الثلاثاء، 7 أكتوبر 2014

كلنا ارهـابيون ...


كتب الدكتور معمر نصار ..

من أين أو كيف تبدأ النواة الإرهابية في التشكل داخل نفس وعقل الإرهابي؟ هل هي لحظة بعينها فارقة تنقله من إنسان يقترب من المتوسط العام المسمي بالطبيعي والتحول إلي إرهابي؟
        يصعب قبول هذا المنطق بل يستحيل قبوله كما كان مستحيلا أن نتقبل أن ملابس بنت كاشفة تحول شاب ابن ناس ومؤدب إلي ذئب بشري مغتصب أو متحرش فجأة وبدون مقدمات!!
طيب إذا كان ولابد فما هي هذه النواة التي تترسب
حولها مكونات العقل الإرهابي والنفسية المستبيحة له؟ وكيف تنحسر النفسية والعقلية الطبيعية من داخله؟

أتجرأ وأقول إن المثالية المفرطة في التفكير والطموح هي نواة تشكيل النفسية والعقلية الإرهابية والمثالية هي الإيمان بوجود مجتمع مثالي جدا  ,تقواني رخي عملي و روحاني به كل شيئ , مدينة فاضلة مكتملة لا تشوبها شائبة , جنة أرضية .
وأن هذا المجتمع قد قام في لحظة ما وامتد قيامه حتي أتت لحظة اخري بطريق الخيانة أو بفعل مشين جدا وقضت علي المدينة الفاضلة وحطمتها وجودا وحضورا وثقافة وغيرت حتي البشر أو أن كل هذا تسبب فيه البشر جماعهم من تلقاء أنفسهم.
إن النزوع المثالي يراكم داخل النفس والعقل حالة منعدم التقبل تجاه الأخطاء والانحرافات التي تعتري واقعه وتعتريه ومن حوله, إنها تقيم ستارا بينه وبين تقبل
ذاته لأنها ترغمه علي إجراء مقابلة بين النموذج والواقع الشخصي والمجتمعي فتكون المقارنة دائما ليس فقط  لصالح المدينة الفاضلة المتجلية بل ضد وبصورة فجة واقعه الذاتي والمجتمعي وكلما كانت ظروف الواقع تضغط أعصابه عبر توفير الوقت الممتد متعطلا عن أي معرفة موضوعية بسياقات النموذج المنشود أو بسياقات الواقع تزداد عزلته وكلما كانت المعرفة المتاحة تجعله واقفا علي أدق تفاصيل المدينة الفاضلة حتي أنه يكاد يشم الروائح المنبعثة من الطرقات والبيوت ويري ألوان الملابس ويستشعر حرارة الجو وتهتز عواطفه بالأصوات والكلمات الأتية من المدينة وناسها وحيواناتها وطبيعتها كافة تتراكم صفيحات من المغاضبة للواقع الحائل بينه وبين التأحد بمدينته .

لا ينقص النفسية المثالية هنا سوي حاجات قليلة مثل تجربة فشل اجتماعي أو شعور مرضي طاغ بالاستحقاق القيادي أو ربما صدمة مؤلمة مع سلطة أو هيئة أو خجل وعجز عن التواصل العاطفي مع كثير من البشر وبالذات مع الأفراد من الجنس الأخر ثم كتاب جريئ ينبئه عن إمكانية إعادة خلق المدينة الفاضلة هناك حيث يكون الناس جميعا يشبهونه فهم خجلون متوارون أو مستسلمون له وحيث تعتبر شخصيته هي الشخصية المعيارية التي يحتذيها الجميع ,ثم هيئة أو كيان يشركه في خطوات فعلية مهما بدت تافهة علي طريق إعادة الخلق تلك.
  وأتجرأ أكثر فأقول إن كل مؤمن بدين قديم لديه تلك النواة ولديه ذات الغضب لكن يفتقد إلي بعض عوامل نفسيه تدفعه أكثر في الطريق     ....

ومن أين تأتي المدينة الفاضلة ومن يأتي التصورالسوداوي عن الواقع؟
إنه التلفيق التاريخي من خلال الوعظ الديني ومناهج التعليم التي تعلي بصورة دائمة من صورة وشأن القدماء وتبخس علي الدوام شأن المعاصرين وتعقد المقارنة الدائمة بين مدينة فاضلة اختلقت من عملية حجب وإظهار , حجب الوقائع المزرية او التي تعكس الطبيعة النسبية البشرية وتظهر الوقائع التي تعكس التكوينة الفوقانية اللانسبية للأشخاص والأمكنة والقيم والنظم الخ .
ويتم لعب نفس الشيئ مع التاريخ المعاصر والواقع المعاصر حيث تستدعي صور لمقالب القمامة والعشوائيات والسلوك اليومي الممتليئ بالكذب والرياء وحجب صور تجارب النهوض والتحديث ومواجهة القضايا المصيرية بشجاعة والإسهام المتصل في الحضارة الإنسانية..
 أنا اقول أننا جميعا إرهابيون في نسخنا الأولية
DEMO  ولهذا انتخبنا الإرهابيين عندما تجنبوا فقط إظهار عنفهم في وجهنا عندما كانوا يبشروننا بالمدينة الفاضلة بدماء ستسيل من أناس أخرين وتضحيات سيقدمها أخرون بأيادي ستقطع ليست لنا وبأجساد ستحصدها حجارة الراجمين ليست لنا , بجلود ستقطعها كرابيج الجلادين ليست لنا , بفضائح وخزى نستبعد أن يكون من نصيبنا , كلنا ذلك الإرهابي الذى يسبقنا بمراحل ونتأخر عنه بمراحل فقط.
وبكل وضوح  فاننا إذا لم نتعلم دروسا من النسبية والسياقية ونصبح تاريخيين في رؤيتنا للوقائع في كل زمن وان لم نصبح تاريخيين في رؤيتنا لكل شيئ حتي مقدساتنا فلن يؤذن  للإرهاب بأن يرحل حقا عنا مهما سجناه ومهما حظرناه لأننا بحلول السجن والإعدام إنما نزيل الصفيحات المتراكمة لكن النواة التي بداخلنا ستظل هناك وسيظل بعضنا يفشل في قصة حب أو في اكتساب مكانة أو في تجنب مشقة معرضا لأن تنمو صفيحاته إذا ما صادف الكتاب الجريئ والهيئة التي تكفل له تحقيق ذاته المهملة.
ببساطة طالما ندرس في مدارسنا العبقريات والشخصيات المقدسة لا تاريخيا بل بطريقة الحجب والإظهار 
( يسمونها تزييف التاريخ وأسميها تزييف الوعي بالتاريخ لأن التاريخ قائم وموجود  لكل من يبحث في مصادره) , طالما لم تعد خطبة الجمعة كما كانت لاحقة علي الصلاة وليست سابقة عليها وطالما ظل هناك وجود لطبقة الوعاظ الذين يساوموننا ويبتزوننا علي مذبح المدينة الفاضلة فلن تحل المشكلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.