السبت، 14 نوفمبر 2015

تأملات في واقع البحث العلمي بين مصر وايران .


كتب د / معمر نصار


واقع البحث العلمي طبقا لأرقام الهيئة الدولية لحماية الملكية الفكرية المأخوذة علي موقع الأمم المتحدة من أرقام وزارات البحث العلمي في عدة دول عام 2010 تقول إنه لكل مليون من عدد السكان تنتج مصر 102ورقة بحث منشورة في حين تنتج إيران 377 ورقة بحث بما يقترب أن يكون أربع أضعاف و قد تكلمت في المسألة سابقا, دول الخليج النسب فيها أعلي من مصر وايران بسبب العلماء المجلوبين باجور عالية من الخارج لكن الدلالة الواضحة في ايران ومصر تعكس وضع الدولة في البلدين ففي مصر تنسحب الدولة من مجالات الانتاج وهو صنو البحث العلمي ومحركه الأساس في حال غياب الوفرة النقدية الريعية التي لدي دول الخليج, وتعكس وضعية البحث المتدنية في مصر أيضا وهو مالم تتضمنه التقارير ارتفاع كلفة البحث العلمي في مصر عنه في إيران بشدة بسبب الاعتماد علي سياسة الوكيل المحلي وهو انعكاس للطابع الكمبرادوري الوساطي للاقتصاد وهو وضع بديل عن الاقتصاد الانتاجي المستقل الموجود لدي إيران والذي كان موجودا لدي مصر قبل عام 1983 وهو العام الذي تقرر فيه الغاء نظام المشتريات الاكاديمية واستبداله بنظام الوكيل المحلي اللذي رفع كلفة مدخلات البحث إلي أضعاف لا تقل عن ستة أو سبعة في أبسط الأحوال.
كما يعكس أيضا الوضع التبعي للبحث العلمي لاحقا بقطار التبعية الاقتصادية الشبه كاملة فمجالات البحوث في مجالات البيولوجيا والزراعة وعلم الحشرات والعلوم الحيوية عموما والكيمياء الحيوية تكتسحها بحوث البيولوجيا الجزيئية علي حساب بحوث الاستقلاب ودراسات الكينتيكا والديناميكا الحيوية ودراسات التركيب الثلاثي الأبعاد للجزيئات الحيوية العملاقة ودراسات سلوك الحيوان وعلوم البيئة بشكل عام فهي تجنح الي التخديم علي مجالات العلوم التي تغلب علي العائدين من المنح الاوروبية أو المشروعات البحثية المعروضة للتمويل من قبل الهيئات الاوروبية أو الخليجية (المقلدة بدورها بسبب طوفان المتعاقدين من علماء الغرب في جامعات الخليج) حيث تنهمك المراكز والجامعات هناك في سباقات محمومة لتسجيل اكبر قدر من البياتات وتسجيل براءات الاختراع اللتي تتحول هناك الي تطبيقات تعني ملايين وربما مليارات الدولارات في حين تهمل قضايا كبري كبحوث الامراض المزمنة ودراسة البروتينات المعقدات المعدنية البروتينية لامراض الشيخوخة أو التصلب النسيجي و غيرها (هذا المجال انتاج مصر فيه من البحوث يقارب الصفر في مقابل حوالي 1000 بحث منشور من إيران في ذات العام 2010) ويجدر أن أدعي أني كنت ربما أول من حاول العمل علي التركيب ثلاثي الابعاد للجزيئات العملاقة ولم أجد استجابة من أي مكان ولا حتي من اللجنة القومية للبلورات اللتي كانت تجهل الموضوع جهلا تاما وقتها ثم انتهي الامر في السنوات الاخيرة الي افتتاح خجول لهذا المجال لطلاب كليات الهندسة واللذين يلاقون صعوبات رهيبة بسبب ضعف أدواتهم الرياضية بسبب تأثير التبعية علي تركيب مقررات الرياضيات في المرحلة قبل الجامعية والجامعية أيضا فضلا عن قصور أدواتهم في مجال البيولوجيا حيث لا يزيد عملهم علي تقليد نمذجة لا يدرون الهدف منه أو الثمر المتوقع من إجراء الدراسات فضلا عن غياب شامل لاي تجهيزات علمية مادية في البلاد لهذا النوع من الدراسات ولا يغيب عنا هنا تأثير هشاشة النموذج التنموي والضعف العام للدولة بتراجعها عن مجالات الإنتاج وتركها للقطاع الخاص اللذي أعاد توجيهها بحيث عاود نشاطه الكمبراوري التبعي اللذي امتهنه قبل 90 عام مضت مع قوانين نقل صناعات الاستهلاك من دول الاستعمار إلي المستعمرات مع نهاية الحرب العالمية الثانية. ما يحزن ليس هو الوضع النسبي الأفضل لأيران فهي دولة تستحق الاحترام من حيث اصرارها علي التواجد ورفضها دخول ثلاجة الموتي بإرادتها ومقاومتها للضغوط في هذا الاتجاه المحزن حقا هو الوضع في مصر وما حرك شجون الواحد هو الاخبار عما جري لمعتصمين من حملة الدراسات العليا من اعتقال واهانة فقط لأنهم يطالبون بالعمل بمؤهلاتهم في بلد يفتقر للبحوث وللباحثين وحسب تقدير شخصي غير مؤكد فإن قرابة تسعة اعشار انتاج مصر من البحوث يتم علي حساب طلاب الدراسات العليا المسجلين علي نفقتهم الخاصة من داخل وخارج مصر (الوافدين من السودان واليمن وليبيا بالتحديد) وبجهودهم المباشرة حيث يمكن لمن يريد أن يتثبت من هذا التقدير أن يستطلع عدد دارسي الماجستير والدكتوراه في أي مؤسسة في مصر ويستقضي نسبة المعينين منهم في درجات وظيفية بحثية ونسبة من يقومون بالدراسات علي حسابهم, أي إن هنك طاقة ترفض الموت في مصر أيضا لكنها طاقة أفراد أحاد من الشباب يتمسكون بالامل ويدفعهم حبهم للبحث علي مزاولته دون أجر بل يدفعون من مدخراتهم ومن رواتبهم في أعمال أخري أو حتي علي حساب ذويهم. ويبدو حتي الأن أن كل هذا التدهور (نص كلمة التقرير الوارد من وزارة البحث العلمي المصرية ) لا يلفت صانع القرار السياسي اللذي يسارع في استكمال مشوار الاستهلاك العارم الذي أدمنته الطبقة الرأسمالية المصرية فتلحق المؤسسة العسكرية بسباق المشتروات من الجاه من الأسلحة دون أدني محاولة لتقليد دولة إيران التي استطاعت أن تخلق بمشروعها للصواريخ والطاقة النووية جيث تمكنت بالتحدي من سد ثغرات هندسية كبيرة جدا بتصميم وتصنيع اجهزة الطرد المركزي الفائق السرعة باعداد مهولة بلغت حاليا قرابة عشرين ألف جهاز وغيرها من المشاريع الهندسية أن تستوعب طاقة العمل كاملة من خريجي الجامعات بل وجعلت دراسة الهندسة بصعوباتها مجالا متقدما علي قائمة اختيارات الطلاب للدراسة بعد كل من الولايات المتحدة وروسيا علي مستوي العالم, ولا أدري هل كان من الممكن بدلا من استهلاك مدخرات الطبقة الوسطي في مشروع توسيع أو تفريع قناة السويس بجني مكاسب نقدية محتملة في مستقبل متوسط هل كان ممكنا استعمالها في مشروع قومي للصواريخ أو إعادة تشغيل شركات القطاع العام الهندسية الموقوفة بقرار كمبرادوري إمبريالي منذ التسعينيات وتحريك الوضع المتردي للعلم والعلماء والمتعلمين بشكل عام في مصر هل كان ممكنا إصلاح وتطوير المراجل البخارية والغزل والنسيج وإحياء مزارع الدولة اللتي لطالما شغلت وشجعت البحوث في كليات الزراعة والبيطرة بالاضافة لدورها في الحفاظ علي اسعار الالبان والمنتجات الحيوانية من الصعود الجنوني اشباعا لشهوات الثراء وتكديس الثروات لدي بعض المحتكرين الان ألم يكن ممكنا إصلاح صناعة الزيوت من جديد واعادة الاعتبار من ثم لمهنة المهندس والكيماوي والفني يا من صدعتمونا بالحديث عن التعليم الفني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.