قـصـة قـصـيـرة لــ اســلام طــارق .
1
نادى هاتف :
ايها الحادث قم واخرق ظلمة الجدث , واخرج لظلمة من فوقها تحرسها وابحث عن
الحارس ... اطعن الحارس واسلبه نجمتى عينيه والقمر المنجل بين يديه , واتبع فراشات
الرمل ليم الرمل الذى يصب ويجرى بين قبتى الساعة الرملية , وانتظر ... حتى يشق صدر
البحر الحوت ويطل براس يمتطيها العجوز مظلم العينين . ثم صمت وكانه تلاشى
قال الفتى مرتعدا _ ولكن ما انا بجدث ولا انا بفارس ؟
نطق الصوت _ انت الفارس وانت الحارس . _ثم ماذا ؟ هتف الفتى لكن الصوت تبدد واختفى
.
_ هذا الفتى ظهره مقوس وكأنه يحمل الامانة وحيدا !!
نطق عفريت من الجن والتحف جسده بالتراب وغاب .
ثمان ساعات هى وقت خدمتة العسكرية التى قضاها راقدا على بطنه فى طل يناير المسنون
_ مكدرا _ خفية يقضى حاجته وهو واقف حتى
لا يلحظه احد .. عندما شعر بحسيس خطوات تقترب من الخلف , تشبث بالسلاح فوق ظهره ..
_ ايه يا بلد ؟؟ قال المجند البديل
تنفس الصعداء _ طيزى نشفت وبقيت جلد ..
_ خدلك عمود دخان
_ ولع
_ تلاتة عادة وليل طويل ؟
_ لا سنة عليا يا جميل
_ سنة عديت وانت لسه موجود ؟
_ دى حكاية طويلة . واتكأ على الارض مستعدا للوقوف ففجاءة صراخ المجند الذى جمد
اعضائه _ لا رايح فين اعمل معروف .. الصول قال ترقد وترقد لحد ما تبيض .. بيض مفيش
!! بكره هتوسطلك ترفع ضهرك شبر شرط الاستقامة .
زحف حتى المبيت مخلفا على السطح الرملى خط متعرج بعرض الجسد .
والحكاية ان السعيد ابن السعيدة التحق بجيشه ابن سبعة وعشرين عام ليس لانه خريج طب
يا سمح النية ولكن لرسوبه المتعمد والمتكرر بالدراسة حتى احيلت اوراقه اخيرا الى
مفتى المنطقة العسكرية الذى افتى بسنة جيش مما تعدون وثمانية شهور مما يعدون
والسنة فى الجيش مهما طالت سِنَةٌ من النوم لولا ما حدث .. قبل
ارسال ملفه بايام لسجلات التجنيد دخل نوار مسجد الوحدة فلكل نفس حاجتها وعلتها
وعلة نفس نوار النوم , اسند السلاح قائما على الحائط فوق راسه , واراحها على الارض
الرطبة الملتحفة بحصيرة مهترئة ونام .. لما فتح عينيه اكفهر وجهه ولعن وسب احدهم
غافله وسرق السلاح وهذا مما لا يحمد عقباه ولو الامر توقف عند الاستجداء
فالاستدعاء والجزاء لكان خير , ولكن القائد بعد ان بحلق فيه طولا وعرضا قرر ان
المجند نوار مذهول ومسطول واصر ان يكون اسمه على رأس كشف تحليل المخدرات .ٌ
بعد انقضاء العشرة ايام اتى التقرير الذى اصبح نادرة الوحدة حتى اليوم
مكتوب فيه بخط غاية الاناقة : نحيط علمكم ان
عينة دم المجند نوار تعتبر مصفاة من اجود وافخم انواع الخمور (قطفة أولى )
تركيز الكحول يتجاوز 30 % .
************************************************
2
كادتهم ضحكاتهم تفلق القمر والحجر الى ان ذكر اسمه سهوا .. افلتت لظة سكون قبل
ان يهيجوا ويميجوا فى فرارهم المذعور..
يدوس اخرهم اولهم واعلاهم اسفلهم كأن طائر الموت يحلق فوق رؤوسهم جميعا .
لم يتبقى الا ثلاثة رابعهم الصمت يقف بعد ان فقد هيبته وهدمته الا من ورقة توت
وحيدة كادت تسقط من فوق عورتة لولا كركرة الشاى المغلى بالبراد ذو الكرش النحاسى
الملتهب بحمرة فوق نيران الراكيه .
صب ثلاثتهم الشاى وراحو يحتسونه بصوت فظ لكنه يؤنسهم ويألفونه .
اخرج كل منهم منديل كان يصره وفتحه ..
الاول نظر بداخله .. نهد وبطن وفخذيين جسد شهى مرسوم بخطوط حمراء تتلوى حول نفسها
بحرارة مثل الحيات مكتوب اسفله نوار .. بسمل صاحبه وصر المنديل بجيبه وبكى قائلا _
اين اراضيك الان يا نوار ؟
نظر الثانى بقلب منديله المشرق بالوجهة البلوري المتلألئ مريم العذراء
مرسومة بخط معشوق بالخط على الخد دمعة وحيدة مثل الكف فى وجه الحاسد واللائم وابن
الحرام .. ضمها صاحبها لصدره وبكى : علبة سجائر بختم ربها مقابل الصورة !! والله
ما وفيتك حقك يا نوار .. بالأرض أنت أو بالسماء يا ابن الحلال ؟
قال ثالثهم اسمعوا ما خط لي نوار
( وكم ذات جواك يا ابن ادم _ منحوت في لوح الملكوت _ عشان تشوف بصيص النور طقسا
تحرقهم قرابين وبخور _ للاجلك يا نور مش خسارة .
وتقبض ع البشارة والاشارة ... النور .
فرحان وغرور فيقرصك شيطانك من ودانك ويسألك سؤال يجيب اللى وراك ادامك ويبيعك عيشك
وادمك ويدوب كعوب رجليك
يا ترى يا حلو دى اشارة ولا زهرة سيجارة ؟
)
اشار ادهم للاعلى صوب روح النجم المعلق فى السماء _ ربما هذا نوار رفع
للاعلى ؟ فيشد زميله أذنه : وهل ترفع
الروح قبل ان تصلب او تحرق يا مخبول ؟
ثم يعودوا للاحتساء الشاى .
*************************************
3
تسلبونا أعمارنا انتم !! أما الزمن فلا احد يملكه لذا انتم لا تملكون .
صرخ نوار وهو ينبش وحيدا فى الصحراء الخالية ويهيل الرمل الساخن على رأسه :
يارب الصخر له عمر والزهر له عمر والنسر له عمر فلماذا يارب الأعمار ترفع أصابع
رحمتك عن نوار ؟ النسر على العلم ربما بهت او حلق هناك .. فى السماء فلماذا يلزمني
القائد التنقيب عنه هنا مثل الكلب الحزين فى الصحراء لو أنى وجدت الزمن مخبوء
بزلعة أو قنينة لانتهى كل شيء كل شيء ..
*********************************************
4
وقف يتباهى ببذلته الأنيقة أمام قرينه في المرآة , فوق كتفيه النجمات اللامعات والنسر يستلقى على جانبه
المدهون بالزيت مثل فرد حمام محشو بالفريك .. فكر في هذا وهو يربت على كرشه المطيع
المدشن بما لذ وطاب , ذكرته صورته على رغم صرامتها والحزم النافذ من عينين تخضع
لحدتها رقاب بصورة ممثل هزلي يكرهه فبصق فورا على ظله اللعين الذي بث في النفس
الزكية هذه الأفكار وتساءل حائرا لماذا خلق الإنسان ظلا وصورة ؟ ثم عاد يدلل
نجماته الصغيرات : النجوم كثيرة والأعمار أكثر ولكن لكل شيء نهاية .. ما أبخلك يا
زمان !!
****************************************
5
- القائد مش عايز يشوف خلقتك يومين . وامج باصبعه على
العدد .. قفز الفتى من الفر وسأل – يعنى انزل اجازة ؟
ولاه الصول ظهره ولم يجيب .
تدريجيا كانت فرحته الطفولية الاولى بالمدنية وشوارعها وفاترينا المزهوة بمصابيح
النيون الملونة قد بدأت تبهت .. خلع زيه الميرى وارتدى الملكى ثم توجهه للمقهى فى
صمت .
أول ليل فى الاجازة طل وقد مدد جسده وساقه فى وجهه الفتى بلا اكتراث : الليلة ستمر
( أرديحى ) ولا ايه ؟ حدث نفسه وهو يراقب
ما حوله .. فتى اخضر يبحلق بامرأة أربعينية ترتدى العباءة الخليجية وتشرب النرجيلة
.. تتجاهله والشقوق المكشوفة بالجسد البض يتربع فيها الحى منا وينام , واخر يصب من
صفيحة ذهبيه تتشبه قالب وقالبا بصفائح البيرة يدلق الكأس فى فمه دفعه واحدة ثم
يتضاك بفظاظة ويطوح كأنه سكير !!
طفح الكيل كلها محاولات بائسة لبلوغ عتبة تأثير الخمر . قال ذلك وهو يسقط رأسا على
باره المحبب .. انشرح صدره أول ما دخل : التكيلا عتبة الباحث والمريد . هتف بنشوان
الظمآن الذى سيرتوى صاح – واحد عتبة لو سمحت .
_افندم ؟
_ اسف واحد تكيلا .. ابتسم النادل واحضر
طلبه على الفور .
ما يعجبه بالمكان خشب الارضية والمقاعد والسقف المعتق باعترافات قاطنيه المذهلة
دائما , والروح الشريرة المطمئنة التى تهيم بالمكان .
بعد الكأس الاول بدأت تفاصيل وجهها تنشع بين وجوهه الحضور : اللعنة !! وقع نظره
عليها ابتسم فابتسمت له واشارت له ان تنضم اليه ..اشار لها انه لا يملك مال فادارت
نصف وجهها عنه ونصف فخذها كاشفه عن اصالة بضاعتها اذا ما بدل رائيه: يالله الورك
المنتوف مثل ورك فرخة حمرته تشي بمعركة طاحنة بين سطحه الكريمى الناعم ولسان
الحلاوة النتف الذى لا يرحم .. قرص على لسانه وهو يخاطبه : لو كنت لسان حلاوة يا
حزين لما جلست هكذا .. مهلا ايها الالمعى وما الفرق بينها وبين قديستك على كل حال
؟ الفرق الوحيد ان هذه تمنح بضاعتها مقابل الدفع الفوى اما الاخيرة فبالتقسيط
المريح المريــــــــح حتى تمـــــوت وتستريح .. أأأه من الجسد لعنتك وعارك
المستديم لما أن اوانه قلتى هذا فراق بينى وبينك .. لو تعلمين ان بالجسد محراب
وقباب خلقت للترهبن والصلاة فيها , اتسأئل عن رأيها بعد حملها الاول !؟؟
اهتز الهاتف الخلوى ورن _ الو نوار . قال صاحب الصوت .. هتف نوار بشوق جلى _ انت
فين وحشتنى جدا ؟؟ تراجع صاحب الصوت عن
اقدامه واتخذ صوته نبرة محايدة باردة .. ألمته – موجود كنت بطمن عليك . دعاه نوار
للحضور .. غمغم ثم سأله فجاءة – انت بخير . رد أنه حى وبسبعة ارواح – فلتنتحر
بواحده اذن وتخبرنا عما هناك . قال صاحب الصوت ثم ضحك وودعه واغلق الخط : انتحر !! اتفهم مدى الاحباط الذى اصابكم لكل
هذا التأجيل ولكنى قررت الا انتحر ربما سأنقرض ولكن لن انتحر .. ولما لا وقد صدقوا
؟؟ ستتجرع مرارة النفى ( سيك ) دون أن
تحظى فرصة ( كسره ) بحلاوة السفر اللاذعة , وليكن .. تحسس جيبه هل الامر يسحتق
كأسا اخرى ؟ طلب كأسا اخر .
**********************************************
6
نادى الهاتف : يا نوار فاذا ما شق الحوت صدر البحر وطل
برأس يمتطيها العجوز مظلم العينين أمنحه النجمتين واركب بطن الحوت ولا تغفل ذكر رب
الملكوت فينساك الحوت فى بطنه وينساك الموت.. حتى اذا ما لفظك فى ظل شجرة لا شرقية
ولا غربية .. ارفع المنجل وحطم الساعة الرملية والتحم بالزجاجة الدرية .. بالنور .
– والزمن . قال الفتى
رد الصوت – الوقف قبلة النور ومفتاح الزمن فلتكن ابن وقتك .
- ولكنى ابن ضال .
-
أن تبره يبرك . وتبدد الصوت
واختفى .
عاد الفتى لحيرته ولما ضاقت به الارض نظر للسماء فاصطدمت عيناه بالقمر الذابل مثل
خصية هرمه متهدله , ينسكب منها ضوء اصفر سقيم .. الشعاع يتكأ على الشعاع وبالكاد
يصل لغايته .. لفتت انتباهه البقعة الصفراء التى احدثها الضوء على الحائط , مكتوب
بخط سيئ ( الجيش مصنع الرجال) . فوقها
نموذج ( كروكى ) للجندى النموذجى : خوذه مقببة مثل ظهر سلحفاء , اسفلها شارب يتكأ
فوق شفة مبتسمة , وينتهى بتأفيزة محكمة وبيادة . – الجندى السيكا !!
هم ان ينصرف عنه لكنه عاد بظهره ورا يحاكى وقفته المتشنجة بحركات هزلية ساخرة ..
فجأة تصنم عندما شعر بجسد يتحسس رقبته ويغوص فيها .. حاول الالتفات لكن الكف
المجهول احكم الخناق على رقبته وجذبه للخلف نحو الحائط .. لا يعرف كيف افلت منه ,
جرجر قدماه بعيدا عن الحائط ثم رفع رفع رأسه نحو .. كانت البقعة الصفراء قد بدأت
فى الاتساع دهشة .. انتفض جسده لما رأى ثم سقط على ظهره .
أحضر الوان الزيت واصابع الفحم , كل مستلزمات الرسم , وركض نحو الحائط .
فى نظره لم يكن التصوير هو الابداع لكن ما أسماه بالنفخ واللمس العيسوى هو الابداع
بل الخلق ذاته .. يمد فرشاته على الخط اليتيم والتائهه فى ورق مهملة او حائط ..
على نقوش الرطوبة فيجعل منها وشم واغنية شعبية , للايمانه الشخصى انها رسائل او
لغة بكر , جسور تمدها أطياف وارواح تشتاق الوصل والوصال , وهذا ما قرر فعله الان .
راح يربت بالريشة على الحائط حينا ويصفعه حينا , يطعنه , ويدغدغه .. خلع كل ملابسه
ووقف يناغى الحائط مناغاة الانسان الاول والاخير .
حينما انتهى كان القمر قد نفض عكارته عن صدره وعرج عاليا .. عاليا فى السماء ينفخ
روحه الفضية فى حبات الرمل وذرات الهواء واغنيات الضفادع العاشقة والهوام ونقوشة
الراسخة على الحائط فتضوى وتشع حياة .. لما وقعت عيناه على ما أنجز خلب عقله ..
وثب ورقص وجاب المكان كله عاريا .
اخيرا هدأ بعد ان اجهده طول
الرقص .. نظر للسماء خجلا وردد بين شهيقه وزفيره المتلاحق
فامش الهوينا ان هذا الثرى .. من اعين ساحرة
الاحورار
ابتسم ابتسامة حوراوية ناصعة
اشرق لها وجهه الاسمر المخضب بحمرة خجل صافية .
******************************************
7
هرول الصول الى مكتب القائد
ململما اشلاءة التى فرت مما رأت .
بدا اليوم طبيعيا مثله مثل باقى ايام العسكرية تطل ببلادتها المعهودة دون اكتراث
احد للحضور او الانصراف .. ارتدى وجهه الصول وجهه الصدا وخرج عليهم بخطوات واسعة
.. ثم وقف فى الطابور يزنه , ويقلبه بحاسته العسكرية المدربة التى الهبها فجاة خطا
ما شئ تزحزح عن موضعه .. نظر عيون الجنود كانت العيون تتهامز وتتلامز على غير
عادتها .. خار فى وجوههم ... سكنوا للحظة ثم عاد الهمس لغوا لجيا ليس له نهاية او
بداية .. صاح الجندى ( السيكا ) – وراك يا فندم
تلفت خلفه وصعق .
شرق البؤبؤ الاسود وغرب فى فلك الطقة البيضاء المشدوهه امام المشهد العجيب .. كان
الحائط ملبد بسيل جارف من الوان ورسوم تجتاج كل ما يعترضها وتخلب لب رائيها فلا
يستعيده ابدا .
اجتذب نفسه مما كانت مقدمه عليه
واستدار بعد ان نفض ما راى عن راسه : من فعلها ؟
صرخ القائد فى وجوههم , انكمشت اجسادهم ولم يرد , مال الصول عليه – يا فندم
لقد اظهر الله الحق .. وحق شنب جنابك الطاهر الوحدة معششة بالعفاريت وهذه البداية
فقط . حدجه القائد بنظره قفز اثرها متر للخلف
- هو عفريت واحد هاتولى المذهول
أأنت فعلت هذا ؟
- اسالو كبيركم ان كانو ينطـ.. نطق كبيرهم على الفوار نوار وامن خلفه الصغار.
دار القائد حوله يجرجر ظله خلفه حينا ويجرجره حينا حتى استقرا اخيرا على راى . –
ارسملى حمار .
تفحصهم بعين ثعلبية وابتسم –
اوى ايهم يا فندم ؟
- حمار واكتب عليه نوار وده تمام خدمتك ثلاثة ايام بلياليها وبعدها ساقرر مصيرك .
مر اليوم الاول والثانى فى اليوم الثالث اختفى نوار تماما ..بحثوا حتى نحلهم البحث
ولم يظهر , عندها اصبحت سيرته واسمه أحجية .
يتطير بها قوم قالوا انه عفريت اتخذ من اللحم الادمى حيلة لظهوره وليعاذ بالله .
ويتبرك بها قوم قالوا انه توفاه الله وله ميعاد ظهور وغابو يحسبونه بالأرقام والأفلاك
والشهور .
وآخرون يستعيذوا بالله منه ومن شر حاسد اذا حسد ومن شر سجن ( العازولى ) الذي لا
يشفع فيه احد .
على كل حال التحف جسد نوار بالغياب وبقيت النقوش الملونة راسخة على الحائط .. سيل
جارف يجتاح من يعترضه ويخلب له رائيه فلا يستعيده أبدا .