيقيه والسلطه بغير الجماهير هى مجرد تسلط معادٍ لجوهر الحقيقه " ؛ فاذا كنت ناصريا بحق فعليك أن تقوم بدورك فى الالتحام بالجماهير ومشاكلها واعدادها فكريا وعمليا من أجل الثورة العربية ؛ هذا للناصريين فى كل الوطن العربى قبل أن تنحرف البوصلة وتسقط الامة فى مستنقع الانهيار التام .... وسنكون نحن فقط - بحق - المسئولون امام التاريخ وامام الاجيال القادمة طالما فى يدنا الدواء ولم نقم بواجبنا فى شفاء المريض

والله الموفق
بقلم وليد سامى واصل

الاقتصاد الاسلامى ... أقـلام وأوهـام !!!


قبل عصر التجارة الدولية والميكنة لم يكن هناك اقتصاد ولا علم اقتصاد بالمعنى المعروف حاليا ؛ ومن هنا فعلينا أولا أن نفرق بين مفهومين متداخلين في العقل العربي وهما المال والاقتصاد ؛ فكل ما كتب فيما يسمى "بالاقتصاد الاسلامى " يتحدث تحديدا عن المال ؛ بينما الاقتصاد كمفهوم لا يمثل المال فيه الا جزءا من كل.



وكان المرحوم مالك بن نبي في كتابه "المسلم في عالم الإقتصاد" قد فرق بين المفهومين بشكل رائع

والرجل يرفض بشدة تناول مسألة الاقتصاد من باب التعاملات الربوية لأننا بهذا الشكل لا نغير شيئا جوهريا الا ان نختار الاقتصاد الرأسمالى وكل ما يحدث اننا نجعل الفائدة البنكية تاخد شكلا مختلفا

وهو يقول أن الاقتصاد أكبر من فكرة الرصيد المالي ؛ وضرب أمثلة على ذلك

فلو أفترضنا قيام حرب نووية أو كارثة طبيعية هائلة دمرت مدينة كنيويورك

وإنه قدرت تكلفة إعادة بنائها مرة أخرى على سبيل المثال 50 تريليون دولار

فلو أعتمدنا قاعدة الرصيد المالى ؛ وأفترضنا أن

الخزينة الأمريكية لا يوجد بها غير عشرين تريليون دولار

فهل معنى هذا أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تعيد بناء مدينة " نيويورك " مرة أخرى ؟

يرد مالك بن نبى ويقول أن ذلك تفكير سطحي للغاية

لأن الولايات المتحدة لديها قدرة توليد الدخل أي روح الاقتصاد



ويقول أن الفرق بين الغرب والشرق هوأن قدرة الغرب أعلي علي توليد الدخل ؛ والعمله عنده تكتسب قيمتها

من العمل المبذول فيها وليس من الرصيد المكافىء لها من الذهب

ويؤكده هذة الرؤية بأن الولايات المتحدة ألغت القاعدة الذهبية في تقييم عملتها ومع ذلك لم تنهار



ومن هنا فطبقا لقدرة الاقتصاد الأمريكي ؛ فأن الولايات المتحدة لديها القدرة على بناء عشرين مدينة مثل مدينة نيويورك ؛ أما طبقا لفكرة الرصيد المالى فهى حتما لن تستطيع .



* انجلترا وظهور علم الاقتصاد



في انجلترا تشكل أول اقتصاد بالمعنى المعاصر فالعالم القديم لم يكن فيه اقتصاد بالمعني الحديث ؛ وانما كان فيه ثروات

وكانت العملة تكتسب قيمتها من قيمة معدنها

بمعني أنك لو امتلكت دينارا رومانيا من الذهب تستطيع أن تستخدمه في بلاد فارس بنفس قيمته

حيث لم يكن هناك تحويل للعملات؟



فما هو الاقتصاد اذا ؟

الاقتصاد هو حصيلة أو دراسة تجميعية للعمليات

التي يدخل فيها عمل الإنسان من أجل إنتاج الخيرات والسلع

كما وكيفا



قديما كانت قيمة العملة ذاتية ومن هنا فالربا كان بيعني ظلم فادح لأن المرابى كان يقرض شخصا ما عن طريق العملة 100 جرام من الذهب ثم يستردهم 200 جرام

وهذة تعتبر ثروة ؛ بل ثروة كبيرة .



لماذا؟ لأن التجارة والسلع لم تكن تمر بأي نوع من أنواع التدخل الوسيط ؛ بمعني أنك مثلا لو أشتريت " زجاج" من مصر فأنت تشتريه من صانعه مباشرة ؛ الذى يعمل فى بيته ويبدع فى هذا الفن مع أولاده الذين يساعدونه ومن هنا كانت الحرف قديما وراثة في الأسر وبالتالى لا يوجد وسيط ؛ فالسلعة تنتج في مكان واحد فقط .



اما فى عملية التجارة والنقل فالوسيط واحد فقط فالذى بيشتري السلعة من في مصر هونفسه الذى يسافر بها الى اليمن أو الهند ؛ وبالتالي فكانت تكلفة السلعة تتمحور حول الخامة والمواد الداخلة في الصناعة ولم يكن يحسب لمقدار المجهود البشري بشكل واضح بمعني أن الصانع نفسه كان هو التاجر وهذا الوضع جعل العمله تتمتع بثبات كبير جدا فهى أيضا خامه ويشتري بها خامات .



الاقتصاد الحديث قام علي نظام ليس له سابق في التاريخ ؛ فقد حصل فيه تغير محورى فالسلعة أصبحت تنتقل في أكتر من مكان حتى تصبح منتج نهائي

ثم مع ظهور الميكنة والاختراع فان السلعة لم تعد محتاجة الى فنان لصناعتها ؛ فقط تحتاج عامل مدرب علي التعامل مع الألة .



هنا انفصلت السلعة عن منتجها وأصبح مالك السلعة أو منتجها هو صاحب راس المال وليس العامل " الفنان " وهنا أصبحنا أمام وضع جديد تماما ؛ فالعامل يعمل في المصنع ساعات محددة

وليس له حق فى أن يتوقف عن العمل إلا لسبب واضح ؛ والأجر يحسب بيوم العمل وفقا لعدد الساعات

ومن هنا أصبحت السلعة مرتبطة ولأول مرة بأجر العامل الإنسان ؛ أي أصبحت العملة من الناحية الاخرى تحمل مفهوما جديدا أو قيمة جديدة وهي قيمة العمل المبذول .



هنا يصبح لنا كل الحق في رفض السؤال عن طبيعة وشكل ما يسمى بالاقتصاد الاسلامى

لأن الإسلام لم يعاصر اقتصادا وبالتالي فليس فيه أي حلول للمشكل الاقتصادي .



نأتى للتغيير الثاني الأهم وهو اختفاء طبقة العبيد وحلول طبقة العمال الأحرار مكانها ؛ هنا القوانين الاجتماعية اللتي قامت علي أساس أخلاق الحر وأخلاق العبد سقطت ؛ وبالتالى فالربا كعملية تمثل مدخلا لاسترقاق من كانوا في السابق أحرار لم تعد موجودة .



وبالتالي فالإسلام ليس فقط خالي من النظام الاقتصادية بل لا يمكن أن يحتوي أيا منها ؛ لأنه لم يعرف لا مدينة العمال الأحرار ولا الاقتصاد المجمع ولا السلعة التي تعتمد علي العمل المأجور ولا العملة التى تحمل قيمة عمل مبذول .. وبالتالى لا وجود لأي نوع من الاقتصاد في الإسلام





الإشارة الثانية أن العرب حيث عاش الرسول "صلى الله عليه وسلم " وفي زمنه والي اليوم لم تربطهم أي علاقة حقيقية بما يستهلكون واقتصرت معاملاتهم فيما يخص السلع علي التجارة ؛ بمعنى أنهم كانواتجارا ولم يكونوا منتجين ؛ فهم يبيعون منتج اليمني للمصري ومنتج المصري لليمني دون أن يعطو أي عمل أو يكونوا جزءا من العملية ولذلك جاءت مشكلاتهم الاقتصادية التي عالجها الإسلام تقتصر علي مشكلات عقود التجارة فقط ولم تشمل ولم تغط أي نوع من أنواع الإنتاج



كما لم تغط جانبا هو الأهم وهو تقدير قيمة العملة بالتالي فكل التشريع الإسلامي يقتصر في منظومة الاقتصاد علي جانب العمليات التبادلية وليس علي جوانب الإنتاج مطلقا لا الزراعي ولا الصناعي لأن ايا منها لم يكن قائما في جزيرة العرب لا في الماضي ولا الأن .





* مسألة المعاملات البنكية



هنا نبدأ بنقطة هامة فعند معالجة مسألة تكوين الشركات وإنتاج السلع وحساب الأرباح والخسائر وغيره

نجد أن كل دعاة الاقتصاد الاسلامى يستخدمون أساليب التحليل الكمي الغربية في الاقتصاد ولما يأتى الحديث عن توزيع الأرباح والشراكات يبدأ الحديث عن الطرح الإسلامى لآن الإسلام بالاساس لم يغط أي جانب إنتاجي أو تأسيسي أو محاسبي نهائيا لكنه تكلم في الأنصبه والأرباح ومن هنا نبدأ الحديث .



عند الحديث عن الربا كعملية علميا لابد أن نحلل المنظومة بشكل علمى ؛ فالافكار المختصرة والاختزال لا وجود لها فى المنهج العلمى ؛ ومن هنا فاننا سنحلل علميا العملية الربوية لكي نصل إلي تعريف علمي لعملية الربا .



الربا هو عملية مالية يتم فيها إقراض مال من مصدر لديه فائض يمنح القرض من المصدر إلي ممنوح

الممنوح هو طالب القرض ؛ وبالتالي فالشرط الأول لقيام العملية هو وجود دافع الاقتراض والدافع هنا هو الحاجة الشديدة .

الركن الثاني من العملية هو وجود الشخص المحتاج للقرض وهو الممنوح و الركن الثالث هو المال الممنوح ؛ أما الركن الرابع فهو مانح المال .



ومن هنا فهذة العملية الربوية عملية لها أركان فلدينا احتياج أو حاجة ثم مال مربو ثم الشخص المربو عليه ثم المرابى .



اذا كيف تسير العملية زمنيا ؟

تبدأ بحصول المربو عليه على المال المربو من المرابي هنا تحدث العملية التي نسميها في علم تصنيف الحيوان " contribution"أو مساهمة .



وسوف نستعيرهذا اللفظ كتوصيف لهذة العملية التي تميز الربا عن غيره ...لماذا؟



لانه تحت تأثير الحاجة المؤثرة علي المربو عليه يقوم المرابي مانح المال بتحديد عائد ثابت ولا علاقة له بتفاصيل ما سيفعله المربو عليه بالمال .

الاركان المادية من الحاجة والمربو عليه والمرابي ومال المرابى يتفاعلون في الزمن بحيث يقوم المرابي بفرض عائد علي المربو عليه .



هذا عن العملية الربوية وكيفية حدوثها وفقا للاركان الاربعة فى سياق زمنى معين



فهل تنطبق هذة العملية على المعاملات البنكية ؟



فى المعاملات البنكية هناك فروق جوهرية .. لنرى كيف



في المعاملات البنكية تحدث عمليتين ؛ فأنت أمام عملية ايداع أوعميلة أقتراض من البنك

وهذا أول اختلاف .... لماذا ؟

لأن المرابي لا يأخذ أموالا ولا يضع نفسه في علاقة يكون فيها مربوا عليه

وبالتالي البنك لا ينطبق عليه تعريف المرابي لأنه يقوم بالعمليتين ؛ فهو يمنح المال ويتلقاه فى نفس الوقت ؛ فمثلا لو قمت أنت بايداع مبلغ 10000 جنيه فى البنك الاهلى هنا أنت من قمت بمنح البنك الاموال وهو لم يطلبها وبالتالى فهو ليس مربو عليه ... هذا أولا



ثانيا عندما يعطيك البنك نسبة الـ 10 % فهو الذى حدد النسبة وليس أنت وبالتالى فأنت لست مرابى فى هذة العلاقة.



وكنا اتفقنا - حتى لا ننسى- ان المرابى هو من يمنح المال المربو ويحدد نسبة الفائدة فى ظل وجود حاجة ملحة للمربو عليه

من هنا يصبح لا البنك مربو عليه ولا أنت فى وضع المرابي ؛ فكيف تكون العملية المالية التى جرت بينكم عملية ربوية؟!! من هنا نقول ان علاقة عملية الايداع غير ربوية تماما .



في الاتجاه الاخر ؛ عملية حصولك على قرض من البنك وهنا فقط يحدث التشابه جزئيا مع الوضع القديم " العملية الربوية القديمة ذات الاركان الاربع " لكن تبقى العملية ايضا غير ربوية فكيف هذا ؟



لنفترض مثلا أنك حصلت على قرض بقيمة 10000 جنيه ؛ والبنك سيطلب فائدة مثلا 14 % ؛ وليس للبنك علاقة بطريقة تصريفك للاموال من هنا يبدو- فى هذة العلاقة - البنك فى صورة المرابى وأنت تبدو فى صورة المربو عليه ؛ لكن مال العلاقة هنا ليس مال مربو فكيف هذا ؟



كنا قد أشرنا سابقا أن العملة لم تعد قيمتها ذاتيه ؛ بمعني انها مجرد صكوك ورق تعكس وضع اقتصادي أو ما نسميه اليوم بالقوة الشرائية وهى عبارة عن محصلة عوامل كثيرة مثل الصادر والوراد والإقبال علي شراء العملة الأجنبية أو المحلية بالاضافة لنسبة البطالة .

كل هذا يتجمع في مؤشر يجعل العملة متغيرة القيمة وليست ذاتية ثابته



ومن هنا فالبنك بالعكس يخسر بسببك فى هذا المبلغ ما مقدراه 1000- 1200 جنيه

وبالتالي فمبلغ الـ1400 جنيه الفائدة التى يضعها البنك بتكون على أساس إنها تغطي حدود القفز في التضخم بحيث يحافظ علي رأس ماله من التأكل وبالتالي أغلب ال14% ليست مكسب وانما تأمين ضد مخاطر التضخم السنوى ليس الا



وبالتالى ففى عملية الاقتراض لو وافقنا إن البنك يكون فى وضعية المرابي وانت فى وضعية المربو عليه ؛ فان الاموال هنا ليست أموال ربا .

بحيث إن الفائدة مجرد تغطية لمخاطر التضخم الذى يأكل من رأسمال البنك والذى أقرضك جزء منه

والجزء الذى يعود للبنك فى صورة ربح يغطي أيضا مصروفات البنك ورواتب الموظفين



أما المرابي قديما فكان يتعامل بشخصه أى ليس لديه موظفين يحمل هم مرتباتهم ومن

هنا فالعامل أو قيمة العمل البشري دخلت العلاقة وهذا لم يكن موجودا قديما



فهنا مال الفائدة في حالة اقتراضك من البنك ليس مال ربا بأى حال .



هنا يطرح أصحاب فكرة الاقتصاد الاسلامى أن يدخل البنك معك المشروع ويشترى الماكينات مثلا ثم يبيعها لك وهذا كبديل عن نسبة الفائدة ؛ وهنا لم يختلف الامر كثيرا الا فى الاجراءات فقط

هذا من ناحية ...



من ناحية أخرى لو قام البنك بهذة العملية فهنا يتحول البنك من مؤسسة للتعامل المالي إلي شركة تجارية وصناعية وربما زراعية ؛ وهذة عدة نشاطات في نشاط واحد وبالتالى لا تصبح بنوكا بالاساس وانما مؤسسات تتربح من ثلاثة أنشطة وتدفع ضريبة علي نشاط واحد فقط ؟!!!!!



ولكى تكون فى حدود عملك كبنك " مؤسسة للتعامل المالى " لا يمكن أن تدخل فى علاقة تجارية من اى نوع مع العميل المقترض والا نصبح أمام نوعا أخر من العلاقات لا نستطيع أن نطلق عليها بنوكا من الاساس ...



ومن هنا فكل ما يجرى من تعاملات تحت مسمى الاقتصاد الاسلامى لا تزيد عن أن تكون ضوابط إئتمانية فقط وليست نظاما اقتصاديا لأنها تعديل في النشاط المالي لا أكثر ولا أقل .



بقلم أ/ معمر نصار

محاضر جـامعى



اعداد/ وليد سامى واصل

أحـلام على مذبح الثورة !!!

فى حياة كل جيل فرصة واحدة للثورة ... قد لا تتكرر

 العام 2010 ؛ تتسرب معلومات تؤكد وجود خلافات بين مؤسسات النظام الحاكم
حيث أكدت هذة المعلومات ان بعض القيادات الكبيرة فى القوات المسلحة ترفض مشروع التوريث وقد تتحرك بشكل ما لكى تحول دون حدوثه
كانت الاخبار المسربة تقول ان صراعا بين جبهتين اصبح واضحا وان شيئا ما سيحدث فى مصر
 الفريق الاول تمثله القوات المسلحة والمخابرات العامة وهذا الفريق يرفض  مشروع التوريث
اما الفريق الثانى فيمثله جمال مبارك ورجال الحزب الحاكم ومعهم الداخلية ورجال الاعمال

كانت قيادات الجيش مصرة على القيام بالتحرك لمنع التوريث خاصة بعدما تأكدت ان مبارك سيشرع فى التوريث فعلا لنجله جمال ؛ فسعت لتأييد الولايات المتحدة الامريكية لكى توفر غطاء تمثله الشرعية الدولية
بالتاكيد الولايات المتحدة وعملا بسياسة الفوضى الخلاقة لا تهتم بشخص الحاكم فى مصر طالما بقيت مصر فى نطاق الاستراتيجية الامريكية ؛ وطالما التزم النظام المصرى بمعاهدة كامب ديفيد مع اسرائيل

اعطت الولايات المتحدة الضوء الاخضر بالموافقه للجيش لوقف مشروع التوريث
وبدأت مظاهر الصراع داخل النظام تبدو أكثر وضوحا
  فى منتصف العام 2010  انتشرت فى شوارع القاهرة ملصقات تدعوا لترشيح عمر سليمان لرئاسة الجمهورية وظهرت مجموعات على الموقع الاجتماعى" فايس بوك" زاد عدد المنضمين لها على 2 مليون عضو تحمل نفس المعنى ؛ وكان واضحا ان الامر له لمسه المخابرات العامة

فى 25 يناير كانت الدعوة لتظاهرة كالمعتاد ولم يكن اكثر المتفائلين يتصورما سوف يحدث
الغريب ان اعدادا كبيرة خرجت يوم 25 ثم تضاعف العدد بخروج فئات الشعب المتعددة فى يوم جمعة الغضب ؛ وهنا بدأ التحول التدريجى فى منحنى الحدث الكبير

هناك عدة شواهد أخرى تؤكد ان الصراع بين اطراف النظام كان حاضرا فى الصورة ؛ كيف هذا ؟
 اولا احراق كل اقسام الشرطة فى نفس التوقيت ومعها بعض المبانى السيادية ومقرات الحزب الوطنى كان منظما بشكل ترفضه قوانين العفوية والعشوائية التى قامت على اساسها حركة الجماهير
ثانيا  انسحاب عناصر الشرطة بشكل واضح بأوامر من العادلى ؛ اما الذين لم تصلهم أوامر الانسحاب فقد تركوا بدونها فى مواجهة الجماهير
 ثالثا تحدث عمليات منظمة للافراج عن السجناء وهو امر يحمل طابع جهاز أمن الدولة فى حين وقفت بقية عناصر وزارة الداخلية عاجزة عن الحركة وأصيبت بالشلل التام

النقطة الابرز فى شواهد هذا الصراع هى بطىء تدخل الجيش خاصة فى منطقة مثل السويس القريبة من مناطق انتشار الجيش الثالث الميدانى ؛ لقد كان واضحا ان هناك رغبة من  الجيش  فى ان يترك الداخلية تحرق فى مواجهة الشعب لكى يحصل الجيش على شرعيته
كذلك كانت تؤكد تصريحات صغار الضباط فى الجيش والذين قالوا (ان الجيش نزل ليحكم البلد)
هكذا على ما اعتقد كانت الاوامر فى الجيش

لكن حدث شىء لم يكن متوقعا ؛ انه ميدان التحرير
لقد وجدت الجماهير نفسها أمام وضع حركى مفاجىء ؛ وهزيمة نكراء للاجهزة القمع التى ظن الناس انها لا تهزم ؛ ممما اعطى شعورا عاما بالقوة والقدرة على الصمود خاصة بعد ارتفاع عدد الضحايا
فزاد صمود الجماهير وخلقت الشرعية الثورة وضعا جديدا لم يكن فى حسبان كل اطراف الصراع
انه الوضع الثورى الذى فرض ارادته فعليا ؛ وصمم على رفع سقف المطالب
فبينما كان الصراع على مواجهة مشروع التوريث ؛ كان للجماهير وفى طليعتها الشباب رأى أخر

 اسقاط نظام مبارك بشكل نهائى وعلى راسه مبارك نفسه
وجد الجيش - الذى اصبحت كل الشرعية تصب فى خانته - نفسه امام وضع مختلف
كان على الجيش المصرى الاختيار بين بقاء مبارك وشبح الحرب الاهلية
وبين مطالب الجماهير التى وصفها بالشرعية ؛ فى النهاية ينحاز الجيش الى شعبه ويسقط مبارك

هنا يتوقف العالم لحظة ؛ وتعم الافراح أرجاء المعمورة ذهولا بما قام به الشعب المصرى ؛ ويبدأ كل فريق وفقا لوضعه يرفع من سقف أمانيه أو مخاوفه على السواء!
لقد كان هناك سوء تقدير واضح من كافة القوى الدولية والتى لم تفهم ما حدث جيدا
 كان هذا واضحا فى تخبط الادارة الامريكية نفسها وتضارب تصريحات مسئوليها ؛ وظل الجميع مهتما بسؤال واحد وهو كيف قامت الثورة ؟
فى حين أن السؤال الاهم هو لماذا قامت الثورة ؟ لانه يحتوى على كل الاجابات التى يسعى الجميع للحصول عليها
فـــالـنـتـابـع
..................................
اولا علينا أن نتفق على قاعدة أولية وهى أن ما حدث فى 25 يناير هو أحد اطوارالنمو والنضوج الطبيعية التى تأخر فيها الشعب المصرى بسبب ظروف الاحتلال المتعاقبة
والتى كانت ضرورية ليعبر الشعب المصرى الى مصاف الشعوب الحرة فى العالم

ثانيا هناك خمسة محاور طرحت حولها العديد من الامنيات والاحلام وعلينا أن نستعرضها بشكل موضوعى على قدر الاستطاعة

 1- فيما يخص الغاء معاهدة كامب ديفيد ؛ اعتقد الشارع العربى ان الثورة قامت لاجله ؛ وارتفعت الهتافات عاليا بضرورة تحرير الاراضى الفلسطينية المغتصبة
لكن الواقع المصرى لم يرفع أى شعارات تخص السياسة الخارجية - وهذا ما دعى لاستغراب البعض -   وهناك عدة اعتبارات لتوضيح ذلك 
آن الشارع العربى أغفل نقطة هامة فيما يخص الشعب المصرى وهى ان المصريون اسقطوا نظام مبارك ولم تكن كامب ديفيد هى من سقطت
وفوق كل هذا ؛ فقد أغفل الشعب العربى أن تلك الطموحات الواسعة هى نوع من التضحية بمصر وأمنها القومى فى ظل عدم وجود تضامن عربى فعلى حتى بين الشعوب نفسها
هناك أمر أخر يعود بالضرورة للشعب المصرى والذى لا يرفض السلام فى حد ذاته ؛ ان المصريين ليسوا ضد السلام مع اسرائيل بالمعنى الدقيق
ان الامر كله عائد الى تصرفات اسرائيل بشكل خاص والتى تستمر فى استفزاز الشعب المصرى والعربى بشكل واضح فتكسب عدائه ؛ اعتقد - بتصور شخصى - ان العقلية المصرية فى ظل كامب ديفيد قد تقبل بوجود اسرائيل كدولة بجانب الدولة الفلسطينية ؛ لكن المشكلة قد تكون اسرائيل نفسها وطبيعها دورها كحليف يؤدى خدماته للاستعماروبالتالى فهى لا تستطيع ان تتوقف عن سياسة خلق الاعداء والا ستواجه مشكلات تهدد السلام الاجتماعى للمجتمع الاسرائيلى الذى يعانى من العنصرية وعدم الاحساس بالامن والانتماء

2- الدولة المدنية شعارا رفعته كل الجماهير ؛ لكن كعادتنا نرفع شعارات دون ان نعرف ان المصطلحات قد تحمل بين طياتها ما قد لا نوافق عليه
فهناك صراعا  أصبح واضحا الان بين الكنيسة وتيار الاسلام السياسى وهو صراع يحمل كل معانى الطائفية بشكل واضح
وتستمر معه النتائج الكارثية لكامب ديفيد فى العبث بالعقلية المصرية ؛ لكن يبقى الامر صراعا سياسيا لا ترضاه جموع الشعب
هناك لغط حول المادة الثانية من الدستور وهو امر مقصود لاثارة الفتنة فتلك المادة لم يتحدث عنها أحد حتى المسيحيون انفسهم
فقط محمد البرادعى هو من تحدث عن الغائها ؛ فى حين انها لا تعارض مدنية الدولة وأن محاولة الغائها هى نوع من التسرع لا يستطيع المجتمع تقبله الان فمازلنا دولة نامية خطت أول خطواتها تجاه الحرية والتقدم والمدنية

3-  حزب الاغلبية ؛ أصبح الامرواضحا بما لا يترك مجالا للشك وهو ما اكدته الثورة الشعبية الجامعة  انه لا يوجد اى حزب او تيار سياسى يحظى بالاغلبية فى الشارع المصرى لذا فنحن امام مجلس شعب يمثل قطاعات عريضة وتيارات مختلفة تمثل طبيعة الثورة طبيعة الشعبية التى جاءت بها تحت قبة البرلمان ؛ وبالتالى فان الارادة المصرية قد تتوحد على شخص الرئيس القادم كرمز لكل المصريين فى ظل حكومة ائتلافية
مع وجود دور للجيش بشكل ما على غرار التجربة التركية الى حين تستقر الاوضاع ويبدأ الجيش فى الانسحاب من الحياة السياسية تدريجيا

4- قضية حزب 25 يناير هو طرح غير علمى وغير عملى بالمره ؛ فالثورة كانت جامعة وشباب الثورة ينتمون الى تيارات وافكار متعددة
ان فكرة قيام حزب يمثل الثورة هو نوع من السرقة وتجديد للاستبداد ذلك لان هذا الحزب سوف يدعى لنفسه الشرعية الثورية ويصبح الحاكم بأمره كسابقه
ثانيا هو نوع من تحديد الاقامة لثورة شعبية نعتبرها الاعظم فى التاريخ بعد الثورة الفرنسية ان لم تكن الاعظم على الاطلاق وهذا سيحدده المستقبل

5- النقطة الاخيرة هى التوجه العام لمصر فما بين التيار الاول والذى يقوده الليبراليون ومعهم بشكل ما المتأثرين بكامب ديفيد ؛ ويرى ذلك التيار ان الوطنية المصرية هى  خيرمعبر عن الشخصية المصرية
 ثم امامنا التيار القومى والاسلامى والذى يرى ان الهوية العربية الاسلامية هى التى تعبر عن الشخصية المصرية
 اما قوى اليسار التقدمية الذين يصوغون ما قد نسميه بالقومية المصرية وهى تتحدث عن مصركمشروع نفوذ يماثل مشروع القومية العربية لكن دون اعتبارات تخص الدين واللغة والتاريخ المشترك

من هنا فان الشعب العربى هو من سيحدد التوجه العام للسياسة المصرية ؛ فالشعب العربى الان يقع على عاتقه ان يستعيد مصر ويسعى اليها كما سعت هى اليه فى الخمسينيات والستينيات ؛ وذلك بحراك شعبى على المستوى القومى يعبر الحدود ويحقق التواصل بين الشباب العربى
وقتها ستعرف مصر ان هويتها ومصيرها فى طريق وحدة عربية شعبية تقدمية ؛ وأمام ارادة الشعوب تسقط كل النظريات والاستراتيجيات
فارادة الشعوب هى من صنعت التاريخ وهى من تصنع الحياة
والله الموفق

بقلم وليد سامى واصل

الناصرية والعالم " صراع الاستراتيجيات "

أنت أمام ضابط شاب يعرف دوره وقضيته وهدفه ، ويعرف لماذا هو غاضب،وكيف يمضى بغضبه إلى مسارح جديدة وعوالم مختلفة؟))



بعد كل هذا العمر وكل هذه التجارب ، فإنه الرجل الوحيد الذى أنا مستعد للانحناء أمامه".



هكذا وصف الأستاذ محمد حسنين هيكل الرئيس جمال عبد الناصر وهو يسلم للأستاذ عبد الله السناوى نسخة مصورة من يوميات جمال عبد الناصر الرسمية والشخصية... فى حرب فلسطين عام1948))





لقد تطورت النظريات الاستراتيجية بشكل خاص مع نشوء علم الجغرافيا السياسية وظهور مفكرين كبار امثال فريدريك راتزل والذى طور نظرية (الاختيار الطبيعى ) ووظفها على الدول واوضح ان الوحدات السياسية او الدول كائنات حية تنمو او تتحلل وتتلاشى حيث انها بطبيعتها لا تستطيع ان تظل ساكنة ؛ وفى الحقيقة ان ما قاله راتزل لم يكن بجديد على التاريخ السياسى للبشرية بل بالعكس فالعصور القديمة والوسطى شهدت هذا النوع من الدول الامبراطورية التى تتوسع على حساب جيرانها وتضم الشعوب التى فتحتها الى شعب الامبراطورية ليصبح جزءا من رعاياها

الا ان نموذج الدول الاستعمارية فى القرن التاسع عشر كان مختلفا بعض الشىء ؛ فهى وان اختفظت بفكرة نمو الدولة الا انها كانت تهدف لاستنزاف ثروات الشعوب المحتلة والذين تعتبرهم أقل شأنا بل تصل بهم الى  درجة العبودية

لقد سارت الولايات المتحدة الامريكية على نفس طريق افكار راتزل والتى يلصقها البعض عمدا ويختصرها فى التجربة النازية فقط غير ان التاريخ يشهد توسع الولايات المتحدة مثلا على حساب جيرانها ؛ فالعديد من الولايات الامريكية قد ضمت بالقوة مثل ولاية تكساس التى ضمتها عنوة من المكسيك

الولايات المتحدة كانت احدى المستعمرات الانجليزية ؛ ولكنها اعلنت عن الاستقلال عام 1776 ؛ غير ان  الدولة حديثة الولادة لم تستقر الا بعد توقيع معاهدة فرساى بفرنسا 1783 لتعترف انجلترا رسميا باستقلال الولايات المتحدة

من هنا بدأ ظهور نجم الدول التى سترث الامبراطوريات الاوربية فى منتصف القرن التالى ؛ لكن الامر لم يكن مجرد صدفة ؛ بل كانت هناك خطوات ونظريات تتعلق بمستقبل الولايات المتحدة طرحها مفكرين وجغرافيين ادركوا أهمية موقع الولايات المتحدة وحجم الموارد التى تمتلكها

لقد كان لمفكرين امثال ماهان وماكيندر وغيرهم اكبر الاثر فى توجيه السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية ؛ حيث وجهوا انظار السياسيين لاهمية موقع الولايات المتحدة

وضرورة الاستفادة منه

كانت البداية مع افكار ماهان والذى كان مقتنعا ان القوة البحرية فى المحيطات لها اليد العليا فى ترجيح الصراع فى اى مشكلة عالمية ؛ وابرز ماهان اهمية موقع انجلترا وحالتها الجزرية مما جعلها امنة من اى هجوم خارجى

وبالتالى فهى لم تكن بحاجة الى جهيزات دفاعية مما جعلها تستغل المال والافراد للاستثمار فى الاسطول البحرى

ونجحت بريطانيا بفضل موقعها فى التحكم فى جميع طرق التجارة العالمية

وراى ماهان ان الولايات المتحدة هى الدولة الوحيدة التى يمكن ان يضاهى موقعها موقع انجلترا من حيث توفر جميع ميزات الدفاع والامن وموقعها مابين المحيط الاطلسى والهادى ؛ وفى سنواته الاخيرة كان الفريد ثاير ماهان على اقتناع ان الولايات المتحدة ستكون القوة العظمى التى سترث الامبراطورية البريطانية



غير ان كتابات (ماكندر) كانت اكثر منهجية حيث فسر التاريخ باسلوب استراتيجى

لقد وضع ماكيندر نظرية خطيرة اعتبرت حجر الزاوية فى السياسة الامريكية ومازالت اثارها مستمرة حتى وقتنا الحالى

حيث يقول انه فى العقد الاول من القرن العشرين ولاول مرة نستطيع ان نجد علاقة بين تعميمات جغرافية وتعميمات اخرى تاريخية

ومن سمى نستطيع ايجاد معادلة للمسميات الجغرافية فى التاريخ العالمى

ويستطرد قائلا ان العالم مكون من كتلة يابس ضخمة هى اسيا وافريقيا واوربا وبعض الجزر المعزولة

وسمى كتلة اليابس اسيا وافريقيا واوربا بجزيرة العالم

ثم حدد المنطقة من نهر الفولجا غربا الى سيبيريا شرقا ومن جبال الهيمالايا فى الجنوب الى منطقة القطب الشمالى

واعتبر ان هذة المنطقة هى المنطقة المحورية( قلب العالم ) وانها محاطة بنطاق هامشى



و توصل لنتيجة مفاداها

ان من يحكم شرق اوربا يسيطر على منطقة قلب العالم

ومن يحكم قلب العالم يسيطر على جزيرة العالم

ومن يحكم جزيرة العالم يسيطر على العالم باسره

كان هذا حتى عام 1919

الى حين فطن الى أهمية موقع غرب اوربا والولايات المتحدة

واطلق على هذا النطاق حوض الارض الوسطى



واعتبر هذة المنطقة ارض التوازن المضادة لمنطقة قلب العالم

لكن التطورات السريعة اثبتت خطأ تقدير ماكيندر لاهمية قوة منطقة القلب وهى الحدود الحالية لدولة روسيا الاتحادية



فى الحقيقة اعتمد ماكيندر على فرضيات اصبحت الان من الماضى وهذة الفرضيات هى التى اعتمد عليها فى اهمية موقع منطقة القلب

الذى اصبح من السهولة اختراقه الان فى عصر الطائرات والاقمار الصناعية والغواصات التى تستطيع الابحار الى المحيط القطبى وبالتالى لم يعد المحيط القطبى احد العوامل الطبيعية لحماية روسيا من الشمال



غير ان نظرية سبيكمان والتى اهتمت بالنطاق الهامشى هى التى تهمنا بشكل رئيسى

حيث انتقد تركيز ماكيندر على اهمية منطقة القلب والتى اثبتت انها منطقة طاردة للسكان خاصة فى الشرق

كذذلك برودة المناخ والجبال الشاهقة مما يجعلها غير قابله لتواجد سكانى ضخم يكمنها من القيام بالدور الذى حدده ماكيندر للمنطقة واعتبارها المنطقة المحورية فى العالم



لهذا ركز على اهمية النطاق الهامشى الذى اسماه الرملاند حيث يضم بين جنباته معظم سكان العالم ويتركز به موراد زراعية بالاضافة للاكتشافات البترولية الهائلة

لهذ نادى سبيكمان قائلا ان من يبغى القوة والسيطرة على العالم عليه ان يتبع الاتى

من يتحكم فى المناطق الهامشية يتحكم فى منطقة القلب

ومن يتحكم فى منقطة القلب يحكم العالم



وكانت اراء سبيكمان حجر الزاوية للسياسة الامريكية فى احتواء المد الشيوعى





فى الحقيقة وبعد اطلاعى على هذة النظريات زاد اهتمامى بمنطقة النطاق الهامشى بشكل خاص واهميتها

بعد ان نضيف اليها باقى شمال افريقيا

فهناك المنطقة من المحيط الى الخليج والتى لديها تواصل جغرافى وتاريخ مشترك بالاضافة للثقافة الواحدة التى احتضنتها اللغة العربية

هذا بالاضافة لظهير قارى يمكن ان يلتحم معها فى اطار تحالف قائم على المصالح المتبادلة

كل ذلك فى اطار منظومة اكبر تمثل دائرة العالم الاسلامى الكبير



وحتى ذلك الوقت لم اكن قد قرأت فلسفة الثورة ؛ ولكنك دائما تجد نفسك - اذا كنت موضوعيا كفاية - تلتقى فكريا مع جمال عبد الناصر

ذلك لانه  ادرك الوضع الجغرافى امامه

وكان موضوعيا لدرجة انه فهم اهمية موقع مصر والوطن العربى

وفى حين كانت النظريات الغربية تتحدث عن صراع بين منطقيتن هما منطقة القلب ومنطقة حوض الارض الوسطى

 كان لجمال عبد الناصر راى اخر يتجسد من تاريخ للمنطقة من المحيط للخليج

امر واقع ليس مبنيا على فرضيات بل تحمله احداث التاريخ على عاتقها

وتقر به امر واقعا

فى حين ان نظرة مفكرى الغرب كانت نظرة استعلاء ناتجة عن الميل لفرض السيطرة والنفوذ وهذا طبيعى فى سلوك الدول الامبريالية



وفى اثناء اطلاعى على دراسة الدكتور مصطفى عبد الغنى بعنوان (مذكرات ووثائق سرية لثورة يوليو) وجدت بعض الوثائق بخط يد الرئيس عبد الناصر والتى تأخذنا الى أصل الفكرة وبعد النظر فى المشروع القومى



يقول جمال عبد الناصر فى مسوده افكاره عن العلاقات مع اسيا وافريقيا

((يجب الاهتمام باسيا وافريقيا من ناحيتين

الاولى التضامن الاسيوى الافريقى

والثانية الاستفادة من العناصر الاسلامية فى بلاد اسيا وافريقيا بطريقة غير مثيرة للاديان الاخرى

ثم يتابع فى سرد النقاط بالتفصيل

- مكتب لاسيا وافريقيا فى رئاسة الجمهورية يبحث كيفية توثيق العلاقات مع الحكومات والشعوب (القوة العفوية) اى التأييد الشعبى لنا ويبحث التبادل التجارى والثقافى مع دول اسيا وافريقيا

ويفتح سياستنا بالنسبة للاذاعة ويتصل اتصالات شخصية



اما الناحية الاسلامية

الاتصال بجمعية العلماء بالهند

الاتصال بالجمعيات الاسلامية الاخرى والشخصيات الاسلامية ودعوتها لزيارة الجمهورية العربية

استمرار ارسال مناوبين من طرفنا لزيارة هذة البلاد من الفكر الاسلامى او الازهر او الشبان المسلمين



ثم يتحدث عن جمعيات الصداقة ويؤكد على اهميتها

يقول لاحظت فى الهند اثر جمعيات الصداقة فى توثيق العلاقات وفى نفس الوقت فى التنظيم الداخلى اذ ان هذة الجمعيات سواء كانت للصداقة او لاغراض اخرى فانها تخدم السياسة الخارجية للهند

جمعية الصداقة العربية الهندية

جمعيةالتضامن الهندية الافريقية

جمعية التضامن الهندية الاسيوية ...الخ

ويجب ان نعتمد على الكتب من اتصالاتنا على جمعيات الصداقة سواء فى بلدنا او فى البلاد الاخرى - حيث ان حرية العمل تكون مفتوحة امامها على ان تكون لهذة الجمعيات الشخصية -وتضم عددا من الاعضاء- على ان يكون للرئيس شخصية تمكنه من العمل اما الوزراء فليس عندهم الوقت الكافى لذلك



جمعية الصداقة العربية الهندية

جمعية الصداقة العربية الباكستانية

(الاندونيسية - سيلان - الملايو - الصين -بورما -كمبوديا - اليابانية - الفلبين )



وتقوم جمعيات الصداقة بالعمل مع سفراؤنا فى هذة البلاد على تكوين جمعيات صداقة عربية فيها ولا مانه ان تكون الجمعية العربية تجمع كل البلاد وتقوم ايضا بدعوة الشخصيات المختلفة والصحفيين من هذة البلاد

واستضافتها ثم تقوم بتبادل الزيارات مع جمعيات الصداقة الاخرى

وتقوم عن طريق اتصالاتها بتعريف البلد بسياستنا ونشاطنا والعمل على تطوير بلدنا

ويمكن لكل هذة الجمعيات ان ننسق فى العمل بينها



وكذلك بالنسبة لافريقيا

جمعية الصداقة العربية غانا - غينيا - ليبيريا - الحبشة - الصومال - الكاميرون

ولا مانع من جمعيات مع الدول الاخرى التى تكافح فى سبيل استقلالها

كذلك يبحث فى انشاء جمعيات صداقة مع بعض الدول الاوربية على ان تنشأ جمعيات صداقة فى كل الدول الاوربية

جمعية صداقة المانية فى القاهرة

جمعية صداقة عربية فى بون مثلا

جمعية صداقة عربية يونانية فى القاهرة

جمعية عربية يونانية فى اثينا

جمعية عربية ايطالية فى القاهرة

جمعية عربية فى روما

كذلك بالنسبة لامريكا الشمالية وامريكا الجنوبية ))



ولو تمهلنا فى النظر لمسوده الافكار تلك نجد ان الرجل رسم دائرة كبيرة تمثل نطاق النفوذ المصرى والعربى وهذة الدائرة هى العالم بأسره

ثم يبدأ فى تجزئة هذة الدوائر المتداخلة بالطبع ولكن حسب ما تمليه الجغرافيا فيتحدث عن ثلاث دوائر للنفوذ ويحدد الدائرة العربية المرتبطة بمصر جغرافيا كاول هذة الدوائر ؛ ثم يتحدث عن الدائرة الافريقية باعتبارها امتداد للامن القومى العربى ؛ وبعدها يحلق بالسياسة المصرية الى افاق بعيدة تمتد الى العالم الاسلامى الكبير

فى هذا الاطار يتحدث جمال عبد الناصر عن القوة العفوية ( القوة الناعمة لمصر ) وكيف يمكن اكتساب تأييد الشعوب المختلفة من خلال العمل فى هذة الدوائر ؛ كل هذا فى اطار اتباع سياسة محايدة تمثلت فى حركة عدم الانحياز ومساندة الشعوب التى تسعى للاستقلال مما أكد على أهمية دور مصر الاستراتيجى ؛ واصبح نفوذ مصر يقلق الخطط الامبريالية للغرب ولهذا كان المشروع الناصرى يمثل عقبة امام استمرار حركة الهيمنة الغربية على العالم

لم يكن فى حسبان العلماء والمفكرين فى الغرب ان هذة المنطقة يمكنها ان تتحرك وان تنفض غبار الاستعمار بهذة السرعة

وان تتكاتف شعوبها من اجل هدف واحد



وان كانت الصدمة من الحركة التحررية التى حدثت لا تنسينا ان الغرب الاوربى بالذات لم يغفل اهمية هذة المنطقة وهو ما جاء فى توصيات مؤتمر كامبل 1907 حيث خرجت الدول المجتمعة فى المؤتمر ال نتيجة مفادها

 "إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمارلأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم ، وأيضا هو مهد الأديان والحضارات والإشكالية في هذا الشريان هو أنه كما ذكر في الوثيقة: " ويعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان".



وأبرز ما جاء في توصيات هذا المؤتمر:



 هو محاربة أي توجه وحدوي في هذة المنطقة وإبقاء شعوبها  مفككة جاهلة متأخرة



وكانت هذة بداية التحرك العملى لايجاد كيان يفصل بين هذة المنطقة شرقا وغربا وهو اسرائيل لتكون يد الاستعمار التى تحقق مصالحه



كان فى ذلك ادراكا من القوى الاستعمارية باهمية هذة المنطقة الاستراتيجية ؛ وهذا ما جسده المشروع الناصرى فلم تكن مصر فى وجهة نظره  مجرد دولة مستقلة وانما قاعدة لدولة عظمى ؛ امبراطورية نفوذ بالمعنى الادق

ويضاف الى هذا التحرك الوحدوى لجموع الشعوب العربية عملا واملا فى دولة واحدة تمثل قوة لا يستهان بها وتستطيع بتواجدها فى النطاق الهامشى ان تسيطر على منقطة قلب الارض وان تحد من نفوذ اوربا الغربية وامريكا الشمالية



كنت دائما يرادونى ذلك الحلم ؛ حلم الامبراطورية وهو حق مشروع ؛ لكنها امبراطورية سلام وعدل

امبراطورية تقوم على حماية الحقوق واحترام الاخر ؛ دولة عظيمة تقضى على الاطماع الاستعمارية وتساهم فى تقدم البشرية وتقود العالم الى السلام العادل والشامل





اعتقد انى من هنا التقيت بجمال عبد الناصر قبل ان اكون متأثرا بانجازات الثورة الاجتماعية ؛ لكن الوضع يختلف الان فى ظل الاوضاع التى ارساها نظام السادات والذى وضع مصر فى حالة تقزم لا تناسبها وترك الوضع العربى مفتت

واصبحنا نعالج قضايانا الاستراتيجية بمنظور طائفى او بانعكاسات تاريخية قديمة لم نكن بأى حال ورثتها او شركاء فيها



ورغم ذلك اعتقد اننا نستطيع ان نقدم جميعا مشروعا استراتيجيا يمثل الخطوط العامة للسياسة الخارجية ؛ اعتمادا على ما نجد من ارث كبير منذ عهد المصريين القدماء حتى عهد جمال عبد الناصر أخر الحكام الذين ادركوا بحق جغرافيا مصر كما يقول الدكتور جمال حمدان



لكن المشكلة تكمن فى ان الانظمة الحاكمة فى الوطن العربى لا تمثل ارادة شعوبها ولا توجهاتها

ولهذا تبقى الاحلام الكبيرة حبرا على ورق ؛ حتى تستيقظ الامة من ازمتها الحضارية من جديد وتستطيع ان تكون بحق مؤهلة للقيام بدورها الذى حددته عوامل الجغرافيا والتاريخ.





 لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أحلام الرجال تضيق
والله الموفق

بقلم وليد سامى واصل

حول دولة الـزعيم

يوم 21 فبراير اجتاحت شوارع القاهرة المحتلة عشرات الالوف من الطلبة والعمال والتجار وصغار الموظفين فى مظاهرات كثيفة تردد " الجلاء بالدماء " و " لا حزبية بعد اليوم " وقد كان هذا الهتاف حكما بانتهاء مرحلة حزبية تاريخية بدأت منذ 1907 وكانت اعلانا لبزرغ فجر ثورة 1952

فى 18و19 يناير 1977 تجتاح مصر مظاهرات ضد نظام كامب ديفيد الذى قاده السادات ولكنها تفشل عدم وجود قيادة حقيقية ؛ وتتبعها العديد من الحركات الاحتجاجية لكى تنضج فى مظاهرات المحلة فى ابريل 2008 لكى تكون ايذانا بفجر ثورة 25 يناير 2011

لقد كان الوضع فى مصر يتمثل فى نضاله الطويل فى ثلاث محددات وهى اولا المشكلة "الاحتلال" ثانيا " الحل " التحرير" ثالثا العمل ولم تستطع الاحزاب السياسية ان تقوم بدورها لايجاد طريقة للعمل من اجل حل المشكلة ؛ كانت المقاومة الشعبية تصطدم برجعية وانتهازية الاحزاب ووقتها كان المناخ المصرى مهىء لدور الزعيم ؛ المستبد العادل كما يقول محمد عبده

ان الامر نفسه كان متاصلا فى الاحزاب " الليبرالية نفسها " فتنشر جريدة "كوكب الشرق الوفدية" مقالا يعبر عن رأى الوفد فى الضرورة الاجتماعية للزعيم وذلك فى يناير 1936 ؛ ان عقلية الزعيم " المهد المنتظر " كانت سمة تحمل الجنسية المصرية فى علاقة الانسان والنهر ؛ نجد مثلا سعد زغلول " زعيم " لحزب ليبرالى يقوم بفصل عشرة اعضاء من القيادة العليا للوفد المكونه من 14 عضوا ؛

ومثله قام مصطفى النحاس بفصل 8 اعضاء سنة 1932 لما اختلفوا معه فى الرأى من مجموع 11 عضوا يمثلون اللجنة الرئيسية ؛ المقصد ان دولة الزعيم كان ضرورة حتمية وجهها جدل الانسان لتصيغ تجربة تقدمية تحظى بتأييد شعبى ؛ لم تكن تجربة خارجه عليه او معاديه لتطور المجتمع المصرى باى حال

يقول أحمد حمروش فى كتابه "قصة ثورة 23 يوليو "فى هذة المرحلة (ما قبل الثورة) كانت المناداة بالحاكم العادل المستبد قد علت وترددت ووصلت الى الذروة سواء فى الداخل أو الخارج

ولم يكن الادب والفن بعيدا عن هذة النظرة التى سبقهم فيهم حتى اساتذة القانون بالدعوة للحاكم المستبد العادل ؛ فنجد توفيق الحكيم سنة 1938 يقول فى مسرحيته " شجرة الحكم " ان الحكم المثالى فى واقع الامر ليس فى المبادىء المثالية وانما فى " الاشخاص" المثاليين ؛ وهو ما دفع أحسان عبد القدوس لكى يعبر عن نفس النمط الفكرى الذى ساد المجتمع المصرى وقته " بكل فئاته وعلى راسهم المثقفين لكى يكتب مقالا بعنوان " مصر فى حاجة الى ديكتاتور " ديكتاتورا للشعب لا على الشعب ؛ ديكتاتورا للحرية لا على الحرية ؛ ديكتاتورا ديفعها للامام لا الى الخلف

وقد كان من هنا استدعاء البطل الذى نادته الظروف الاجتماعية ؛ فواجه الزعيم مسئولياته بحزم عادل لكى يضمن حقوق الاغلبية المقهورة اجتماعيا ثم يتدرج بها صاعدا فى سلم الرقى الى مصاف الشعوب الحرة سياسيا ويتركها تختار طريقتها فى الحكم بعد ان تكون ارادتها الحرة قد تكونت فى مناخ يسمح لها بذلك

نشر الكاتب الامريكى ستيورات اليوب مقالا فى صحيفة شيكاغو صن تايمز يقول فيه ان ان الحديث عن انعاش الديمقراطية فى بلد كمصر يعيش فيه أغلبيه الشعب عيشة أحط من عيشة الحيوانات "قبل ثورة 1952" لغو فارغ أن مصر لا تحتاج الى ديمقراطية بل تحتاج الى رجل فرد يقوم بالاصلاحات الضرورية للبلاد

    خلاصة القول أن المقارنة ونحن نغطى أعيننا بحجاب المعاصرة بين ثورتنا الحالية ومطالبها الديمقراطية وبين ثورة يوليو "فيما يخص مشكلة الديمقراطية هو محض عبث فكرى لا اساس له ؛ فالمجتمع المصرى الذى تعرض لسبات تام طوال خمسة قرون من الحكم العثمانى لم يكن فى طور يسمح له الا بدولة الزعيم " وليده عصرها " وان ما يحدث الان هو طور طبيعى وان كان متأخرا لعبور الشعب المصرى لمصاف الشعوب الحرة

فهل نجحت ثورة يوليو فى تحقيق اهدافها ؟

فى الحقيقة وقبل الاجابة على السؤال علينا أولا ان نغير معايير حكمنا لكى نستطيع قراءة الحدث التاريخى عامة ؛ وثورة يوليو تحديدا قراءة صحيحة فى ضوء ظرفها التاريخى وفى ضوء ما تعرضت له من عقبات
والله الموفق

بقلم وليد سامى واصل