الاثنين، 20 يونيو 2011

أمبراطورية ... ولكن !!!

"إذا لم تكن تعرف إلى أين تتجه ، فإن كل الطرق تؤدي بك إلى هناك"

فى ملحمة الحرافيش يتتابع كفاح الاجيال من أجل الحرية والعدالة والحق ؛ ليصل بنا الكاتب الى المشهد الاخير الذى يجسد بعبقرية تبدو وكأنها تبنؤ لمراحل تطور حياة شعب .
 فى المشهد الاخير نجد عاشور الناجى "الحفيد" يوجه سؤالا مصيريا فى دقته للحرافيش ؛ ماذا بعد ؟ نعم ماذا بعد أن اساعدكم وأكون "فتوة" الحارة وأصون الحق ثم أموت .. فكيف يكون حالكم بعدى ؟
هذا هو السؤال الذى لابد ان توجهه الثورة الوليدة لنفسها أولا ؛ لقد كافح الشعب المصرى دائما من أجل أمته ومن أجل استقلاله وحرية اراضيه ؛ ثم وجد العالم من حوله يتقدم ويتغير بسرعة مذهلة فأبى ان يكون فى مصاف المتأخرين وانتفض ليزيل غبار الرجعية والانهزامية ؛ فكانت ثورتة الشاملة التى جمعت كل أطياف الشعب وفئاته من أجل هدف واحد الا وهو تقدم مصر ورفعتها
وانطلاقا من طبيعة هذة الثورة علينا ان نجيب على السؤال أولا ..ماذا بعد ؟ ؛ وكيف نحقق انطلاقه عصرية لمصر دون أن تخضعنا صراعات الموضع والموقع - التى تميز الشخصية المصرية - الى قوانينها فتنتهى بنا الى شمولية جديدة والى استبداد لا نهاية له .

لقد قيل كثيرا أن الشعب المصرى تواقا الى حياة الذل والاستبداد ؛ وانه لا يقبل الا ان يحكمه "فرعون" ؛ وقد يكون فى هذا الرأى شيئا من الصحة تدعمه أحداث التاريخ الذى يبدو تاريخا استبداديا بجداره ؛ الا ان واقع الامر وبتمعن قليل فى تفاصيل شخصية مصر يفتح الافاق امام الرؤية الكاملة التى كونت بالفعل الشخصية المصرية ؛ فهناك سمات عده تميزت بها مصر عن بقية دول العالم مما اعطى لها شخصية فريدة ومتميزة .

والباحث فى شخصية مصر لابد ان يتوقف كثيرا عند احدى اهم السمات وضوحا الا وهى المركزية الطاغية التى تميزت بها البلاد
فنحن أولا ازاء مركزية جغرافية تميز بها شكل اللاندسكيب المصرى ؛ فالجسد المصرى بأكمله يمتد طولا من الجنوب الى الشمال داخل شرنقه الصحراء الواسعة ؛ وهو ما يعبر عنه جمال حمدان ببراعه حيث يقول أن مصر مسافه لا مساحة ؛ فلدينا الصعيد الذى يترامى بتعرجاته نحو 1000 كم ؛ أما الدلتا فبرغم اتساعها النسبى فهى تعدم أى محاور عرضيه بين الشرق والغرب ولهذا نجد صعوبة فى المواصلات عبر الدلتا بالعرض وكثيرا ما تدور الطرق حولها بعيدا عن قلبها اما نحو الساحل شمالا او الى رأسها فى القاهرة جنوبا ؛ وهنا تظهر القاهرة كقلب للجسد المصرى حتى يمكننا أن نقول ان كل الطرق تؤدى الى القاهرة .

ثانيا ونتيجة لتلك المركزية الجغرافية تأتى المركزية الوظيفية ؛ فنحن ازاء بيئة فيضية  ولمواجهة مشكلات الرى احتاجت تلك البيئة للتنظيم الذى كان لابد أن يكون مركزيا ؛ وبالتالى يتبع سلطة مركزية واحدة
صحيح ان هذة المركزية كانت سببا فى وحدة مصر السياسية لكنها انتجت معها جيشا من الموظفين وأصبحت البيروقراطية أحد مركبات الحضارة المصرية ؛ والدليل على ذلك الاهمية الكبرى التى كان عليها الموظفين فى مصر القديمة مثلا ؛ حتى ليمكننا أن نقول ان البرجوازية التى مثلتها طبقة التجار فى أوربا ؛ كانت تمثلها طبقة الموظفين فى مصر ؛ وكان الانتقال من رى الحياض الى الرى الدائم خطوة أساسية لتأكيد هذا النمط المركزى البيروقراطى ؛ والذى يزيد من أزمته تحديدا هو عدم التوازن بين حجمه ووظيفته والذى يظهر دائما فى ظل النظام الرأسمالى والاقطاعى .

من هذة المركزية الجغرافية والوظيفية ظهرت المركزية الحضارية التى تميزت بها العاصمة فى مصر عموما ؛ فنحن أمام حاله متكررة فى التاريخ المصرى كانت فيه العاصمة تمثل طغيانا لمظاهرة الحياة فى القطر بأكلمه ؛ واذا أخذنا القاهرة كعاصمة تاريخية ألفيه نجد ان المركزية الصارخة واضحه للغاية فنحن ازاء كثافة سكانية تصل الى أكثر من 20 مليون نسمة وهو ما يماثل ربع سكان الدولة بأكلمها ؛ فى حين ان مدينة كالاسكندرية وبافتراض انها العاصمة الثانية لا يزيد سكانها عن الاربعة ملايين ؛ بالاضافة لتركز رأس المال والخدمات والمصالح الحكومية فى القاهرة ؛ حتى ليمكننا أن نقول ان تاريخ مصر يكاد يكون هو تاريخ القاهرة ؛ ومن الظواهر النادرة ان يقترن اسم الدولة باسم العاصمة ؛ وهو ما نجده فى حاله القاهرة والتى تشتهر فى الاوساط الشعبية "بمصر" ....

من هنا يتضح لنا أن المركزية أثرت فعليا فى تشكيل الشخصية المصرية ؛ بل وأعطت مبررا بشكل أو بأخر للاستبداد السياسى ؛ فما علاقة كل هذا بالثورة واجابة السؤال المطروح ؟....

فالنتابع ... لقد قامت الثورة كتتويج لكفاح الشعب وباعتبارها طورا متقدما يعبر به الشعب المصرى لمصاف الشعوب الحرة فى العالم ؛ ورفعت الثورة شعارات العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية  ؛ ولتحقيق ذلك فعليا وللمحافظة على التعددية التى تميزت بها الثورة ؛ بل نقول من أجل المحافظة على الوحدة الوطنية ضد الافكار الشمولية التى من الطبيعى ان ينتجها مجتمعا بهذا التاريخ العريق من المركزية التى وفرت مناخا للاستبداد ؛ بل ويزيد ان المجتمع المصرى الذى يعانى من أزمه حضاريه يعانى أيضا من حاله تبعيه وتخلف وكل هذا مبرر للشمولية ورفض الاخر فى ظل تباين واضح بين الافكار مما يعود بنا الى الوراء مرة أخرى .

 فما العمل ؟.... الحقيقة ان العدالة التى نطالب بها فى توزيع الثروة لابد ان يلازمها عدالة فى توزيع الادوار أيضا بين الاقاليم المصرية  بالتزامن مع مشروع تنموى يفتح افاق جديدة ويغير من شكل اللاندسكيب المصرى تماما ؛ فنحن بصدد ضرورة تبنى عدد من المشروعات التنموية المطروحه مثل مشروع ممر التعمير فى الصحراء الغربية ويفتح هذا المشروع افاقا جديدة للامتداد العمرانى والزراعى والصناعى والتجارى حول مسافة تصل الى 2000 كم ؛ بالاضافة للمشاريع الخاصة بتنمية سيناء والتى تهدف الى توطين 3 مليون مصرى بها بحلول عام 2017 .

ان العمل أولا من أجل تنفيذ هذة المشاريع وتحويلها الى أمر واقع سيكون الدفعة الاولى فى سبيل توسيع أفاق الشخصية المصرية ويؤكد تعددية ثورتها ؛ حيث سيكون خطوة أولى فى سبيل التخلص من المركزية الجغرافية والوظيفية والتى قد تكون مبررا للاستبداد السياسى وسيقضى ذلك تماما على صورة الحاكم التقليدية كضابط للعلاقة بين النهر والمصريين؛ ثم انها ستوفر امكانات عديدة تمكن مصر من القيام بنهضة فى كافة المجالات ؛ مما يرفع من امكانات الموضع والبيئة الطبيعية ليتوافق مع ما يفرضه الموقع من التزامات وما يعطيه من مميزات .
فدائما كانت مصر ضحية للعلاقة التاريخية بين الموضع حيث الموارد الطبيعة ومدى توافقها مع موقع مصر الاستراتيجى فى العالم ؛ ولطالما كانت المعادلة بينهما هى التى تحدد مصير مصر ؛ فاذا توافقت امكانات الموضع مع متطلبات الموقع المتوسط قامت مصر أمبراطورية عظيمة ؛ اما اذا لم تتوافق تراجعت مصر وأصبحت تابعا للقوى العالمية المسيطرة .

ومن هنا فمع العمل من أجل تغيير شكل اللاندسكيب المصرى ستفقد القاهرة جزء من أسباب عوامل هيمنتها ألا وهى الموقع المتوسط وذلك بشكل نسبى ؛ لكن اذا كنا بصدد الحديث عن امبراطورية بحق فان دوائر عمل السياسة المصرية تفتح لنا افاقا ثلاثة أولها الدائرة العربية والاسلامية وتستطيع القاهرة بجدارة باعتبارها عاصمة تاريخية أن تقوم تكمل دورها العربى والاسلامى حتى بعد انهيار الكيان الصهيونى ؛ ثم الدائرة الافريقية والتى تحتاج لانشاء عاصمة جديدة  تكون اقرب الى الجنوب الغربى حيث تشرف على مشاريع التنمية فى الصحراء الغربية وتكون منطلق للتوجه المصرى لافريقيا باعتبارها دائرة امن قومى من ناحية ؛ وسوقا لاستيراد المواد الخام وتصدير المنتجات المصرية من ناحية أخرى ؛ ثم تأتى الاسكندرية لتلعب دورها فى الدائرة الثالثة حيث الاتصال بأوربا فى ظل علاقات التبادل التجارى والتكنولوجى ؛ ومن هنا فنحن ندعوا لثلاث عواصم لمصر العظمى وهو أمر مقبول اذا كنا نتحدث عن امبراطورية ؛ واعتمادنا هنا سيكون على مبدأ العاصمه الموجهه الذى اعده وقدمه لآول مره "فوجان كورنيش" فى كتابه العواصم العظيمة فى اطار الدوائر الثلاثة التى يجب ان تحكم السياسة الخارجية لمصر بشكل عام .

من كل ما سبق نقول اننا نحاول أن نرسم طريقا يكمل مسار الثورة منطلقا من أهدافها ؛ من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على التعددية الرائعة التى تميزت بها الثورة وللقضاء على أى ذريعة قد تفضى بنا الى نظام شمولى جديد أى كانت مبرراته ؛ كل هذا سعيا لبناء الامبراطورية المصرية ؛ ولا نقول دولة امبريالية بل نقول دولة عظمى لها مكانتها الدولية تحمل رسالة السلام والخير للبشرية .

فى الحقيقة ان الذى يمعن النظر فى شخصية مصر جغرافيا وتاريخيا يدرك انها حقا أمبراطورية .... ولـكـن

وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

والله الموفق

بقلم وليد سامى واصل

كــلام أشتراكـى

 بدأت الافكارالاشتراكية منذ عهد أفلاطون كحلم بتكوين مجتمع مثالى خالى من مظاهر الظلم الاقتصادى والسياسى والاجتماعى وقد أكتسبت أهمية كبيرة فى القرن الثامن عشر والتاسع عشر كرد فعل لمظاهرالاستغلال التى ظهرت فى النظام الرأسمالى ولكنها ظلت أشتراكيات مثالية فى أغلبها كأفكار الانجليزى روبرت أوين والفرنسى سان سيمون ؛ وباالتالى لم تأخذ صفة العلمية الا بعد أطروحات كارل ماركس الذى اعتمد منهجا علميا فى نقد النظام الرأسمالى ومعرفه عيوبه  ثم طرح الاشتراكية حلا لمشكلات المجتمع فى ظل القوانين التلقائية التى تحكم حركة الاقتصاد
ولهذا سميت بالاشتراكية العلمية وليس معنى ذلك انها الاشتراكية الوحيدة التى تمتلك الحق المطلق فى ان توصف بالعلمية ؛ فهى علمية لانها كانت أول محاولة أستخدمت المنهج العلمى للوصول لحلول تعالج مشاكل المجتمع وبالتالى أختلفت عن كل ما سبقها من اشتراكيات مثالية ؛ فهل يعطينا هذا الامر الحق فى الحديث عن الاشتراكية العربية ؟ لنرى .......

فى البداية فأن ايماننا بالاشتراكية ليس عيبا وليس مجرد عملية نقل صماء لأدبيات ومناهج غربية ؛ فالمناهج لا تتميز قوميا فيقال انها عربية او غير 
عربية ؛ قد تنسب لمن قالها فيقال ماركسية او لقواعدها فيقال مادية جدلية ولكن كلها مناهج انسانية يستخدمها الانسان لمعرفه ما يريد ؛ واذا نحن بصدد الحديث عن الاشتراكية لابد لنا أن نتحدث عن مشاكل النظم الرأسمالية أولا
فالنظام الرأسمالى هو بكل تأكيد تطورودفعه قامت بها الانسانية فى مواجهة حكم الاقطاع والعبودية  ؛ فى تلك الاثناء حيث عصر النهضة والتنوير فى القرن الثامن عشر كان المنهج الليبرالى يبدو مقنعا للغاية فهو يؤمن بأن الانسان كائن اجتماعى ؛ حرعلى المستوى الفردى وهذا لا يتعارض مع كونه اجتماعيا وبالتالى فان كل فرد فى سعيه لتحقيق رغباته ومصلحته ستتحقق معها بالضرورة مصالح المجتمع ومن هنا دعى المنهج الليبرالى الى أن تكف الدولة عن التدخل فى الحياة الاجتماعية وان تترك الحرية للابداع الفردى لكى يقود المجتمعات ويطورها تلقائيا ؛ غير ان التجربة اثبتت فشل المنهج فالنظرية الرأسمالية التى تؤمن بمبدأ " دعه يعمل دعه يمر " وان القوانين التى تحكم حركة الاقتصاد هى قوانين تلقائية ؛ فكانت الممارسة العملية للمنهج  سببا فى شقاء الانسانية من جديد ولو انه شقاء مقنع بقناع الحرية ؛ حيث تركزت الثروة فى ايد مجموعة صغيرة من الافراد وتداخلت المصالح فتحول الانسان من حالة كان فيها عبدا للارض وللاقطاعى الى حالة أصبح فيها عبدا للمادة ولتلقائية قوانين اقتصاد السوق ؛ وبدأ الاستغلال يظهر فى تركز الثروة وتحكم القله بمقدرات حياة المجتمع وذلك تحت غطاء الحرية الزائف ؛ غير أن النظم الرأسمالية والتى حملت فى باطنها عوامل التناقض ووفقا لقانون الجدل كان عليها - كما قال ماركس - أن تكون أول المجتمعات التى تفرز نظاما اشتراكيا يقضى على الاستغلال ويحقق حرية الانسان فى ظل العدالة الاجتماعية ولكن شيئا من ذلك لم يحدث وأصيبت توقعات ماركس بخيبه كبيرة فما الذى حدث ؟
 فى الحقيقة فان الذى ساعد على تماسك واستمرارية هذا النظام هو ان المجتمع الاوربى بدأت تدفعه الحاجة الى التوسع والاستعمار وبالتالى أصبح المجتمع الاوربى بأكلمه مجتمعا مستغلا واصبحت المستعمرات فى وضعيه المستغل من قبل الرأسمالية الاوربية ؛ فكانت نتاجات وعوائد الاستعمار تدارى عيوب النظام الرأسمالى فى أوربا وذلك لان المجتمعات نفسها تمارس الاستغلال على المجتمعات المستضعفه مما اطال فى عمر الرأسمالية ولو انها لم تتمسك بالمنهج  تماما بل أضافت دورا جديدا للدولة بعد أن أثبتت التجربة فشل المنهج فى قراءة القوانين التى تحكم الواقع وهو ما أدى الى ظهور ما يسمى برأسمالية الدولة ومن هنا كانت الاشتراكية والتى حملت مبدأ الغاء استغلال الانسان لآخيه الانسان ؛ وفى اطار هذا الاختلاف الجوهرى بين طبيعة المجتمعات ومدى تطورها ووضعها السياسى نجد أن الرأسمالية لا تستطيع أن تقدم حلا لمشكلات المجتمعات النامية 
فعند الحديث عن المجتمعات النامية التى خرجت متأثره بالاستعمار الذى فرض عليها التخلف والفقر والمجتمعات العربية ضمن هذة المجتمعات ؛ نجد أن تناقض النظام الرأسمالى يظهر لنا بوضوح مفرط فالرأسمالية لا يمكنها ان تقود انطلاقه اقتصادية " هدف التنمية " فى ظل اقتصاد العولمه
  الا فى حالتين اولهما ان تحمى نفسها عن طريق فرض الرسوم الجمركية على الواردات وهذا الامر اصبح صعبا للغاية خاصة فى اطار اتفاقيات التجارة العالمية ؛ ثانيا ان تربط نفسها بأحد الاحتكارات العالمية وبهذا يظهر امامنا اقتصادا تابعا نفقد على اثره استقلالنا السياسى .
ان الدول الراسمالية الحالية (باستثناء الولايات المتحدة) كونت ثرواتها خلال عهود الاستعمار وقادت نهضتها الاقتصادية فاصبح لديها فائض من الثروة والقدرة على المنافسة بما يمكنها من الاستمرار طويلا دون ان تستطيع الدول النامية اللحاق بها ؛ بل انها تتدخل لمنع هذة الدول من استكمال تطلعاتها للنمو للتقدم فكيف تكون الرأسمالية حلا لمشكلات الواقع العربى ودول العالم الثالث ؟

ومن هنا فالحل الاشتراكي يطرح نفسه بديلا كعلاج لمشاكلات المجتمعات النامية والمجتمع العربى منها ؛ لكن ماذا كونها اشتراكية عربية ؟
كما سبق وذكرنا فى الباب الثانى فوفقا " لجدل المادة والانسان" فان الانسان يختار شكل التطور ومضمونه واذا نحن ازاء حالة تخلف من ناحية وهناك أيضا رغبة فى النمو فالمجتمع العربى يواجه حالة جدلية وعليه فقد فرضت عليه الظروف أن يجد حلا لهذا التناقض واذا كان للانسان حرية اختيار شكل ومضمون التطور فالانسان العربى عليه أيضا ان يختار شكل ومضمون اشتراكيته فالمادية الجدلية تنفى تماما قدرة الانسان وارادته تجاه قوانين الطبيعة وبالتالى تقول ان عليه ان يتوقف تماما عن مجابهة الطبيعة وأن يسير خلفها وهذا ما لا نوافق عليه بالتأكيد ؛ ومن هنا وانطلاقا من منهج يؤمن بحرية الارادة الانسانية يظهر أول أختلاف بين مضمون الاشتراكية الماركسية وطبيعة المجتمع العربى بشكل خاص فالمجتمع العربى يؤمن بالانسان وبقدرته وبالتالى اذا كان هذا المجتمع سيختار نظاما اشتراكيا فانه بالتأكيد سيكون نظاما أشتراكيا عربيا
وبالتالى فاننا فى محاولتنا للوصول لتعريف لمفهوم الاشتراكية العربية نقول انها مجموعة من المضامين الفكرية التى يجب أن نلتزمها لتحرير جماهير الامة العربية من الاستغلال فى الوطن العربى فهى النظرية الاشتراكية الخاصة بنا لانها تحدد التزامنا انها نظريتنا الاشتراكية وبالتالى فعندما نقول التطبيق  العربى للاشتراكية فاننا نعنى بذلك تلك الانجازات التى حققها الاشتراكيون العرب فى تطبيقهم للاشتراكية العربية ولا يكون مفهوما الا اذا كان تطبيقا للاشتراكية العربية  ..... لكن هل انتهينا ؟ لا أعتقد فلنتابع
الجدير بالذكر أن الميثاق الوطنى لم يأت بذكر مصطلح اشتراكية عربية رغم انه ذكر عديد من الاختلاف بين " اشتراكيتنا " هكذا كان يقول عبد الناصر والاشتراكية الماركسية ؛ المهم أن عبد الناصر قدم " مشروع " الميثاق للمؤتمر الوطنى لمناقشته وتعديله وابداء الرأى فيه ؛ الا ان أحدا لم يعدل فى الميثاق وانما خرجت وثيقة بعنوان " تقرير الميثاق" وهى تقول فى الجزء الخاص" بالتطبيق الاشتراكى "
"و كانت اشتراكيتنا انعكاسا امينا لكل تاريخنا بما استقر فيه من مباديء و ما تفاعل فيه من قيم دينيه و خلقيه مما جعلها اشتراكيه عربيه في قيمها و في حلولها "
وقد ناقش المجتمعون فى المؤتمر الوطنى جمال عبد الناصر نفسه
و ناقشهم علي مدار اكثر من 14 جلسه استغرقت قرابه شهر و نصف و انتهت تلك المناقشات بشان الاشتراكيه - كل هذا كان بعد صدور قوانين يوليو الاشتراكيه و صدور مشروع الميثاق- ومن هنا فلقد
حسم تقرير الميثاق بشكل لا يحتمل الجدل حسما نهائيا ان ما نطبقه و نريد ان نطبقه في الجمهوريه العربيه المتحده هو اشتراكيه عربيه
و لم يكتفي بذلك المؤتمر و انما صاغ سمات الاشتراكيه العربيه و حددها تحت عنوان سمات الاشتراكيه العربيه لننظر ماذ صاغ تقرير الميثاق حول
 لقد انتهي التطبيق الاشتراكي في بلادنا الي اقامه اشتراكيه عربيه متميزه . فهي تؤمن بالله و برسالاته و بالقيم الدينيه و الخلقيه وهى تؤمن بالجماعة "
و تقدم مصالحها علي كل اعتبار اخر و لكنها في الوقت نفسه تحترم كرامه الانسانيه و حريه الفرد
و هي اذ تسعي لتحقيق الكفايه لا تضحي بالجيل الحاضرفي سبيل رفاهيه الاجيال القادمه و انما تقيم التوازن بين تضحيات الاجيال المتلاحقه
و هي تؤمن بالملكيه الفرديه غير المستغله و بحق الارث الشرعي و بالمبادره الفرديه الخلاقه التي لا تنحرف عن المصلحه العامه .. و هي بهذا تختلف عن الاشتراكيه التي تلغي الملكيه الفرديه لوسائل الانتاج الغاء تاما.
و هي تؤمن بوحده الشعب و سيادته فلا تسمح بدكتاتوريه ايه طبقه او سيطرتها , و انما تعمل علي تذويب الفوارق بين الطبقات
و هي تؤمن بحل المتناقضات الطبقيه حلا سلميا فتنكر العنف و سيله لحل المتناقضات
و هي في اسلوب عملها اشتراكيه علميه تعتمد في تحقيق الكفايه و العدل علي الاسس العلميه و علي كل ما وصل اليه العلم الحدبث من نتائج "

مما سبق فنحن امام اقرار بوجود الاشتراكية العربية ولكنها لكى تكون عربية تعتمد بالضرورة على اختيار الشعب العربى لها ؛ فهى كنظرية تطرح نفسها كحل لمشكلات الشعب العربى الذى له ان يختار نظامها فليس من المقبول أن يختار احدا شكل ما ويقول هذا هو الاشتراكية العربية حيث ان صفة العربية لن تأتى الا من الجماهير العربية نفسها شرط أن تكون الجماهير قادرة على بناء المجتمع الاشتراكى وهذا دور الطليعة وبالتالى فالاشتراكية العربية هى ذلك النظام الذى يختاره الشعب وتبنيه الجماهير العربية وهى " كنظرية" تحدد نظامها بانه النظام الذى تختاره الجماهير لتصبح اشتراكية عربية وهذا أختلاف أخر عن الاشتراكية الماركسية .
ولكى تحقق الاشتراكية العربية أهدافها فلابد للشعب أن يسيطر على كل وسائل الانتاج ؛ ولتوضح ذلك نقول أن الملكية العامة على سبيل المثال لا تعنى بالضرورة ان الشعب سيطر على وسائل الانتاج وهى بالتالى ليست مقياس فالدولة تقوم بدورالنائب عن الشعب فى ادارة وسائل الانتاج وهى بذلك " الدولة "وفقا للاشتراكية العربية تدخل فى نطاق وسائل الانتاج باعتبارها أداة تعمل لصالح الشعب وبالتالى الاشتراكية العربية عليها أن تنحاز الى بقاء سيطرة الشعب صاحب الحق فى مواجهه نائبه فهو الذى يراقبه ويحاسبه ويعزله ويعين غيره ؛ لكن لماذا يسطير الشعب على كل وسائل الانتاج ؟
الاجابة ليست بعيدة فلكى تتحقق المصلحة العامة على الشعب أن يسيطر على حركة القوانين التلقائية للاقتصاد ؛ ولكى يكون الشعب قادرا على ذلك عليه أن يسيطر على كل وسائل الانتاج ويوجهها لتحقيق غايته الاجتماعية .... فلنستمر

ولكى يحقق الشعب غايته الاجتماعية بعد سيطرته على كل وسائل الانتاج تطرح فكرة التخطيط الاقتصادى الشامل الذى تحدد غايته الاجتماعية نفسها بشدة ؛ فالقانون الاقتصادى الاساسى فى النظام الرأسمالى هو الحصول على أقصى حد من الارباح غير أن القانون الاقتصادى فى أى نظام أشتراكى هو اشباع الحاجات المادية والثقافية المتزايدة باستمرار لكل مجتمع والتخطيط الاقتصادى هنا يقوم على تحديد عملية الانتاج من مصادره حتى استهلاكه على وجه تحقق به غاية محددة من قبل ومن هنا يظهر الدور الانسانى فى محاولة أختيار شكل ومضمون التطور فى محاولة للسيطرة على تلقائية القوانين الاقتصادية وبهذا يصبح التخطيط الشامل ميزة لاشتراكية تقوم على منهج أنسانى ؛ والجدير بالذكر ان الاشتراكية الماركسية على سبيل المثال لم تطرح فكرة التخطيط الشامل وقد ظهر ذلك فى التجربة السوفيتية ؛ فنجد ان الاتحاد السوفيتى عام 1920 حيث يطرح لينين خطة الدولة امام المؤتمر السابع لمجلس السوفيتات فتكون الخطة كالآتى
1- كل السلطات للسوفيتات ؛ 2- كهربة الاتحاد السوفيتى ؛ 3- تصنيع البلاد ؛ 4- التجميع الزراعى ؛ هنا نجد مهمات متعددة ومتداخلة ولم يطرح مشكلة العلاقة بينها واتمامها بودن أن تعوق أحداها المهمات الاخرى وقد بدأ الحل الجزئى لتلك المشكلة عام 1925 مع وضع خطة محدودة بسنة لتنظيم الانتاج فى قطاع الصناعة الى ان جاء العام 1927 وبدأ السوفيت فى وضع أول خطة اقتصادية شاملة لمدة خمس سنوات وبدأ تنفيذها فى أول أكتوبر 1928 وهذا يعتبر تاريخ مولد التخطيط الاقتصادى الاشتراكى ؛ وبالتالى فان الاخذ بالتخطيط الاقتصادى الشامل فى الاشتراكية العربية سيكون ميزة أكثر منه وسيلة لزيادة الانتاج ذلك لانه اذا كانت سيطرة الشعب العربى على كل وسائل الانتاج بواسطة دولته الديمقراطية يمثل البعد السياسى للاشتراكية العربية فان التخطيط الشامل يمثل البعد الاقتصادى لها بكل تأكيد

** الملكية الخاصة
منذ أن انتقد كارل ماركس الملكية الخاصة ودعى الى الغائها أصبحت فكرة الغاء الملكية الخاصة مرتبطة بأى نظرية اشتراكية لكن هنا السؤال الذى يطرح نفسه هو لماذا دعى ماركس لالغاء الملكية الخاصة ؟ الاجابة ليست بعيدة حيث قال ماركس ان الملكية الخاصة ستمكن الرأسمالى من الحصول على فائض القيمة وبالتالى لابد من الغائها وخلاصة نظرية فائض القيمة لكارل ماركس انه وفقا لقوانين الاقتصاد الرأسمالى التلقائية فان صاحب العمل لا يستطيع أن يتحكم بسعر السلعة ولكنه يتحكم بقوة العمل فيقول ماركس " ان ما يبيعه الرجل العامل ليس عمله مباشرة وانما قوته العامله التى يخول للرأسمالى التصرف فيها مؤقتا ؛ فالرأسمالى اذ يدفع سعرا محددا يحصل على قوة عمل تتوقف حدودها على ما يستطيع أن يستنزفه منها من ساعات عمل وبعد الساعات الاولى المقابلة للاجر تصبح كل الساعات الاولى عملا غير مدفوع الثمن ؛اى فائض العمل هو مصدر فائض القيمة "
ومن هنا فماركس وصل الى ان وجود الملكية الخاصة سيؤدى الى الاستغلال لذا دعى الى الغاء الملكية الفردية ؛ لكن علينا أن لا ننسى أن ماركس كان ينتقد اللكية الخاصة فى ظل النظام الرأسمالى حيث تعمل قوانين الاقتصاد بتلقائية وبالتالى فان الحديث وجود الملكية الخاصة من عدمها فى ظل النظام الاشتراكى يختلف بالتأكيد ؛ بمعنى أن مشكلة النظام الرأسمالى هى مسألة تلقائية قوانين السوق وفى ظل النظام الاشتراكى فان هدف المجتمع بالاساس هو السيطرة على هذة القوانين واخضاعها لارادته ؛ وطالما تحققت هذة الغاية فان وجود الملكية الخاصة مرتبط بمدى دورها سلبا أو ايجابا فى سيطرة الشعب على قوانين السوق واخضاعها من عدمه
ومن هنا فالاجابة على سؤال متى تلغى الملكية الخاصة ؟ ستكون اذا أراد الشعب الغائها حينما تكون عقبة فى سبيل سيطرة الشعب على وسائل الانتاج بالتخطيط الاقتصادى على القوانين الاقتصادية وتسخيرها لغايته الاجتماعية .
ان مسألة الابقاء على الملكية الفردية قد نحيل الاجابة عنها الى علم الاقتصاد الاشتراكى الذى يصور كيفية توظيف وسائل الانتاج لتحقيق الرخاء ويعالج مشكلات الانتاج والتوزيع والاستهلاك والنقود والاجور وغيرها
يقول أوسكار لانج فى كتابه " تخطيط الانتاج فى الدولة الاشتراكية " أن هناك شروطا قد توضع للابقاء على الملكية الفردية وتوظيفها لخدمة اغراض المجتمع وهى أولا أن تسودها المنافسة الحرة وثانيا أن تكون كمية انتاجها صغير حتى لا تسبب تباينا ملحوظا فى توزيع الدخول واما ثالثا فان يكون الانتاج الكبير فى المدى الطويل اكثر تكلفة فى هذة الميادين من الانتاج الصغير
لكن بالطبع لا يوجد التزام فى الاشتراكية العربية الا ما يقره الشعب العربى أولا واخيرا ؛ هذا أساس كونها اشتراكية عربية وبذلك فنحن فى محاولتنا أن نفسر بعض المفاهيم التى قد تطرح على الاشتراكية العربية فاننا نلتزم ذلك فى ضوء منهج يسمح للانسان باختيار شكل ومضمون واسلوب تطوير حياته وحل مشكلاته الاجتماعية بسيطرة الشعب على كل وسائل الانتاج بالتخطيط الشامل بواسطة دولتة الديمقراطية ؛ وبعد كل هذا مازالت الاشتراكية العربية تطرح علينا مضامين أخرى مختلفة فلنرى كيف هذا .....       

ان الاشتراكية فى تعريفها العام تعنى الغاء استغلال الانسان لاخيه الانسان وبالتالى وفى ضوء منهج يؤمن بحرية الارادة الانسانية فان الاستغلال هو كل نشاط لا يستهدف مصلحة المجتمع ؛ والاستغلال فى النظام الاشتراكى اذا وجد فهو حالة انحراف عن الطريق الصحيح فى حين ان النظام الرأسمالى يمثل الاستغلال فيه النشاط المشروع ..... لكن لا يقف مفهوم الاستغلال اذا كنا بصدد الحديث عن اشتراكية عربية عند هذا الحد  
   فالاشتراكية لن تكون عربية الا اذا كانت باختيار الشعب العربى والذى لن يختارها الا فى ظل دولته الواحده وهذة الدولة الواحدة لكى تظهر على حيز الوجود عليها أولا ان تواجه عدد من المشكلات التى تقف عقبه فى طريقها أول هذة المشكلات هى التجزئة التى تعمقها قوى الردة والرجعية وبالتالى فالغاء التجزئة فى الوطن العربى لابد ان يكون أحد مضامين الاشتراكية العربية ؛ ومن هنا فالاشتراكية العربية ثانيا عليها أن تحدد موقفها من الاستعمار المتمثل فى الكيان الصهيونى وكل اشكال الاحتلال للارض العربية فذلك استغلال واستنزافا لخيرات وموارد الوطن العربى واستغلال للانسان العربى نفسه وبالتالى فالاشتراكية العربية لابد أن تأخذ موقفا ثوريا ومعاديا للاستعمار والتجزئة بل لا تكون اشتراكية عربية اذا ارتضت بهذا الواقع
وبناء على ذلك فاذا كان المجتمع الذى تستهدفه الاشتراكية العربية لابد أن يكون المجتمع العربى وهذا المجتمع يتعرض يعانى من الاستغلال والاشتراكية العربية تعمل على الغاء هذا الاستغلال بسيطرة الشعب العربى على كل موارد الوطن العربى فالعمل من أجل الوحدة العربية هو أيضا أحد مضامين
الاشتراكية العربية ؛ ولهذا قد نصل الى تصور لتعريف للاشتراكية العربية فنقول انها سيطرة الشعب العربى على وسائل الانتاج فى الوطن العربى فى ظل دولة الوحدة العربية الديمقراطية وفقا للتخطيط الاقتصادى الشامل فى الامة العربية كلها .

والله الموفق

بقلم وليد سامى واصل

الهوية العربية ووحدة المصير

ان الحديث عن الهوية له من الاهمية ما يجعلنا نتوقف كثيرا عنده فهوية أمة ما هى محصلة تاريخ طويل تفاعلت فيه شعوب هذة الامة وكافحت معا فى معركة مصير واحد من أجل أن تبقى وتقوم بالدور المنوط بها فى العالم ولخدمة الانسانية
واذا كنا بصدد الحديث عن الهوية بشكل عام وعن أهميتها فلعلنا نقول أن اى دولة من الدول واى شعب من الشعوب فى طريقه الى المستقبل عليه أن يتوقف لحظة لينظر الى الماضى ليعلم هويته وكيف كافح الاجداد وما هو الطريق الذى ينبغى ان تسلكه الاجيال الحالية وتطور فيه مجتمعاتها دون أن تبتعد كثيرا عن مبادئها وأصولها
أن الحديث عن الهوية يجيب لنا عن أسئلة هامة
من نحن ؟
 وكيف نتجه الى المستقبل ؟
 وما السبيل لتحقيق ذلك ؟
واذا كنا بصدد الحديث عن الهوية العربية فعلينا أن نجيب على هذة الاسئلة حتى ترشدنا الى طريق المستقبل والتقدم

فى البداية تقول التعريفات الكلاسيكية أن معنى كلمة عرب هم من يتكلمون العربية من سكان شبة الجزيرة العربية ؛ واتفق المؤرخون على تقسيمهم الى قسمين وهم العرب البائدة والعرب الباقية
اما عن العرب البائدة فهم تلك الاقوام التى تعرضت للفناء ومنها عاد وثمود وغيرهم ؛ اما العرب الباقية فهى تنقسم بدورها الى قسمين  وهما اولا العرب العاربة وهم اول من تحدثوا العربية وينسبون ليعرب بن قحطان ومنهم القبائل اليمنية التى هاجرت بعد انهيار سد  مأرب الى شمال الجزيرة ؛ اما العرب المستعربة فهم من اصبحوا عربا بعد ان كانوا غير ذلك وهم ولد اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام ؛ والذى كان يتحدث الارامية ثم تحول للعربية وتنتسب للعرب المستعربة قبيلة قريش وما حولها ؛ وبالتالى فالنبى من العرب المستعربة أى من ولد اسماعيل.

  ظهر العرب على مسرح التاريخ من القرن العاشر قبل الميلاد على اقل تقدير وبدأ الحديث المفصل عن العرب فى عهد الكتاب الكلاسيكيين( اليوانانيين والرومان ) فى اواسط القرن الخامس قبل الميلاد .لم يكن للعرب حتى هذا الوقت اى دور حضارى يذكر على مسرح التاريخ فقد عمل العرب بالتجارة وتاثروا بحضارتى الفرس والروم لذلك كانت لهم بعض العلاقات التجارية مع حضارات اخرى مثل الحضارة المصرية القديمة والفينيقية وغيرها  ؛ لكن فى العموم انحسر دور العرب فى شبة الجزيرة العربية وخارجها كتجار او فى حلف أما مع الروم او الفرس .وبالتالى لـم يكن للعرب اى وزن سياسى خارج جزيرتهم الا فى اطار الاحلاف التى سبق الاشارة اليها ؛ ولم يكن مصطلح الامة العربية التى نعرفها الان قد ظهر على مسرح التاريخ حتى ظهور الدعوة الاسلامية ؛ ولكن ظهرت دعوات تفترض وجود تلك الامة قبل الاسلام استنادا على تشابه فى لغات الشعوب التى عاشت فى منطقة الشرق الاوسط وهى الشعوب التى عرفت باسم الشعوب السامية ؛ فهل كانت هناك أمة عربية قبل الاسلام ؟



 العروبة قبل الاسلام

(يقول د. علي فهمي خشيم وجهاد فاضل إن العربية التي نتحدثها الآن هي عبارة عن لهجة من اللهجات لا أكثر ولا أقل. لكن كلمة «العرب» لم تكن مستعملة في الشعر الجاهلي على الإطلاق. كلمة عرب كمجموعة ثقافية، أو قومية، عرقية، لم تكن معروفة، كانوا قبائل. هذه هذيل، هذه تميم، وهذه عبس، إلى آخره. كلمة عرب استُعملت بمعنى البدو، من مادة «عَرَبْ» بمعنى ظَهَر في القرن الثامن قبل الميلاد في النصوص البابلية أو الأكادية. لكن لم تتبلور كفكرة قومية إلا بظهور الإسلام. عندما توحّدت هذه القبائل المتناحرة ضد القوتين العظميين في ذلك العصر: فارس وبيزنطة، واكتسحت العالم كما هو معروف، وأصبح «العربي» هو مَن جاء من الجزيرة.



أنا أسمّي كلمة العرب، المضريين، أو العدنانيين، كما شئت، ولكن هذا لا يمنع عروبة الآخرين. ابن منظور في مادة كَنع في «اللسان» نقلاً عن خليل بن أحمد الفراهيدي، في كتاب العين، يقول: «بنو كنعان قوم كانوا يتكلمون لغة «تضارع العربية»، أي تشبهها، والنقوش الكنعانية لم تكتشف إلا في سنة 1926، في القرن الماضي. أي الآن. وعندما تقرأ هذه النقوش تجد أنها لغة عربية فصيحة. كذلك الأمر في نقوش إبلة، في سورية. 3030 لوحة، تقرؤها في لغة عربية فصيحة، ماذا يعني هذا؟ يعني أنه كان هناك مجموعة لهجات. لنأخذ – مثلاً – الأكادية في العراق. هناك آشورية، هناك بابلية، هناك أكادية، سمّها ما شئت، لهجة الجنوب في العراق، لهجة الشمال، لهجة الوسط.



عندما أقول «العروبية» استعمل مصطلحاً بديلاً من الحامية السامية أو بديلاً من الحامية أو السامية. وأقول إن هذه الكتلة الممتدة من الخليج إلى المحيط هي كتلة واحدة، كانت منذ القديم كتلة واحدة بما فيها الحضارة المصرية القديمة التي ثبتت عروبتها الآن بلا أي نقاش فيها. والكنعانية والنوبية إلى آخره، كانت كتلة واحدة)



وهنا اعتمد  د. علي فهمي خشيم وجهاد فاضل  على فرضية ان المنطقة التى اصطلح على تسمية الشعوب التى تقطنها بالشعوب السامية لها لغة واحدة اطلقوا عليها اسم العروبية ؛ واعتمدا فى هذة الفرضية على اساس الوحدة الجغرافية التى تضمن التواصل بين هذة الشعوب ؛ ولكن هل تكفى اللغة اساسا لوجود امة واحدة ؛ او بالتحديد امة عربية قبل ظهور الدعوة الاسلامية والتى رافقتها حركة الفتوحات ؟ ؛ وللاجابة على هذا السؤال كان لابد لنا ان نتعرف اولا على قضية الشعوب السامية وما اصل هذة التسمية ؟ ثم نستنتج منها اجابة على السؤال الاول .



قضية الشعوب السامية

لقد شغلت قضية الشعوب السامية العلماء لقرونا طويلة وكان اسباب هذا الجدال هو وجود تقارب بين لغات هذه الشعوب من بينها الاكادية والبابلية والاشورية  والكنعانية والعبرية والفينيقية والارمية والنبطية والحبشية والعربية حيث تتقارب هذه اللغات فى جذور الفعل حيث نجد ان جذور افعالها ثلاثية ومنها تستطيع ان تحول الكلمة الى فاعل او مفعول به او ما الى غير ذلك مثل الفعل كتب فيمكننا الحصول منه على معنى الكاتب والكتابة كذلك هناك تشابه فى مجموعات من الالفاظ التى تدل على الاعداد الاولية والتى تستخدم فى تنظيم المعاملات بين الجماعات المختلفة



من ملاحظة هذه التشابهات قال العالم النمساوى (اوجست لوديفج شلويستر) باعلان ان هذه الشعوب تنحدر من اصل واحد وذلك سنة 1781م واعتمد فى ذلك على ما جاء فى  الاصحاح العاشر من سفر التكوين اول اسفار التوراه حيث قال ان سام بن نوح هو الجد الاول لهذه الشعوب التى افترض على تسميتها بالشعوب السامية ولقت هذه الدعوة رواجا فى الدوائر العلمية فاخذ بها بعد سنوات العالم الالمانى ايخهورن وبدا ينشرها لتستقر صفة السامية علما لهذة الشعوب.ولكن هذا الافتراض يواجه عدة نقاط تفنده من اساسه واول هذة النقاط هى قضية النقاء العنصرى ؛ فما سمى تطابقا فى الملامح الجسمانية لهذة الشعوب هو امر غير قائم بالمرة فهناك تباين واضح بين هذة الشعوب من جهة وكذلك داخل كل شعب منها من جهة اخرى ومثال على ذلك ان هناك اختلاف فى مقاييس الجماجم بين عرب عمان من جهة وبين مقاييس الجماجم لسكان الجزيرة العربية الجنوبية الغربية وتهامة من جهة اخرىومع هذا فكلهم من شبه جزيرة العرب ورغم ذلك نجد تشابه بين جماجم اهل عمان وسكان السواحل الهندية المقابلة لهذة المنطقة العربية وهذا امر قد نستنتج منه وجود تبادل تجارى ادى لقدر من الاختلاط بين سكان المنطقتين.كذلك هناك تشابه بين سكان الجزيرة الجنوبية الغربية وتهامة من جهة وسكان القرن الافريقى من جهة اخرى كذلك وجد المنقبون الاثريون تباينا فى الخصائص الجسمانية بين المقابر الاشورية والبابلية  فى داخل كل منطقة من المناطق التى عثر فيها على العظام وما يقال عن هذة الشعوب يصدق على العبرانيين فهناك اختلاف فى الملامح بينهم رغم ما عرف ولا يزال يعرف عنهم من الحرص على التزواج فيما بينهم ؛ ومن هنا فان علماء الاجناس توصلوا منذ اوساط القرن العشرين ان فكرة النقاء العنصرى قد اصبحت مجرد خرافة علمية لا اساس لها من الصحة ومن هنا فان فكرة الاصل الواحد كأساس للتقسيم بين العناصر البشرية غير صحيحة وكذلك التقسيم حسب اللون فمثلا اللون لا يصلح للتفريق بين السكان فى المنطقة العربية او الهند فهناك اختلاط واضح
 لقد كانت فكرة الهجرات تحت وطاة قانون الجذب والطرد الطبيعى احد العوامل الكبيرة التى مزجت بين العناصر والشعوب البشرية ؛ ولو ان هناك بعض المناطق قد احتفظت بقدر نسبى من النقاء الا انه ليس نقاءا خالصا بل انها اندمجت الان مع بقية السكان المحيطيين بها مثل اواسط افريقيا ؛ لكن بالنسبة لمنطقة كانت ممر لطرق التجارة فان قضية الاصل الواحد بها مستبعدة تماما



تبقى القضية الاخرى والتى سبق ان ذكرها الباحثان  وهى قضية اللغة وبالطبع فان اللغة لا تصلح وحدها اساسا لوحدة الجنس او وحدة الامة لان الفئات البشرية بطبعها لديها قابليلة غريبة لالتقاط اللغات اذا كان ذلك يخدم اهدافا مصلحية او عمرانية ودليل على ذلك الاماكن التى تفصل بين القوميات حيث يؤدى الاختلاط الى ازدواج لغوى فى اغلب الاحيان وهناك امثلة لشعوب غيرت لغتها بالكامل فالقسم الجنوبى من العراق كانت لغتة السومرية وهى لغة غير (سامية اذا جاز التعبير ) ومع ذلك فقد تحول السكان تدريجيا لتصبح اللغة الاكدية هى اللغة الرسمية لهم كذلك فمصر التى تتحدث العربية الان لم تكن تتحدثها قديما  ؛ وحتى لو افترضنا وجود تشابه كما قلنا فهو ليس كافى لنفترض وجود امة واحدة قبل الاسلام ؛ الامر بالتاكيد احتاج لتاريخ من الامتزاج والاختلاط بالاضافة لعوامل الجغرافيا التى ادت للوضع الحالى .





من كل هذا فالامة العربية بمعناها الذى نعرفه لم تكن موجودة باى حال قبل الاسلام ؛ وانما كانت مجموعة من الشعوب والقبائل التى ادى الموضع الجغرافى الى وجود علاقات وصلات بين شعوبها مما أدى لوجود تقارب فى بعض لغاتها ؛ ولكن لا يمكننا ابدا ان نعتبرها امة واحدة فهناك عنصر اخر هو الاساس الذى يحدد كيان هذة الامة الا هو التاريخ ؛ فذلك الامتزاج بين شعوب المنطقة العربية من المحيط الى الخليج فى ظل الدعوة الاسلامية أدى لامتزاج هذة الشعوب لمدة تزيد عن 1400 عام ؛ هذا الامتزاج ادى لاختلاط هذة الشعوب وامتزاجها  ومن هنا كانت وحدة المصير بين هذة الشعوب التى اصبحت بالفعل أمة واحدة .اذا اتفقنا ان الامة العربية - كما نعرفها الان - لم تكن موجودة قبل الاسلام ؛ فكيف تكونت الامة العربية ؟



الاسلام وتكوين الامة العربية

أنطلقت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم من الجزيرة العربية ؛ لتتخطى الحدود تأكيدا على عالمية الدعوة فالرسول ارسل للعالمين ولم تكن رسالته مقتصرة على العرب  ؛ يقول تعالى ( وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ) .وبالفعل انتشرت الدعوة الاسلامية بين الشعوب والقبائل المجاورة للجزيرة العربية ؛ ودخلت العديد من الامم الى الاسلام واصبحت جزءا من الامة الاسلامية الكبيرة ؛ لكن هذا الجزء الحيوى الذى كان الاتصال الجغرافى أهم ما يميزه ضم شعوبا متعددة لم تكن قد وصلت لمرحلة الامة بعد باعتبارها ارقى مراحل تطور الجماعات البشرية بعد القبيلة والعشيرة ثم الشعوبية ثم الى مرحلة الامة ؛ هذة المنطقة حافظت طوال تاريخ يمتد اكثر من 1400 عام على وحدة الاتصال فيما بينها وامتزجت شعوبها رغم انفصال الدول والصراعات السياسية ؛ وطوال هذا التاريخ من الامتزاج والترابط انتشرت اللغة العربية لتصبح اللغة الرسمية لهذة الشعوب ؛ التى بفعل هذة العوامل مجتمعة (اللغة والتاريخ والجغرافيا والدين ) استطاعت ان تكون هوية واحدة وثقافة واحدة ؛ ومن هنا تظهر وحدة المصير الذى ربط الامة العربية ؛ هذا فى حين ان الدعوة الاسلامية لما وصلت لبلاد فارس ( ايران الحالية ) كانت هذة البلاد بالفعل أمة كاملة التكوين يمتد تاريخها فى اغوارالماضى ؛ وبالتالى  اخذت الدين ولكنها حافظت على لغتها وثقافتها وكذلك غيرها من الامم الاسلامية التى حافظت على تراثها ؛ وهذا تاكيدا لسنة الاختلاف التى يقول عنها سبحانه وتعالى ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ) ؛ ومن هنا كان الاسلام مكون رئيسى للامة العربية .وبالرغم من تأكيدنا على دور الاسلام فى تكوين الامة العربية الا ان هناك من يهاجم مصطلح الامة العربية باعتباره خروجا عن الدين ودعوة للعصبية والقبلية التى نهى عنها الاسلام . فهل هذا صحيح ؟



الامة فى القرأن

  قبل ان نجيب بالتفصيل عن هذا الافتراض الخاطىء فعلينا اولا ان نحدد معنى كلمة امة كما جاءت فى التعبير القرانى حيث يقول الدكتور عصمت سيف الدولة فى كتابه عن العروبة والاسلام ان  كلمة أمة وردت فى القران فى اربع وستين واية وكانت كلها ذات دلالة واحدة الا فى اربع ايات فقط أولى هذه الآيات جاءت في سورة النحل . قال الله تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفا ولم يك من المشركين ) { الآية : 120 } . فدلت كلمة الأمة هنا على أن ابراهيم كان قدوة يؤتم به . وجاءت كلمة الأمة بمعنى الأجل في قوله تعالى : ( ولئن أخرناعنهم العذاب إلى أمة معدودة ) { هود : 8 } . وجاءت في آيتين بمعنى العقيدة أو الطريق .قال تعالى : ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ). { { الزخرف : 23



فيما عدا ذلك جاءت كلمة امة لتدل على الجماعة مهما كان مضمون التميز الذى تختلف به هذة الجماعة عن غيرها مثل قوله تعالى ( ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ) ال عمران 104 وقوله ( ومن قوم موسى امة يهدون بالحق )الاعراف 159 ؛ وقوله ( ومما خلقنا امة يهدون بالحق ) الاعراف 181؛ وبالتالى فكلمة أمة فى القران تعنى كل جماعة -اى كان نوعها - تتميز بشىء يختلف عن الجماعة الاخرى فيميز الله تعالى بين الطير والانس والجن بان كل منهم أمة فيقول ( قال ادخلوا فى امم قد خلت من قبلكم من الجن والانس ) الاعراف 38 ؛ ويقول (وما من دابة فى الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم )الانعام 38 ؛ وقد تكون كلمة امة صفة لجماعة مهتدية مثل قوله ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وهم به يعدلون ) الاعراف 159فقد تميز هؤلاء بصلاحهم فكانوا بهذة الميزة امة خالصة ؛ وهكذا قد يتشابه مجموعة من الناس رغم عدم تواجدهم فى نفس الزمان والمكان ولكنهم يمثلون أمة فمثلا الكفار يمثلون أمة لانهم تشاركوا فى صفة الكفر  قال تعالى : ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلايغررك يقلبهم في البلاد . كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب ) { غافر : 4،5 } ؛ من هنا فان مجموعة الشعوب التى تعيش من المحيط الى الخليج يوحدها النطاق الجغرافى وتوحدها اللغة بالاضافة الى 1400 عام من التاريخ المشترك ووحدة المصير ؛ فهى امة وقومية بشكل لا يمكن انكاره من أى مسلم طالما ان القران هو من أقر للطير امة وللجن أمة ولكل جماعة تتميز بصفة ما بان تكون امة فكيف يمكن انكار الامة العربية ووجودها



الامر ببساطة ان الاسلام علاقة انتماء الى دين خالد في الزمان بحكم انه خاتم الرسالات والاديان . (ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) { الأحزاب : 40 } . وخالد في المكان بحكم أنه رسالة إلى كل البشر . ( قل يأيها الناس اني رسول الله اليكم جميعًا ) {الأعراف : 158 } . ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) { سبأ : 28 } . أما العروبة فعلاقة انتماء مقصورة على شعب معين من بين الشعوب ومكان معين من الأرض ، علاقة انتماء الى أمة تكونت خلال مرحلة تاريخية طويلة كاستجابة موضوعية لحتمية تقدم الشعوب بعد أن استنفذت العلاقة الأسرية ثم العشائرية ثم القبلية ثم الشعوبية كل طاقاتها على تحقيق التقدم . فهي لمتواكب الزمان بداية . وحين تستنفذ الأمة العربية كل طاقاتها على تحقيق التقدم سيتقدم البشرالى علاقات انتماء تتجاوزها تكوينًا وطاقة . فهي ليست خالدة في الزمان .





لقد تعرضت الامة العربية لهجمتين فى تاريخها ووقعت ضحية فكرة ان لكل دين أرض ولكل أرض دين ؛  فى المرة الاولى كنا ضحية الحروب الصليبية وفى المرة الثانية كنا ضحية الحركة الصهيونية ؛ فكيف نستخدم اسلوب الصهيونية فى مجابهة عروبتنا وقوميتنا ؟! .



عناصر تكوين القومية



بعد كل هذا علينا ان نتحدث عن مقومات الامة  وعناصر تكوين القومية وهنا يأتى الى الذهن دائما وحدة الاصل اى عندما نطلق عليهم مصطلح " قومية " هم من جنس واحد واصل واحد ولكننا سبق ان فندنا قضية النقاء العنصرى فى حديثنا عن الشعوب السامية ولهذا فان التاريخ يتحدث عن ان كل الامم الموجودة فى العالم الان انما هى عبارة عن اختلاط بين الشعوب المتعددة نتيجة لقوانين الجذب والطرد الطبيعية والتى فرضت على شعوب ان تهاجر من مناطق الجفاف الى مناطق الرخاء ؛ مما ادى لاختلاط كبير بين الشعوب عبر التاريخ ؛ ونستطيع أن نقول بكل جزم وتأكيد إن وحدة الأصل والدم في الأمم إنما هي من الأوهام التي استولت على العقول والأذهان، من غير أن تستند إلى دليلٍ أو برهان.



وهذا ما يؤكده الدكتور ساطع الحصرى حيث يقول
لا الإنجليز، ولا الروس، ولا الألمان، ولا غيرهم كانوا متجانسين من حيث الأصل والنسل.  بل إن كل واحدة من هذه الأمم إنما تكونت من تداخل وتمازج عشرات الأقوام.  حتى الأمة الفرنسية لا تتحدر من أصل واحد.  هذه الأمة التي كانت أسبق الأمم الأوروبية إلى تكوين وحدة سياسية قومية، حتى هذه الأمة نفسها إنما تكونت من اختلاط عدد كبير من الأقوام والأجناس.  وقد تبين من الأبحاث العلمية التي لا مجال للشك فيها أن عدد الأقوام التي كونت فرنسيي اليوم يتجاوز الستين.  ولهذا فإننا إذا قارنا سكان شمال فرنسا بسكان جنوبها – من حيث الأوصاف البدنية والخصائص الجنسية – وجدنا بينهم أختلافاً شاسعاً جداً.  فإن مشابهة أهالي بعض المقاطعات الشمالية – كالبريتاني والنورماندي مثلاً – الإنجليز والألمان، أكبر بكثير من مشابهتهم أهالي سائر المقاطعات، وبخاصة أهالي المقاطعات الجنوبية.



إن كل الأبحاث العلمية المتعلقة بالأزمنة التاريخية وما قبل التاريخية  تدل دلالة قاطعة على أن تداخل الأقوام والأجناس استمر دون انقطاع في جميع أقسام فرنسا منذ أقدم الأزمنة.  فأصبح الآن من الصعوبة بمكان تعيين “المنبع الأصلي” الذي ترجع إليه القومية الفرنسية وتتحدر منه.  وقد اختلف علماء التاريخ فيما بينهم اختلافاً كبيراً حينما حاولوا تعيين هذا المنبع الأصلي
 فما هو الشعب الذي يستحق أن يُنعت باسم “أجداد الفرنسيين الحاليين”؟  هل هم الغاليون؟  أو هم الرومان؟ أم هم الفرنك؟  إن كل واحد من هذه الحلول الثلاثة صار أساساً لنظرية من نظريات التاريخ: لقد ظل العلماء والمفكرون يتناقشون في ذلك مدة طويلة، إلى أن عرفوا ما في هذا النقاش من العبث
 إن جميع هؤلاء الأقوام – وعشرات أمثالها – قد اشتركوا في تكوين الأمة الفرنسية، فإذا ما بحثنا عن أصل الفرنسيين يجب أن نبحث عن العنصر الذي كان أشد تأثيراً في هذا التكوين، من الوجهة المعنوية، لا من الوجهة المادية.  ويجب أن نعلم العلم اليقين أن الفرنسيين إذا انتسبوا إلى الأقوام اللاتينية، فإنما ينتسبون إليها من وجهة اللغة والثقافة، لا من جهة الأصل والدم، وذلك لأن من الحقائق الثابتة علمياً أن دم اللاتين والرومان في فرنسا أقل بكثير من دماء الجرمان.



وهذا هو الحال في جميع الأمم، فإنها جميعاً مختلطة ومتداخلة من حيث الأصل والدم



ومن هنا فالعوامل الرئيسية فى تكوين الامة هى اللغة والتاريخ

  اما عن اللغة من أهم العوامل التى تعبر عن المكون القومى لجماعة بشرية ما ذلك لان اللغة هى وسيلة التواصل والتفاعل بين عناصر هذة الامة ؛ كذلك هى التى تجسد الارث الحضارى لهذة الامة فى كتبها وتراثها الادبى وغيره ؛ لكن ليس اللغة فقط هى العامل الوحيد وانما التاريخ يأتى كاهم العوامل التى تجسد امتزاج وانصهار عناصر هذة الامة فيما بينهم ؛ وبالتالى فنحن عندما نكون بصدد الوصول لاصل للامة العربية والقومية العربية فاننا نبدأ بما وصل اليه الوضع الحالى ونتدرج فى التاريخ بحثا عن أصول هذا الواقع الحالى ؛ ومن هنا فاننا نعارض ذلك الغوص بعيدا فى اعماق التاريخ لكى نجد تفسيرا لاصولنا ؛ اننا لا ننفى وجود الحضارة المصرية القديمة ولا الفينيقية ولا غيرها ؛ وانما نتحدث عن وضع قائم الان  وهو ان كل هذة الشعوب اختلطت فيما بينها لمدة تزيد عن 1400 عام مما يصعب معه الوصول الى عنصر ينقى يستطيع ان يجزم بصلته المباشرة بالحضارة الفرعونية او غيرها لهذا فالتاريخ هوشعور الأمة وذاكرتها.  فإن كل أمة من الأمم، إنما تشعر بذاتها وتكون شخصيتها بواسطة تاريخها الخاص.وعلى حد تعبير الدكتور ساطع الحصرى فان المقصود بالتاريخ ليس ذلك التاريخ المدون في الكتب – التاريخ المدون بين صحائف المطبوعات والمخطوطات – بل  التاريخ الحي في النفوس، الشائع في الأذهان، المستولي على التقاليد.



ومن هنا فان انتمائنا للامة العربية لا ينفى انتمائنا لكل الحضارات والشعوب التى كونت هذة الامة فيما بينها   وهناك عوامل أخرى تفرض وجودها على التكوين القومى ومن هذة العوامل الدين ؛ لأن الدين يولد نوعاً من “الوحدة” في شعور الأفراد الذين ينتمون إليه، ويثير في نفوسهم بعض العواطف والنزعات الخاصة التي تؤثر في أعمالهم تأثيراً شديداً.  فالدين يعتبر من هذه الوجهة من أهم الروابط الاجتماعية التي تربط الأفراد بعضهم ببعض، وتؤثر بذلك في سير السياسة والتاريخ.



وفوق كل هذا لا ننسى عامل الاتصال الجغرافى ؛ فبدون الاتصال الجغراقى يقل التأثير المتبادل بين عناصر الامة ؛ وبالتالى تختلف العادات والتقاليد وحتى اللغة قد تفقد تأثيرها بمرور الزمن حتى لو كانت رابطة الدين ما زالت موجودة





يبقى بعد كل ذلك أن هناك مصطلح بحاجة الى توضيح او بالاحرى الى ان نستنتجه بما اننا حددنا مفهوم الامة وتطور تكوينها؛ وهو مصطلح القومية العربية  فالقومية العربية ليست كما يصفها البعض بأنها عنصرية قبلية تعارض الدين او غير ذلك فالقومية العربية كما اوضحنا ليست انتماءا الى قوم بعينهم او الى جنس بعينه فكل هذا غير وارد علميا كما سبق الذكروانما القومية العربية هى نتاج الامة العربية ووليدتها أى ان القومية العربية نتاج الانتماء لمجموعة الشعوب التى اختلطت فيما بينها على مدار اكثر من 1400 عام مكونة أمة واحدة لها صفات تميزها ؛ توحدت هذة الامة طوال هذا التاريخ فكونت ثقافة واحدة ؛ وارتبطت بمصير واحد ؛ ومن هنا جاءت القومية العربية كنتيجة مباشرة لوجود الامة وفى اطار هذة القومية تندرج الاقليات الموجودة فى النطاق الجغرافى من المحيط الى الخليج كالامازيغ والاكراد وغيرهم فهذة الاقليات حتى لو لم تأخذ كل عناصر تكوين الامة العربية فقد أخذت عاملين على الاقل الا وهما التاريخ والجغرافيا وبالتالى فهم جزء لا يتجزأ من الامة العربية
واذا كانت القومية العربية حركة تؤمن بمبادىء المساواة والعدل فليس هناك تمييزا بين شعوب الامة العربية بل فالكل سواء وحتى الاقليات لها مثل الحقوق وعليها نفس الواجبات ؛ وبمزيد من الاشتراك والالتحام فى صنع الحياة المشتركة ستختفى كل التناقضات مع الاقليات وفى النهاية يصبحون جزءا من الشعب العربى الكبير .



ومن هنا لابد عند محاولتنا الوصول لاصل الامة العربية مثلا ؛ ان نبدأ بقراءة الوضع الحالى ثم نبحث عن كيفية تطوره فى التاريخ  اى نصل لنقطة بداية منطقية ؛ فليس من المعقول ان نغوص فى اعماق التاريخ لكى نصل الى أصل واحد يحدد هوية امة ما ؛ فقد عرفنا ان اختلاط العناصر البشرية على مر التاريخ قد حال دون قضية النقاء العنصرى ؛ كذلك فان العودة بالاصول حتى ادم عليه السلام تجعلنا لا نفكر فى التقسيمات القومية من الاساس ؛ اننا مثلا اذا افترضنا حدوث تغير فى ديمغرافية السكان فى مصر نتيجة للغزو الصينى للمجتمع المصرى ؛ ولو افترضنا ايضا ان ظاهرة تزاوج المصريين بصينييات تزايدت بمعدلات عالية فاننا وبعد ما لا يقل عن قرنين من الزمان- على سبيل الافتراض - سنجد ان مصر تتحول بفعل هذا التغيرالديموغرافى الى ان تصبح جزءا من الامة الصينية لان الواقع وقتها سيقول ذلك
صحيح ان مصر لن تنكر تراثها العربى لكنها اصبحت فعليا جزءا من الامة الصينية وربما نجد وقتها جمال عبد الناصر أخر ينادى بالقومية الصينية ويدافع عن حقوق الصين الام فى الاحتفاظ بتايوان تحت السيادة الصينية ضد التدخل الغربى .
  تبقى قضية واحدة ؛ او مصطلحا واحدا يحتاج الى تعريف الا وهو الوحدة العربية .
ولو اننا سوف نأتى بالتفصيل للحديث عن مقومات الوحدة وضرورتها فى العصر الحديث فى الباب الثالث



الوحدة العربية

 ان شعبا يعيش على ارض واحدة مهدت لها الجغرافيا كل اساليب الاتصال الحضارى ؛ ووحدت بينه الاقدار فكان شعبا واحدا ولغة واحدة وثقافة واحدة وتاريخ مشترك ومصير واحدان هذا الشعب من حقه ان يتوحد ؛ ومن حقه ان ياخذ مكانه بين الامم العظيمة ؛ ان التاريخ يحكى لنا عن امة توفرت لها كل سبل الوحدة فتوحدت وقامت عملاقا بين ربوع هذا الشرق ؛ لتنشر رسالة الحرية ورسالة السلام ولكن الاستعمار كان دائما العدو المتربص بهذة الامة ؛ ففرق بينها بحدود وهمية ونعرات اقليمية تتنافى تماما مع مجرى احداث التاريخ والامتزاج الاجتماعى والثقافى على مدى اكثر من الف وربعمائة عام ؛ ان من حق الشعب العربى ان يتوحد ليقرر مصيره ويقوم بدوره فى العالم ؛وإن هذة الوحدة لا يمكن - بل ولا ينبغى - أن تكون فرضاً فإن الأهداف العظيمة للأمم يجب أن تتكافئ أساليبها شرفاً مع غايتها، ومن ثم فإن القسر بأى وسيلة من الوسائل عمل مضاد للوحدة، إنه ليس عملاً غير أخلاقى فحسب؛ وإنما هو خطر على الوحدة الوطنية داخل كل شعب من الشعوب العربية، ومن ثم بالتالى فهو خطر على وحدة الأمة العربية فى تطورها الشامل، وليست الوحدة العربية صورة دستورية واحدة لا مناص من تطبيقها، ولكن الوحدة العربية طريق طويل قد تتعدد عليه الأشكال والمراحل وصولاً إلى هدف أخير،



وان دروس الوحدة تخبرنا بحقيقة ان الوحدة فى الاساس عمل شعبى ؛ ان القوى الشعبية هى وحدها القادرة على احداث هذة الانطلاقة الثورية العظيمة ؛ ان تحرك الطلائع الشبابية على المستوى الشعبى لتاكيد الانتماء للامة العربية هو ضرورة حتمية ؛ وان العمل على تحويل هذا الانتماء لتحركات عملية من خلال التضامن والتواصل مع الشعوب العربية لهو خير سلاح تستخدمه القوى العربية التقدمية ؛ لتحقيق التواصل بين الشعوب العربية والضغط من اجل ازالة تلك الحدود المصطنعة ؛ ان فكرة السوق العربية المشتركة تمثل بداية للتواصل بين شعوب الامة الواحدة التى فرق بينها الاستعمار ؛.إن وحدة الهدف حقيقة قائمة عند القواعد الشعبية فى الأمة العربية كلها، واختلاف الأهداف عند الفئات الحاكمة هو صورة من صور التطور الحتمى الثورى واختلاف مراحله بين الشعوب العربية، لكن وحدة الهدف عند القواعد هى التى ستتكفل بسد الفجوات الناشئة من اختلاف مراحل التطور.



ومن هنا فان الاتحاد بين شباب هذه الأمة هو سبيلنا إلى النصر، لن يستطيع الاستعمار ولن يستطيع أعوان الاستعمار، ولن تستطيع الانتهازية، ولن يستطيع التضليل، ولن يستطيع المستغلون أن يفرقوا بين شباب هذه الأمة،ولكننا جميعاً آلينا على أنفسنا أن نكون خداماً لهذه الأمة لنبنيها،ولتكون حقاً دولة عظمى حتى نفخر بها،ولن نكون دولة عظمى إلا بالعرق وإلا بالتعب والعمل المتواصل، وهذا هو واجبنا جميعا

والله الموفق

بقلم وليد سامى واصل

الأربعاء، 8 يونيو 2011

عن الثورة واليها ......


القضية الثورية الان لا يمكن ان تختصر فى خطابات توحيد الصف "الثورى" لان الامور مش مسألة عوطف ابدا ولا حتى هى وجهات نظر ؛ اللى حصل ايام الثورة هو اتحاد جبهوى لمواجهة عدو واحد لكنه مش مبنى على اسس سليمة ؛ مش بقول ان القوى الوطنية لا يمكن ان تتفق لكن بقول ان " الثورة " اصلا مكنش عندها برنامج عمل عشان نتفق عليه وبالتالى اتعارك الكل على الغنيمة لان كل واحد كان شايفها من منطلقات

ه بس ؛ النقطة الاهم ان التحالف طبعا جائز بين القوى "الثورية" لكن صفة ثورية بتكون واضحة فى خطابها وبرنامجها وايديولوجيتها ؛ الاسلام السياسى فصيل اصلاحى وده كلامهم واتأكد طول الفترة الانتقالية فدى مشكلة تانية تضاف لمجرد خلق حالة من التضامن الوطنى اللى بنمسيه العمل الجبهوى ؛ التيار القومى مثلا اشتراكى ومعاه اليسار وحتى الليبراليين مؤمنين بالليبرالية الاجتماعية يعنى الفرق وااااااضح فى حين ان الاسلام السياسى مؤمن بالليبرالية الجديدة ومتوافق مع اقتصاد السوق فى شكله المودرن " الكوكبى " ؛ النقطة التانية مدنية الدولة والدستور ومبدأ المواطنة ودور مصر والمشروع المصرى كل ده كلام فيه تباينات واضحة عن ما يسمى المشروع الاسلامى ؛ وبالتالى لما المستشارة نهى الزينى امبارح قالت تصريح بتنتقد فيه ما اسمته الاستقطاب بين ما هو علمانى وما هو اسلامى وبتقول ده كلام فارغ وان الواقع الثورى بينفى ده !! انا بكل احترام ليها بطلب منها تشاورلى على الواقع الثورى ده فين !! وبعدين مين بدأ الاستقطاب !! ولا ناسين استفتاء مارس !! الموضوع بكل وضوح ان ما حدث فى 25 يناير ليس ثورة لان الثورة يعنى تغييرات شاملة لنظام قائم على المستوى السياسى والاجتماعى والاقتصادى وهو ما لم يحدث لان مفيش برنامج ده غير ان من قاموا بالحدث لم يمكنوا من السلطة وبالتالى الامر غير جائز تماما وقضى الامر ؛ فى نفس الوقت هى ليست انتفاضه بل هى مرحلة تتخطى الانتفاضة ؛ الانتفاضة مثال ليها احداث 18 و 19 يناير 1977 وهى حالة هياج بتهدأ بعد تحقيق مطلب او مطلبين بعد الضغط على السلطة ؛ ما حدث فى يناير للاسف كان ثورة برتقالية على شاكله ما حدث فى اوكرانيا وده مش تخوين للثوار لانى واحد منهم ولكن لاننا سنة اولى سياسة ومكناش فاهمين الصورة الكاملة عاملة ازاى ؛ النهارده الثورة لازم تحط برنامج واضح وتعرف ان قضايا مصر مركبة وان القضية مش حريات سياسية وبس وحتى شعارات العدالة الاجتماعية محتاجة تفصيل وتوضيح لان الكل بيغنى بالعدالة الاجتماعية لكن مضمونها مختلف ؛ قضية الاستقلال الوطنى وكامب ديفيد والعلاقات المصرية الاسرائيلية والعلاقات المصرية الامريكية لازم تكون على اجندة الثورة بالتوازى مع مطالب الحرية ومحاربة الفساد وتحقيق الاستقلال الاقتصادى ببناء قاعدة اقتصادية سليمة " صناعية - زراعية " والاستعداد لالغاء كل المعاهدات التى تنتقص من استقلال الوطن او تسرق ثرواته بتسليح الشعب وتدريبه على المقاومه وخوض حرب تحرير شعبية ... هو ده المشروع المصرى الثورى اللى بتصوره .. 
 وليد سامى واصل