الأحد، 8 نوفمبر 2015

كيف تخنق الرأسمالية العلم .


كتب توبي دايت, الحزب الاشتراكي, أستراليا
منشور علي موقع البديل الاشتراكي
ترجمه/ معمر نصار
 
لطالما علمونا أن الرأسمالية تدفع الابتكار والتقدم بينا الحقيقة هي أن الإنتاج من أجل الربح يعوق في الأغلب قدرة العلم والتقنية علي التقدم.
فحول العالم الناس يحتاجون إلي الرعاية الطبية بسبب الأمراض, وسواء كانت قابلة للشفاء أم لا فإن أمراضهم تهمل علي قاعدة أن بحث علاجها غير مجد اقتصاديا. بينما يتربع علي قمة الامراض في العالم كوارث سببتها أو عظمتها الرأسمالية نفسها. فإذا تقفينا أثر التدمير الذي تحدثه الإمبريالية والعنف المصاحب لها سنجده بالأساس طبيا وكمثل فإن الحرب في سوريا دمرت أكثر من نصف المستشفيات ما أعاد مرضا كشلل الأطفال إلي سطح الحياة مرة أخري. ففي حين أعلنت سوريا خالية من الفيروس المسبب للمرض عام 1999 فإن مئات الحالات أصيبت بالفيروس في الوقت الحاضر. والفيروس إنما ينتشر عبر الطعام الملوث ومياه المجاري مسببا الشلل, وليس عصيا أن نري كيف تدمرت البنية التحتية للكهرباء ومن ثم لمؤسسات تنقية المياه.
بقاع كثيرة تضم لاجئين ساقتهم حروب صناعة الفائدة إلي مخيمات مزدحمة حيث تنتشر الأمراض نتيجة فقر وسائل الصحة العامة. فليس من النادر أن تنبجس الكوليرا لتزحف عبر مخيمات اللاجئين لتقتل عشرات الألوف. في الشهر الماضي قضي شاب إيراني لاجيء نتيجة تسمم دموي نشب عن تلوث جرح قطعي صغير في قدمه أثناء إقامته في مركز اعتقال رهيب في جزيرة مانوس. التقشف الوحشي في اليونان دفع الناس إلي حافة الجوع ومن ثم إلي الطلب علي الرعاية الصحية المجانية والتي تعاني التدهور بدورها. فسياسة التسريح واسعة المدي أدت إلي تزايد الاعتماد علي الرعاية الصحية المجانية والتي تم قطع تمويلها أيضا. التدهور في مستويات المعيشة والقدرة علي الوصول إلي العلاج سببت ارتفاعا حادا في الامراض المعدية مثل السل, حمي النيل والملاريا. 
عطفا علي هذا فإن إلغاء برنامج الحقنة المجانية أدي إلي زيادة في الإصابة بفيروس عوز المناعة البشري HIV بنسبة 1.25% لدي المرضي اللذين يحقنون وريديا. إن الأمراض التي ولدت في هذا المناخ الجحيمي المخلق بواسطة الرأسمالية تنقسم إلي قسمين قسم مربح يمكن علاجه من ثم وقسم لا يمكن علاجه لأنه ليس كذلك. 
يقدر النمو في أدوية علاج السمنة المفرطة من حوالي 300 مليون إلي 380 مليار دولار بحلول 2018, بينما سوق مرض السكر والمقدر حجمه ب 37 مليار دولار سيبلغ في نفس العام 57 مليار دولار طبقا لطومسون رويترز للأدوية. في نفس الوقت كان لدينا عام 2012, 207 مليون حالة ملاريا تقتل حوالي 527 ألف إنسان الغالبية الطاغية منهم أفارقة يبلغون من العمر دون الخمس سنوات. ومع هذا فإن أربع أضعاف التمويل المقدم لعلاج الملاريا قد أنفق علي إجراءات جراحية لعلاج تساقط الشعر سنويا. وحتي عندما نجد العلاج, فإن دافع الربح يمنع وصولها إلي من يحتاجونها. السل, والذي يعد من الأمراض التي عولجت مبكرا نسبيا, فإنه ينتشر بمعدل يزيد 100 مرة في المناطق التي ترتفع فيها تكلفة حماية الملكية الفكرية مما يجعل الوصول إليها مستحيلا. لكن حافز الربح العالي ليس بكاف حتي لضمان جودة الدواء, حتي لأولئك اللذين يمكنهم دفع ثمنه. ففي ناظري البزنس مزيد من الربح أفضل دوما. في مثال حديث جدا, قامت عملاق الدواء جلاكسو سميث كلاين برشوة الأطباء حتي يصفو لمرضاهم عقارها "باكسل" المضاد للاكتئاب والذي يزيد من خطر الانتحار وقد تم حظر العقار في دول عديدة بعد هذا الحادث. الأطباء اللذين يصفون أدوية كثيرة للأطفال يتم مكافأتهم بإجازات في برمودا, جامايكا وكاليفورنيا. غرمت GSK لاحقا ب3 مليارات بتهمة اعوجاج السلوك الإداري للشركة, ولكن طبقا لمركز IMSالصحي, فقد جنت الشركة بالفعل 11,6 مليار دولار من العقار. ليس كل العلماء يعملون لدي الشركات حيث الهدف الوحيد هو الربح فهناك أعداد كبيرة منهم تعمل في معاهد بحثية تمولها الحكومات وهي تعمل لأجل تطوير أدوية وعلاجات قد تساعد في شفاء المجتمعات من أمراض مميتة’ لكن في نفس الوقت تحد الحكومات عبر العالم من نفقات الرعاية الصحية مترافقا مع مجتمع علمي مشحون بمشاكل تخلقت عبر الألية التنافسية لاستحقاق التمويل, هؤلاء عاجزون عن ترجمة العلم حقا إلي أي شيء ملموس. في دراسة حديثة للمجلس الاسترالي للأنشطة المستفادة, فقد وجد أن العلماء يحبون عملهم ولكنهم لا يحبون النظام اللذي يعملون فيه. افتقاد فرص التوظف الثابتة, الصراع علي المنح التمويلية, الزمالات وطلبات التوظيف, أيضا افتقاد لدعم اللذي يساعدهم علي تحمل المناخ الضاغط وقليل الإنتاجية اللذي يعملون فيه. حاليا يأتي تمويل الحكومات للعلم في الأغلب من المجلس الوطني للصحة و البحوث الطبية (NHMRC) والمجلس الاسترالي للبحوث(ARC). فقط واحد من ثمانية طلبات تقدم إلي NHMR, وواحد من خمسة طلبات تقدم إلي ARC يتم قبولها بسبب افتقاد التمويل اللازم والعدد الاكبر للعلماء الماهرين اللذين يتقدمون للحصول علي تمويل لبحوثهم. وتستهلك عملية تقديم الطلب أسابيع مما يقلل الوقت المنفق علي البحث نفسه. وفي دراسة من جامعة كوينسلاند للتكنولوجيا نشرت في مايو من العام الماضي وجد أن العلماء أنفقوا ما يعادل 500 سنة عمل فقط أثناء عمليات التقدم إلي الNHMRV للحصول علي تمويل عام 2012. هذه الكيانات الممولة تختار مشاريع البحث تأسيسا علي معايير متعددة, تشمل درجة حسن صياغة الطلب, و عظم الفائدة التي سيقدمها البحث في معالجة المرض. لكن نجاح الطلبات يعتمد لحد بعيد علي تاريخ النشر العلمي للعالم المتقدم بالطلب ونجاحاته السابقة. وهذا المعيار التنافسي, مترافقا مع تضعضع الأمان الوظيفي, أجج مشكلة الخداع والفساد الموثقة علي نطاق واسع في المجتمع العلمي.
في عدد مجل نيتشر عام 2012, نشر تقرير أنه من بين 53 اكتشاف علمي شهير, لم يكن 90% منها ليمكن إعادة إجراؤه حتي بمساعدة الباحثين المكتشفين أنفسهم. وهذه النسبة العالية المحبطة من عدم الاتساق في التجارب لم تكن راجعة لفشل مجرييها من الباحثين بل رجح التقرير أنه يعود لتلفيق واسع الانتشار للبيانات فالعلماء يصطنعون نتائج بحوثهم من أجل الحفاظ علي وظائفهم. لكن هل يمكن لوم العلماء علي اختيارهم اهمال ثوابت المنهج العلمي لأجل تجنب مصير البطالة؟ دعك من تحري الرفاهية, حيث تداعيات فقدانك وظيفتك تصبح أكثر فأكثرقسوة. وبينما يجب اعتبارالخداع (النصب) في العلم مسألة مشينة فإنها تسهم في تفاقم إخفاقات العلم تحت الرأسمالية. إنه من الواضح أن شركات الدواء والتي تعمل علي اساس الربح غير قادرة علي تقديم علاجات عالية الجودة أو مفيدة اجتماعيا حتي للقادرين علي دفع ثمنها. وعلي كل فإن الافتقاد إلي وظائف متاحة أو أمنة, وافتقاد التمويل لإجراء البحوث قد جعل القطاع العام غير كاف وغير فعال في تقديم الحلول لوطأة الأمراض. إن هناك هناك ثروة في المجتمع تكفي لتمويل بحوث أكثر بكثير, إلا إنه تحت الرأسمالية فإنها عوضا تنسرب إلي جيوب قلة ثرية. فقط عندما تستبدل الاشتراكية الديمقراطية بالرأسمالية سوف نري ازدهارا للعلم . فإذا ما نقلت الشركات الكبيرة العاملة في بحوث الدواء إلي الملكية العامة, سوف يمكن تخطيط التعاون بين الجامعات العامة ديمقراطيا, وبهذه الطريقة يمكن أن تدار بمنطق فائدة المجتمع عوضا عن فائدة مالك فرد. وسوف يستأصل هذا عملية تكرار أو استنساخ البحوث وتشارك البحوث سيعني تقدما أكثر يتم إنجازه. وبدلا من أولوية العمل في المجالات المربحة ستصبح الأولوية هي التركيز علي استئصال المرض. وفي الوقت عينه فإن المجتمع الاشتراكي سيكون قادرا علي تحرير كميات كبيرة من الثروة الممكن استعمالها في استئصال الفقر وحل الكثير من المشكلات التي تسببها الرأسمالية. وعلي أساس الإنتاج والتنظيم الاشتراكي سوف يبدأ الإبداع الحقيقي والتقدم العلمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.