الجمعة، 23 يونيو 2017

عن ماهية الوجود الاجتماعى وغائيته ..



 مفهوم الأله مطلق القوى لم يكن موجوداً فى عالم تسوده الفوضى, اذ ان صعوبة رصد نمط معين من الاحداث فى مجتمع مشاعى بدائى لا يتضمن قدر كبير من تنظيم العلاقات الاجتماعية وبالتالى الاقتصادية يؤدى بالضرورة الى عدم الاعتقاد بوجود الله مطلق القوى ومدبر سير أحداث الزمان.
كانت الارهاصات الأولى عن الأله لدى الانسان الأول مرتبط بتفسير بدائى للسبب الماورائى لظواهر الطبيعة, فخلقت المخيلة البشرية من خلال الموجودات صور مركبة عن قوى ما فوق بشرية تقوم بتسيير الظواهر الطبيعية.
لكن تطور وعى الانسان بذاته والاسئلة االوجودية الاولى عن نشأة الحياة, ارتبطت بشكل اجتماعى منظم أعطى للحياة نسق معين من خلال سطوة طبقية احتكرت الثروة وحددت المفاهيم الكلية وفق مصالحها الطبقية, فانتج ذلك النسق الاجتماعى مفهوم محدد لحياة الانسان ودوره فأصبحت غائية وجوده مرتبطه بدوره الاجتماعى - أى أصبح الوجود الأجتماعى قدرياً أيضا - ومع تطور مفهوم الاله المطلق القوى مدبر الاحداث, صارت القدرية مرتبطة ليس فقط بمجمل الظواهر الطبيعية بل بأثر تلك الاقدار على مسار ترقى الانسان اجتماعيا, أى أن قيم المجتمع ومنظومته الاقتصادية وحاصل نتيجة تفاعل الانسان مع واقعه الاجتماعى اصبح محسوبا على أقدار محدده سلفا حددت ذلك المسار واعطته معنى وغاية ذلك أن السياق الأجتماعى أصبح منظومة متكالمة يستغرق فيها الأنسان بشكل كامل ويواجه صعوبات حقيقية فى تصور أى فكرة أو رؤية خارج نطاق ذلك الأطار والنسق .
اذا فأنت عندما تقرأ هذة السطور, فهذا يعنى ان هذا الأمر كان محددا سلفا لو أخذنا بالاعتبار القول بالقدرية, أو أن لهذا الكلام معنى ما مرتبط بغائية وجودنا الاجتماعى ذاته, فى حين اننا لو تخيلنا نموذج ما لعالم تسوده الفوضى ولا يحكمه نظام اجتماعى معين, ستبدو عديد من الحوداث غير ذات جدوى أو لا تحتمل نفس الأثر النفسى والمعنى الأجتماعى المسبب بالقدرية, كموت عزيز عليك فى ظروف ما وميلك وقتها لمحاولة تفسير ذلك الغياب وربطه باسباب عديدة متعلقة ومرتبطة بدورك الاجتماعى ومستوى وعيك بحوادث العالم من حولك.
لكن حقيقة الأمر أن وجودنا الاجتماعى ليس غائيا, وأن مجمل القيم والتصورات التى نتبناها ليست قدراً او مساراً قد حدد سلفا وانما هى نتاج نسق اجتماعى معين, وأن ذلك المجتمع طالما ظلت امامه آفاق اوسع للتطور فهو فى سبيل تطوير رؤاه وتصوراته عن الحياة بشكل مضطرد ومختلف لكن بما لا يحيل الاله المطلق الى التقاعد, لانه طالما ظل هناك مجتمعاُ منظماُ حتى لو افترضنا تحقق نموذج المجتمع الشيوعى, فان وجود الاله المسبب ومدبر احداث الزمان سيكون حاضراً ليس فقط ليعوض نقصا واضحاً فى ما نعرفه عن العالم بل هو ما يقدم تبريراً لغاية وجودنا الاجتماعى الى حين تجاوز تلك الحاجة لايجاد مبرر لوجودنا.

الأحد، 13 نوفمبر 2016

تـرامب وهتلر والسيد بـراين " تحليل مقارن " .


  التحليلات البسيطة والمقارنات السطحية تؤدى لنتائج سريعة ومرضية للكثيرين , بينما لا تبدو أحداث التاريخ كسيناريو مكرر ذلك لأعتبارات تتعلق باختلاف الظروف الموضوعية التى تؤدى دورها فى تبلور حدث سياسى ما بملابسات معينة تختلف بالضرورة مع اختلاف السياق الاجتماعى والاقتصادى . فلا مجال للمقارنة على سبيل المثال بين هتلر وكاليجولا الا فى ملابسات عامة قد تختزل الى المستوى الفردى فى اتهام كليهما بالجنون , بينما تكاد تلك الملابسات العامة تكون أقرب للتطابق بين كاليجولا وسيدة تدير أحدى شبكات الدعارة لا داعى لذكر اسمها فى هذا المقال لدواعى مرتبطة بالصحة العامة لعموم القراء .
على كل حال سأحاول فى هذا المقال جاهداً ايجاد صيغة ملائمة للمقارنة , وأعتذر مقدماً عن أى تقصير فى حق البحث العلمى .

حينما بدأ السيد فردريك راتزل يضع أسس علم الجغرافيا السياسية كانت القوميات الأوربية قد تشكلت فى اطار دولة البرجوازية الصناعية , وعلى هذا الأساس حدد راتزل مقومات القوة لدى الدول , ومنها عدد السكان والموارد مما ينعكس بالضرورة على القوة العسكرية بالأضافة لمقومات الموقع الجغرافى الذى جعل من أنجلترا دولة عظمى بتفوقها من ناحية القوة البحرية مما أتاح لها فرصة كبيرة للتوسع الأستعمارى .
كانت القوة البرية الألمانية قد تأخرت وحدتها القومية ثم تعرضت لهزيمة ساحقة بعد معاهدة فرساى مما أدى لأقتطاع أراضى من الرايخ لصالح الحلفاء ,فدفع الألمان بهتلر الى السلطة بعد انتخابه بالأقتراع الحر المباشر وبعد أزمة اقتصادية طاحنة وعد هتلر بايجاد حل سريع لها فتجاوز معاهدة فرساى والاتفاقيات الاقتصادية التى وقعتها جمهورية فيمار وأتجه لتدخل الدولة المباشر فى ادارة الاقتصاد القومى , ذلك ما اسماه بالأشتراكية القومية وهى شكل من أشكال رأسمالية الدولة , المهم أن هتلر نجح فى خلق وظائف واعاد بناء الجيش وأراد أن تستعيد القوة البرية الألمانية حقها فى تقاسم النفوذ حول العالم , فبدأ يعمل على تطبيق نظرية المجال الحيوى لراتزل بحيث تتمد ألمانيا فى أوربا مستغلة تفوقها البرى الكاسح ثم تتفاوض مع بريطانيا على نصيب من المستعمرات , فى ذلك الوقت كانت فرنسا العقبة الوحيدة أمام هتلر لكن لم يكن الهجوم على الغرب من أولوياته , حيث عرض على الأنجليز التحالف أكثر من مره حتى أثناء الحرب , بينما رفض البريطانيون كل العروض , وبالأخير كانت بريطانيا وفرنسا هم من أعلنوا الحرب على المانيا وليس العكس .
رفضت البنوك الأنجليزية عروض المحاصصة التى عرضها هتلر , فكان الصدام بين الرأسماليات الكبرى حتمى , فخسرت ألمانيا الحرب وخسرت بريطانيا الأمبراطورية .
فى أثناء الحرب وفى فيلمه الشهير " الديكتاتور " تناول تشارلى شابلن شخصية هتلر كرجل مختل عقلياً يسعى للسيطرة على العالم , فى ذلك الوقت كانت بريطانيا تحتل أكثر من 40% من مساحة اليابس وتسيطر على البحار سيطرة تامة , وكان رئيس الوزراء تشرشل يحكم نصف سكان الأرض بالسخرة والعمل الأجبارى , فى حين لم تتناول سخرية تشارلى من تورطوا فى أكبر عملية استعمار عرفها التاريخ تتحمل فرنسا وبريطانيا المسئولية التاريخية لتلك الجريمة أمام البشرية .
وفى حقيقة الأمر قد تبدو أطروحات هتلر سخيفة ومضحكة بالفعل , كاستعادة خطاب قومى صريح مرتبط بلون البشرة والجذور العرقية المشتركة لشعوب أوربا كسبب للوحدة وتوافق المصالح , فى حين كانت الرأسمالية فى طورها الأمبريالى تدرك أن المصالح تديرها البنوك تحديداً , وهذا لا ينفى الطابع القومى للأمبرياليات الغربية ولكن يحيل عوامل مثل لون البشرة والجذور القومية المشتركة الى مرتبة أقل فى الأهمية .
لكن ما سهل السخرية من هتلر حتى قبل هزيمة ألمانيا فى الحرب ,أنه لم يكن من النخبة السياسية وغريب عنها وبالتالى كان من السهل احتقاره والنيل منه , ومن ناحية أخرى مثل نظامه شخصية القائد الملهم وهو بذلك ورط نفسه فى تحمل مسئولية كل أخطاء النظام الاجتماعى - الاقتصادى باعتبارها قرارات تصدر عنه مباشرة , بينما فى حالة تشرشل كان النظام غير قابل للنقد بينما رئيس الوزراء سوف يرحل بعد انتهاء مدة انتخابه وبالتالى هناك أمل سيتجدد بحكومة جديدة وشخصيات جديدة تعطى وعود بمستقبل أفضل بدون تغيير حقيقى فى السياسات الاقتصادية والانحيازات الاجتماعية , لكن فى العادة يميل الناس الى قبول مثل تلك الوعود ولا ينتبهون الى أن المشكلة فى النظام الاجتماعى نفسه ذلك لأن الأمر قد يحتاج الى مجهود كبير فى الرصد والتحليل ثم المشكلة الكبرى فى ايجاد بديل مختلف , والأمر مشابه لدعوات الثورة التى تستقطب العديد من الشباب الى حالة الثورة وهدم النظام القديم ثم التورط فى اشكالية غياب رؤية بديلة لأدارة تحول اقتصادى- اجتماعى لصالح الشعب .

على الجانب الأخر من المحيط الأطلنطى كانت الولايات المتحدة معزولة داخل القارة الأمريكية عملاُ بمبدأ مونرو فى عدم التورط فى الصراعات الأوربية , لكن مصالح البنوك الأمريكية دفعت أمريكا للتورط فى الحرب ودفع ملايين الشباب للتطوع بحجة الدفاع عن المصالح الوطنية وتحرير أوربا من النازى .
كان تكون الولايات المتحدة مختلف عن نشوء وتطور القوميات الأوربية فهى مجتمع كوزموبوليتانى يضم جنسيات وثقافات متعددة لكنها أستطاعت أن تصنع تاريخاً مشتركاً تحت راية وطنية وفى اطار الحلم الأمريكى بمجتمع أمن ومستقر ومستوى من الرفاهية يحقق للفرد حياة كريمة .
بعد دخول الولايات المتحدة الحرب تحولت الى أكبر قوة عسكرية فى العالم والى أكبر تاجر سلاح أيضا , وأطاحت بنفوذ القوى الأمبريالية الكلاسيكية وبدأت تدير عالم ما بعد الحرب فى ظل الحرب الباردة مع الأتحاد السوفيتى . تبنى النظرية الكنزية كان لحماية النسيج الاجتماعى الهجين من الدعايا الماركسية التى تعد بنظام اجتماعى مختلف وهى شكل من أشكال رأسمالية الدولة لضبط فوضى السوق . كانت دولة الرفاه الاجتماعي بديل جيد لسياسات ما قبل الحرب التى تسببت فى أزمات اقتصادية كبيرة وأرتفاع نسبة البطالة والفقر بين الأوربيين .
فى سبعينات القرن الماضى وبعد التخلى عن قاعدة الذهب والتحولات الاقتصادية بعد سقوط الاتحاد السوفيتى التى تبعتها اتفاقيات التجارة الحرة تعرضت الولايات المتحدة لأزمة كبيرة , فالليبرالية الجديدة التى استفادت من اتفاقيات التجارة الحرة التى فرضتها حاملات الطائرات الأمريكية فرضاً على شعوب العالم أضرت بالداخل الأمريكى أيضا , فهجرة رؤوس الأموال الى الصين وما وراء البحار أدت الى أن يفقد ملايين من العمال وظائفهم , وارتفعت نسبة البطالة بشكل كبير وأرتفع الدين العام للولايات المتحدة متجاوزاً 20 تريليون دولار , وفقدت بذلك الولايات المتحدة تدريجياً مقومات القوة التى حددهـا راتزل فى بدايات القرن العشرين فصارت القوة النووية الأمريكية تحمى مصالح الأحتكارات التى تعمل فيما وراء البحار .
على العكس من هتلر , فدونالد ترامب يحكم الولايات المتحدة فى عصر النيوليبرالية - أو قد نسميه عصر ما بعد الاتحاد السوفيتى - وهو عالم لابد من تحديد ملامحه بقدر الأمكان حتى يمكننا وضع تصور لسياسات ترامب وفهم مضمون خطاباته, ثم توقع مسار السياسية الأمريكية فى السنوات القادمة .
أستفادت الصين من الاستثمارات الأمريكية وتحولت الى قوة اقتصادية كبيرة , وبدأت تزاحم نفوذ الولايات المتحدة والثالوث الكلاسيكى للامبريالية الغربية , ومن ناحية أخرى أفادت اصلاحات بوتين روسيا فى استرداد جزء من نفوذ الأتحاد السوفيتى السابق فى شرق أوربا وفى محاولة لأعادة التمركز بشكل أقوى فى الشرق الأوسط عبر البوابة السورية , وباتفاقيات التجارة مع الصين بحيث تغلق بوابة أسيا أمام النفوذ الأمريكى سياسيا واقتصاديا وعسكرياً .
على هذا الأساس أرتكزت دعايا ترامب على عدة محاور , أولها الهجوم على سياسة ادارة أوباما خاصة فيما يتعلق بملفات الشرق الأوسط , حيث ركز هجومه على دعم جماعات الاسلام السياسى والقضاء على الأنظمة العسكرية شبه العلمانية التى كانت تحكم الشرق الأوسط , حتى أنه هاجم غزو العراق فى عهد ادارة بوش " الحزب الجمهورى " لأن تدمير العراق دفع بايران للواجهة وللسيطرة المباشرة على العراق وتهديد مصالح حلفاء الولايات المتحدة فى الخليج .
ترتكز رؤية ترامب على عداء مباشر لمشروع الاسلام السياسى والعودة لسياسات ما قبل ادارة أوباما فى دعم الأنظمة الحاكمة , بينما أرتكز خطابه الداخلى على ضرورة استرداد الأمن وذلك بمواجهة الهجرة غير الشرعية خاصة عبر المكسيك ثم بتقييد حركة ما اسماه الاسلام الراديكالى فى الداخل الأمريكى , حيث أعتبر الاسلام أيديولوجية غريبة ومعادية لقيم الداخل الأمريكى .
حمل ترامب المهاجرين جزء من مسئولية الأزمة الاقتصادية , وهى سياسة معتادة لكل نظام يعانى أزمة اقتصادية فلابد من استخدام مجموعة تتمايز أثنياً أو دينياً كجماعة وظيفية تؤدى دورها فى تحمل الأزمة وتقدم للرأى العام كعدو محتمل تنتهى الأزمة بانتهاء وجوده .


كذلك أرتكزت دعايا ترامب الانتخابية على توفير فرص عمل لملايين العمال الأمريكيين , حيث وضح فى أحد خطاباته أنه سيفرض ضرائب مرتفعة على السلع المصنعة فى المكسيك والصين باستثمارات أمريكية لأجبار أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار فى السوق الأمريكى , وهنا ركز ترامب على مواجهة مباشرة مع الصين حيث اتهمهم بالتلاعب بالعملة بمعنى تخفيض سعر صرف العملة الصينية مقابل الدولار حتى لا تستطيع الصناعة الأمريكية المنافسة .
اذا ترامب خارجيا سيدخل فى مواجهة مع الصين , هذة المواجهة الاقتصادية سوف تشمل أشكال من الاستنفار العسكرى الحاصل بالفعل فى شرق أسيا فى محاولة لتطويق الصين , وهذة الأستراتيجية كانت أقرها تقرير مراجعة الدفاع الذى تصدره الولايات المتحدة كل أربع سنوات عام 2006 " ان هدف الولايات المتحدة بالنسبة للصين هو أن تستمر كشريك اقتصادى وأن تظهر فى صورة مشارك فى الرهان ذى مسئولية وصاحب قوة من أجل خير العالم " ويختتم التقرير رؤيته بقوله " وسوف نحاول ردع اى منافس عسكرى عن طريق الاقناع لمنعه من تطوير قدرات معطله أو غيرها تمكنه من تحقيق هيمنة أقليمية أو القيام بعمل معاد ضد الولايات المتحدة أو البلدان الصديقة وسوف تسعى الولايات المتحدة الى ردع أى عدوان أو أسلوب قسرى واذا ما أخفق اسلوب الردع فان الولايات المتحدة ترفض من أى قوة معادية أن تعطل أهدافها الاستراتيجية " .
اما فيما يخص ادارة ملف الشرق الأوسط فسيقبل ترامب بوجود روسى أصبح أمراً واقعياً فى سوريا وبالتنسيق مع روسيا يمكن ادارة محاولة ايجاد صيغة اتفاق سلام بين سوريا والكيان الصهيونى , بينما سيعمل على تكسير عظام المقاومة الفلسطينية وحزب الله ومحاصرة النفوذ الأيرانى فى العراق واليمن .
بينما ترتكز دعايا ترامب الداخلية على تصعيد لهجة العداء ضد الاسلام وهى التى بدأتها ادارة بوش وكان طبيعياً فى عالم ما بعد الأتحاد السوفيتى أيجاد عدو بديل , فى حين كان يقدم الأتحاد السوفيتى نظاماً اجتماعياً مغايراً , يقدم الأسلام فرص متنوعة لصالح الأمبريالية سواء فى حالة استخدامه كحليف كما كان الامر فى مشروع ادارة أوباما لأعادة تشكيل المنطقة , أو لاستخدامه كمبرر للغزو والتدخل العسكرى كما كان الحال مع ادارة بوش , لكن ترامب يواجه عقبة التمويل ومغامرات الحرب ستكون عالية التكلفة على الخزانة الأمريكية التى تعانى من تراكم الديون , فيما وضح ترامب أن رؤيته ترتكز على أن يشارك الحلفاء فى الناتو والخليج بنصيب أكبر فى دعم العمليات العسكرية ودفع ضريبة حماية الولايات المتحدة لهم , بينما تعانى دول الخليج من أزمة اقتصادية وهو الحال نفسه فى منطقة اليورو وبريطانيا وبالتالى العالم يتجه الى تعدد الأقطاب واعادة تشكيل خريطة النفوذ السياسى مرة أخرى , والى انحسار القوة العسكرية الأمريكية تدريجياً , بينما يواجه ترامب احتمالات توتر الأوضاع فى الداخل الأمريكى اذا فشل مشروعه فى ضبط معدل أنحسار القوة الأمريكية .

بالنسبة لى لا يبدو دونالد ترامب مجنوناً بقدر جنون هارى ترومان الذى وقع قرار قصف المدن اليابانية بالقنبلة الذرية , لكن مشكلة ترامب تبدو مشابهة لمشكلة هتلر , أنه من خارج دوائر السياسة الأمريكية الكلاسيكية وبالتالى تستهل النخبة الأعلامية السخرية منه , فى حين رؤية ترامب لا تختلف كثيراً عن أى رؤية أى رئيس أمريكى أخر الا بحساب اختلاف الظروف الموضوعية التى تحدد خياراتنا جميعاً فلو كان ترامب أنتخب عام 2008 لكان برنامج أوباما للرعاية الصحية هو برنامج ترامب للرعاية الصحية .
 
على أن أكثر من تعرض السخرية’, خاصة فيما يتعلق بمحاولاته للسيطرة على العالم هو السيد براين , وذلك ليس لأنه شخصية كرتونية بل لنفس الأسباب التى تعرض هتلر وترامب وغيرهم للسخرية , فالسيد براين فى النهاية فـأر تجارب وبالتالى سخرية النخبة منه غير محدودة , رغم أن محاولاته للسيطرة على العالم قد تحمل قدراً حقيقياً من الخطورة لدرجة أن نجد يوماً العالم يحكمه فـأر تجارب برأس كبير ,  فى أحدى محاولاته الشهيرة للسيطرة على العالم قام بـراين بالعودة الى القرن الثامن عشر فى محاولة للسيطرة على المطبعة - وهى التى قامت بنقلة تكنولوجية كبيرة باسراع معدل نقل المعرفة - وبالتالى السيطرة على العالم وهى فكرة فى منتهى العبقرية لكنها لو كانت نجحت كانت ستضع براين على أكثر تقدير على رأس دولة من الدول الأوربية ربما لبضع سنوات قبل أن تطيح به ثورة عمالية , بينما امكانية السيطرة على العالم ستكون مستحيلة لأن أغلب العالم وقتها لم يكن يجيد القراءة والكتابة , لكن مشكلة براين الأساسية تكمن فى قفزاته غير المنطقية على الواقع الموضوعى كأن ينتقل فى الزمن أو يحاول السيطرة الى عقول الناس دون التورط فى ادارة مصالح الناس المباشرة , والأمر هنا لا يستدعى أن يكون حاكماً للعالم , عليه فقط أن يكون رئيس مجلس ادارة أحدى الأحتكارات الكبرى .
على كل حال أنتحر هتلر , وجاء ترامب الى السلطة , ومازال براين يحاول كل ليلة السيطرة على العالم .


وليد سامى واصل

الخميس، 23 يونيو 2016

على هـامـش السيرة ..


قالا : أما قومنا فالرأى أن تدعهم , فان الله لم يقدر لك أن تملك أرضهم, انما أدخرهم وأدخر أرضهم لشىء سيكون فى آخر الزمان نجده عندنا فى هذه الأسفار التى نتلوها عليك. قال وما ذاك؟
قالا : نبى يخرج من هذا الصوب – وأشارا نحو مكة – فيمكر به قومه ويأبون عليه, ويكيدون له, ويخرجونه من الأرض, فيأوى إلى هذا البلد, فيجد النصر والمنع, ويجد العزة والقوة, وينشر دينه فى هذة الأطام فيملأ به الأرض كلها ويخرج به الناس من الظلمات الى النور. وما كان الله ليمكنك من أرض أعدها داراً لنبيه, ومهبطاً لوحيه, ومصدراً لنوره المبين.
هكذا أحال الحبران من يهود بين سيد اليمن وبين يثرب ومكة التى كان سيتوجه اليها بفعل خديعة من قوم أخبروه أن بالبيت الحرام كنوز من ذهب وفضة بينما كانوا يتأمرون عليه ليهلك جيشه اذ يحاول هدم الكعبة ليلقى مصير أبرهة الحبشى.
ما يهمنا هنا أن قصة تبع مع أهل يثرب ومكة لا تبدو غير مألوفة للوعى العربى, ذلك أن مقدم المخلص وصيرورة الأحداث وفق نسق تحدده أقدار أزلية هو ما يوافق هوى العربى فى أشعاره وأحلامه وحتى فى اندفاعه للفداء والتضحيه, كل ذلك يحتاج لغطاء كبير توفره الأسطورة.
ذلك أيضاً ليس بغريب عن الشرق بشكل عام , فالمخلص قورش الكبير, يسوع, صلاح الدين الأيوبى, الظاهر بيبرس, ومهدي منتظر, كلها صور متعددة لنفس الاحتياج إلى الخلاص, كل ذلك تعززه بيئة مليئة بمفردات سحرية سجلت على جدران المعابد القديمة, تشهد أن حجم الأسطورة أكبر من أن يتم تجاهله أو القفز عليه فجأة باستيراد نتاج تطور 500 عام فى بيئة تغلب عليها البرودة وضيق مساحة الأراضى وكثافة السكان والتطلع نحو البحر والمغامرة.
إننا نعيش اليوم فى عالم واحد وتكاد المسافات تتلاشى عبر وسائل الأتصال المتعددة لكن هذا لا يعنى أننا أبناء حضارة واحدة بينما واقع الأمر أن عدة حضارات تعيش فى زمن واحد, لكن درجة التطور مختلفة, مختلفة على المستوى التكنولوجى والاجتماعى والنفسى كذلك , هناك  وراء الأفق خلف بحارنا الممتدة بشر أخرون يجمعنا بهم مشترك واحد, وهو علاقة الاستغلال المتضمنة فى الملكية الخاصة, وهذا ما يوحد البشرية فى ظل الرأسمالية لكن بفعل عامل الاستغلال نفسه وحجز تطور مناطق كثيرة من العالم, بالإضافة لسياق تطور الحضارة البشرية؛ فهناك حضارات قديمة لا تزال تحمل تمايزها وعبىء الاحتماء فى ماضيها إلى اليوم, بفعل تأثير غطاء الأسطورة الضخم وبفعل فاعل آخر, وهو الخوف من الوحدة فى عالم يسحق الإنسان كل يوم فى معارك تحديد انتماء وهمية, يسعى البشر إلى البحث عن مكان آمن داخل أى قطيع وتحت أقرب راية لبيئة الإنسان التى نشأ فيها.
لن يطرح الإنسان وقتها كثيراً من الأسئلة لأن مكانه وحالة الأمان وسط القطيع تعفيه من ذلك احتراماً لتقليد المجموع وكمقابل ضمنى للحماية.
اذاً نحن نحتاج الى أسطورة وإلى مخلص, والسؤال هنا, كيف نستفيد من هذا الواقع لأحداث نقلة نوعية تدفع بمجتمعاتنا خطوات الى الأمام ؟
لا أستطيع تحديد معادلة تضمن حل المعضلات العديدة التى نعاني منها لكى تناسب خطاب تقدمى يدفع باتجاه مشروع تنمية مستقلة, لكن على سبيل المثال فالبعد العربي لابد أن يكون مطروحاً, ليس كهوية قومية ممايزة ولكن كشعار حضارى وراية توحد شعوب تتعرض للاستغلال فى مواجهة الإمبريالية .
نحتاج إلى بروباجندا عصرية تستفيد من غطاء الأسطورة وتضيف إلى فكرة المخلص بعد جماعى, كأن يكون البطل شعب بأكمله, هذا سيحتاج إلى مجهود كبير فى البروباجندا والتعليم, وليس صحيحاً أن مهمة البروباجندا يضطلع بها مجموعة من الأشخاص, بل هى مهمة الحزب الثورى كله وخسارة تلك المعركة معناها خسارة الثورة.
ويبقى الحل العملى فى الحسم القاطع مع نموذج التنمية الريعية وانهاء كل اشكال التبعية الاقتصادية والسياسية, وليترك للمجتمع مجال أوسع للتطور الذاتى.


وليد سامى واصل

الخميس، 7 أبريل 2016

فـاشيون مغفلون ...


تناسى السيد حامد عبد الصمد فى حلقاته الأخيرة من برنامجه صندوق الأسلام التى خصصها للتأصيل لمسألة الفاشية الاسلامية من وجهة نظره ,أو ربما غفل عن حقيقة أن الأسلام ليس فقط قد جرد من خطابه الثورى وانما صارت قيم الجهاد والفداء رأس حربه توجه لصدور المسلمين أنفسهم , وبينما تظهر دعاوى المشروع الاسلامى أنه مشروع وحدوى يتجاوز نطاق القوميات , كانت نتيجة عمل التيارات الدينية أكثر فظاعة وأعمق أثراً مما خطه السيدين سايكس وبيكو بما يخدم مصالح الجمهورية الامبريالية الفرنسية وبريطانيا العظمى الامبريالية .
فى حين أن دعاوى الفاشية والرغبة فى السيطرة على العالم لا تخرج عن كونها محاولات فاشلة يروج لها مجموعة من البلهاء , وليس هتلر وموسولينى وربما بينكى وبراين بعيدين عن هذا الوصف .
هتلر مثلا انسان تافه , لكن نجح بدعم جناح من البرجوازية وبقايا الارستقراطية البروسية فى الوصول الى السلطة لمواجهة المد الشيوعى , لكن دعواه الفاشية كانت مباشرة وساذجة ومغرقة مرات فى الأسطرة , كأن يعيش الرايخ الثالث ألف عام بدلاً من ثمانمائة وخمسة وعشرين مثلا !
بينما كانت الطغمة المالية التى تدير البنوك الأمريكية أكثر ذكاءاً , فبعد وراثة دور الامبرياليات الكلاسيكية بعد الحرب صارت هيمنة الأحتكارات على العالم فى طريق مختلف , فالعالم كله تحت سيطرة الهيمنة الأمبريالية , كلنا مجرد أدوات ومنسحقين تماماً أمام قيم تقدم الينا فى كل يوم على أنها هى الحياة ذاتها , هكذا كانت وهكذا سوف تكون .
لابد مثلا من الحفاظ على معدلات مرتفعة للنمو , لماذا ؟ لا أحد يعرف تماماً , ما الفائدة التى سوف تعود على فلان الفلانى اذا علم ان الاقتصاد قد حقق نمواً مطرداً بنسبة مئوية معقولة !
فى الحقيقة لا شىء , ليس فقط لطبيعة الملكية , ولكن لأن الهدف من النمو بالاساس لن يكون الا لصالح الطبقة المترفة خوفاً من تراكم الأرباح أو بقول أخر فائض القيمة المنهوب من قوة عمل الشغيلة فى العالم , حيث اذا تراكمت الأرباح دون أن تجد محلل شرعى لقيمتها سوف تنهار وتصبح جبال الأوراق الخضراء بلا قيمة ولا معنى .
أنت فى اطار دائرة النمو تلك لست مجرد راصد , بل فى حقيقة الأمر فأر تجارب , فكل اسهامات علم النفس مثلا بدلاً من أن توجه الى فائدة الانسان واشباع حاجاته وتحقيق غايات عليا تتطور باطراد مع نمو الوعى الجمعى للبشرية , توجه تلك الاسهامات العلمية لسحق الانسان وقولبته فى دائرة مفرغة تدفعه الميول الفردية التى تحول الفرد الى شخص شره يريد اقتناء كل شىء وأى شىء , أو ربما يدعى بعض العقلانية فيميز بين رغبته فى اقتناء بعض السلع وعدم اهتمامه بأخرى . لكن فى النهاية هو مستهلك , تتم دراسة جميع جوانبه النفسية لدفعه للشراء وللحفاظ عليه كمحلل شرعى لبقاء النظام من خلال الأفيون المقدم فى شكل سعادة زائفة تحققها الأعلانات , أو عن طريق الأختراق الأكثر خطورة باستخدام العلاقات الانسانية الحقيقية لأشعار المستهلك بحميمية بينه وبين موظفى الشركة وبالتالى بينه وبين السلع التى تقدمها .
ما الذى يعنيه كل ذلك ؟ هذا يعنى أننا مستعبدين تماماً حتى فى أدق تفاصيل حياتنا التى نظن أن لنا فيها حرية الاختيار , نحن نتاج تطبيقات الدراوينية الاجتماعية وهى ليست كشعارات هتلر وموسولينى عن عرق مفضل , الطبيعة أصلا غير انتقائية ولو كانت كذلك لما تركتنا أحياء حتى الأن فكيف يقدم نتاج التأقلم والتكيف فى البيئة على انه اختيار واع من الطبيعة ! الأنسان فى الحقيقة هو من نظر للقتل ووضع له قوانين وتشريعات وليست الطبيعة , فالطبيعة وفرت كل شىء وما كان على الانسان الا استخدام عقله للافادة من الموارد وليس تدمير الطبيعة وقتل غيره من البشر .
أما المسلمون فلو كانوا اليوم فاشيون , فهم حقاً مجموعة من البلهاء الذين تتلاعب بهم الامبريالية لتحقيق مزيد من تراكم الأرباح , هم فاشيون كلاسيكيون مغفلون لأنهم لم يتعلموا من وول ستريت أصول الفاشية الحق التى أشترت بالمناسبة ذمة الجميع .

وليد سامى واصل


الجمعة، 1 أبريل 2016

أفق الحرية فى أنا حرة .



** قصة الفيلم / http://walid-sami.blogspot.com.eg/2016/04/blog-post.html

كتب / وليد سامى واصل

الفيلم انتاج عام 1959, وبرغم ذلك فقد تنبأ بمآل ثورة يوليو . لم يخف عباس مثلا دعوته الثورية التى تنحاز للفقراء , عباس يمثل قيم الثورة ورؤيتها . يقول شكرى سرحان فى أحد المشاهد " أنه لابد للفقراء أن يحصلوا على حقوقهم لا أن يعيشوا على الاحسان " وذلك رداً على رغبة أمينة " الثورة " فى أن تنضم لجمعية من الجمعيات النسائية .
أما أمينة فهى ثورة يوليو نفسها , وليس ذلك ربطاً سياسياً فقط وانما على المستوى الطبقى أيضاً , فمشروع ثورة يوليو كان مشروع الطبقة الوسطى أو البرجوازية الصغيرة وقد مثل مبادئها وفلسفتها تماماً فى تطبيقاتها الاجتماعية والاقتصادية وتوجهات النظام السياسية فيما بعد .
نستطيع أن نقراً ثلاث مراحل متمايزة فى حياة أمينة , فمرحلة تمردها الأولى كانت ضد القيم والعادات لكنها لم تضع أفقاً واضحا للحرية الا محاولة التمرد ضد قضية جزئية , هى أرادت انتزاع حق الخروج والعودة كما تشاء وكانت تهاجم مجتمع العباسية وتبادله التجريح بالتجريح المباشر خاصة اجتماعات النساء خلف الأبواب المغلقة لتسير الاحاديث فيما بينهم حول ما قالت تلك وما فعلت فلانه , كانت أمينة ترى أنها تفعل ما تشاء أمام الناس ولا تخشى أحداً, كذلك كانت بدايات شباب يوليو الذين احتجوا فى مظاهرات على معاهدة 36 , أحتجوا دون أن يكون هناك أفق واضح لبديل وطنى يحول الشعارات الى أمر واقع خاصة وأن الوفد صاحب الشعبية هو نفسه من وقع على المعاهدة .
تتمرد أمينة مرة أخرى لكنها فى مرحلة أكثر نضجاً , فقد أضافت القراءة لها الكثير . تسعى الأن لاستكمال دارستها الجامعية , وينضم طليعة من شباب يوليو الى الكلية الحربية ليكونوا نواة جيش وطنى سيطيح بالنظام الملكى وبالاستعمار نفسه فيما بعد .
انتقال أمينة الى ميدان العمل أعطاها خبرة حقيقية وشعرت بالمساواة وتحقيق الذات , لكن رصدت عبودية العمل وأن شيئاً ما مازال غائباً . أدرك ضباط يوليو أن شيئاً ما مازال غائباً أيضاً , الوطن تحت الاحتلال والجيش يحارب فى فلسطين . كان تنظيم الضباط الأحرار وكان انخراط أمينة فى العمل الوطنى . كان زواج أمينة من عباس الذى مثل قيم منطقة العباسية التقليدية لكن فى اطار مزخرف بالشهادة الجامعية وأفق العمل الوطنى والاتصال بتيارات وأفكار مختلفة , كان ذلك جوهر رؤية نظام يوليو فيما بعد وتبنيه لقضايا التحرر الوطنى والتنمية الاشتراكية لكن فى مضمون يبقى على القيم والعادات الأصيلة التى يرى أنها تمثل هوية لا تجمع المصريين فقط , بل والعرب أيضا .
هنا تبدو رؤية البرجوازية الوطنية ومشروعها واضحة تماماَ , هى طبقة حائرة فى موقفها مترددة غالباً وقد تتحول الى انتهازية , لكنها كذلك طبقة ثورية تستطيع بما توفر لها من أدوات المعرفة أن تكون طليعة الثورة وأن تقود صفوف الطبقات الشعبية لتغيير ثورى , وتستطيع فى نفس الوقت تبرير الخيانة .
مفهوم تلك الطبقة للحرية هو طرح فردى تماماً كما يبدو من عنوان الفيلم , فكل فرد منتمى لتلك الطبقة يشعر بذاته ويفكر فى العالم بمنظور فلسفى مثالى الى حد بعيد , فهو محور الكون وكل شىء نظم لأجله , هو بمعنى كونه انسان وبمعنى كونه فلان ابن فلان , ولهذا دار الحديث عن الحرية وهل هى غاية أم مجرد وسيلة . الحقيقة أن ما أكده عباس فى الفيلم أكثر من مره أنها وسيلة , بينما يحيلنا الفيلم من البداية الى مفهوم معين يبشر بقيم الثورة , مفهوم مطلق وغائى فى ذاته لأنه عرض كهدف . صحيح أنه حرر المفهوم من أزمة التخبط الأولى وهو بداية تمرد أمينة التى تمثل الثورة , لكنه أحالنا الى مفهوم بعينه ربط بين الحرية ومجموعة معينة من القيم وبهذا الربط حددها فى اطار ثابت وبالتالى مطلق ومن هنا تأتى غائيته .
والمشكلة هنا فى أن تطور رؤية تلك الطبقة كان بالتأكيد خطوة للأمام , لأن الحرية ليست مفهوماً مثالياً مجرداً بل يمكن تعريفها ووضع أفق لها اذا نظرنا للتاريخ بمنظور مختلف .
فتاريخ البشرية هو تاريخ من التطور المطرد الذى يصاحبه تغييرات اجتماعية ينتج عنها قيم جديدة تعبر عن مصالح الطبقات المسيطرة والطبقات الشعبية التى تحالفت معها حتى انتصار الثورة , بينما يتم التراجع أو التمسك بتلك القيم حسب نتائج التناقضات والصراع بين الطبقات الجديدة فى المجتمع الجديد , ومن هنا فأفق الحرية ليس محدوداً ولا مقيداً وفق مواصفات تشكيلة اجتماعية معينة , وانما هو غير محدود طالما كان أفق تطور البشر غير محدود , وهو كذلك طالما سعى البشر للتخلص من كل أشكال الاستغلال الاجتماعى والسيطرة على كل المعوقات التى تفرضها الطبيعة ليتمكن الانسان من الوصول الى الرفاهية التى تدفع الجماعة البشرية الى مدى غير مسبوق فى طريقها لتحصيل العلم والمعرفة .
أن تحديد مفهوم للحرية سيكون أوسع اذا ارتبط وكان معبراً عن مصالح قطاعات أوسع من الشعب ومن الجماعة الانسانية وهم الأغلبية المضطهدة دائما , ليس تعبيراً عما يتبنونه اليوم من أفكار هى فى أغلبها نتاج تراث ثقيل من قيم الجماعة الانسانية وحضاراتها العتيقة والتى مازالت كثير من قيمها مستمرة الى الأن ويتعارض أغلبها مع نمط الحياة فى مجتمع صناعى حديث , بل ان تلك القيم التى يتبناها ابناء الطبقات المقهورة فى أغلبها هى قيم ومفاهيم الطبقة المسيطرة , وما تراه تلك الطبقة صحيحاً وخير وما تراه غير ذلك .
أن دفع المجموعة البشرية الى الأمام يتطلب أفق أوسع للتطور يتجاوز تصوراتنا الحالية , أفق أكثر مشاعية وهو ما سيحدد مدى أكثر عمقاً وغير محدود ليس لمفهومنا عن الحرية فقط بل لمفهومنا عن العدالة والحق والخير والجمال , وربما لمفهومنا عن الأنسانية نفسها .

قصة فيلم أنا حـرة


ليس هناك شىء يسمى الحرية وأكثرنا حرية هو عبد للمبادىء التى يؤمن بها وللغرض الذى يسعى اليه . اننا نطالب بالحرية لنضعها فى خدمة أغراضنا . وقبل أن تطالب بحريتك , أسأل نفسك لأى غرض ستهبها ! .
هكذا بدأ فيلم أنا حرة عن رواية تحمل نفس الاسم لأحسان عبد القدوس بمقدمة تعرض مفهوم الكاتب وما سيعرضه الفيلم عن الحرية .
أمينة فتاة متمردة تعيش فى بيت خالتها , ترفض القيم والتقاليد البالية والتى تقيد حريتها . تقيد مفهومها للحرية الذى اختلف تدريجياً مع تراكم الخبرات وتقدمها فى العمر نسبياً الى أن تصل الى مفهوم ما غائى فى ذاته عن الحرية بنهاية سعيدة مع عباس الصحفى المناضل ضد الاستعمار وبداية عهد ثورى جديد بدأ فى 23 يوليو 1952 .
بدأت أمينة ترى الحرية وهى فى مرحلة الشهادة التوجيهية " الثانوية العامة " بأنها انتزاع الحق من خالتها وزوج خالتها لامتلاك مزيد من الوقت للمرح والتسكع مع أصدقاء مختلفين يعكسون قيم مدنية متحررة على العكس من قيم منطقة العباسية التقليدية المتخلفة , تستطيع بعد صراعات عديدة أن تنتزع ذلك الحق بعد تراجع الطرف المسيطر نسبياَ عن التدخل المباشر وبمساعدة دائمة غير مباشرة من الوالد الغائب دائما لظروف عمله .
لكنها تنتقل الى مرحلة أخرى بعد نقاش يدور بشكل متكرر مع أنا عليا تخاطبها , تمثل الغائية التى عرض بها مفهوم الحرية . لتتحول أمينة الى شخص مختلف من خلال القراءة والاطلاع , فتدرك أهمية المذاكرة وتحصيل أعلى الدرجات لأن لديها الأن هدف اسمى للحرية , وهو استكمال المراحل التعليمية الى التعليم الجامعى للحصول على شهادة البكالوريوس لتصبح قادرة على الاعتماد على نفسها ولا تضطر أبداً للزواج بحيث تكون عالة على الرجل .
هنا تظهر شخصية المهندس المثقف الذى يبهرها باطلاعه وحبه للقراءة لكنها تمتعض من أفكاره الرجعية فيما يخص مؤسسة الزواج , فهو وان كان يقرأ لم تتجاوز أفكاره حدود أوراق الكتب لتستحيل فعلا فى الواقع . رفضت أمينة الزواج بشدة وقررت أنها لابد لها أن تعمل , وهنا كان الصدام الأخير مع زوج خالتها الذى رفض تحمل مسئوليتها ليحل والدها الغائب الأزمة ويطلب منها القدوم للعيش معه , وترك لها مساحة الحرية الكاملة فى أن تكون سيدة المنزل وأن تبدأ فى البحث عن وظيفة بعد التخرج . بالفعل عملت فى شركة بترول واستطاعت بمرتبها الذى تجاوز ما كان يكسبه أبوها وزوج خالتها أن تحقق ذاتها وأن تشعر بالمساواة , لكن دخلت فى أزمة حيرة واكتئاب . فمازالت تشعر أن شىء ما ينقصها , كان والدها يخبرها دائما أنه الزواج . كانت أمينة ترفض تلك الفكرة تماماَ , ومن ناحية أخرى دار حديث بينها وبين تلك الأنا العليا التى تمثل تلك القيم العليا التى يطرحها الكاتب , كان الحديث يشير الى عبودية العمل وأن وقتها ملك الشركة وأنها ليست حرة تماما . بالصدفة التقت عباس , ابن حى العباسية المتعلم والمثقف والذى أصبح صحفياً بارزاً معروف بكتاباته ضد النظام الملكى الفاسد وضد الاستعمار , أعجبت بعباس . تراجعت نسبياً عن عديد من أفكارها , فى مشهد استسلمت للتقاليد نفسها وسمحت لنفسها بأن تساعد عباس فى خلع حذائه , شعرت بالحب وبحاجتها لوجود عباس فى حياتها .
عباس صاحب المبدأ الواضح , " الحرية ليست غاية وانما هى وسيلة " ظل يكرر عليها تلك العبارة , لكن لم يحدث تحول فى شخصيتها الا بالارتباط المتوقع بقضية أكبر , بهدف اسمى .
ساعدت أمينة عباس وزملاؤه فى طبع منشورات ضد الاحتلال والسراى , بينما تم القبض عليها وهى تشعر أن قيمة الحرية صار لها مضموناً أكبر وأعمق الأن , وتوجه اعتذار لزوج خالتها عن كل محاولاتها للتمرد , هى استسلمت بشكل أو بأخر لكن فى اطار مضمون أعمق وبشائر ثورة بعد قرانها بيومين كما سجل المأذون الشرعى ذلك فى دفتره , 20 يوليو 1952 زواج أمينة وعباس .

الأربعاء، 2 مارس 2016

داعش كأزمة بنيوية , وكرد فعل مضاد للكولونيالية .


ليست داعش مسألة خطر علينا فقط , بل هى نذير خطر على الطبقة العاملة فى أوربا وكل مكتسباتها التى نضالت للحصول عليها , فأوربا تتجه لمزيد من الاجراءات الاستثنائية بالاضافة لخصم مكتسبات الطبقة العاملة والتخلص من بقايا دولة الرفاة الأجتماعى بل وتأهيل أوربا لسيناريو حرب أهلية محدودة , لكن ما هو دور داعش هنا كأزمة بنيوية أنتجتها الثقافة العربية الاسلامية التى تعانى أزمة مع الحداثة , ومن ناحية أخرى باعتبارها أداة فى خدمة مصالح الأمبريالية ؟
لا شك أن أحد أهم أسباب ظهور داعش بعيداً عن التناقضات الداخلية والازمة البنيوية التى تعانى منها الثقافة العربية والاسلامية هو الاستعمار الاوربى والمذابح التى ارتكبها بالاضافة لحجز تطور المنطقة , وبالتالى نحن أمام ما تم اعتباره رد فعل مضاد للكولونيالية , أى شكل من أشكال التمرد وهو ما أعطى داعش ومن قبلها التيار الدينى مشروعية كبيرة لدى الشعوب العربية والاسلامية .
هنا نحن أمام شعور قومى مندمج بتيار جارف من المشاعر الدينية التى ارتبطت بمشروع سياسى توحد على اساسه العرب تحت سلطة نبى , ذلك ما أسس لشعور كبير بالكبرياء وربما تضخم الذات القومية التى لا يمكن فصلها عن كونها تمثل مشروع دين سياسى يسعى لتكوين امبراطورية ولكن بصيغة قروسطية متخلفة .
وعلى ذكر حركة القومية العربية هنا ودورها فهى أيضا كانت ردة فعل فى نفس السياق ومن نفس المنبع , مع اختلاف مسارها نسبياً باعتبارها حركة تقدمية ومشروعها الاجتماعى كان أكثر حداثية وتطويرها لخطاب الاسلام كان خطوة جيدة للامام .
فى تصورى أن الوحى لو كان استمر حتى ما تمت السيطرة على الدول القديمة " مصر والشام والعراق وفارس " وتكونت الامبراطورية ودخلت الشعوب الاجنبية بتصوراتها وعقائدها وثقافتها للاسلام , كان الوحى أستطاع أن يحل مشاكل كتيرة خاصة أن شخصية النبى كانت فذة وهو أعظم العرب بلا منازع بالاضافة لأنه كان يتكلم بوحى منزل وتلك سلطة حل جذرية كانت ستخلصنا من مشاكل كثيرة , وهو ما كان سيجعل أداء الاسلام مع قضايا الحداثة أفضل كثيراً .
لكن ما حصل اننا تخلفنا كثيراً , حتى اننا لم نطرح الأسئلة المناسبة أمام واقع متغير بل ربما لم نطرح أى سؤال بالمره حتى وجدنا دبابات الأوربيين تحتل المدن العربية .
الغرب الامبريالى استغل شعارات الجهاد والفداء التى تميزت بها الحضارة العربية الاسلامية ووظفها لخدمة مصالحه لأننا مازلنا بنتعامل وفق قواعد الشطرنج , بمعنى أننا أمام قطع تمثل مجتمع العصور الوسطى بكل تناقضاته وظروفه , وبالتالى جيوش متكافئة لأنه فى عصر الحديد كان من السهل تكوين جيش طالما توافرت لديك أموال تشترى بها السلاح وتجمع اعداد كبيرة من المحاربين , ولم يكن هناك فارق تكنولوجى كبير مع الامبراطوريات القديمة بالاضافة ان تلك الامبراطوريات لم تمارس سياسة حظر التسليح أو أن تمنع عن الدول الأخرى تكنولوجيا متقدمة تمكنها من التفوق الكاسح , لأن ذلك كان نتاج تطور اجتماعى - اقتصادى مختلف ارتبط بالثورات البرجوازية وتغير علاقات الانتاج مع الثورة الصناعية والتكنولوجية , أما اليوم فنحن أمام استعمار مختلف ونظام اجتماعى مختلف وبالتالى محاولتنا اعادة استنساخ امجاد الماضى وفق قواعد نظام اجتماعى - اقتصادى تحلل سوف تظل تواجه فشلاً ذريعاً وكل مجهود سنقوم به سيوظف ضدنا فى النهاية , فمن سايكس - بيكو الى حالة داعش , نحن أمام حالة تمزق أكثر عكس ما تصور البعض من مناصرى التيار الدينى انها مبادرة للوحدة أو رد فعل وحدوى مضاد لمشاريع التجزأة . للاسف أقول ان الاسلام وليس الاسلام السياسى أكبر عميل للامبريالية فى الوقت الحالى وهو بما يطرحه من تصورات ونظريات سياسية عقيمة يعتبر أكبر خطر حتى على المسلمين أنفسهم .
لكن تبقى هنالك مشكلة المشروعية لأن الاسلام السياسى قدم نفسه كرد فعل مقاوم للهجمة الامبريالية وما سمى وقتها بالصحوة الاسلامية , التاريخ يقول أن عمليات قطع الرؤوس لم تكن فقط تراث دينى كما يتحدث البعض , عموما الامبراطوريات القديمة كانت تمارس ألوان من التعذيب لا حصر لها , وحتى الاستعمار الحديث وخاصة الاستعمار الفرنسى والبلجيكى قاموا بمذابح مخيفة , وقطع الرؤوس كان أقل أساليب التعذيب بشاعة التى قام بها الجنود الفرنسيون . الاستعمار البلجيكى كان يقطع أطراف الأفارقه كعقاب جماعى لأى عبد يتمرد على سلطة الاحتلال , تمثيل بالجثث وحصار شعوب بأكلمها داخل سياج من الاسلاك الشائكة , هنا تبدو مشروعية رد فعل , لكنها ليست مشروعية لداعش ولا الاسلام السياسى بالتأكيد .
ومع ذلك يبقى السؤال الأهم , كيف يكون كل ذلك فى مصلحة الامبريالية فى حين تحدث التفجيرات فى أوربا مثلا ؟ هنا الصراع الطبقى هو الذى يقدم تفسيراً لما يحدث . هناك طبقة تحكم العالم ومصلحتها واحدة تقريبا باستثناء التناقضات فيما بينها اذا أمنت شر الطبقات الشعبية , فهى تستخدم الطبقات الشعبية للحصول على مزيد من الأرباح لحد تجارة الحرب نفسها , أو تبتزهم بالخطر والاجراءات الأمنية للحفاظ على الوضع القائم كما فى أوربا مثلا بل وتبرير الخصم الذى يحدث لما تبقى من دولة الرفاه الاجتماعى . العالم كله يمر بأزمة حقيقية ونحن جميعاً مقدمين على ورطة حرب لن تنته الا بعد حصد أرواح مئات الألاف وربما ملايين البشر , هذا ان نجحت الحضارة البشرية فى البقاء .

وليد سامى واصل