الخميس، 26 يونيو 2014

عن الإيمان والدين والتدين


كتب الدكتور / معمر نصار ..

الحقيقة من ضمن المشاكل المعرفية عدم الفصل بين المفاهيم وهو إجراء ضروري فالعقل لا يستطيع التفسير والفهم ومن ثم البحث عن الحلول واختبارها إلا بواسطة القيام بعمليتي التفكيك والتركيب , في الرياضيات من المعادلات من الدرجة الأولي وحتي المعادلات من الدرجة الثالثة ومعادلات " بيير كاردان " وصولا للمعادلات التفاضلية لا يمكن الوصول لحل إلا بعملية فصل المتغيرات وهذه العملية تنضوي علي تمييز وتصنيف لأنواع المعطيات .. 
حضراتنا جميعا نقوم بذلك بدأب وربما بمهارة داخل المعامل أو في أوراق الامتحان في المدارس والجامعات لكن عندما نتعرض لمعادلات اجتماعية (ظواهر) نتصرف وكأن لم نتعلم شيئا وكأن العلم الطبيعي لا يمكن استعمال مناهجه أو ألياته ضمن عملية التعاطي مع مشكلات المجتمع وهذا الفصل التعسفي بين مناهج تعاطينا مع معضلات العلم الطبيعي ومعضلات العلم الاجتماعي إنما ترجع إلي أن المراحل التعليمية المختلفة لا تقوم بأي ربط أو لفت نظر إلي ضرورة أو أهمية التفكير العلمي خارج كتب الفيزياء أو معامل الكيمياء أو تشخيص الحالات الجسمانية 
وبالنسبة لقضية الإيمان والدين والتدين فأنا أتكلم فيها لأن كثيرون يضعون تساؤلات حول أسباب تفشي العديد من مظاهر الخلل السلوكي لدرجة الاعتياد رغم حضور طاغي لمظاهر التدين وشيوع كلمات مثل الأخلاق والضمير علي كل لسان ويبدو للبعض أن هناك مفارقة من نوع ما 
الإيمان حالة فردية بالأساس إنه شعور الفرد برابط كبير ذاتي بينه وبين شئ ما خارج ذاته قد يكون وطنا قد يكوون إلها قد يكون شعبا قد تكون قضية لطبقة أو طائفة أو أقارب هذا الشعور يشكل دافعا سلوكيا لهذا الفرد فقد يضحي بحياته حتي لا يفني محل هذا الإيمان أو دفاعا عنه ضد من يعمدون للعدوان عليه
وقد يشيع الإيمان بين جماعة أو شعب أو مجموعة شعوب وأمم عبر انتحالهم جميعا نفس محل الإيمان وهنا يكون الإيمان حالة عامة قد تدفع إلي ظهور بطولات أممية وشعبية مثل الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني ضد محاولات التصفية أو صمود أهل القناة أثناء العدوان الثلاثي أو استبسال الدفاعات عن سيفاستوبول أثناء الحرب العظمي في الاتحاد السوفيتي , وليس مفارقا أن يكون الإيمان مشوبا أو ناتجا من قناعة عقلية موضوعية ومثاله المتطوعون اليساريون من ملل وقوميات مختلفة ممن ساندو نضال الشعب الفلسطيني وشارك بعضهم فيه بشخصه وسلاحه مثل كارلوس أو انضمام تشي جيفارا إلي نضال الكوبيين و البوليفيين ضد الامبريالية, كما أن من أمثلته التدافع العربي إلي أرض فلسطين عام 1948 لشعور مشترك بالخطر ولإيمان بحق جيرانهم وأشقاء تاريخهم في أرضهم ووطنهم التاريخي ومثاله أيضا تدافع ألاف العرب إلي أفغانستان خلال الثمانينيات وبغض النظر عن كون هؤلاء الأخيرين فاعلين أصليين أو أدوات لفاعلين أخرين إلا أن الإيمان كان دافعهم 
 ولكن بما إن المسألة موضوع كلامي تتعلق بالدين تحديدا فسأقصر الكلام عليها من الأن فصاعدا
الإيمان الديني أو الإيمان الذي محله الإله أو المعبود أو الرسالة أو الوسيط (الرسول) هو إيمان ينطبق عليه ما سبق من أنه قد يكون فرديا أو جماعيا وأحيانا ما يكون نتيجة قناعة عقلية موضوعية لدي صاحبه وهذه الحالة الأخيرة فردية في الغالب لأن الجموع يشيع فيها الإيمان بالتقليد والانصياع أولا ثم بالتقليد والإكبار عبر التربية والتأثير الاجتماعي ثانيا لكن مع هذا يبقي حالة نفسية تشكل دافعا سلوكيا غير مرئي أو غير ملموس
أما الدين فهو أمر أخر فقد يكون الدين محل إيمان لكنه في الحقيقة ذو طبيعة مركبة خاصة تختلف عن الإيمان فالدين لا يتحقق إلا عبر ممارسة ملموسة يشهدها جمع من المشاركين ويمكن لمسه ورؤيته في أثر أو قبر أو معبد وفي كل مكان يري الدين في الطقس الجماعي بالذات وهو العامل الأكثر وضوحا في تكوين الدين كما ينعكس الدين في رؤية المتدينين لأنفسهم ولعالمهم وأرضهم وللأخر المختلف في الدين وهنا يبين الفارق بين الإيمان والدين فالإيمان لا يمكن فصله عن المؤمن لكنه لا يري ولا يلمس مباشرة بينما الدين يمكن جدا أن يكون منفصلا عن ذات المتدين لكنه لا يري ويلمس إلا من خلال المتدين فالدين والمتدين دال أحدهما علي الأخر بالضرورة وهنا أنا أقصد المستوي الجمعي للمتدينين لا المتدين الفرد يعني الظاهرة هنا ترصد إحصائيا ما دامت في المجموع 
الإيمان يشكل حالة ضميرية لكن الدين يشكل حالة طقوسية بالأساس ومن هنا فرق التراث الإسلامي بين الإيمان والإسلام " قل لم تؤمنو ولكن قولو أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" بين الإيمان والدين
التدين قد يبدو الأن مفردة زائدة علي الحاجة لكن لو أخذناها من خلال ما تدل عليه في العقل الجمعي فهي ليست كذلك, فالمجتمع يتكلم عن تدين فرد أو مجتمع باعتباره الحالة الشاملة للإيمان والدين معا وهنا مكمن الخلط المتعسف
الجميع متدينون نعم لكن ليس من ضرورة للأدعاء أن الجميع مؤمنين بما يدينون به ويدافعون عنه الجميع يؤمنون بوجود إله وبأنه خير وبأنه سيحاسب الجميع نعم , يؤمنون أن دينهم كاف وضروري ليستقيم مجتمعهم ويأمن , لكن لماذا تختل معاملاتهم جدا وتنكشف ممارساتهم عن كثير مما يناقض ما يتصور الجميع أنه التدين؟الدين لا يضمن سلامة التصرف ولا حسن السلوك ولا نقاء الضمير إنما الإيمان وحده ما يضمنها جميعا فأي إيمان؟ الدين والتدين من ثم يقصر الإيمان علي عملية إجرائية بحتة فهو التسليم بوجود إله إسمه كذا وملائكة أسماؤهم فلان وفلان وأن الموت والبعث حق وهكذا فخلال عمليةالاستحضار النفسي لمسؤولية الإقرار علي هذه الشكلية يتغطي الإيمان بدثار ثقيل من الإجراءات وتمتلئ ساحات الضمير الفردي والجمعي أيضا بركام من المتلازمات الدينية السلام يكون بطريقة كذا ورد السلام يكون هكذا , الحج يصح هكذا ويبطل هكذا الإيمان يصح بالصيغة الفلانية فقط ولا يصح بغيرها إن الدين عملية طقسية إجرائية تنتهك سلامة الإيمان تماما علي المستوي الجمعي وهذا يعني إمكانية كسر القاعدة علي مستوي أفراد طبقا للتوزيع الطبيعي ما دامت الاشتراطات الموضوعية للمجتمع السليم غير قائمة يعني ما دام المجتمع يعييش واقعيا حالة صراعية سيكولوجيته هي سيكولوجية الندرة فهو يجري ليصبح أول طابور الخبز ويدفع من حوله ليصل أولا إلي شباك التذاكر ويدهس من تحته ليضمن لنفسه مخرجا من باب الحافلة حتي لا يفقد محطة نزوله وهو دائما في حالة صراع مع الأ|خرين فإن لم يحصل علي توصية لن يفوز بالترقية المستحقة أو الوظيفة كل شيئ قليل وهناك دائما خاسرون بحكم قانون الأعداد وكل واحد لا يريد أن يكون هو ذلك الخاسر فأين يستقر الإيمان ؟
هنا يلعب التدين دورا مهما في تبطين الضمير وإتخامه بالحرص المرائي علي صلاة الظهر في مسجد المصلحة لتبرير إهمال مصالح الناس أو الإسراع بصدقة الفطر قبل أن تدق السابعة صباح العيد لتبرير التقصير في حق أخ أو قريب أو البحث عن جمعية لتوفير مصاريف العمرة لشراء الغفران مؤقتا هربا من أسئلة الضمير عن تدمير سمعة زميل أو مستقبل تلميذ
إن التدين يوفر للمجتمع طريقة فعالة جدا في الايغال بالوحل دون استشعار لزوجته أو اشتمام عطنه إنه ألية دفاعية لجعل الحياة ممكنة مع ألته الداخلية المسماة الضمير إنها علبة الإيمان اللتي يعطبها التدين فلو لم يشغلها بالتدين لشغلته بالأسئلة وبالألم اللذي لا يطاق
إن تدين شعب كذبة كاملة وحالة عارضة إنها علامة مرض لا صحة , علامة اعتلال لا شفاء
لهذا فليس مستغربا أن نجد شعبا متدينا يشيع فيه التحرش بل والاغتصاب فما دام أظهر تدينه فهو في الأوحال غارق فالمفارقة ليست في جمعه إطلاقا بين التدين وبين الفجور بالعكس جدا
إن شعبنا عندما كان في الماضي خلوقا معقولا كان أقل تدينا وهذا ليس مفارقة أيضا وليس علامة مرض بل صحة لا علامة اعتلال بل شفاء

اللي قلته معناه إبحثو عن إيمان لا عن تدين كأولوية أفراد لكن علي مستوي مجتمع فقبل أن تزيلو الأسباب المولدة للسيكولوجية الصراعية فلا تأملو من المجتمع في أكثر من أن يكون متدينا ولا تطاردو السراب بالحديث عن التدين الزائف والتدين النقي التدين مظهر النفاق لا مظهر الإيمان (أذكركم أنني أتكلم عن الظاهرة الاجتماعية)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.