السبت، 24 أكتوبر 2015

The history of English language .


Albert C. Baugh ألبرت بوف فى كتابه " تاريخ اللغة الأنجليزية " بيقول الأتى :
The Norman conquest made English for two centuries the language mainly of the lower classes while the nobles and those associated with them used French in almost all occasions ..
الكلام ده مع بداية الألف التانية بعد الميلاد 1096 , وبالتالى مكنش غريب ما يذكر عن ريتشارد قلب الأسد وهو مش بعيد عن الفترة دى 1189 انه مكنش بيتكلم أنجليزى وكانت لغته أقرب للفرنسية ..
Baugh , A. C.,A history of the English language , ( New York 1935 ) pp. 92-96 .

كان هناك بعض التأثيرات الرومانية من خلال اللغة اللاتينية على لغة الكلتيين " السكان الأصليين " لأنجلترا فعلى سبيل المثال مقطع شيستر Ceaster من الكلمة اللاتينية Castra بمعنى قلعة , حيث أن معظم تلك النماذج كانت فى الأصل موقع لمعسكرات رومانية مثل /
Chester , Manchester , Worcester ...
أيضا كلمة Port من الأصل اللاتينى Portus ..
Baugh , A. C.,A history of the English language , ( New York 1935 ) pp. 92-96 .


3. Growth and Decay.
Moreover, English, like all other languages, is subject to that constant growth and decay that characterize all forms of life. It is a convenient figure of speech to speak of languages as living and as dead. Although we rarely think of language as something that possesses life apart from the people who speak it, as we can think of plants or of animals, we can observe in speech something like the process of change that characterizes the life of living things.
When a language ceases to change, we call it a dead language. Classical
Latin is a dead language because it has not changed for nearly 2,000 years. The change that is constantly going on in a living language can be most easily seen in the vocabulary.

Old words die out, new words are added, and existing words change their meaning. Much of the vocabulary of Old English has been lost, and the development of new words to meet new conditions is one of the most familiar phenomena of our language. Change of meaning can be illustrated from any page of Shakespeare.
Nice in Shakespeare’s day meant foolish; rheumatism signified a cold in the head. Less familiar but no less real is the change of pronunciation. A slow but steady alteration, especially in the vowel sounds, has characterized English throughout its history. Old English stān has become our stone; cū has become cow. Most of these changes are so regular as to be capable of classification under what are called “sound laws.” Changes likewise occur in the grammatical forms of a language. These may be the result of gradual phonetic modification, or they may result from the desire for uniformity commonly felt where similarity of function or use is involved. The person who says I knowed is only trying to form the past tense of this verb after the pattern of the past tense of so many verbs in English. This process is known as the operation of analogy, and it may affect the sound
and meaning as well as the form of words. Thus it will be part of our task to trace the influences that are constantly at work, tending to alter a language from age to age as spoken and written, and that have brought about such an extensive alteration in English as to make the English language of 1000 quite unintelligible to English speakers of 2000.
Baugh , A. C.,A history of the English language , ( New York 1935 ) pp. 92-96 .


In the course of centuries of this practice English has built up an unusual capacity for assimilating outside elements.
We do not feel that there is anything “foreign” about the words chipmunk, hominy, moose, raccoon, and skunk, all of which we have borrowed from the Native American.
We are not conscious that the words brandy, cruller, landscape, measles, uproar, and wagon are from Dutch.And so with many other words in daily use.
From Italian come balcony, canto, duet, granite, opera, piano, umbrella, volcano; from Spanish, alligator, cargo, contraband, cork, hammock, mosquito, sherry, stampede, tornado, vanilla; ..
from Greek, directly or indirectly, acme, acrobat, anthology, barometer, catarrh, catastrophe, chronology, elastic, magic, tactics, tantalize, and a host of others; from Russian, steppe, vodka, ruble, troika, glasnost, perestroika; from Persian, caravan, dervish, divan, khaki, mogul, shawl, sherbet, and ultimately from Persian jasmine, paradise, check, chess, lemon, lilac, turban, borax, and possibly spinach.
A few minutes spent in the examination of any good etymological dictionary will show that English has borrowed from Hebrew and Arabic, Hungarian, Hindi-Urdu, Bengali, Malay, Chinese, the languages of Java, Australia, Tahiti, Polynesia, West Africa, and from one of the aboriginal languages of Brazil. And it has assimilated these heterogeneous elements so successfully that only the professional student of language is aware of their origin.

Baugh , A. C.,A history of the English language , ( New York 1935 ) ..

Boudicca


Boudicca أو بوديكا زوجها كان زعيم لقبائل أكينى من الكلتيين " أحد عناصر السكان الأصليين فى بريطانيا " ولما مات ضم الرومان ملكه " فى عصر نيرون " فثارت بوديكا بجيش قوامه 100 ألف فى مواجهة القوات الرومانية واللى كانت القوة الضاربة ليها موجودة فى ويلز , وقتلت أكتر من 70 ألف رومانى لكن استطاع الرومان بعد كده سحق التمرد .
المنطقة الجنوبية والشرقية من الجزر البريطانية اللى هى انجلترا كانت دايما مطمع للغزاة ومع عمليات التدافع بدأ الكلتيين يتراجعوا باتجاه المناطق الأكثر وعورة فى الشمال حيث سلاسل الجبال فى اسكتلنده أو فى الغرب والجنوب الغربى فى ويلز ..
ملاحظ أنه قبل الكلتيين اللى بيعتبروا السكان الأصليين واللى هاجروا من وسط اسيا ثم عبروا شرق أوربا حتى وصلوا لشواطىء الأطلنطى على الجزر البريطانية , كان قبلهم عناصر من شبه الجزيرة الأيبرية وحوض البحر المتوسط وربما العناصر دى كانت مرتبطة بالفينيقيين والمصريين والكلام ده قديم جدا يعنى حوالى 2500 ق.م واستقرت العناصر دى وبعدين حصلت الهجرات الكلتية ثم التيوتون بعد ذلك " الجرمان - الانجلوسكسون - الفرنجة - الوندال - القوط - النورمان - الفيكنج " وهناك بعض الأثار المصرية اللى وجدت فى الجزر البريطانية وبتعود لعصور قديمة جدا .

بوديكا Boudicca كانت بتحارب بطريقة اللى يحب النبى يهجم , المعارك اللى انتصرت فيها كانت كلها حرب عصابات وهجوم على معسكرات رومانية ..
نيرون أمر الجنرال باولينيوس بالقضاء على التمرد فكان اقتراح الجنرال انه يتم تسليم مدينة لندن مقابل الاستعداد لمعركة مفتوحة وبالفعل الاستراتيجية الرومانية فى تماسك الصفوف وصد الهجوم العشوائى للبريطانيين كانت ممتازة , وبعدين يبدأ يعمل مصيدة لجيش بوديكا بحاله باستخدام جنود الاحتياط والفرسان , كمين مثالى بيعيد الى الأذهان استراتيجيات هانيبال العسكرية .

فى الصورة تمثال الملكة البريطانية بوديكا وأبنتيها فى لندن أمام مجلس العموم البريطانى ..

الجمعة، 23 أكتوبر 2015

الحلم الأمريكى .


 
 
هل لازالت الولايات المتحدة الامريكية أرض الفرص والأحلام ؟ للأمانة , ليس بعد الأن .
ذلك لأن الحلم الأمريكى يعتمد على الشىء الوحيد الذى تحاربه هذة الدولة , وهو الطبقة الوسطى .

كيف تعمل الدولة على القضاء على الطبقة الوسطى ؟
لكى تكون من الطبقة المتوسطة هذة الأيام , يعنى أنك تتلقى دخل سنوى يتراوح بين 40,000 - 122,000 دولار حسب المكان الذى تعيش فيه . أنت لست فقيراً لكنك لست غنياً , أنت فى منطقة رمادية تقريباً .
بالعودة لستينيات القرن الماضى , كان نصف الأسر الأمريكية من الطبقة الوسطى .
لكن هذة الطبقة الوسطى بدأت تتقلص منذ ذلك الحين , فاليوم " 51,939 دولار " متوسط الدخل أقل من ما كان عليه سنة 1989 " 52,432 دولار" مع العلم ان تكلفة المعيشة أصبحت تتزايد بشكل واضح على مدار الـ 15 عاماً الأخيرة , فتكلفة الأقامة والرعاية الصحية ورعاية الاطفال والتعليم الجامعى ارتفعت بشكل جنونى " 10,000 دولار زيادة سنوية للأسرة المكونة من أربعة أفراد " .
هذا يعنى أن الناس أصبحوا يعملون ساعات أكثر فى مقابل أجر أقل , فقط لأشباع حاجاتهم الأساسية .

كيف وصلنا لهذا الأمر ؟ " الأخفاقات التى تعرض لها العمل النقابى "
دعونا نبدأ بالنقابات , وهى تلك المنظمات التى ينتمى اليها العمال حتى لا يتم السطو على حقوقهم عن طريق الأدارة . تاريخياً , كان فى الولايات المتحدة العديد من النقابات القوية لكن فى غضون الثلاثين سنة الاخيرة شهدت عضوية النقابات تراجعاً حاداً . بالعودة لخمسينيات القرن الماضى كان أكثر من ثلث العاملين فى القطاع الخاص ينتمون الى نقابات32 - 35% . اليوم هذا الرقم يمثل أقل من 7% .
لنتفحص مثلا نصيب الطبقة الوسطى من الدخل القومى بالمقارنة بعضوية النقابات , الأرقام توضح أنه كلما ضعفت النقابات كلما تراجع نصيب الطبقة الوسطى من الدخل القومى .
عندما تفقد القدرة على المساومة , لا عجب أن يكون الحد الأدنى للدخل قد تراجع بشكل واضح " 9.49 دولار سنة 1980 الى 7.25 دولار 2014 " . فما الذى حدث ؟

كانت لحظة حاسمة فى العام 1981 حينما قام 13 ألف من المراقبين الجويين بأضراب عن العمل , فكان رد الفعل من الرئيس رونالد ريجان أن قام بفصلهم جميعاً , هذا الاجراء وضع حكومة الولايات المتحدة بشكل مباشر فى صف الأدارة , وبذلك شجعت المديرين التنفيذيين لملاحقة النقابات .
منذ ذلك الحين كان هناك أمواج من القوانين التى فرضتها الدولة تؤثر سلبا على عضوية النقابات , ومن هنا استغلت الشركات تلك الميزة للانتقال الى الولايات ذات النقابات العمالية الضعيفة وقوانين العمل الأقل .
هذا ان استمرت تلك الشركات فى العمل فى الولايات المتحدة من الاساس .

تصدير الوظائف / لماذا أصبح عدد الوظائف ذات المرتبات الجيدة أقل ؟
يقال لنا غالبا أن التكنولوجيا لها دور كبير فى ذلك , وذلك صحيح نوعا ما . فمنذ سبعينيات القرن الماضى فقدت عديد من الوظائف الصناعية لحساب عملية الأتمتـة " التصنيع الألى " , لكن هذا فقط جانب من القصة .

هل سمعتم عن تلك الاتفاقيات التجارية المملة التى تمت مناقشتها فى السر غالبا ؟
حسناً , عليك الانتباه . فبينما توصف تلك الاتفاقيات بأنها مهمة جدا من أجل زيادة معدلات النمو , فهى أيضا تؤذى العمال الامريكيين , حيث فقدت الولايات المتحدة 700 ألف وظيفة أغلبها فى القطاع الصناعى بسبب اتفاقية التجارة الحرة بين دول أمريكا الشمالية .
وبينما تقدم الصين كـ كبش فداء , فالولايات المتحدة هى من فتحت الباب لاتفاقيات التجارة الحرة بدون حماية صناعتها أو عمالتها الوطنية .
على مدار خمس سنوات " 2001 - 2006 " فقدت 1.8 مليون وظيفة سواء من خلال هجرة الشركات عبر البحار " الأفشورنينج " أو عبر استيراد سلع رخيصة الثمن .

السياسيون فى جيوب الأثرياء .
من يعلم أن الحلم الامريكى يتضمن وجود اللوبى " تكتلات جماعات الضغط والمصالح " ؟
اليوم , لدى الشركات الكبرى جيوش من جماعات الضغط الذين يضمنون أن تسير الامور لمصلحة أصحاب الاستثمارات الكبيرة فى واشنطن , وهم يصرفون 2.6 مليار دولار سنوياً لتحقيق ذلك .
هذا الرقم أكبر بـ 34 مرة مما تنفقه النقابات وجماعات الضغط العامة , وهو أمر قانونى تماماً ! .
وبالتالى فالفكرة المطروحة أن تحقق تلك الشركات أرباحها بعيداً , حتى لا تضطر لدفع الضرائب فى الولايات المتحدة , وهذا ما تفعله أغنى 500 شركة بالفعل " ميكروسوفت - أبل " الخ .

وفيما يتعلق بتلك الضرائب , فـ طبقة الـ 1% وعلى مدار الأربعين سنة الأخيرة , تم تخفيض ضرائبهم بما يعادل النصف تقريباً " من 60% سنة 1966 الى 33,6% سنة 2004 " , بينما تدفع الطبقة الوسطى ضرائب أكثر بشكل متزايد .

يجادل كثير من المحافظين بفكرة أن المد المرتفع سوف يرفع القارب كله بالتبعية , بمعنى أنه اذا حصل الأغنياء على أموال أكثر فهذا سوف يفيد الجميع بكل تأكيد . لكن هل هذا ما حدث بالفعل ؟

نعم , لقد تحسن الأداء الاقتصادى منذ الكساد العظيم , لكن فى المحصلة النهائية , يزداد الأغنياء ثراءً بينما يزداد أغلب الأمريكيين فقراً .

* تعليق / الطرح يستبعد التحليل الطبقى طبعا , ودايما الأمريكان بيرجعوا لفكرة الحلم الامريكى وقيم الأباء المؤسسين بدون تحليل موضوعى لتطور الرأسمالية وبعض المكتسبات اللى حصلت عليها الطبقة العاملة سواء بنضالها الوطنى أو بضغط الثورات الاشتراكية وحركات التحرر الوطنى على مراكز الامبريالية وده اللى أنتج النظرية الكنزية ودولة الرفاه الاجتماعى , وكان طبيعى مع تراجع المد الثورى أن تكون ادارة رونالد ريجان تحديداً أول من يتجه لتطبيق سياسيات النيوليبرالية , ومن هنا تطبيق مبدأ ريجان - تاتشر " أقطار نعم , دول لا " وده ينطبق حتى على الولايات المتحدة , بما يعنى أنه لا عجب من انتقال الشركات عبر البحار للتصنيع فى الصين حيث العمالة الرخيصة وانهم يطردوا ملايين العمال الامريكيين من وظائفهم , ده فى النهاية بيصب فى مصلحة الطبقة الحاكمة . طبعا ده لا ينفى الطابع القومى للامبريالية الامريكية لكن هذا لا ينسحب على الطبقات العاملة الا اذا كان هناك تهديد حقيقى يقدم بديل اجتماعى - اقتصادى متمايز كما كان الحال فى تجربة الاتحاد السوفيتى السابق والوعود المتعلقة بالرفاهية والعدالة الاجتماعية .
وبالتالى لم يكن هناك بالاساس قيم عدالة وضعها الأباء المؤسسين الا فى اطار التناقض مع الاستعمار الانجليزى من ناحية , وفى اطار الصراع مع ولايات الجنوب الزراعية من ناحية أخرى . لكن يبقى مؤسسوا الولايات المتحدة اما تجار عبيد أو برجوازيين استغلوا العمال على مدار تاريخ الولايات المتحدة , ولم يقدموا أى تنازلات الا بنضال الطبقة العاملة وبضغط من الثورات الاشتراكية وقتها .
أخيراً , ليس هناك الا احتمالين أمام الأزمة الهيكلية التى يعانى منها النظام الرأسمالى , بحيث نكون أمام سيناريو اما حرب عالمية تقضى على الحضارة البشرية , أو الانتقال الى نظام اجتماعى جديد . 
 
وليد سامى واصل .

ترجمتى لـ فيديو بعنوان / How America is killing the middle class
على الرابط التالى /

https://www.facebook.com/ajplusenglish/videos/634233436718167/

الجمعة، 16 أكتوبر 2015

الحب والمعاناة .


  
 على مدار التاريخ أرتبط الحب بالمعاناة والألم والتضحية , طيب ده ليه ؟
الحقيقة الاجابة مرتبطة بظهور الملكية الخاصة , تحول العلاقات الانسانية من حالة المشاعية البدائية الى حالة أكثر تعقيداً وتركيباً وبالتالى ظهور عوائق اجتماعية وحدودية أيضا تمنع من التقاء الجماعات البشرية وتحد من حرياتهم .
لما ظهرت الملكية الخاصة وتحول العرق والدين والجغرافيا الى أدوات فى أيـد الأنظمة السياسية اللى بتمثل مصالح طبقة معينة وبتستخدم الدولة لتحقق النظام بفرضه بالقوة واجبار الطبقات الفقيرة على العمل , بدأ الحب يعانى .
ولما كان تاريخ الحضارة البشرية هو تاريخ ظهور الدولة والملكية الخاصة , فـ ارث الحب كله استغلال ومعاناة , ولكن أيضا كان هناك تحدى فى مرات لكنها محدودة .
الكل بيستسلم فى النهاية والقصة أصبحت كلاسيكية ولا سبيل لمنعها من التكرار فى اطار فردى " الجواز مش النهاية السعيدة ".
وبناء عليه فـ عشان البشرية تلاقى مفهوم أكثر رقياً وانسانية للحب , حب متحرر من الاستغلال والتمايز الطبقى والأثنى والدينى , حب بين ذات حرة وأخرى , حب فيه ذات كل من الطرفين لا تنسحق فى الأخرى , بل بيمثلوا تكامل واضافة جديدة قدامها مساحة للتطور أيضا . حب مش منفصل عن الأرتباط بالمجموع وقيمه .
لـازم البشرية كلها تخطو خطوة للامام . نظام اجتماعى - اقتصادى أرقى .
وبالتالى اجابة السؤال , هل أنت بتحب ؟
بالتأكيد , كل محاولة - ولو كانت بسيطة - فى أن يربط الفرد مصيره بمصير الجماعة , ألا يكون الانسان أنانى , عايش لنفسه فقط وبيحاول يشبع رغباته .
كل محاولة تدور اطار دفع البشرية للامام هى محاولة جادة للبحث عن الحب , وأى محاولة لتجميل الصورة وانتظار نتائج ايجابية من علاقة متخلفة بتقف أمامها قيم وأفكار رجعية هى خروج عن الموضوعية واستسلام .
البحث عن الحب يكون فى اطار يتجاوز - ولو نسبياً - هذا الواقع , اطار يبشر بخلاص يسوعى جديد .
وهذا أمـر ممكن .

من ناحية أخرى يبدو أن معاناة الحب هى نفسها معاناة الأشتراكية , ليس سهلاً ان تتحقق بدون بنيتها التحتية , وهزيمة الثورات الاشتراكية هزيمة كبيرة لتطور مفهوم الحب .
وخلاصة المعاناة والانحطاط اللى بيعانى منه الحب اليومين دول مرتبط بان النظام الرأسمالى فقد دوره التاريخى , كل شىء تم تسليعه . تديين الصراع , ورطة فائض الانتاج وبالتالى الحرب اللى مبتحصلش الا لما تصرف الملايين على تأجيج صراع طائفى وأثنى , وبالتالى لو كنت بتحب واحدة من دين أخر أو من بلد أخر فـ أثناء الحرب هتتحولوا لأعداء . اساسا البشر كلهم مفيش بينهم أى تعارض مصالح لأن الأغلبية الساحقة كلها شغيلة .
لكن هنا يعانى الحب , يعانى كل انسان . يسحق فى مفرمة مشاكله الفردية وعوائق كثيرة تمنعه دون تحقيق ذاته . الحب فى هذة الأيام هو راية هزيمة لانه بيحصل وفق شروط النظام .

زى ما كان فيه اشتراكية طوباوية , فـ ارث الحب كله طوباوى . ولما خد منحى أخر أصبح بفعل البروباجندا والهيمنه الأمريكية " برجماتى " .
لكن هل فيه حب علمى - اذا جاز التعبير - زى ما فيه اشتراكية علمية ؟
الحقيقة هناك اتهام دايما موجه للماركسية انها بتسلب حرية الانسان وبتحيله الى وضع جبرى , الكلام ده غير صحيح .
يعنى مثلا .. معنى حتمية التاريخ هو انه هتتوافر شروط معينة فى اطار الصراع الاجتماعى هينتج عنها وضع يؤدى الى تغيير اذا حصل كذا وكذا وكذا وأهم هذة العوامل هو العامل الذاتى .
الاشتراكية - عشان مدخلش فى تفاصيل - غير كل الانظمة الاجتماعية - الاقتصادية السابقة . بمعنى ان بنيتها التحتية مبتحصلش الا بعد ما تتحقق شروط أغلبها مرتبط بالوعى الانسانى ودوره فى تنظيم الطبقة العاملة وتشكيل الحزب الثورى الخ . يعنى دى فلسفة بتقول ان الانسان هو صانع الثورة وانه حتى لو توافرت الشروط الموضوعية لهزيمة الرأسمالية بدون ما تكون الشروط الذاتية جاهزة يبقى لن يتحقق شىء .
وبالتالى توقعات الماركسية كانت سليمة , فعلا الطبقة العاملة دخلت فى تناقض مع الرأسمالية لكنها هزمت واستطاعت الرأسمالية انها تسحق الثورات الاشتراكية , لكن هل هناك نهاية للتاريخ ؟
التاريخ سوف ينتهى اما بنظام اجتماعى جديد أو بالقنابل النووية .
ومن هنا بالعودة لـ مفهوم الحب , الحب المنشود هنا هو حب يتجاوز اطار النظام الرأسمالى المستغل وقيمه اللى انحطت بالبشرية الى مستوى غير مسبوق , وبالتالى هو حب انسانى بل هو الانسانية نفسها فى مدى الأفق المنظور حتى يتحقق النظام الشيوعى . 


لما ضحى يسوع , ضحى من أجل الحياة . قام بعد 3 أيام لـ يمد الحياة بنور جديد وينتهى الظلام , لم تكن تضحيته من أجل الفناء أو من أجل مكاسب محدودة بل من أجل وعد بعالم أفضل , من أجل خلاص البشرية من الاستغلال والظلم والفقر , وعد بـ ملكوت سماوى فى رمزيته , لكنه أرضى عملياً لأن السماء ليست جزءاً منفصلاً عن الأرض . 
ان هزيمة الحب ومشروع المقاومة هى هزيمة للبشرية , وقتها يكون قد مات يسوع . 

الخميس، 17 سبتمبر 2015

أربعُ لوحاتٍ عن ظلٍّ عالقٍ بجدارٍ خراسانيّ .







قصة قصيرة لـــ


إسلام طارق




اللوحة الأولى

مدخل

"مرثية "



لوحة تهتز فوق النافذة الخشبية مكتوب عليها آية الكرسي بخط مذهب.. رائحة الفأر المتعفن بين الكتب.. أصوات أطفال يلعبون تحت الغرفة.. جزئيات متناهية في الصغر تسبح في آخر شعاع نور يتسرب من النافذة.. يحاول الفتى الإمساك بها دون أن يمسه النور.. رجل مربوع القامة يحاول تثبيت لوحًا خشبيًّا على النافذة..

"دق المسامير يثير أعصابي كأنه جُمَل تخترق الجسد الهش" قال الفتى.

يشكل الفتى أصابعه على هيئة دائرة يحاول حصر شيئًا ما بداخلها.

(من خلف الكوة الضيقة في جدار الزنزانة المعتمة كنت أراقبهم قبل أن أخرج عليهم.. تتدحرج الكرة مفزوعة.. تزحف خلفها سحابة ترابية تترية من أطفال حفاة يرتدون أقمصة مطبوعًا عليها صورتي مصلوبًا  .. تقفز الكرة لأعلى فتصطدم بجسد مسجي على صليب خشبي يصيح صاحبه
_ الكرة لو جات هنا تاني هقطعها!!!
يتوه التحذير وسط موجة من نباح الكلاب الضالة وأزيز البعوض ونداءات الباعة المتجولين.

على المدى حقل من الصلبان رمادية اللون تنمو على أطرافها الطحالب ونباتات الظل .. تتدلى منها أحبال ملونة مربوطة فى نهايتها أقفاص من الخوص.. ينادي من فوقها صوت نسائي:
_ اجري يا واد ع الصيدلية اديله الورقة دي واوعى تفتحها.. خليه يحطها فى كيسة سودا ..

_ هاتلي يا بني كارت شحن وشوفلنا نجار للمسامير اللي خلعت دي .. ناس معندهاش ضمير .. يبتسم صاحب الصوت: سربنا العيال.
_ يا راجل اختشي.

تتوقف الكرة تحت القدم الحديدية.. يدهسها فى تحدٍّ .. فيبتلعهم كائن الصمت. يلوح بإصبعه الدسم .. فيظهر جسدي النحيل  الذي تقصفت قامته المديدة تحت ضربات الهراوات والسياط التي تسوقه .. خلف  خصلات شعري الكثيف المتيبس برقت عيناي المكحلتان بالدماء زائغة تبحث عن نقطة المركز .. نقطة الخلاص.
دون مقدمات يركلني صاحب القدم الحديدة فى صدغي فيتدحرج جسدي فى الوحل .. وينكشف شق وجهي الذى تحطم إثر الضربة.
يشهق كائن الصمت ويلفظ الجميع الذين صاحوا بدورهم:
_ إنه السيد .. أخيرًا.
بالكاد عضلات وجهي تقوى على ابتسامة عين ذابلة .. يسبهم صاحب القدم الحديدية وهو يسحبني من شعري وسط موجة متلاطمة من العويل والنحيب والبكاء .. يبصق فى وجهي ثم يلقيني للجنود  يسحبون الجسد ثم يرفعونه على الصليب ...

الهراوات تضخمت .. سنون المسامير استطالت وصارت أشد حدة وقسوة من مناقير الغربان التي تنقب في رأسي بدأب .. أتلفت حولي .. نظراتهم اليائسة تتمسح بي .. تتوسل إليّ أنا الضعيف المدفوع بحلم العجائز والأرامل واليتامى.
_أم بدافع الخلود ؟؟
_لا لا وقت .. لترهاتك أيها الظل البغيض.
_لقد وعد الله الشيطان بالخلود حيًّا ؟؟ لماذا يجب على البشر أن يموتوا كي ينالوا الخلود ؟؟ قال الظل.
أغمضت عينيّ بقوة كطفلٍ يحاول الفرار من كابوس يطارده.
شيء ما غريب يسري بي دون تلك اللذة التي تدفقت في عروقي وهم يتوسلون إلي .. شيء آخر لم آلفه من قبل فاق كل مخططاتي للمشهد؛ سرب نمل له ملمس المسامير الحاد والبارد.
الهراوة ترتفع فى الهواء .. صوب المسمار المثبت بدقة .. تهوي على عنقه فيغوص فى لحم كفي .. تنفلت مني صرخة حادة ملتاعة .. فيتاجج النحيب والبكاء أكثر ..
(يرتد السر المقدس بداخلي.. يهوي .. دون أن يعلق برموش تقطر دمًا. يرتطم .. يتحطم .. إلا القليل يتناثر عاليًا ..عاليًا في الهواء:
رائحة خبزها الشهية تداعبني وأنا جالس بالزاوية المظلمة .. أرقب عينيها .. كفين دقيقتين بلون البنفسج يدفعان بأسى سحابة رمادية فتهطل منها فجأة موجة ذهبية تغمر الجميع في مزيجٍ ساحر.)

المسمار الثاني يخترق كفي، يتلطخ وجه الجندي بالدماء يصفعني .. يطوّح الهراوة ويهوي بغلٍّ.

(أنفاس البحر الحارة تدفع كفينا بمرح .. أقبل يدها ثم نستلقي سويًّا نرقب ماسأة إغريقية تجسدها الغيوم قبل أن ترتحل مع قافلة المغيب:

أخيرًا يتحطم السر كليًّا .. من بين الحطام يركض شيء بشدة، يطير بسرعة البراق، يخترق غشاء القلب
يحلق.
_أبت لماذا يجب أن نموت؟

يخيم الصمت .. ينفجر الجنود ضاحكين وسط صيحات احتجاج العجائز .. ينهالون علي بالضرب .. أصرخ أكثر .. أنتحب .. فجأة أشعر بيد تتحسس طريقًا لكفي الطليق  تدس شيئًا ما به.
ألتفت إليه .. وجه جاري على الصليب المجاور يبتسم وهو يهمس في حذر:
_ ترمادول أصلي مخلص من الآلام والآثام!

تتقلص عضلات وجهي في عصبية .. ثم تنفرج على .. ضحكة .. متشنجة .. عالية .. تفزع لها الغربان محتجة ..
أصرخ في جنون:
_ترمادول .. وإن صفعوني على خدى الأيسر بعد الأيمن فسأقول: أعطني نصف شريط ترمادول .. فلا أنا نصف إله ولا أنا نصف رسول !!



بالجوار يأتي صوت خجل يسأل باضطراب وكأن شيئًا ما بداخله على حافة الهاوية:

_ هو قال ترمادول ؟؟!

فتأتيه الإجابة صفعة على خده من زميله فيرتد له سلامه العميق

_يا مجسم يا ملعون، النص يؤول!

من الجانب الآخر يقفز صوت:

_ بل الملعون أنت يا معطل يا زنديق!

فقاقيع صابونية تتشابك وتصطدم، من بينها أستنجد وحيدًا
_ أبت .. أبت ..

=======================================
(
_يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ..

ابتلعت ريقي الجاف بصعوبة عبر عنقي الممدود كجذع شجرة يانعة .. إنها المرة الثالثة التي يستل فيها أبي السكين ومع ذلك يفشل .. في كل مرة يفر ظلي ويتركني وحيدًا .. أتمنى أن تكون المرة الأخيرة .. نعم .. دقائق بل لحظات تفصلني عن الجنة .. عن الحور ..
_هذا بالتأكيد أفضل من الانتحار.
قلت مخاطبًا ظلي الذى أومأ بالموافقة وهو يقترب في حذر. بل إنه بر لوالدي .. الجنة .. نظرت بمؤخرة عيني لأعلى .. السكين تلتمع فوق رقبتي في شبق لن يشبعه إلا طعم الدماء الطازج .. خفق قلبي .. أغمضت عينيّ .. تشبثت بالظل واخترت من الألوان آمنهم؛ الأخضر .. ألقيته على ظلمتي .. انفرجت شفتاي لتحررها أخيرًا
_ ستجدني إن شاء الله من الصابرين.

خلف جلد الجفن تيار ثخين يتدفق .. يتكثف .. يتسرب من تحت العين دخان فضت سخونته التصاق الجفنين .. دون أي إطار هندسي .. دون اتجاهات وجدت نفسي وحيدًا: أين الجنة؟ أين الحور؟ أين الوعد؟ .. أصرخ .. أستصرخ دون صدى يؤانس وحدتي .. أسقط على ركبتي مخذولًا، فجأة أشعر بتشقق شيء تحتي كقشرة بيضة .. تتسع الهوة .. أسقط فيها للأسفل .. للأسفل ....

أفتح عينيّ مذعورًا على وجه والدي المتهلل .. يهتف:
قم وكبر؛ لقد فداك الله .. لقد فداك الله.

أحاول استيعاب ما يجري والهوة بداخلي لم تلتئم بعد.
يقع بصري على ملاءة حمراء يتسلل من تحتها مجرى دم .. أسرع  نحوها .. أزيل الملاءة ..
أتصلب كجذع نخلة .. تهب ريح .. رأس الحسين مفصولة عن جسده، تسيل منها الدماء .. الشعر أسود سواد الليل، والشيب تقتلعه الريح من جذوره فينبت مكانه شعر أسود جميل .. العين باسمة تنظر للأعلى وكأنها صدقت ما وعدت به، والفم يفتر عن ابتسامة واثقة وكأنه لتوه فرغ من إلقاء منشور الثورة).
=======================================
ينتفض الفتى فجأة، لم يكن سريعًا لتفادي شعاع النور المقترب خلسة ناحيته, يتحول الأب نحوه ثم يعود لينهي تثبيت آخر مسمار في اللوح الخشبي على النافذة.
_ إنت مش محتاج الدوا اللي في الروشتة .. سورة البقرة تشفينا وتشفيك وتخرج البلاوي السودا اللي في جتتك.
قالها وهو يغلق خلفه باب الحجرة.





اللوحة الثانية


الأجزاء العارية في جسد الجدار تعكس دفء المصباح الكهربي .. يتحسسها بيده .. ذرات الإسمنت بارزة .. صلبة ..

عبر الباب الخشبي نفذ للداخل عنوة صوت شيخ يتلو آيات قرآنية .. ميزها سورة البقرة
"لو أن الباب خرساني لردع الصوت" تمتم محدثًا نفسه.

فرك أصابعه فخلفت ذرات إسمنتية كثيفة وخشنة .. تمنى لو أنها الحقيقة .. أخرج السماعات ودسها في أذنه .. بحث عن وجبته اليومية من الموسيقى .. فكر بأسى أنها لحظات عابرة وستهضم الموسيقى  ثم يخلفها الجسد مع إخراجاته الأخرى.
استسلم للخدر المؤقت وهو يرقب ظله المرتعش.

(الشق يوغل في التمدد كأفعى تبحث عن فريسة .. الكتب العابثة .. المرآة المكسورة تحاشى الفتى الالتقاء بها .. صدفة وردية لمعت ثم تلاشى نورها فجأة .. النافذة الموصدة بصرامة .. ارتد .. انقبض قلبه للخاطر ..
_هل كانت العين ؟ .. لا لم تكن بالتأكيد كيف تصل إلى هنا؟!
_ربما الأب .. ربما أصابته اللعنة هو الآخر؛ لعنة الغريب ذي الألف عين .. تسللت عبره أم تركها عمدًا؟! قال له الظل.

اللعنة تسري فى القرية كالطاعون .. الشيوخ يلوموننا بعد أن أكلوا اللحم وتركوا فضلاتهم نتعثر بها في الطرقات !
يلوموننا نحن! .. نسوا السنين العجاف .. أكلوا الأطفال .. لم تنجُ إلا حفنة تمنت الموت بعد ذلك .. والموت تعفف أن يمر بثوبه المزركش على القرية المظلمة الغارقة في الوحل والغائط .. حتى همس أحدهم ذات ليلة: اقتلوا القمر واسلبوا نوره وكلوه شحمًا ولحمًا، نظروا للسماء، كان القمر البكري يشتعل نورًا وغرورًا كفارس على جواده، تقازموا أمامه: كيف تقدر السحالي الموبوءة على هذا الفارس العتيد؟
إذًا، فلنقتل أباه العجوز الأحدب وعلى كل حال هو لن يخلو من الشحم والنور.
خلف الأربع نخلات العجوزات القائمات على البحيرة العطنة- كالقدر تخفوا منتظرين ساعة هبوطه، اضطربت صورته على صفحة البحيرة، انقضوا عليه، طعنوه في ظهره الأحدب، شربوا دمه وسلبوه كسوة النور ووزعوا لحمه فيما بينهم.
ست ليال مظلمة مرت، لم يتفقده قمر آخر. في الليلة السابعة،  برز البكري قلبه يتأجج بلهيب أسود لا يتحول لونه .. تظاهر أهل القرية بالجهل والبطون تشتعل رهبةً وخوفًا .. ثم ظهر الغريب فجأة.
خطواته تشي بأنه كفيف مر بينهم. الكل وعى للمحظور، بدون خبر مسبق،  في اللحظة التي مر فيها .. أُلقي في روعهم إلقاءً وكأنه قديم قدم الأزل.
الطرف يغض فرضًا، لا أحد يتجرأ على النظر في عينيه .. الجميع بلا استثناء .. يغطي جسده جلبابٌ واسع تحيطه الألف عين المسحورة، تموء كالقطط وتلعق برموشها أطرافه.

في البداية ظهرت الكرامات، علت الزغاريد والطبول والأفراح، وشاع الخبر أنه الخضر أتى برحمة من الله على أهل القرية البائسة،  ولكن بعد أن وزعت الأراضي، وقسمت، وتباينت الكروش من البطون كانت اللعنة. واليقين تكاد تنفطر له صدور الرجال ولا أحد يجرؤ على البوح.

"إنه السامري بالكاد يستر علته وعورته المجذومة تحت جلبابه الواسع" قالت النسوة متشفيات. واللعنة دائمًا على قدر المعرفة والحاجة .. من تصيبه يلزم داره .. ومن يخافها يلزم داره ..  يستحيلون جذوع نخل مبتورة الرؤوس .. أو أى شيء آخر .. لا أحد يعرف يقينًا .. لا أحد يخبر يقينًا.
وبعد الحين يأتيهم الزائر ملثمًا، يحمل أمارة شيخه الغريب، ويعرض الأعضاء المسلوبة عضوًا عضوًا شرط المقايضة، والربح دائمًا في أعضاء الديمومة.)

"اقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم" ظل الشيخ يرددها .. نفذت لأذنه .. "هل هي إشارة ؟؟ بئسًا لك من مضغة. أخلصت عمرك لإشارات عمياء !!" قال الفتى.

اقترب من النافذة بحذر، فتش جيدًا استدار وطائر الريبة لم يفارقه، اصطدم فجأة بصورة الغريب، خصره عار وضامر، مدبوغ بالنقوش، على الهامش بعض التفاصيل العارية الشائهة. الذراعان مرسلان للأعلى كفرعي لبلاب اخترقا الحجب. كادت عيناه تسقطه في المحظور.
اجتذبه صوت إيقاع الساعة (تك .. تاك .. تك .. تاك) .. صوت العظام المهشمة تحت مقصلة العقرب .. نصل العقرب يكاد يقترب منه .. يهوي على رأسه .. يراوغه .. يتفادى الإصبع المصوب نحوه باللعنات .. ويُغمِّي عينيه .. قبل أن ينطبق المشهد تنفلت منه اللعنات .. تدور في أفلاك عشوائية .. تتجمد فجأة فتتجمد اللحظة .. تعود أدراجها دائرةً في فلك هو مركزه .. تدور بسرعةٍ خاطفة .. رويدًا يترجم الحركة رقصًا .. رقصًا وثنيًّا يصاحبه صوت طبول .. تدور .. ترقص .. تتعرى أمامه الطلاسم كلمات .. يعلو صوت الطبول .. تدور .. ترقص .. تتعرى الكلمات حروفًا.
تدوي صرخة ميلاد حتى يكاد أن يكون قاب قوسين أو أدنى من المعنى .. من الأسماء، فتنقض إحداهن عليه لتنفذ عبر إحدى فتحتي خيشومه .. يشعر بها كحشرة لها ملمس رخوي رطب .. ينطلق في إثرها إحدى أصابعه ليلاحقها .. تنزلق منه .. تركض عبر تلافيف المخ مخلفةً صخبًا خَوائيًّا .. يتجاسر الإصبع أكثر.. تنقلب العين اليسرى لداخل المخ .. تدعم الإصبع .. يحاصرونها .. فتباغته أخرى محاولة النفاذ عبر الفتحة الأخرى .. يقطع طريقها .. فتعود متجهةً صوب أذنه .. ولكنه كان أسرع .. تحلق للحظات فيها يتذكر العقل أنه مدين بصرخة .. ولكنها تنبتر .. وهو يراقبها تنقض وتخترق مسام جلده العاري. يسترخي أخيرًا تاركًا جسده يتلقاها كلماتٍ .. ولكن دون الكلمات.











اللوحة الثالثة


أيقظته أنفاس القهوة الدافئة، تلثم خده دون أن يرفع رأسه عن المكتب سأل:
_إنتي جيتي يامَّهْ ؟؟
تناهى إلى سمعه صوت دبيب خافت تبعه صوت مذياع يجول فيه المؤشر حائرًا، أخيرًا يستقر، يتهادى  إلى الغرفة صوت ملائكي:
(واذكر في الكتاب مريم)

(فى كل ليلة يفور التنور .. يلتهم ما بقي وما سيبقى .. إلا البدايات، تظل كهامات الجبال السعيدة .. تبرز أسنانها المصطبغة بالألوان الاصطناعية، وينضح جوفها بالفريون منذرةً بعهدٍ جديد. وحيدًا كنت أنشد:

"في البدء كنت أريد أن أصبح حديقتك
أن يكون لي زراجين عنب وصفوف من الزهر
أن أنشر على جمالك ظلالي
لتعودي إليّ دومًا
مع ابتسامتك المتعبة, ابتسامة أم
لكن في اللحظة التي أتيت فيها ومشيت حدث معك شيء, شيء يدعوني إلى صفوف الزهر الحمراء
عندما تلوحين لي وسط الأغصان "

تراودني فيروز عن روحي فأستعصم .. لا شيء يقاطعني إلا طرقات المطر المستمرة على زجاج النافذة .. تفاقم الأمر .. فى ضيق أفتح النافذة وأصيح:
_ اتفضل يا سيدي، تشرفنا

سرت بجسدي قشعريرة، تضاءلت أمام جلال المشهد: السماء تنثر بذور الخلق الأولى .. استسلمتُ .. تركتها  تمر عبري، عدت  للمكتب ومسحت قطرات المطر عن صفحات القصيدة.

عبر سكنات الفراغ تغلغلت رائحة غريبة عني، داعبت حواسي الخمسة والخيال:
"العشب بعد المطر .. الفانيليا .. وتبغ الغجر" قلت مسحورًا.

تتبعت أثرها .. فجأة تصنمت خلف الظلمة، برقت وجنتان كسطح لؤلؤة ملساء معروقة بالندى، سبقتني يداي .. حاولت الاقتراب منها، كلما اقتربتُ ابتعدتُ، بعد مئات المحاولات وقفت على حضورها القمرى.)

_ إيه تذاكر الترام دي كلها؟ عايزها؟
_ ارميها، احرقيها
_ مكتوب على واحدة فيهم مريم وتاريخ !! اتنين، تلاتة، كلهم .. و .. سماري؟
_ السامري.
_ مين دول؟ قالت الأم وهي تغمز بعينها.
_ إشارات. قال هازئًا.
_ طيب خلاص متتحمقش كده.. أسيبها؟ هسيبها.

(... الثوب منحسر عن قدمين متعانقتين مشدودتين كأنهما على صراط من خيط عنكبوت على الحد الفاصل بين كونين. أكانت تنظر نحوي أو من خلالي أو إنها كفيفة؟ لا أعرف بالتأكيد. لا تحدثني ولا يظهر عليها أنها تسمع حديثي ..
تظل شاخصة النظر ثم تنتصب فجأة، تتحسس الخطى ثم تطلق العنان لساقيها؛ لترقص رقصاتها المرحة دون أن تغادر الصراط،  تقفز لأعلى وتختفي.).

_ فيه ريحة وحشة في الأوضة.
_ مش شامم حاجة.
_ محدش بيشم ريحته.
_ محدش .. محدش فلقتونا بسي محدش رضي الله عنه .. محدش بينام من غير عشا، محدش بيموت م الجوع .. محدش ده كان محشش وعريان الطيز.

(... يتوالى الظهور حينًا وينقطع حينًا وبينهما كنت معلقًا.
ذات ليلة جلست قبيل النافذة الموصدة فحالت هي بيننا. من الأسفل نظرت خلف ستار النور المسدل، هب نسيم، اختلجتْ على إثره ثمرتا برتقال متفتقتان سأمتا الانتظار وتتوقان إلى الفرار. نفثت دخان لفافتي الكثيف وحاولت استجماع حروفي المبعثرة دون أن أعبأ بحدود اللاممكن الذي أعرفه. نطقت، قلت إني أعلم أنكِ في كل مرة تسلبينني شيئًا وإنني لا أعترض. إنني أهيم بكِ وسأعطيكِ الذهب. دون أن تغادرها نظراتها المبهمة، اقتربت هى لأول مرة.).

_رجّعوا الدهب
_أها
_بعتيه؟
لوت بوزها فى اشمئناط وقالت:
_دبلة ومحبس!

(... دنت أكثر، قالت وهي تنظر من خلالي: وماذا عنها؟،أجبت بلهفة وكأن السؤال موجه إلي:
أبلة فضيلة؟ احترقت كما احترقت أثمال إبراهيم البالية في نيران التجربة، وبقيتِ أنتِ يا غجريتي .. كرامتي الأبدية .. ولعنتي الأبدية.
لوهلة تلذذت بصوت اشتعال التبغ واشتعال وجنتيها. انفصلت عني، ثم اختفت.).









اللوحة الرابعة


المصباح تتفجر منه أشعة الضوء، تحتل ذراته الصدأة الفراغ، يتحاشاها الفتى, ينفضها عنه، يحك جلده حتى يسيل دمًا. النحيب من حوله لا يهدأ، كلما لمس شيئًا يتحول لمأساة. إذا أمسك القلم سمع صوت أناته وأنات الورق من تحته .. عديد فتات الكوب الزجاجي المهشم، ليست له خاتمة.
يفر مذعورًا ..إلى أقصى زاوية بالغرفة .. يلملم أطراف الظل ويتدثر به .. تجحظ عيناه ناظرة صوب النافذة الموصدة.
_أتتوق للنور أم هي شهوة الفرار؟ قال الظل.
يريح مؤخرة رأسه المرهق على الحائط الإسمنتي. ويعتصر عينيه من آخر قطرات الضوء بها.

(الأذن تعرج إلى السماء فتصير نصف قمر عاريًا يكسوه ضوء كذب فبهت. تصيخ الأذن السمع، تتلقف الصوت القادم عبر الأثير.

من بعيد تسبح صلاوات غربان بقلبها يعزف ناي منفردًا .. يخبر أن نديمه هو قابيل وينشد:
"على صدر زنبقة سوداء جرحٌ أبيضُ لا يندمل
حين يدلف المساء يهدأ وفي الصباح يتقد
يسيل منه النور كاللعاب .. كالزبد
وسفينة صاريها صليب من ذهب وشراعها جناح غراب يحمل وزر خطيئته للأبد"
ينقطع الصوت إثر شهاب ينطلق صوب الأذن .. يمسها .. تحترق .. تتبدد في الفضاء.