الخميس، 23 يونيو 2016

على هـامـش السيرة ..


قالا : أما قومنا فالرأى أن تدعهم , فان الله لم يقدر لك أن تملك أرضهم, انما أدخرهم وأدخر أرضهم لشىء سيكون فى آخر الزمان نجده عندنا فى هذه الأسفار التى نتلوها عليك. قال وما ذاك؟
قالا : نبى يخرج من هذا الصوب – وأشارا نحو مكة – فيمكر به قومه ويأبون عليه, ويكيدون له, ويخرجونه من الأرض, فيأوى إلى هذا البلد, فيجد النصر والمنع, ويجد العزة والقوة, وينشر دينه فى هذة الأطام فيملأ به الأرض كلها ويخرج به الناس من الظلمات الى النور. وما كان الله ليمكنك من أرض أعدها داراً لنبيه, ومهبطاً لوحيه, ومصدراً لنوره المبين.
هكذا أحال الحبران من يهود بين سيد اليمن وبين يثرب ومكة التى كان سيتوجه اليها بفعل خديعة من قوم أخبروه أن بالبيت الحرام كنوز من ذهب وفضة بينما كانوا يتأمرون عليه ليهلك جيشه اذ يحاول هدم الكعبة ليلقى مصير أبرهة الحبشى.
ما يهمنا هنا أن قصة تبع مع أهل يثرب ومكة لا تبدو غير مألوفة للوعى العربى, ذلك أن مقدم المخلص وصيرورة الأحداث وفق نسق تحدده أقدار أزلية هو ما يوافق هوى العربى فى أشعاره وأحلامه وحتى فى اندفاعه للفداء والتضحيه, كل ذلك يحتاج لغطاء كبير توفره الأسطورة.
ذلك أيضاً ليس بغريب عن الشرق بشكل عام , فالمخلص قورش الكبير, يسوع, صلاح الدين الأيوبى, الظاهر بيبرس, ومهدي منتظر, كلها صور متعددة لنفس الاحتياج إلى الخلاص, كل ذلك تعززه بيئة مليئة بمفردات سحرية سجلت على جدران المعابد القديمة, تشهد أن حجم الأسطورة أكبر من أن يتم تجاهله أو القفز عليه فجأة باستيراد نتاج تطور 500 عام فى بيئة تغلب عليها البرودة وضيق مساحة الأراضى وكثافة السكان والتطلع نحو البحر والمغامرة.
إننا نعيش اليوم فى عالم واحد وتكاد المسافات تتلاشى عبر وسائل الأتصال المتعددة لكن هذا لا يعنى أننا أبناء حضارة واحدة بينما واقع الأمر أن عدة حضارات تعيش فى زمن واحد, لكن درجة التطور مختلفة, مختلفة على المستوى التكنولوجى والاجتماعى والنفسى كذلك , هناك  وراء الأفق خلف بحارنا الممتدة بشر أخرون يجمعنا بهم مشترك واحد, وهو علاقة الاستغلال المتضمنة فى الملكية الخاصة, وهذا ما يوحد البشرية فى ظل الرأسمالية لكن بفعل عامل الاستغلال نفسه وحجز تطور مناطق كثيرة من العالم, بالإضافة لسياق تطور الحضارة البشرية؛ فهناك حضارات قديمة لا تزال تحمل تمايزها وعبىء الاحتماء فى ماضيها إلى اليوم, بفعل تأثير غطاء الأسطورة الضخم وبفعل فاعل آخر, وهو الخوف من الوحدة فى عالم يسحق الإنسان كل يوم فى معارك تحديد انتماء وهمية, يسعى البشر إلى البحث عن مكان آمن داخل أى قطيع وتحت أقرب راية لبيئة الإنسان التى نشأ فيها.
لن يطرح الإنسان وقتها كثيراً من الأسئلة لأن مكانه وحالة الأمان وسط القطيع تعفيه من ذلك احتراماً لتقليد المجموع وكمقابل ضمنى للحماية.
اذاً نحن نحتاج الى أسطورة وإلى مخلص, والسؤال هنا, كيف نستفيد من هذا الواقع لأحداث نقلة نوعية تدفع بمجتمعاتنا خطوات الى الأمام ؟
لا أستطيع تحديد معادلة تضمن حل المعضلات العديدة التى نعاني منها لكى تناسب خطاب تقدمى يدفع باتجاه مشروع تنمية مستقلة, لكن على سبيل المثال فالبعد العربي لابد أن يكون مطروحاً, ليس كهوية قومية ممايزة ولكن كشعار حضارى وراية توحد شعوب تتعرض للاستغلال فى مواجهة الإمبريالية .
نحتاج إلى بروباجندا عصرية تستفيد من غطاء الأسطورة وتضيف إلى فكرة المخلص بعد جماعى, كأن يكون البطل شعب بأكمله, هذا سيحتاج إلى مجهود كبير فى البروباجندا والتعليم, وليس صحيحاً أن مهمة البروباجندا يضطلع بها مجموعة من الأشخاص, بل هى مهمة الحزب الثورى كله وخسارة تلك المعركة معناها خسارة الثورة.
ويبقى الحل العملى فى الحسم القاطع مع نموذج التنمية الريعية وانهاء كل اشكال التبعية الاقتصادية والسياسية, وليترك للمجتمع مجال أوسع للتطور الذاتى.


وليد سامى واصل

الخميس، 7 أبريل 2016

فـاشيون مغفلون ...


تناسى السيد حامد عبد الصمد فى حلقاته الأخيرة من برنامجه صندوق الأسلام التى خصصها للتأصيل لمسألة الفاشية الاسلامية من وجهة نظره ,أو ربما غفل عن حقيقة أن الأسلام ليس فقط قد جرد من خطابه الثورى وانما صارت قيم الجهاد والفداء رأس حربه توجه لصدور المسلمين أنفسهم , وبينما تظهر دعاوى المشروع الاسلامى أنه مشروع وحدوى يتجاوز نطاق القوميات , كانت نتيجة عمل التيارات الدينية أكثر فظاعة وأعمق أثراً مما خطه السيدين سايكس وبيكو بما يخدم مصالح الجمهورية الامبريالية الفرنسية وبريطانيا العظمى الامبريالية .
فى حين أن دعاوى الفاشية والرغبة فى السيطرة على العالم لا تخرج عن كونها محاولات فاشلة يروج لها مجموعة من البلهاء , وليس هتلر وموسولينى وربما بينكى وبراين بعيدين عن هذا الوصف .
هتلر مثلا انسان تافه , لكن نجح بدعم جناح من البرجوازية وبقايا الارستقراطية البروسية فى الوصول الى السلطة لمواجهة المد الشيوعى , لكن دعواه الفاشية كانت مباشرة وساذجة ومغرقة مرات فى الأسطرة , كأن يعيش الرايخ الثالث ألف عام بدلاً من ثمانمائة وخمسة وعشرين مثلا !
بينما كانت الطغمة المالية التى تدير البنوك الأمريكية أكثر ذكاءاً , فبعد وراثة دور الامبرياليات الكلاسيكية بعد الحرب صارت هيمنة الأحتكارات على العالم فى طريق مختلف , فالعالم كله تحت سيطرة الهيمنة الأمبريالية , كلنا مجرد أدوات ومنسحقين تماماً أمام قيم تقدم الينا فى كل يوم على أنها هى الحياة ذاتها , هكذا كانت وهكذا سوف تكون .
لابد مثلا من الحفاظ على معدلات مرتفعة للنمو , لماذا ؟ لا أحد يعرف تماماً , ما الفائدة التى سوف تعود على فلان الفلانى اذا علم ان الاقتصاد قد حقق نمواً مطرداً بنسبة مئوية معقولة !
فى الحقيقة لا شىء , ليس فقط لطبيعة الملكية , ولكن لأن الهدف من النمو بالاساس لن يكون الا لصالح الطبقة المترفة خوفاً من تراكم الأرباح أو بقول أخر فائض القيمة المنهوب من قوة عمل الشغيلة فى العالم , حيث اذا تراكمت الأرباح دون أن تجد محلل شرعى لقيمتها سوف تنهار وتصبح جبال الأوراق الخضراء بلا قيمة ولا معنى .
أنت فى اطار دائرة النمو تلك لست مجرد راصد , بل فى حقيقة الأمر فأر تجارب , فكل اسهامات علم النفس مثلا بدلاً من أن توجه الى فائدة الانسان واشباع حاجاته وتحقيق غايات عليا تتطور باطراد مع نمو الوعى الجمعى للبشرية , توجه تلك الاسهامات العلمية لسحق الانسان وقولبته فى دائرة مفرغة تدفعه الميول الفردية التى تحول الفرد الى شخص شره يريد اقتناء كل شىء وأى شىء , أو ربما يدعى بعض العقلانية فيميز بين رغبته فى اقتناء بعض السلع وعدم اهتمامه بأخرى . لكن فى النهاية هو مستهلك , تتم دراسة جميع جوانبه النفسية لدفعه للشراء وللحفاظ عليه كمحلل شرعى لبقاء النظام من خلال الأفيون المقدم فى شكل سعادة زائفة تحققها الأعلانات , أو عن طريق الأختراق الأكثر خطورة باستخدام العلاقات الانسانية الحقيقية لأشعار المستهلك بحميمية بينه وبين موظفى الشركة وبالتالى بينه وبين السلع التى تقدمها .
ما الذى يعنيه كل ذلك ؟ هذا يعنى أننا مستعبدين تماماً حتى فى أدق تفاصيل حياتنا التى نظن أن لنا فيها حرية الاختيار , نحن نتاج تطبيقات الدراوينية الاجتماعية وهى ليست كشعارات هتلر وموسولينى عن عرق مفضل , الطبيعة أصلا غير انتقائية ولو كانت كذلك لما تركتنا أحياء حتى الأن فكيف يقدم نتاج التأقلم والتكيف فى البيئة على انه اختيار واع من الطبيعة ! الأنسان فى الحقيقة هو من نظر للقتل ووضع له قوانين وتشريعات وليست الطبيعة , فالطبيعة وفرت كل شىء وما كان على الانسان الا استخدام عقله للافادة من الموارد وليس تدمير الطبيعة وقتل غيره من البشر .
أما المسلمون فلو كانوا اليوم فاشيون , فهم حقاً مجموعة من البلهاء الذين تتلاعب بهم الامبريالية لتحقيق مزيد من تراكم الأرباح , هم فاشيون كلاسيكيون مغفلون لأنهم لم يتعلموا من وول ستريت أصول الفاشية الحق التى أشترت بالمناسبة ذمة الجميع .

وليد سامى واصل


الجمعة، 1 أبريل 2016

أفق الحرية فى أنا حرة .



** قصة الفيلم / http://walid-sami.blogspot.com.eg/2016/04/blog-post.html

كتب / وليد سامى واصل

الفيلم انتاج عام 1959, وبرغم ذلك فقد تنبأ بمآل ثورة يوليو . لم يخف عباس مثلا دعوته الثورية التى تنحاز للفقراء , عباس يمثل قيم الثورة ورؤيتها . يقول شكرى سرحان فى أحد المشاهد " أنه لابد للفقراء أن يحصلوا على حقوقهم لا أن يعيشوا على الاحسان " وذلك رداً على رغبة أمينة " الثورة " فى أن تنضم لجمعية من الجمعيات النسائية .
أما أمينة فهى ثورة يوليو نفسها , وليس ذلك ربطاً سياسياً فقط وانما على المستوى الطبقى أيضاً , فمشروع ثورة يوليو كان مشروع الطبقة الوسطى أو البرجوازية الصغيرة وقد مثل مبادئها وفلسفتها تماماً فى تطبيقاتها الاجتماعية والاقتصادية وتوجهات النظام السياسية فيما بعد .
نستطيع أن نقراً ثلاث مراحل متمايزة فى حياة أمينة , فمرحلة تمردها الأولى كانت ضد القيم والعادات لكنها لم تضع أفقاً واضحا للحرية الا محاولة التمرد ضد قضية جزئية , هى أرادت انتزاع حق الخروج والعودة كما تشاء وكانت تهاجم مجتمع العباسية وتبادله التجريح بالتجريح المباشر خاصة اجتماعات النساء خلف الأبواب المغلقة لتسير الاحاديث فيما بينهم حول ما قالت تلك وما فعلت فلانه , كانت أمينة ترى أنها تفعل ما تشاء أمام الناس ولا تخشى أحداً, كذلك كانت بدايات شباب يوليو الذين احتجوا فى مظاهرات على معاهدة 36 , أحتجوا دون أن يكون هناك أفق واضح لبديل وطنى يحول الشعارات الى أمر واقع خاصة وأن الوفد صاحب الشعبية هو نفسه من وقع على المعاهدة .
تتمرد أمينة مرة أخرى لكنها فى مرحلة أكثر نضجاً , فقد أضافت القراءة لها الكثير . تسعى الأن لاستكمال دارستها الجامعية , وينضم طليعة من شباب يوليو الى الكلية الحربية ليكونوا نواة جيش وطنى سيطيح بالنظام الملكى وبالاستعمار نفسه فيما بعد .
انتقال أمينة الى ميدان العمل أعطاها خبرة حقيقية وشعرت بالمساواة وتحقيق الذات , لكن رصدت عبودية العمل وأن شيئاً ما مازال غائباً . أدرك ضباط يوليو أن شيئاً ما مازال غائباً أيضاً , الوطن تحت الاحتلال والجيش يحارب فى فلسطين . كان تنظيم الضباط الأحرار وكان انخراط أمينة فى العمل الوطنى . كان زواج أمينة من عباس الذى مثل قيم منطقة العباسية التقليدية لكن فى اطار مزخرف بالشهادة الجامعية وأفق العمل الوطنى والاتصال بتيارات وأفكار مختلفة , كان ذلك جوهر رؤية نظام يوليو فيما بعد وتبنيه لقضايا التحرر الوطنى والتنمية الاشتراكية لكن فى مضمون يبقى على القيم والعادات الأصيلة التى يرى أنها تمثل هوية لا تجمع المصريين فقط , بل والعرب أيضا .
هنا تبدو رؤية البرجوازية الوطنية ومشروعها واضحة تماماَ , هى طبقة حائرة فى موقفها مترددة غالباً وقد تتحول الى انتهازية , لكنها كذلك طبقة ثورية تستطيع بما توفر لها من أدوات المعرفة أن تكون طليعة الثورة وأن تقود صفوف الطبقات الشعبية لتغيير ثورى , وتستطيع فى نفس الوقت تبرير الخيانة .
مفهوم تلك الطبقة للحرية هو طرح فردى تماماً كما يبدو من عنوان الفيلم , فكل فرد منتمى لتلك الطبقة يشعر بذاته ويفكر فى العالم بمنظور فلسفى مثالى الى حد بعيد , فهو محور الكون وكل شىء نظم لأجله , هو بمعنى كونه انسان وبمعنى كونه فلان ابن فلان , ولهذا دار الحديث عن الحرية وهل هى غاية أم مجرد وسيلة . الحقيقة أن ما أكده عباس فى الفيلم أكثر من مره أنها وسيلة , بينما يحيلنا الفيلم من البداية الى مفهوم معين يبشر بقيم الثورة , مفهوم مطلق وغائى فى ذاته لأنه عرض كهدف . صحيح أنه حرر المفهوم من أزمة التخبط الأولى وهو بداية تمرد أمينة التى تمثل الثورة , لكنه أحالنا الى مفهوم بعينه ربط بين الحرية ومجموعة معينة من القيم وبهذا الربط حددها فى اطار ثابت وبالتالى مطلق ومن هنا تأتى غائيته .
والمشكلة هنا فى أن تطور رؤية تلك الطبقة كان بالتأكيد خطوة للأمام , لأن الحرية ليست مفهوماً مثالياً مجرداً بل يمكن تعريفها ووضع أفق لها اذا نظرنا للتاريخ بمنظور مختلف .
فتاريخ البشرية هو تاريخ من التطور المطرد الذى يصاحبه تغييرات اجتماعية ينتج عنها قيم جديدة تعبر عن مصالح الطبقات المسيطرة والطبقات الشعبية التى تحالفت معها حتى انتصار الثورة , بينما يتم التراجع أو التمسك بتلك القيم حسب نتائج التناقضات والصراع بين الطبقات الجديدة فى المجتمع الجديد , ومن هنا فأفق الحرية ليس محدوداً ولا مقيداً وفق مواصفات تشكيلة اجتماعية معينة , وانما هو غير محدود طالما كان أفق تطور البشر غير محدود , وهو كذلك طالما سعى البشر للتخلص من كل أشكال الاستغلال الاجتماعى والسيطرة على كل المعوقات التى تفرضها الطبيعة ليتمكن الانسان من الوصول الى الرفاهية التى تدفع الجماعة البشرية الى مدى غير مسبوق فى طريقها لتحصيل العلم والمعرفة .
أن تحديد مفهوم للحرية سيكون أوسع اذا ارتبط وكان معبراً عن مصالح قطاعات أوسع من الشعب ومن الجماعة الانسانية وهم الأغلبية المضطهدة دائما , ليس تعبيراً عما يتبنونه اليوم من أفكار هى فى أغلبها نتاج تراث ثقيل من قيم الجماعة الانسانية وحضاراتها العتيقة والتى مازالت كثير من قيمها مستمرة الى الأن ويتعارض أغلبها مع نمط الحياة فى مجتمع صناعى حديث , بل ان تلك القيم التى يتبناها ابناء الطبقات المقهورة فى أغلبها هى قيم ومفاهيم الطبقة المسيطرة , وما تراه تلك الطبقة صحيحاً وخير وما تراه غير ذلك .
أن دفع المجموعة البشرية الى الأمام يتطلب أفق أوسع للتطور يتجاوز تصوراتنا الحالية , أفق أكثر مشاعية وهو ما سيحدد مدى أكثر عمقاً وغير محدود ليس لمفهومنا عن الحرية فقط بل لمفهومنا عن العدالة والحق والخير والجمال , وربما لمفهومنا عن الأنسانية نفسها .

قصة فيلم أنا حـرة


ليس هناك شىء يسمى الحرية وأكثرنا حرية هو عبد للمبادىء التى يؤمن بها وللغرض الذى يسعى اليه . اننا نطالب بالحرية لنضعها فى خدمة أغراضنا . وقبل أن تطالب بحريتك , أسأل نفسك لأى غرض ستهبها ! .
هكذا بدأ فيلم أنا حرة عن رواية تحمل نفس الاسم لأحسان عبد القدوس بمقدمة تعرض مفهوم الكاتب وما سيعرضه الفيلم عن الحرية .
أمينة فتاة متمردة تعيش فى بيت خالتها , ترفض القيم والتقاليد البالية والتى تقيد حريتها . تقيد مفهومها للحرية الذى اختلف تدريجياً مع تراكم الخبرات وتقدمها فى العمر نسبياً الى أن تصل الى مفهوم ما غائى فى ذاته عن الحرية بنهاية سعيدة مع عباس الصحفى المناضل ضد الاستعمار وبداية عهد ثورى جديد بدأ فى 23 يوليو 1952 .
بدأت أمينة ترى الحرية وهى فى مرحلة الشهادة التوجيهية " الثانوية العامة " بأنها انتزاع الحق من خالتها وزوج خالتها لامتلاك مزيد من الوقت للمرح والتسكع مع أصدقاء مختلفين يعكسون قيم مدنية متحررة على العكس من قيم منطقة العباسية التقليدية المتخلفة , تستطيع بعد صراعات عديدة أن تنتزع ذلك الحق بعد تراجع الطرف المسيطر نسبياَ عن التدخل المباشر وبمساعدة دائمة غير مباشرة من الوالد الغائب دائما لظروف عمله .
لكنها تنتقل الى مرحلة أخرى بعد نقاش يدور بشكل متكرر مع أنا عليا تخاطبها , تمثل الغائية التى عرض بها مفهوم الحرية . لتتحول أمينة الى شخص مختلف من خلال القراءة والاطلاع , فتدرك أهمية المذاكرة وتحصيل أعلى الدرجات لأن لديها الأن هدف اسمى للحرية , وهو استكمال المراحل التعليمية الى التعليم الجامعى للحصول على شهادة البكالوريوس لتصبح قادرة على الاعتماد على نفسها ولا تضطر أبداً للزواج بحيث تكون عالة على الرجل .
هنا تظهر شخصية المهندس المثقف الذى يبهرها باطلاعه وحبه للقراءة لكنها تمتعض من أفكاره الرجعية فيما يخص مؤسسة الزواج , فهو وان كان يقرأ لم تتجاوز أفكاره حدود أوراق الكتب لتستحيل فعلا فى الواقع . رفضت أمينة الزواج بشدة وقررت أنها لابد لها أن تعمل , وهنا كان الصدام الأخير مع زوج خالتها الذى رفض تحمل مسئوليتها ليحل والدها الغائب الأزمة ويطلب منها القدوم للعيش معه , وترك لها مساحة الحرية الكاملة فى أن تكون سيدة المنزل وأن تبدأ فى البحث عن وظيفة بعد التخرج . بالفعل عملت فى شركة بترول واستطاعت بمرتبها الذى تجاوز ما كان يكسبه أبوها وزوج خالتها أن تحقق ذاتها وأن تشعر بالمساواة , لكن دخلت فى أزمة حيرة واكتئاب . فمازالت تشعر أن شىء ما ينقصها , كان والدها يخبرها دائما أنه الزواج . كانت أمينة ترفض تلك الفكرة تماماَ , ومن ناحية أخرى دار حديث بينها وبين تلك الأنا العليا التى تمثل تلك القيم العليا التى يطرحها الكاتب , كان الحديث يشير الى عبودية العمل وأن وقتها ملك الشركة وأنها ليست حرة تماما . بالصدفة التقت عباس , ابن حى العباسية المتعلم والمثقف والذى أصبح صحفياً بارزاً معروف بكتاباته ضد النظام الملكى الفاسد وضد الاستعمار , أعجبت بعباس . تراجعت نسبياً عن عديد من أفكارها , فى مشهد استسلمت للتقاليد نفسها وسمحت لنفسها بأن تساعد عباس فى خلع حذائه , شعرت بالحب وبحاجتها لوجود عباس فى حياتها .
عباس صاحب المبدأ الواضح , " الحرية ليست غاية وانما هى وسيلة " ظل يكرر عليها تلك العبارة , لكن لم يحدث تحول فى شخصيتها الا بالارتباط المتوقع بقضية أكبر , بهدف اسمى .
ساعدت أمينة عباس وزملاؤه فى طبع منشورات ضد الاحتلال والسراى , بينما تم القبض عليها وهى تشعر أن قيمة الحرية صار لها مضموناً أكبر وأعمق الأن , وتوجه اعتذار لزوج خالتها عن كل محاولاتها للتمرد , هى استسلمت بشكل أو بأخر لكن فى اطار مضمون أعمق وبشائر ثورة بعد قرانها بيومين كما سجل المأذون الشرعى ذلك فى دفتره , 20 يوليو 1952 زواج أمينة وعباس .

الأربعاء، 2 مارس 2016

داعش كأزمة بنيوية , وكرد فعل مضاد للكولونيالية .


ليست داعش مسألة خطر علينا فقط , بل هى نذير خطر على الطبقة العاملة فى أوربا وكل مكتسباتها التى نضالت للحصول عليها , فأوربا تتجه لمزيد من الاجراءات الاستثنائية بالاضافة لخصم مكتسبات الطبقة العاملة والتخلص من بقايا دولة الرفاة الأجتماعى بل وتأهيل أوربا لسيناريو حرب أهلية محدودة , لكن ما هو دور داعش هنا كأزمة بنيوية أنتجتها الثقافة العربية الاسلامية التى تعانى أزمة مع الحداثة , ومن ناحية أخرى باعتبارها أداة فى خدمة مصالح الأمبريالية ؟
لا شك أن أحد أهم أسباب ظهور داعش بعيداً عن التناقضات الداخلية والازمة البنيوية التى تعانى منها الثقافة العربية والاسلامية هو الاستعمار الاوربى والمذابح التى ارتكبها بالاضافة لحجز تطور المنطقة , وبالتالى نحن أمام ما تم اعتباره رد فعل مضاد للكولونيالية , أى شكل من أشكال التمرد وهو ما أعطى داعش ومن قبلها التيار الدينى مشروعية كبيرة لدى الشعوب العربية والاسلامية .
هنا نحن أمام شعور قومى مندمج بتيار جارف من المشاعر الدينية التى ارتبطت بمشروع سياسى توحد على اساسه العرب تحت سلطة نبى , ذلك ما أسس لشعور كبير بالكبرياء وربما تضخم الذات القومية التى لا يمكن فصلها عن كونها تمثل مشروع دين سياسى يسعى لتكوين امبراطورية ولكن بصيغة قروسطية متخلفة .
وعلى ذكر حركة القومية العربية هنا ودورها فهى أيضا كانت ردة فعل فى نفس السياق ومن نفس المنبع , مع اختلاف مسارها نسبياً باعتبارها حركة تقدمية ومشروعها الاجتماعى كان أكثر حداثية وتطويرها لخطاب الاسلام كان خطوة جيدة للامام .
فى تصورى أن الوحى لو كان استمر حتى ما تمت السيطرة على الدول القديمة " مصر والشام والعراق وفارس " وتكونت الامبراطورية ودخلت الشعوب الاجنبية بتصوراتها وعقائدها وثقافتها للاسلام , كان الوحى أستطاع أن يحل مشاكل كتيرة خاصة أن شخصية النبى كانت فذة وهو أعظم العرب بلا منازع بالاضافة لأنه كان يتكلم بوحى منزل وتلك سلطة حل جذرية كانت ستخلصنا من مشاكل كثيرة , وهو ما كان سيجعل أداء الاسلام مع قضايا الحداثة أفضل كثيراً .
لكن ما حصل اننا تخلفنا كثيراً , حتى اننا لم نطرح الأسئلة المناسبة أمام واقع متغير بل ربما لم نطرح أى سؤال بالمره حتى وجدنا دبابات الأوربيين تحتل المدن العربية .
الغرب الامبريالى استغل شعارات الجهاد والفداء التى تميزت بها الحضارة العربية الاسلامية ووظفها لخدمة مصالحه لأننا مازلنا بنتعامل وفق قواعد الشطرنج , بمعنى أننا أمام قطع تمثل مجتمع العصور الوسطى بكل تناقضاته وظروفه , وبالتالى جيوش متكافئة لأنه فى عصر الحديد كان من السهل تكوين جيش طالما توافرت لديك أموال تشترى بها السلاح وتجمع اعداد كبيرة من المحاربين , ولم يكن هناك فارق تكنولوجى كبير مع الامبراطوريات القديمة بالاضافة ان تلك الامبراطوريات لم تمارس سياسة حظر التسليح أو أن تمنع عن الدول الأخرى تكنولوجيا متقدمة تمكنها من التفوق الكاسح , لأن ذلك كان نتاج تطور اجتماعى - اقتصادى مختلف ارتبط بالثورات البرجوازية وتغير علاقات الانتاج مع الثورة الصناعية والتكنولوجية , أما اليوم فنحن أمام استعمار مختلف ونظام اجتماعى مختلف وبالتالى محاولتنا اعادة استنساخ امجاد الماضى وفق قواعد نظام اجتماعى - اقتصادى تحلل سوف تظل تواجه فشلاً ذريعاً وكل مجهود سنقوم به سيوظف ضدنا فى النهاية , فمن سايكس - بيكو الى حالة داعش , نحن أمام حالة تمزق أكثر عكس ما تصور البعض من مناصرى التيار الدينى انها مبادرة للوحدة أو رد فعل وحدوى مضاد لمشاريع التجزأة . للاسف أقول ان الاسلام وليس الاسلام السياسى أكبر عميل للامبريالية فى الوقت الحالى وهو بما يطرحه من تصورات ونظريات سياسية عقيمة يعتبر أكبر خطر حتى على المسلمين أنفسهم .
لكن تبقى هنالك مشكلة المشروعية لأن الاسلام السياسى قدم نفسه كرد فعل مقاوم للهجمة الامبريالية وما سمى وقتها بالصحوة الاسلامية , التاريخ يقول أن عمليات قطع الرؤوس لم تكن فقط تراث دينى كما يتحدث البعض , عموما الامبراطوريات القديمة كانت تمارس ألوان من التعذيب لا حصر لها , وحتى الاستعمار الحديث وخاصة الاستعمار الفرنسى والبلجيكى قاموا بمذابح مخيفة , وقطع الرؤوس كان أقل أساليب التعذيب بشاعة التى قام بها الجنود الفرنسيون . الاستعمار البلجيكى كان يقطع أطراف الأفارقه كعقاب جماعى لأى عبد يتمرد على سلطة الاحتلال , تمثيل بالجثث وحصار شعوب بأكلمها داخل سياج من الاسلاك الشائكة , هنا تبدو مشروعية رد فعل , لكنها ليست مشروعية لداعش ولا الاسلام السياسى بالتأكيد .
ومع ذلك يبقى السؤال الأهم , كيف يكون كل ذلك فى مصلحة الامبريالية فى حين تحدث التفجيرات فى أوربا مثلا ؟ هنا الصراع الطبقى هو الذى يقدم تفسيراً لما يحدث . هناك طبقة تحكم العالم ومصلحتها واحدة تقريبا باستثناء التناقضات فيما بينها اذا أمنت شر الطبقات الشعبية , فهى تستخدم الطبقات الشعبية للحصول على مزيد من الأرباح لحد تجارة الحرب نفسها , أو تبتزهم بالخطر والاجراءات الأمنية للحفاظ على الوضع القائم كما فى أوربا مثلا بل وتبرير الخصم الذى يحدث لما تبقى من دولة الرفاه الاجتماعى . العالم كله يمر بأزمة حقيقية ونحن جميعاً مقدمين على ورطة حرب لن تنته الا بعد حصد أرواح مئات الألاف وربما ملايين البشر , هذا ان نجحت الحضارة البشرية فى البقاء .

وليد سامى واصل

الأحد، 7 فبراير 2016

جمال عبد الناصر: يسرق يعنى ايه ؟


استطعنا أن نعيد الحقوق إلى أصحابها الأصليين، مين هم أصحاب الأموال؟ الشعب.
اللى يعمل مليون جنيه أو ٢ مليون جنيه أو ٣ مليون جنيه أو ١٠ مليون جنيه أو ٢٠ مليون جنيه، ازاى يقدر يعمل هذه الأموال أى واحد عايش فى هذه الدنيا؟ لو قعد يشتغل هو بنفسه، ادينا له أكبر ما يمكن أن نعطيه نتيجة عمله، لا يستطيع بأى حال من الأحوال يعمل هذه الثروة ويحقق هذا الدخل، لكن اللى بيعمل مليون جنيه و٢ مليون جنيه و١٠ مليون جنيه و٢٠ مليون جنيه و٣٠ مليون جنيه، والنهارده فى المجتمع الإقطاعى بيعملوا نفس الشىء بيعملوها من حاجتين؛ أولاً السرقة، ثانياً الاستغلال.
 
يسرق يعنى إيه؟ يعنى ياخد عمولة، بيبنوا عمارة ياخد عليها عمولة، الكلام دا موجود حوالينا بيشتروا صفقة بياخدوا عليها عمولة، بيشترى طيارات بياخد عليها عمولة، بيبنى مطار بياخد عليه عمولة، بيبنى جيش بياخد عليه عمولة، وإن ماكانش هو ياخد أهى العيلة تاخد، وهى دى فلوس مين؟! ما هى فلوس الشعب، هل هى الفلوس دى بتاعته؟‍‍‍‍‍! الفلوس دى أصلها فلوس الشعب، وعلى هذا الأساس سمعنا فى السنين اللى فاتت "المستر" ٥% و"المستر" ٦% و"المستر" ١٠% وجلالة الـ ٢٠%.. إلى أخر هذا الموضوع.
العملية الأولى هى عملية السرقة؛ يسرقوا الناس تحت اسم إنشاء جيش، أو بيعمل جيش بـ ٢٠٠ مليون جنيه، بيخبط له فيهم ٤٠ مليون جنيه، وبيقول إنه بيعمل جيش، بيبنى مبنى بيتكلف مليون جنيه لفلان.. فلان الفلانى بياخد ٥% وفلان الفلانى بياخد ٢%، والتاجر الفلانى بياخد ٣%.. إلى أخر هذا الموضوع، والباقى إيه؟! التانى هى أخذ عرق الناس.. أخذ عرق العمال، العامل اللى بيشتغل وقيمة عمله جنيه يدى له ٤/١ جنيه وياخد هو ٤/٣ جنيه، دى الطريقة اللى احنا بنعبر عنها بالاستغلال.. استغلال العامل، إذن العملية هى عملية سرقة وعملية استغلال، واحنا شفنا الكلام دا فى مجتمعنا أما كنا مجتمع إقطاعى ثم أما كنا مجتمع إقطاعى رأسمالى.
النهارده احنا نتحول إلى مجتمع اشتراكى.. مجتمع اشتراكى كل وسائل الإنتاج ملك للشعب العامل، إذن لن يكون هناك بعد أن تقدم الشعب بالاسترداد ما هو حق له فى بلده وسيطر على الإنتاج ثم طور هذا الإنتاج بجهود خارقة، لن يكون هناك استغلال.. قد يكون هناك انحراف، بيطلع واحد بيختلس ١٠ آلاف جنيه، فيه فرق بين اللى بيختلس ١٠ آلاف جنيه وفيه فرق بين اللى بياخد عمولة ٥%، ١٠% بس، اللى بيختلس دا منحرف، مصيره بيروح للنيابة ونوديه السجن، والمجتمع فيه الطيب وفيه السىء منذ خلق قابيل وهابيل حتى الآن، من أول بدء الخليقة، فيه الحرامى وفيه النشال، حيفضل الحرامى وحيفضل النشال، لكن اللى احنا قضينا عليه إن الدولة تكون حرامية، وإن الدولة تكون نشالة، وإن الدولة تكون مستغلة، وإن الدولة تأخذ دماء الشعب، وتمتص دماء الشعب.
  
من خطاب الرئيس جمال عبد الناصر بمناسبة عيد العمال من المحلة الكبرى الأول مايو 1966

السبت، 30 يناير 2016

بداية تعثر الثورة الوطنية الكبرى وخيانة البرجوازية المصرية .


تفيد أوراق الثورة العرابية ومحاضر التحقيق مع قادتها أن الريف المصرى شملته حركة فلاحية واسعة للاستيلاء على أراضى الخديوى وأسرته والأجانب والأتراك وكبار الملاك وخاصة الذين خانوا الثورة مثل محمد سلطان باشا وطلعت باشا وعثمان رفقى باشا , وكان الفلاحون يوزعون الأراضى فيما بينهم كما كانوا يستولون على ما فى المخازن وعلى المواشى ويرسلونها لجيش عرابى , بل كان هناك ما يمكن تسميته بأولى عمليات التأميم فى التاريخ المصرى , حيث استولى الفلاحون فى المنيا على مصانع السكر وأعتبروها ملكا لهم , وكذلك استولوا على بعض معامل حليج القطن فى قرية منية سلامة بمديرية البحيرة .
وكانت حركة الفلاحين أنشط ما تكون فى الشرقية والغربية والبحيرة والقليوبية والمنيا وأسيوط وقنا . وكانت تلك مناسبة لكى يصفى الفلاحون حساباتهم مع المرابين الأجانب من أرمن ويهود ويونانيين , كما أرتفعت الطلبات باسقاط ديون الفلاحين وديون الحكومة ..
وفى كثير من هذة الحالات فان الفلاحين كانوا يستخدمون السلاح للاستيلاء على اراضى كبار الملاك ...
( راجع ما كتبه أنجلز عن دور العنف فى التاريخ )
ومن المهم هنا تسجيل هذا التحول الهام فى موقف الفلاحين من الأرض , فالفلاحون الذين كانوا حتى عهد اسماعيل يهربون من الأرض , أصبحوا الأن يقاتلون بالسلاح من أجل امتلاك الأرض .. ( لأن الوطن مش كلام أغانى ولا حضن ولا حب ولكن مصلحة حقيقية لكل مواطن يشعر ان هذا المكان يحقق له اعاشه كريمة ومستقرة ويطمح فى مستقبل أفضل ) ..

وكان عمق المستوى الاجتماعى للثورة لدى القاعدة الفلاحية مقترنا بعمق المحتوى الوطنى والديمقراطى فالفلاحون لم يكونوا يريدون الأرض وحسب , بل كانوا يعتبرون أن الأرض لن تكون مضمونة لهم الا فى وطن مستقل وفى وجود حكومة تمثلهم ..
فاستجابة لطلب عرابى تطوع خمسة الاف من الفلاحين لحمل السلاح وحراسة شواطىء بحيرة المنزلة من نواحى دمياط والمطرية والمنزلة خشية أن ينزل الأنجليز هناك , كما كانت هناك حركة تطوع واسعة من جانب الفلاحين للانضمام للجيش , وبلغ عدد المتطوعين فى مديرية جرجا 2000 فلاح , وفى مديرية المنيا 2600 فلاح ..

انه من المهم هنا تسجيل هذا التحول أيضا , فالفلاحون الذين كانوا الى عهد قريب جدا يهربون من الجندية , ويصيبون أنفسهم بعاهات خطيرة مثل فقأ العين أو بتر الاطراف حتى لا يكونوا صالحين للتجنيد , يسارعون اليوم للانخراط فى الجندية تطوعا عن الوطن ..
كذلك يورد الدكتور على بركات نماذج عديدة من التبرعات التى قدمها بعض صغار الأعيان من العمد والمشايخ وجماهير الفلاحين لجيش عرابى , والتى كانت تصل الدفعة الواحدة منها الى الاف من الأرادب من القمح والفول والعدس وقطعان كاملة من الغنم ومئات من الخيل ورؤوس الماشية وعلف الماشية والاف من الأثواب للجنود ..
وعلى الجانب الأخر فان حركة الفلاحين بينما كانت تطالب بالقضاء نهائيا على سيطرة الأجانب والأتراك , فانها فى ذات الوقت كانت تطالب بقيام حكومة الفلاحين من عمد البلاد وتكون هذة الحكومة لنا نتوظف فيها كيف نشاء والديون التى على الحكومة وعلى الاهالى ترفع جميعا , وأطيان الجفالك نستولى عليها ..

واذا كانت ثورة الفلاحين قد أزعجت كبار الملاك والأعيان فى الريف , فان حركة جماهير المدينة أزعجت المجلس العرفى الممثل للطبقة الوسطى المدينية المشكلة أساسا من التجار وكبار الموظفين .. وكان المجلس العرفى قد شكل من وكلاء الوزارات وبعض كبار الضباط لادارة شئون البلاد بعد انحياز الخديوى توفيق صراحة للأنجليز وقرار الجمعية الوطنية بخلعه .. وحينما وجد عرابى انه قد يحتاج القوات الموجودة فى القاهرة أو قد يضطر للتراجع الى العاصمة والدفاع عنها أرسل للمجلس العرفى فى 16 يوليو 1882 طالبا بتشكيل حرس أهلى من سكان القاهرة ولكن المجلس رفض هذا الطلب فى جلسته بتاريخ 24 يوليو 1882 وقال صراحة فى قراره ( أنه لا يؤتمن للحرس الأهلى فى حراسة العاصمة ) وكان هذا القرار بناء على مذكرتين الأولى من يعقوب سامى وكيل الجهادية " وزارة الدفاع " يقول فيها " انه لا يؤتمن للحرس الأهلى اذا تحولت اليه حراسة العاصمة " والثانية من ابراهيم فوزى مأمور ضبطية مصر " أى حكمدار العاصمة " يقول فيها ( انه يخشى على البلاد منهم اذا سلمت اليهم حراستها ) هكذا !!!!!! , كما يقول الدكتور على بركات , خشيت البرجوازية المصرية أن تترك وجها لوجه دون جماية أمام الجماهير المسلحة ..
وحينما اضطر عرابى الى التراجع الى القاهرة وعقد اجتماعا فى قصر النيل مع الضباط والمدنيين ورجال الدين لم يجد سوى الضعف والرغبة فى استعطاف الخديوى , ولم يجد معه فى رفضه لهذا الاستسلام سوى عبد الله النديم , وأربعين جندى سوارى وألف خفير ليدافع بهم عن القاهرة .. ولهذا كانت هزيمة الثورة فى أولى حلقاتها أمرا محتوما .. وبدأ الاحتلال البريطانى لمصر .

طاهر عبد الحكيم / الشخصية الوطنية المصرية