الخميس، 17 سبتمبر 2015

أربعُ لوحاتٍ عن ظلٍّ عالقٍ بجدارٍ خراسانيّ .







قصة قصيرة لـــ


إسلام طارق




اللوحة الأولى

مدخل

"مرثية "



لوحة تهتز فوق النافذة الخشبية مكتوب عليها آية الكرسي بخط مذهب.. رائحة الفأر المتعفن بين الكتب.. أصوات أطفال يلعبون تحت الغرفة.. جزئيات متناهية في الصغر تسبح في آخر شعاع نور يتسرب من النافذة.. يحاول الفتى الإمساك بها دون أن يمسه النور.. رجل مربوع القامة يحاول تثبيت لوحًا خشبيًّا على النافذة..

"دق المسامير يثير أعصابي كأنه جُمَل تخترق الجسد الهش" قال الفتى.

يشكل الفتى أصابعه على هيئة دائرة يحاول حصر شيئًا ما بداخلها.

(من خلف الكوة الضيقة في جدار الزنزانة المعتمة كنت أراقبهم قبل أن أخرج عليهم.. تتدحرج الكرة مفزوعة.. تزحف خلفها سحابة ترابية تترية من أطفال حفاة يرتدون أقمصة مطبوعًا عليها صورتي مصلوبًا  .. تقفز الكرة لأعلى فتصطدم بجسد مسجي على صليب خشبي يصيح صاحبه
_ الكرة لو جات هنا تاني هقطعها!!!
يتوه التحذير وسط موجة من نباح الكلاب الضالة وأزيز البعوض ونداءات الباعة المتجولين.

على المدى حقل من الصلبان رمادية اللون تنمو على أطرافها الطحالب ونباتات الظل .. تتدلى منها أحبال ملونة مربوطة فى نهايتها أقفاص من الخوص.. ينادي من فوقها صوت نسائي:
_ اجري يا واد ع الصيدلية اديله الورقة دي واوعى تفتحها.. خليه يحطها فى كيسة سودا ..

_ هاتلي يا بني كارت شحن وشوفلنا نجار للمسامير اللي خلعت دي .. ناس معندهاش ضمير .. يبتسم صاحب الصوت: سربنا العيال.
_ يا راجل اختشي.

تتوقف الكرة تحت القدم الحديدية.. يدهسها فى تحدٍّ .. فيبتلعهم كائن الصمت. يلوح بإصبعه الدسم .. فيظهر جسدي النحيل  الذي تقصفت قامته المديدة تحت ضربات الهراوات والسياط التي تسوقه .. خلف  خصلات شعري الكثيف المتيبس برقت عيناي المكحلتان بالدماء زائغة تبحث عن نقطة المركز .. نقطة الخلاص.
دون مقدمات يركلني صاحب القدم الحديدة فى صدغي فيتدحرج جسدي فى الوحل .. وينكشف شق وجهي الذى تحطم إثر الضربة.
يشهق كائن الصمت ويلفظ الجميع الذين صاحوا بدورهم:
_ إنه السيد .. أخيرًا.
بالكاد عضلات وجهي تقوى على ابتسامة عين ذابلة .. يسبهم صاحب القدم الحديدية وهو يسحبني من شعري وسط موجة متلاطمة من العويل والنحيب والبكاء .. يبصق فى وجهي ثم يلقيني للجنود  يسحبون الجسد ثم يرفعونه على الصليب ...

الهراوات تضخمت .. سنون المسامير استطالت وصارت أشد حدة وقسوة من مناقير الغربان التي تنقب في رأسي بدأب .. أتلفت حولي .. نظراتهم اليائسة تتمسح بي .. تتوسل إليّ أنا الضعيف المدفوع بحلم العجائز والأرامل واليتامى.
_أم بدافع الخلود ؟؟
_لا لا وقت .. لترهاتك أيها الظل البغيض.
_لقد وعد الله الشيطان بالخلود حيًّا ؟؟ لماذا يجب على البشر أن يموتوا كي ينالوا الخلود ؟؟ قال الظل.
أغمضت عينيّ بقوة كطفلٍ يحاول الفرار من كابوس يطارده.
شيء ما غريب يسري بي دون تلك اللذة التي تدفقت في عروقي وهم يتوسلون إلي .. شيء آخر لم آلفه من قبل فاق كل مخططاتي للمشهد؛ سرب نمل له ملمس المسامير الحاد والبارد.
الهراوة ترتفع فى الهواء .. صوب المسمار المثبت بدقة .. تهوي على عنقه فيغوص فى لحم كفي .. تنفلت مني صرخة حادة ملتاعة .. فيتاجج النحيب والبكاء أكثر ..
(يرتد السر المقدس بداخلي.. يهوي .. دون أن يعلق برموش تقطر دمًا. يرتطم .. يتحطم .. إلا القليل يتناثر عاليًا ..عاليًا في الهواء:
رائحة خبزها الشهية تداعبني وأنا جالس بالزاوية المظلمة .. أرقب عينيها .. كفين دقيقتين بلون البنفسج يدفعان بأسى سحابة رمادية فتهطل منها فجأة موجة ذهبية تغمر الجميع في مزيجٍ ساحر.)

المسمار الثاني يخترق كفي، يتلطخ وجه الجندي بالدماء يصفعني .. يطوّح الهراوة ويهوي بغلٍّ.

(أنفاس البحر الحارة تدفع كفينا بمرح .. أقبل يدها ثم نستلقي سويًّا نرقب ماسأة إغريقية تجسدها الغيوم قبل أن ترتحل مع قافلة المغيب:

أخيرًا يتحطم السر كليًّا .. من بين الحطام يركض شيء بشدة، يطير بسرعة البراق، يخترق غشاء القلب
يحلق.
_أبت لماذا يجب أن نموت؟

يخيم الصمت .. ينفجر الجنود ضاحكين وسط صيحات احتجاج العجائز .. ينهالون علي بالضرب .. أصرخ أكثر .. أنتحب .. فجأة أشعر بيد تتحسس طريقًا لكفي الطليق  تدس شيئًا ما به.
ألتفت إليه .. وجه جاري على الصليب المجاور يبتسم وهو يهمس في حذر:
_ ترمادول أصلي مخلص من الآلام والآثام!

تتقلص عضلات وجهي في عصبية .. ثم تنفرج على .. ضحكة .. متشنجة .. عالية .. تفزع لها الغربان محتجة ..
أصرخ في جنون:
_ترمادول .. وإن صفعوني على خدى الأيسر بعد الأيمن فسأقول: أعطني نصف شريط ترمادول .. فلا أنا نصف إله ولا أنا نصف رسول !!



بالجوار يأتي صوت خجل يسأل باضطراب وكأن شيئًا ما بداخله على حافة الهاوية:

_ هو قال ترمادول ؟؟!

فتأتيه الإجابة صفعة على خده من زميله فيرتد له سلامه العميق

_يا مجسم يا ملعون، النص يؤول!

من الجانب الآخر يقفز صوت:

_ بل الملعون أنت يا معطل يا زنديق!

فقاقيع صابونية تتشابك وتصطدم، من بينها أستنجد وحيدًا
_ أبت .. أبت ..

=======================================
(
_يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ..

ابتلعت ريقي الجاف بصعوبة عبر عنقي الممدود كجذع شجرة يانعة .. إنها المرة الثالثة التي يستل فيها أبي السكين ومع ذلك يفشل .. في كل مرة يفر ظلي ويتركني وحيدًا .. أتمنى أن تكون المرة الأخيرة .. نعم .. دقائق بل لحظات تفصلني عن الجنة .. عن الحور ..
_هذا بالتأكيد أفضل من الانتحار.
قلت مخاطبًا ظلي الذى أومأ بالموافقة وهو يقترب في حذر. بل إنه بر لوالدي .. الجنة .. نظرت بمؤخرة عيني لأعلى .. السكين تلتمع فوق رقبتي في شبق لن يشبعه إلا طعم الدماء الطازج .. خفق قلبي .. أغمضت عينيّ .. تشبثت بالظل واخترت من الألوان آمنهم؛ الأخضر .. ألقيته على ظلمتي .. انفرجت شفتاي لتحررها أخيرًا
_ ستجدني إن شاء الله من الصابرين.

خلف جلد الجفن تيار ثخين يتدفق .. يتكثف .. يتسرب من تحت العين دخان فضت سخونته التصاق الجفنين .. دون أي إطار هندسي .. دون اتجاهات وجدت نفسي وحيدًا: أين الجنة؟ أين الحور؟ أين الوعد؟ .. أصرخ .. أستصرخ دون صدى يؤانس وحدتي .. أسقط على ركبتي مخذولًا، فجأة أشعر بتشقق شيء تحتي كقشرة بيضة .. تتسع الهوة .. أسقط فيها للأسفل .. للأسفل ....

أفتح عينيّ مذعورًا على وجه والدي المتهلل .. يهتف:
قم وكبر؛ لقد فداك الله .. لقد فداك الله.

أحاول استيعاب ما يجري والهوة بداخلي لم تلتئم بعد.
يقع بصري على ملاءة حمراء يتسلل من تحتها مجرى دم .. أسرع  نحوها .. أزيل الملاءة ..
أتصلب كجذع نخلة .. تهب ريح .. رأس الحسين مفصولة عن جسده، تسيل منها الدماء .. الشعر أسود سواد الليل، والشيب تقتلعه الريح من جذوره فينبت مكانه شعر أسود جميل .. العين باسمة تنظر للأعلى وكأنها صدقت ما وعدت به، والفم يفتر عن ابتسامة واثقة وكأنه لتوه فرغ من إلقاء منشور الثورة).
=======================================
ينتفض الفتى فجأة، لم يكن سريعًا لتفادي شعاع النور المقترب خلسة ناحيته, يتحول الأب نحوه ثم يعود لينهي تثبيت آخر مسمار في اللوح الخشبي على النافذة.
_ إنت مش محتاج الدوا اللي في الروشتة .. سورة البقرة تشفينا وتشفيك وتخرج البلاوي السودا اللي في جتتك.
قالها وهو يغلق خلفه باب الحجرة.





اللوحة الثانية


الأجزاء العارية في جسد الجدار تعكس دفء المصباح الكهربي .. يتحسسها بيده .. ذرات الإسمنت بارزة .. صلبة ..

عبر الباب الخشبي نفذ للداخل عنوة صوت شيخ يتلو آيات قرآنية .. ميزها سورة البقرة
"لو أن الباب خرساني لردع الصوت" تمتم محدثًا نفسه.

فرك أصابعه فخلفت ذرات إسمنتية كثيفة وخشنة .. تمنى لو أنها الحقيقة .. أخرج السماعات ودسها في أذنه .. بحث عن وجبته اليومية من الموسيقى .. فكر بأسى أنها لحظات عابرة وستهضم الموسيقى  ثم يخلفها الجسد مع إخراجاته الأخرى.
استسلم للخدر المؤقت وهو يرقب ظله المرتعش.

(الشق يوغل في التمدد كأفعى تبحث عن فريسة .. الكتب العابثة .. المرآة المكسورة تحاشى الفتى الالتقاء بها .. صدفة وردية لمعت ثم تلاشى نورها فجأة .. النافذة الموصدة بصرامة .. ارتد .. انقبض قلبه للخاطر ..
_هل كانت العين ؟ .. لا لم تكن بالتأكيد كيف تصل إلى هنا؟!
_ربما الأب .. ربما أصابته اللعنة هو الآخر؛ لعنة الغريب ذي الألف عين .. تسللت عبره أم تركها عمدًا؟! قال له الظل.

اللعنة تسري فى القرية كالطاعون .. الشيوخ يلوموننا بعد أن أكلوا اللحم وتركوا فضلاتهم نتعثر بها في الطرقات !
يلوموننا نحن! .. نسوا السنين العجاف .. أكلوا الأطفال .. لم تنجُ إلا حفنة تمنت الموت بعد ذلك .. والموت تعفف أن يمر بثوبه المزركش على القرية المظلمة الغارقة في الوحل والغائط .. حتى همس أحدهم ذات ليلة: اقتلوا القمر واسلبوا نوره وكلوه شحمًا ولحمًا، نظروا للسماء، كان القمر البكري يشتعل نورًا وغرورًا كفارس على جواده، تقازموا أمامه: كيف تقدر السحالي الموبوءة على هذا الفارس العتيد؟
إذًا، فلنقتل أباه العجوز الأحدب وعلى كل حال هو لن يخلو من الشحم والنور.
خلف الأربع نخلات العجوزات القائمات على البحيرة العطنة- كالقدر تخفوا منتظرين ساعة هبوطه، اضطربت صورته على صفحة البحيرة، انقضوا عليه، طعنوه في ظهره الأحدب، شربوا دمه وسلبوه كسوة النور ووزعوا لحمه فيما بينهم.
ست ليال مظلمة مرت، لم يتفقده قمر آخر. في الليلة السابعة،  برز البكري قلبه يتأجج بلهيب أسود لا يتحول لونه .. تظاهر أهل القرية بالجهل والبطون تشتعل رهبةً وخوفًا .. ثم ظهر الغريب فجأة.
خطواته تشي بأنه كفيف مر بينهم. الكل وعى للمحظور، بدون خبر مسبق،  في اللحظة التي مر فيها .. أُلقي في روعهم إلقاءً وكأنه قديم قدم الأزل.
الطرف يغض فرضًا، لا أحد يتجرأ على النظر في عينيه .. الجميع بلا استثناء .. يغطي جسده جلبابٌ واسع تحيطه الألف عين المسحورة، تموء كالقطط وتلعق برموشها أطرافه.

في البداية ظهرت الكرامات، علت الزغاريد والطبول والأفراح، وشاع الخبر أنه الخضر أتى برحمة من الله على أهل القرية البائسة،  ولكن بعد أن وزعت الأراضي، وقسمت، وتباينت الكروش من البطون كانت اللعنة. واليقين تكاد تنفطر له صدور الرجال ولا أحد يجرؤ على البوح.

"إنه السامري بالكاد يستر علته وعورته المجذومة تحت جلبابه الواسع" قالت النسوة متشفيات. واللعنة دائمًا على قدر المعرفة والحاجة .. من تصيبه يلزم داره .. ومن يخافها يلزم داره ..  يستحيلون جذوع نخل مبتورة الرؤوس .. أو أى شيء آخر .. لا أحد يعرف يقينًا .. لا أحد يخبر يقينًا.
وبعد الحين يأتيهم الزائر ملثمًا، يحمل أمارة شيخه الغريب، ويعرض الأعضاء المسلوبة عضوًا عضوًا شرط المقايضة، والربح دائمًا في أعضاء الديمومة.)

"اقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم" ظل الشيخ يرددها .. نفذت لأذنه .. "هل هي إشارة ؟؟ بئسًا لك من مضغة. أخلصت عمرك لإشارات عمياء !!" قال الفتى.

اقترب من النافذة بحذر، فتش جيدًا استدار وطائر الريبة لم يفارقه، اصطدم فجأة بصورة الغريب، خصره عار وضامر، مدبوغ بالنقوش، على الهامش بعض التفاصيل العارية الشائهة. الذراعان مرسلان للأعلى كفرعي لبلاب اخترقا الحجب. كادت عيناه تسقطه في المحظور.
اجتذبه صوت إيقاع الساعة (تك .. تاك .. تك .. تاك) .. صوت العظام المهشمة تحت مقصلة العقرب .. نصل العقرب يكاد يقترب منه .. يهوي على رأسه .. يراوغه .. يتفادى الإصبع المصوب نحوه باللعنات .. ويُغمِّي عينيه .. قبل أن ينطبق المشهد تنفلت منه اللعنات .. تدور في أفلاك عشوائية .. تتجمد فجأة فتتجمد اللحظة .. تعود أدراجها دائرةً في فلك هو مركزه .. تدور بسرعةٍ خاطفة .. رويدًا يترجم الحركة رقصًا .. رقصًا وثنيًّا يصاحبه صوت طبول .. تدور .. ترقص .. تتعرى أمامه الطلاسم كلمات .. يعلو صوت الطبول .. تدور .. ترقص .. تتعرى الكلمات حروفًا.
تدوي صرخة ميلاد حتى يكاد أن يكون قاب قوسين أو أدنى من المعنى .. من الأسماء، فتنقض إحداهن عليه لتنفذ عبر إحدى فتحتي خيشومه .. يشعر بها كحشرة لها ملمس رخوي رطب .. ينطلق في إثرها إحدى أصابعه ليلاحقها .. تنزلق منه .. تركض عبر تلافيف المخ مخلفةً صخبًا خَوائيًّا .. يتجاسر الإصبع أكثر.. تنقلب العين اليسرى لداخل المخ .. تدعم الإصبع .. يحاصرونها .. فتباغته أخرى محاولة النفاذ عبر الفتحة الأخرى .. يقطع طريقها .. فتعود متجهةً صوب أذنه .. ولكنه كان أسرع .. تحلق للحظات فيها يتذكر العقل أنه مدين بصرخة .. ولكنها تنبتر .. وهو يراقبها تنقض وتخترق مسام جلده العاري. يسترخي أخيرًا تاركًا جسده يتلقاها كلماتٍ .. ولكن دون الكلمات.











اللوحة الثالثة


أيقظته أنفاس القهوة الدافئة، تلثم خده دون أن يرفع رأسه عن المكتب سأل:
_إنتي جيتي يامَّهْ ؟؟
تناهى إلى سمعه صوت دبيب خافت تبعه صوت مذياع يجول فيه المؤشر حائرًا، أخيرًا يستقر، يتهادى  إلى الغرفة صوت ملائكي:
(واذكر في الكتاب مريم)

(فى كل ليلة يفور التنور .. يلتهم ما بقي وما سيبقى .. إلا البدايات، تظل كهامات الجبال السعيدة .. تبرز أسنانها المصطبغة بالألوان الاصطناعية، وينضح جوفها بالفريون منذرةً بعهدٍ جديد. وحيدًا كنت أنشد:

"في البدء كنت أريد أن أصبح حديقتك
أن يكون لي زراجين عنب وصفوف من الزهر
أن أنشر على جمالك ظلالي
لتعودي إليّ دومًا
مع ابتسامتك المتعبة, ابتسامة أم
لكن في اللحظة التي أتيت فيها ومشيت حدث معك شيء, شيء يدعوني إلى صفوف الزهر الحمراء
عندما تلوحين لي وسط الأغصان "

تراودني فيروز عن روحي فأستعصم .. لا شيء يقاطعني إلا طرقات المطر المستمرة على زجاج النافذة .. تفاقم الأمر .. فى ضيق أفتح النافذة وأصيح:
_ اتفضل يا سيدي، تشرفنا

سرت بجسدي قشعريرة، تضاءلت أمام جلال المشهد: السماء تنثر بذور الخلق الأولى .. استسلمتُ .. تركتها  تمر عبري، عدت  للمكتب ومسحت قطرات المطر عن صفحات القصيدة.

عبر سكنات الفراغ تغلغلت رائحة غريبة عني، داعبت حواسي الخمسة والخيال:
"العشب بعد المطر .. الفانيليا .. وتبغ الغجر" قلت مسحورًا.

تتبعت أثرها .. فجأة تصنمت خلف الظلمة، برقت وجنتان كسطح لؤلؤة ملساء معروقة بالندى، سبقتني يداي .. حاولت الاقتراب منها، كلما اقتربتُ ابتعدتُ، بعد مئات المحاولات وقفت على حضورها القمرى.)

_ إيه تذاكر الترام دي كلها؟ عايزها؟
_ ارميها، احرقيها
_ مكتوب على واحدة فيهم مريم وتاريخ !! اتنين، تلاتة، كلهم .. و .. سماري؟
_ السامري.
_ مين دول؟ قالت الأم وهي تغمز بعينها.
_ إشارات. قال هازئًا.
_ طيب خلاص متتحمقش كده.. أسيبها؟ هسيبها.

(... الثوب منحسر عن قدمين متعانقتين مشدودتين كأنهما على صراط من خيط عنكبوت على الحد الفاصل بين كونين. أكانت تنظر نحوي أو من خلالي أو إنها كفيفة؟ لا أعرف بالتأكيد. لا تحدثني ولا يظهر عليها أنها تسمع حديثي ..
تظل شاخصة النظر ثم تنتصب فجأة، تتحسس الخطى ثم تطلق العنان لساقيها؛ لترقص رقصاتها المرحة دون أن تغادر الصراط،  تقفز لأعلى وتختفي.).

_ فيه ريحة وحشة في الأوضة.
_ مش شامم حاجة.
_ محدش بيشم ريحته.
_ محدش .. محدش فلقتونا بسي محدش رضي الله عنه .. محدش بينام من غير عشا، محدش بيموت م الجوع .. محدش ده كان محشش وعريان الطيز.

(... يتوالى الظهور حينًا وينقطع حينًا وبينهما كنت معلقًا.
ذات ليلة جلست قبيل النافذة الموصدة فحالت هي بيننا. من الأسفل نظرت خلف ستار النور المسدل، هب نسيم، اختلجتْ على إثره ثمرتا برتقال متفتقتان سأمتا الانتظار وتتوقان إلى الفرار. نفثت دخان لفافتي الكثيف وحاولت استجماع حروفي المبعثرة دون أن أعبأ بحدود اللاممكن الذي أعرفه. نطقت، قلت إني أعلم أنكِ في كل مرة تسلبينني شيئًا وإنني لا أعترض. إنني أهيم بكِ وسأعطيكِ الذهب. دون أن تغادرها نظراتها المبهمة، اقتربت هى لأول مرة.).

_رجّعوا الدهب
_أها
_بعتيه؟
لوت بوزها فى اشمئناط وقالت:
_دبلة ومحبس!

(... دنت أكثر، قالت وهي تنظر من خلالي: وماذا عنها؟،أجبت بلهفة وكأن السؤال موجه إلي:
أبلة فضيلة؟ احترقت كما احترقت أثمال إبراهيم البالية في نيران التجربة، وبقيتِ أنتِ يا غجريتي .. كرامتي الأبدية .. ولعنتي الأبدية.
لوهلة تلذذت بصوت اشتعال التبغ واشتعال وجنتيها. انفصلت عني، ثم اختفت.).









اللوحة الرابعة


المصباح تتفجر منه أشعة الضوء، تحتل ذراته الصدأة الفراغ، يتحاشاها الفتى, ينفضها عنه، يحك جلده حتى يسيل دمًا. النحيب من حوله لا يهدأ، كلما لمس شيئًا يتحول لمأساة. إذا أمسك القلم سمع صوت أناته وأنات الورق من تحته .. عديد فتات الكوب الزجاجي المهشم، ليست له خاتمة.
يفر مذعورًا ..إلى أقصى زاوية بالغرفة .. يلملم أطراف الظل ويتدثر به .. تجحظ عيناه ناظرة صوب النافذة الموصدة.
_أتتوق للنور أم هي شهوة الفرار؟ قال الظل.
يريح مؤخرة رأسه المرهق على الحائط الإسمنتي. ويعتصر عينيه من آخر قطرات الضوء بها.

(الأذن تعرج إلى السماء فتصير نصف قمر عاريًا يكسوه ضوء كذب فبهت. تصيخ الأذن السمع، تتلقف الصوت القادم عبر الأثير.

من بعيد تسبح صلاوات غربان بقلبها يعزف ناي منفردًا .. يخبر أن نديمه هو قابيل وينشد:
"على صدر زنبقة سوداء جرحٌ أبيضُ لا يندمل
حين يدلف المساء يهدأ وفي الصباح يتقد
يسيل منه النور كاللعاب .. كالزبد
وسفينة صاريها صليب من ذهب وشراعها جناح غراب يحمل وزر خطيئته للأبد"
ينقطع الصوت إثر شهاب ينطلق صوب الأذن .. يمسها .. تحترق .. تتبدد في الفضاء.
 



 

الأحد، 30 أغسطس 2015

ابن بطوطة " بالمصرى الفصيح " الحلقة التالتة .






فى الحلقة دى هنتكلم عن بن بطوطة والصوفية .


ابن بطوطة فى رحلاته ارتبط بالصوفية وكاد انه يترك حبه للترحال أكتر من مره لخدمة أحد أولياء الله الصالحين , المهم بيورد فى كلامه تحت عنوان " كرامة لأبى الحسن الشاذلى "
فى ذكر حزب البحر المنسوب اليه ...
- كان أبو الحسن الشاذلى يسافر فى كل سنة على صعيد مصر وبحر جدة , فكان اذا ركب السفينة يقرؤه فى كل يوم وتلامذته الى الأن يقرؤونه فى كل يوم وهو هذا ..
(( يا الله يا على يا عظيم يا حليم يا عليم أنت ربى وعلمك حسبى , فنعم الرب ربى ونعم الحسب حسبى " يقال انه للحسن بن على رضى الله عنه " , تنصر من تشاء وأنت العزيز الرحيم , نسألك العصمة فى الحركات والسكنات والارادات والخطرات من الشكوك والظنون والاوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب , فقد ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً ليقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله الا غروراً , فثبتنا وأنصرنا وسخر لنا هذا البحر كما سخرت البحر لموسى عليه السلام , وسخرت النار لأبراهيم عليه السلام , وسخرت الجبال والحديد لداود عليه السلام , وسخرت الريح والشياطين والجن لسليمان عليه السلام , وسخر لنا كل بحر هو لك فى الأرض وفى السماء والملك والملكوت , وبحر الدنيا وبحر الأخرة , وسخر لنا كل شىء يا من بيده ملكوت كل شىء ..
* لحد هنا تمام , الجزأ الباقى بيظهر فى تكملة الدعاء بدايات بعض السور القرأنية وبيستخدمها بطريقة الدعاء وبفهم مختلف زى " يس - كهيعص - حم " ...
كهيعص , حم , عسق , أنصرنا فأنك خير الناصرين , وأفتح لنا فأنك خير الفاتحين , وأغفر لنا فانك خير الغافرين , وأرحمنا فانك خير الراحمين , وأرزقنى فانك خير الرازقين , وأهدنا ونجنا من القوم الظالمين , وهب لنا ريحاً طيبة كما هى فى علمك , وأنشرها علينا من خزائن رحمتك , وأحملنا بها حمل الكرامة من السلامة والعافية فى الدين والدنيا والاخرة , انك على كل شىء قدير , اللهم يسر لنا أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا , والسلام والعافية فى ديننا ودنيانا وكن لنا صاحباً فى سفرنا وخليفة فى أهلنا , وأطمس على وجوه أعدائنا وأمسخهم على مكانتهم فلا يستطيعون المضى ولا المجىء الينا , ولو نشاء لطمسنا على أغينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون , ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون .
يس الى فهم لا يبصرون , شاهت الوجوه وعنت الوجوه للحى القيوم , وقد خاب من حمل ظلماً , طس طسم حم عسق , مرج البحرين يلتقيان بينمها برزخ لا يبغيان حم حم حم حم حم حم حم حم الأمر وجاء النصر , فعلينا لا ينصرون , حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب , ذى الطول , لا اله الا هو اليه المصير , بسم الله بابنا تبارك حيطاننا , يس سقفنا , كهيعص كفايتنا , حم عسق حمايتنا , فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم , ستر العرش مسبول علينا , وعين الله ناظرة الينا , بجول الله لا يقدر علينا والله من ورائهم محيط , بل هو قرأن مجيد فى لوح محفوظ فالله خير حافظاً , وهو أرحم الراحمين , أن وليى الله الذى نزل الكتاب , وهو يتولى الصالحين , فان تولوا فقل حسبى الله لا اله الا هو , عليه توكلت وهو رب العرش العظيم , بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شىء فى الأرض ولا فى السماء , هو السميع العليم ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم , وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم ..
* طبعا للتذكير ان بن بطوطة عمل رحلاته فى القرن الرابع عشر بعد تصفية الأمارات الصليبية وانحسار التتار , ومن ناحية تانية بيرصد انتشار الطرق الصوفية من طنجة الى الصين والهند على امتداد العالم الاسلامى .

وليد سامى واصل

ابن بطوطة " بالمصرى الفصيح " الحلقة التانية .





فى الحلقة التانية هنشوف بعض طرائف رحلات بن بطوطة خاصة فى مصر .


فى البداية بن بطوطة دخل الاسكندرية بيحكى انه زار دمنهور وصفها بأنها أم مدن البحيرة بأسرها وقطبها الذى عليه مدار أمرها , وبعدين راح المحلة الكبيرة " المحلة الكبرى " وبعدين على مسيرة يوم من المحلة الكبيرة بلاد البرلس ونسترو وهى بلاد الصالحين وبها قبر الشيخ مرزوق المكاشفات , فقصدت تلك البلاد بزاوية الشيخ المذكور , وتلك البلاد كثيرة النخل والثمار والطير البحرى والحوت المعروف بالبورى , ومدينتهم تسمى ملطين " بلطيم " ..


كان فيه طائفة فى دمياط اسمها " القرندرية " ابن بطوطة بيقول عنهم / وهم الذين يحلقون لحاهم وحواجبهم , وهم قاعدين فى زاوية اسمها زاوية الشيخ جمال الدين والراجل ده هو السبب فى موضوع حلق اللحية والحواجب وبيورد قصته كالأتى / يذكر أن السبب الداعى للشيخ جمال الدين الساوى الى حلق لحيته وحاجبيه انه كان جميل الصورة , حسن الوجه , فعلقت به امرأة من اهل ساوة وكانت تراسله وتعارضه فى الطرق , وتدعوه لنفسها , هو يمتنع ويتهاون , فلما أعياها أمره دست له عجوزاً تصدت له ازاء دار على طريقه الى المسجد وبيدها كتاب مختوم , فلما مر بها قالت له " يا سيدى أتحسن القراءة ؟ " قال نعم , فقالت له " هذا الكتاب وجهه الى ولدى , وأحب أن تقرأه على " فقال لها نعم , فلما فتح الكتاب قالت له " يا سيدى ان لولدى زوجة , وهى بأسطوان الدار , فلو تفضلت بقراءته بين بابى الدار بحيث تسمعها " فأجابها لذلك , فلما توسط بين البابين أغلقت العجوز الباب , وأخرجت المرأة جواريها فتعلقن به , وأدخلته الى الدار , وراودته المرأة عن نفسه , فلما رأى أن لا خلاص له قال لها " انى حيث تريدين , فأرينى بيت الخلاء " فأرته اياه , فأدخل معه الماء وكانت عنده موسى جديدة فحلق لحيته وحاجبيه , وخرج عليها فاستقبحت هيئته , واستنكرت فعله , وأمرت بأخراجه , وعصمه الله فبقى على هيئته فيما بعد , وصار كل من يسلك طريقته يحلق رأسه ولحيته وحاجبيه .


واضح ان طغيان القاهرة الكبرى وارتباط اسم البلد بيها قديم جدا , ابن بطوطة بيقول / ثم وصلت الى مدينة مصر , هى أم البلاد وقرارة فرعون ذى الأوتاد , ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة المتناهية فى كثرة العمارة المتباهية بالحسن والنضارة , مجمع الوارد والصادر ومحط رحل الضعيف والقادر , وبها ما شئت من عالم وجاهل , وجاد وهازل , وحليم وسفيه , ووضيع ونبيه , وشريف ومشروف , ومنكر ومعروف , تموج موج البحر بسكانها وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها وأماكنها , شبابها يجد عل يطول العهد , وكوكب تعديلها لا يبرح عن منزل السعد , قهرت قاهرتها الأمم , وتمكنت ملوكها نواصى العرب والعجم ولها خصوصية النيل الذى أجل خطرها وأغناها عن أن يستمد القطر قطرها , وأرضها مسيرة شهر لمجد السير , كريمة التربة مؤنسة لذوى الغربة ! واضح ان مفيش فـايدة :/ 

وليد سامى واصل

ابن بطوطة " بالمصرى الفصيح " الحلقة الـأولى .



ابن بطوطة راجل مغربى واسمه ابو عبد الله محمد بن عبد الله بن ابراهيم اللواتى الطنجى , يعنى من مدينة طنجة فى المغرب. المفروض انه كل شاب فى الفترة دى بيدرس الدين والفقه وبينجز المسألة دى على سن التلاتين ويبقى شيخ ويبقاله تلاميذ بقى وهكذا ,لكن بن بطوطه كان مغامر وبيحب التجوال , فهو قرر يوقف دراسته بس مينفعش يقول قدام الناس وقتها انه خارج عشان يعمل مغامرة ويقولهم   bye guys , see you later

مينفعش الكلام ده , فالحل انه يقول انه رايح العمرة عشان يزور الكعبة وقبر الرسول , ولان هدفه الترحال فمخرجش مع الرحلات بتاعت العمرة ولكن خرج لوحده على طول الطريق , ومكنش معاه فلوس كفاية لكن احنا بنتكلم فى القرن الرابع عشر يعنى 1300 وانت طالع والوقت ده كانت الأمارات الصليبية تم تصفيتها وانحسر خطر التتار تماما , وكان فيه امان نسبى من أقصى الغرب الى اقصى الشرق فى العالم الاسلامى , فهو خرج من طنجة فى الغرب ومشى لغاية الصين والهند .
المهم فى رحلته دى محطات يعنى لازم نتوقف عند كل محطة منها ونتناولها بشكل ما , ممكن نخرج بتحليل معين حتى يرتبط بواقعنا الحالى أو الطرائف اللى فى رحلته والمشاهدات اللى شافها خاصة فى مصر , فأنا على طول رحلتنا مع ابن بطوطة هختار شوية محطات نقف عندها ونتكلم فيها ..
 

فى البداية لما وصل لتونس , كان راكب مع قافلة غريبة ولما نزلوا مدينة تونس فالناس رحبت بالقافلة وناسها الا هو لانه غريب , فهو زعل فخد باله أحد الناس وراح قربله ورحب بيه وخده بالحضن " ازيك وحشنى انت مبتجيش ليه " المهم حكاله انه تعرض لنفس الموقف فى الأندلس وانه احد الناس حس انه غريب فراح سلم عليه واتعامل معاه بود , طبعا بن بطوطة كان سعيد جدا والحقيقة انا اتأثرت بالموقف ^_^ .

هو الحاصل انه كان فيه ود كبير بين الناس بعيدا عن الصراع السياسى , وبعدين فيه فكرة بن السبيل اللى بيتم اكرامه وهو ده السبب انه يكمل رحلته , لما نزل تونس اكرمه احد الناس واداله فلوس عشان يكمل رحلته , وهكذا هيفضل طالع واكل ونازل واكل , المهم انه اتجوز بنت من تونس ولما راح ليبيا اختلف مع ابوها فطلقها واتجوز واحدة تانية
عادى يعنى لا فيه مشاعر تشاور ولا تودع مسافر ولا شغل اه يا ليل ده خالص , الراجل واقعى جدا
 

طبعا فى الطريق لطرابلس فيه قبائل شغالين فى قطع الطرق , ولولا ان معاهم حمايه من 100 فارس كان بن بطوطه بقى وليمه على الغدا , تخيل بطوطه وزنها 70 كيلو فى المتوسط يعنى ..
 

 المهم انه الملاحظ فى الفترة دى انتشار الطرق الصوفية وده اللى هيبدأ يتضح مع دخوله مصر , ابن بطوطه كاد انه يترك الرحلة اكتر من مره عشان يخدم عن احد الاولياء الصالحين , وتلاقيه كل شوية فى مصر يقولك المدينة والشيخ اللى فيها وكرماته كانت ايه ..
الحلقة الجاية هنبدأ بقى من دخوله اسكندرية وبعدين دمنهور والمحلة الكبرى وشوية مدن فل , ده مبدأيا أرضية حدوته بن بطوطه .

وليد سامى واصل

نـــوار



قـصـة قـصـيـرة لــ اســلام طــارق .


1

                                 
نادى هاتف :  ايها الحادث قم واخرق ظلمة الجدث , واخرج لظلمة من فوقها تحرسها وابحث عن الحارس ... اطعن الحارس واسلبه نجمتى عينيه والقمر المنجل بين يديه , واتبع فراشات الرمل ليم الرمل الذى يصب ويجرى بين قبتى الساعة الرملية , وانتظر ... حتى يشق صدر البحر الحوت ويطل براس يمتطيها العجوز مظلم العينين .   ثم صمت وكانه تلاشى
قال الفتى مرتعدا _ ولكن ما انا بجدث ولا انا بفارس ؟
نطق الصوت _ انت الفارس وانت الحارس . _ثم ماذا ؟ هتف الفتى لكن الصوت تبدد واختفى .
_ هذا الفتى ظهره مقوس وكأنه يحمل الامانة وحيدا !!
نطق عفريت من الجن والتحف جسده بالتراب وغاب .

ثمان ساعات هى وقت خدمتة العسكرية التى قضاها راقدا على بطنه فى طل يناير المسنون _ مكدرا _  خفية يقضى حاجته وهو واقف حتى لا يلحظه احد .. عندما شعر بحسيس خطوات تقترب من الخلف , تشبث بالسلاح فوق ظهره ..
_ ايه يا بلد ؟؟  قال المجند البديل
تنفس الصعداء _ طيزى نشفت وبقيت جلد ..
_ خدلك عمود دخان
_ ولع
_ تلاتة عادة وليل طويل ؟
_ لا سنة عليا يا جميل
_ سنة عديت وانت لسه موجود ؟
_ دى حكاية طويلة . واتكأ على الارض مستعدا للوقوف ففجاءة صراخ المجند الذى جمد اعضائه _ لا رايح فين اعمل معروف .. الصول قال ترقد وترقد لحد ما تبيض .. بيض مفيش !! بكره هتوسطلك ترفع ضهرك شبر شرط الاستقامة .
زحف حتى المبيت مخلفا على السطح الرملى خط متعرج بعرض الجسد .
والحكاية ان السعيد ابن السعيدة التحق بجيشه ابن سبعة وعشرين عام ليس لانه خريج طب يا سمح النية ولكن لرسوبه المتعمد والمتكرر بالدراسة حتى احيلت اوراقه اخيرا الى مفتى المنطقة العسكرية الذى افتى بسنة جيش مما تعدون وثمانية شهور مما يعدون والسنة فى الجيش مهما طالت
سِنَةٌ من النوم لولا ما حدث .. قبل ارسال ملفه بايام لسجلات التجنيد دخل نوار مسجد الوحدة فلكل نفس حاجتها وعلتها وعلة نفس نوار النوم , اسند السلاح قائما على الحائط فوق راسه , واراحها على الارض الرطبة الملتحفة بحصيرة مهترئة ونام .. لما فتح عينيه اكفهر وجهه ولعن وسب احدهم غافله وسرق السلاح وهذا مما لا يحمد عقباه ولو الامر توقف عند الاستجداء فالاستدعاء والجزاء لكان خير , ولكن القائد بعد ان بحلق فيه طولا وعرضا قرر ان المجند نوار مذهول ومسطول واصر ان يكون اسمه على رأس كشف تحليل المخدرات .ٌ

بعد انقضاء العشرة ايام اتى التقرير الذى اصبح نادرة الوحدة حتى اليوم مكتوب فيه بخط غاية الاناقة : نحيط علمكم ان  عينة دم المجند نوار تعتبر مصفاة من اجود وافخم انواع الخمور (قطفة أولى ) تركيز الكحول يتجاوز 30 % .  




************************************************

                                              
   2

كادتهم
ضحكاتهم تفلق القمر والحجر الى ان ذكر اسمه سهوا .. افلتت لظة سكون قبل ان  يهيجوا ويميجوا فى فرارهم المذعور.. يدوس اخرهم اولهم واعلاهم اسفلهم كأن طائر الموت يحلق فوق رؤوسهم جميعا .
لم يتبقى الا ثلاثة رابعهم الصمت يقف بعد ان فقد هيبته وهدمته الا من ورقة توت وحيدة كادت تسقط من فوق عورتة لولا كركرة الشاى المغلى بالبراد ذو الكرش النحاسى الملتهب بحمرة فوق نيران الراكيه .
صب ثلاثتهم الشاى وراحو يحتسونه بصوت فظ لكنه يؤنسهم ويألفونه .
اخرج كل منهم منديل كان يصره وفتحه ..

الاول نظر بداخله .. نهد وبطن وفخذيين جسد شهى مرسوم بخطوط حمراء تتلوى حول نفسها بحرارة مثل الحيات مكتوب اسفله نوار .. بسمل صاحبه وصر المنديل بجيبه وبكى قائلا _ اين اراضيك الان يا نوار ؟

نظر الثانى بقلب منديله المشرق بالوجهة البلوري المتلألئ مريم العذراء مرسومة بخط معشوق بالخط على الخد دمعة وحيدة مثل الكف فى وجه الحاسد واللائم وابن الحرام .. ضمها صاحبها لصدره وبكى : علبة سجائر بختم ربها مقابل الصورة !! والله ما وفيتك حقك يا نوار .. بالأرض أنت أو بالسماء يا ابن الحلال ؟

قال ثالثهم اسمعوا ما خط لي نوار
( وكم ذات جواك يا ابن ادم _ منحوت في لوح الملكوت _ عشان تشوف بصيص النور طقسا تحرقهم قرابين وبخور _ للاجلك يا نور مش خسارة .
وتقبض ع البشارة والاشارة ... النور .
فرحان وغرور فيقرصك شيطانك من ودانك ويسألك سؤال يجيب اللى وراك ادامك ويبيعك عيشك وادمك ويدوب كعوب رجليك
يا ترى يا حلو دى اشارة ولا زهرة سيجارة  ؟ )

اشار ادهم للاعلى صوب روح النجم المعلق فى السماء _ ربما هذا نوار رفع للاعلى ؟  فيشد زميله أذنه : وهل ترفع الروح قبل ان تصلب او تحرق يا مخبول ؟
ثم يعودوا للاحتساء الشاى . 

*************************************  

                                               3

تسلبونا أعمارنا انتم !! أما الزمن فلا احد يملكه لذا انتم لا تملكون .

صرخ نوار وهو ينبش وحيدا فى الصحراء الخالية ويهيل الرمل الساخن على رأسه : يارب الصخر له عمر والزهر له عمر والنسر له عمر فلماذا يارب الأعمار ترفع أصابع رحمتك عن نوار ؟ النسر على العلم ربما بهت او حلق هناك .. فى السماء فلماذا يلزمني القائد التنقيب عنه هنا مثل الكلب الحزين فى الصحراء لو أنى وجدت الزمن مخبوء بزلعة أو قنينة لانتهى كل شيء كل شيء .. 

*********************************************


                                                4   


وقف يتباهى ببذلته الأنيقة أمام  قرينه في المرآة , فوق كتفيه النجمات اللامعات والنسر يستلقى على جانبه المدهون بالزيت مثل فرد حمام محشو بالفريك .. فكر في هذا وهو يربت على كرشه المطيع المدشن بما لذ وطاب , ذكرته صورته على رغم صرامتها والحزم النافذ من عينين تخضع لحدتها رقاب بصورة ممثل هزلي يكرهه فبصق فورا على ظله اللعين الذي بث في النفس الزكية هذه الأفكار وتساءل حائرا لماذا خلق الإنسان ظلا وصورة ؟ ثم عاد يدلل نجماته الصغيرات : النجوم كثيرة والأعمار أكثر ولكن لكل شيء نهاية .. ما أبخلك يا زمان !!

****************************************

                                
                                         5


- القائد مش عايز يشوف خلقتك يومين . وامج باصبعه على العدد .. قفز الفتى من الفر وسأل – يعنى انزل اجازة ؟
ولاه الصول ظهره ولم يجيب .

تدريجيا كانت فرحته الطفولية الاولى بالمدنية وشوارعها وفاترينا المزهوة بمصابيح النيون الملونة قد بدأت تبهت .. خلع زيه الميرى وارتدى الملكى ثم توجهه للمقهى فى صمت .
أول ليل فى الاجازة طل وقد مدد جسده وساقه فى وجهه الفتى بلا اكتراث : الليلة ستمر ( أرديحى ) ولا ايه ؟  حدث نفسه وهو يراقب ما حوله .. فتى اخضر يبحلق بامرأة أربعينية ترتدى العباءة الخليجية وتشرب النرجيلة .. تتجاهله والشقوق المكشوفة بالجسد البض يتربع فيها الحى منا وينام , واخر يصب من صفيحة ذهبيه تتشبه قالب وقالبا بصفائح البيرة يدلق الكأس فى فمه دفعه واحدة ثم يتضاك بفظاظة ويطوح كأنه سكير !!
طفح الكيل كلها محاولات بائسة لبلوغ عتبة تأثير الخمر . قال ذلك وهو يسقط رأسا على باره المحبب .. انشرح صدره أول ما دخل : التكيلا عتبة الباحث والمريد . هتف بنشوان الظمآن الذى سيرتوى صاح – واحد عتبة لو سمحت .
_افندم ؟
_ اسف واحد تكيلا ..  ابتسم النادل واحضر طلبه على الفور .

ما يعجبه بالمكان خشب الارضية والمقاعد والسقف المعتق باعترافات قاطنيه المذهلة دائما , والروح الشريرة المطمئنة التى تهيم بالمكان .
بعد الكأس الاول بدأت تفاصيل وجهها تنشع بين وجوهه الحضور : اللعنة !! وقع نظره عليها ابتسم فابتسمت له واشارت له ان تنضم اليه ..اشار لها انه لا يملك مال فادارت نصف وجهها عنه ونصف فخذها كاشفه عن اصالة بضاعتها اذا ما بدل رائيه: يالله الورك المنتوف مثل ورك فرخة حمرته تشي بمعركة طاحنة بين سطحه الكريمى الناعم ولسان الحلاوة النتف الذى لا يرحم .. قرص على لسانه وهو يخاطبه : لو كنت لسان حلاوة يا حزين لما جلست هكذا .. مهلا ايها الالمعى وما الفرق بينها وبين قديستك على كل حال ؟ الفرق الوحيد ان هذه تمنح بضاعتها مقابل الدفع الفوى اما الاخيرة فبالتقسيط المريح المريــــــــح حتى تمـــــوت وتستريح .. أأأه من الجسد لعنتك وعارك المستديم لما أن اوانه قلتى هذا فراق بينى وبينك .. لو تعلمين ان بالجسد محراب وقباب خلقت للترهبن والصلاة فيها , اتسأئل عن رأيها بعد حملها الاول !؟؟
اهتز الهاتف الخلوى ورن _ الو نوار . قال صاحب الصوت .. هتف نوار بشوق جلى _ انت فين وحشتنى جدا ؟؟  تراجع صاحب الصوت عن اقدامه واتخذ صوته نبرة محايدة باردة .. ألمته – موجود كنت بطمن عليك . دعاه نوار للحضور .. غمغم ثم سأله فجاءة – انت بخير . رد أنه حى وبسبعة ارواح – فلتنتحر بواحده اذن وتخبرنا عما هناك . قال صاحب الصوت ثم ضحك وودعه واغلق الخط :   انتحر !! اتفهم مدى الاحباط الذى اصابكم لكل هذا التأجيل ولكنى قررت الا انتحر ربما سأنقرض ولكن لن انتحر .. ولما لا وقد صدقوا ؟؟  ستتجرع مرارة النفى ( سيك ) دون أن تحظى فرصة ( كسره ) بحلاوة السفر اللاذعة , وليكن .. تحسس جيبه هل الامر يسحتق كأسا اخرى ؟ طلب كأسا اخر .

**********************************************


                                              6


نادى الهاتف : يا نوار فاذا ما شق الحوت صدر البحر وطل برأس يمتطيها العجوز مظلم العينين أمنحه النجمتين واركب بطن الحوت ولا تغفل ذكر رب الملكوت فينساك الحوت فى بطنه وينساك الموت.. حتى اذا ما لفظك فى ظل شجرة لا شرقية ولا غربية .. ارفع المنجل وحطم الساعة الرملية والتحم بالزجاجة الدرية .. بالنور . – والزمن .  قال الفتى
رد الصوت – الوقف قبلة النور ومفتاح الزمن فلتكن ابن وقتك .
- ولكنى ابن ضال .
-        أن تبره يبرك . وتبدد الصوت واختفى .

عاد الفتى لحيرته ولما ضاقت به الارض نظر للسماء فاصطدمت عيناه بالقمر الذابل مثل خصية هرمه متهدله , ينسكب منها ضوء اصفر سقيم .. الشعاع يتكأ على الشعاع وبالكاد يصل لغايته .. لفتت انتباهه البقعة الصفراء التى احدثها الضوء على الحائط , مكتوب بخط سيئ ( الجيش مصنع الرجال)  . فوقها نموذج ( كروكى ) للجندى النموذجى : خوذه مقببة مثل ظهر سلحفاء , اسفلها شارب يتكأ فوق شفة مبتسمة , وينتهى بتأفيزة محكمة وبيادة . – الجندى السيكا !!
هم ان ينصرف عنه لكنه عاد بظهره ورا يحاكى وقفته المتشنجة بحركات هزلية ساخرة .. فجأة تصنم عندما شعر بجسد يتحسس رقبته ويغوص فيها .. حاول الالتفات لكن الكف المجهول احكم الخناق على رقبته وجذبه للخلف نحو الحائط .. لا يعرف كيف افلت منه , جرجر قدماه بعيدا عن الحائط ثم رفع رفع رأسه نحو .. كانت البقعة الصفراء قد بدأت فى الاتساع دهشة .. انتفض جسده لما رأى ثم سقط على ظهره .

أحضر الوان الزيت واصابع الفحم , كل مستلزمات الرسم , وركض نحو الحائط .
فى نظره لم يكن التصوير هو الابداع لكن ما أسماه بالنفخ واللمس العيسوى هو الابداع بل الخلق ذاته .. يمد فرشاته على الخط اليتيم والتائهه فى ورق مهملة او حائط .. على نقوش الرطوبة فيجعل منها وشم واغنية شعبية , للايمانه الشخصى انها رسائل او لغة بكر , جسور تمدها أطياف وارواح تشتاق الوصل والوصال , وهذا ما قرر فعله الان .
راح يربت بالريشة على الحائط حينا ويصفعه حينا , يطعنه , ويدغدغه .. خلع كل ملابسه ووقف يناغى الحائط مناغاة الانسان الاول والاخير .

حينما انتهى كان القمر قد نفض عكارته عن صدره وعرج عاليا .. عاليا فى السماء ينفخ روحه الفضية فى حبات الرمل وذرات الهواء واغنيات الضفادع العاشقة والهوام ونقوشة الراسخة على الحائط فتضوى وتشع حياة .. لما وقعت عيناه على ما أنجز خلب عقله .. وثب ورقص وجاب المكان كله عاريا .

اخيرا هدأ بعد ان اجهده طول الرقص .. نظر للسماء خجلا وردد بين شهيقه وزفيره المتلاحق

فامش الهوينا ان هذا الثرى .. من اعين ساحرة الاحورار

ابتسم ابتسامة حوراوية ناصعة اشرق لها وجهه الاسمر المخضب بحمرة خجل صافية .  

****************************************** 


                                          7   


هرول الصول الى مكتب القائد ململما اشلاءة التى فرت مما رأت .

بدا اليوم طبيعيا مثله مثل باقى ايام العسكرية تطل ببلادتها المعهودة دون اكتراث احد للحضور او الانصراف .. ارتدى وجهه الصول وجهه الصدا وخرج عليهم بخطوات واسعة .. ثم وقف فى الطابور يزنه , ويقلبه بحاسته العسكرية المدربة التى الهبها فجاة خطا ما شئ تزحزح عن موضعه .. نظر عيون الجنود كانت العيون تتهامز وتتلامز على غير عادتها .. خار فى وجوههم ... سكنوا للحظة ثم عاد الهمس لغوا لجيا ليس له نهاية او بداية .. صاح الجندى ( السيكا ) – وراك يا فندم
تلفت خلفه وصعق .

شرق البؤبؤ الاسود وغرب فى فلك الطقة البيضاء المشدوهه امام المشهد العجيب .. كان الحائط ملبد بسيل جارف من الوان ورسوم تجتاج كل ما يعترضها وتخلب لب رائيها فلا يستعيده ابدا . 
اجتذب نفسه مما كانت مقدمه عليه واستدار بعد ان نفض ما راى عن راسه : من فعلها ؟  صرخ القائد فى وجوههم , انكمشت اجسادهم ولم يرد , مال الصول عليه – يا فندم لقد اظهر الله الحق .. وحق شنب جنابك الطاهر الوحدة معششة بالعفاريت وهذه البداية فقط . حدجه القائد بنظره قفز اثرها متر للخلف  - هو عفريت واحد هاتولى المذهول
أأنت فعلت هذا ؟
- اسالو كبيركم ان كانو ينطـ.. نطق كبيرهم على الفوار
نوار وامن خلفه الصغار.
دار القائد حوله يجرجر ظله خلفه حينا ويجرجره حينا حتى استقرا اخيرا على راى . – ارسملى حمار .
تفحصهم بعين ثعلبية وابتسم – اوى ايهم يا فندم ؟
- حمار واكتب عليه نوار وده تمام خدمتك ثلاثة ايام بلياليها وبعدها ساقرر مصيرك .

مر اليوم الاول والثانى فى اليوم الثالث اختفى نوار تماما ..بحثوا حتى نحلهم البحث ولم يظهر , عندها اصبحت سيرته واسمه أحجية .

يتطير بها قوم قالوا انه عفريت اتخذ من اللحم الادمى حيلة لظهوره وليعاذ بالله .

ويتبرك بها قوم قالوا انه توفاه الله وله ميعاد ظهور وغابو يحسبونه بالأرقام والأفلاك والشهور .

وآخرون يستعيذوا بالله منه ومن شر حاسد اذا حسد ومن شر سجن ( العازولى ) الذي لا يشفع فيه احد .

على كل حال التحف جسد نوار بالغياب وبقيت النقوش الملونة راسخة على الحائط .. سيل جارف يجتاح من يعترضه ويخلب له رائيه فلا يستعيده أبدا .