كتب محمد رشيد ..
مقدمة
طوال
الفترة التي تلت إندلاع الإنتفاضة الشعبية المصرية في 25-28 يناير وما تلا
ذلك من حالة سيولة سياسية ومعلوماتية وتحولات هائلة في المواقف التي وإن
دلت على شئ فإنها تدل على حالة حراك مجتمعي لم ينتظم في منظمات جماهيرية
سواء سياسية حزبية أو اجتماعية (نقابية –فلاحية-طلابية ) , تمحور الجدل
السياسي والإعلامي القائم في مجمله حول النقاش في تناقضين تم طرحهما
إعلامياً لكونهما يعبران عما يشغل الأجنحة المختلفة في البرجوازية
المصرية وهو تناقض (الدولة المدنية /العسكرية ) أو تناقض الدولة (المدنية/
الدينية ) وبقدر ما طُرح هذا التناقض – على ثانويته وهامشيته في دولة تابعة
كمصر – بمنتهى السطحية بحيث اعتمد على معايير مغرقة في الشكلية , كمدى
علاقة من يشغل منصب رأس السلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية ) بالمؤسسة
العسكرية المصرية إذ تعتبر الدولة المدنية قد تحققت –من وجهة نظر أصحاب
الطرح الليبرالي – بإبعاد المؤسسة العسكرية عن القرار السياسي , مع العلم
أنه حتى وفي دولة "معيارية " وفقاً للتصور الليبرالي فإن البنتاجون يسهم
في إتخاذ القرار فيما يتعلق بالسياسة الخارجية من خلال ما يقدمه من دراسات
وأبحاث وتقارير إلى الكونجرس والبيت الأبيض –هذا إذا تجاهلنا النفوذ القوي
لمجمع الصناعات العسكرية والذي وإن كان لا ينتمي عضويا للمؤسسة العسكرية
الأمريكية بحكم كونه مرتكزاً على إستثمارات خاصة وإن كان مرتبطاً من
الناحية الوظيفية بالبنتاجون بوصفه "زبوناً مهماً " - بالإضافة إلى سياسة
المعونات العسكرية والتي يلعب البنتاجون دوراً في رسمها فضلاً عن إبرام
صفقات التسليح مع الدول "الصديقة " للولايات المتحدة من خلال المجمع
الصناعي العسكري , ودون الدخول في تفاصيل العلاقة بين المؤسسة العسكرية
والقرار السياسي في الدولة "المدنية " فإن المعيار المحدد لطبيعة الدولة
(مدنية/عسكرية) إعتمد على الطابع الشكلي والدستوري للسلطة , والتناقض
الثانوي الثاني هو (الدولة المدنية/الدينية) والحقيقة أن المشكلة الأساسية
ليست في طرح مسألة (مدنية الدولة ) بل في النقاش (القروسطي ) الذي دار حول
هذه المسألة بين (إسلاميين) وعلمانيين) فلم يُطرح من جانب اليسار مبدأ
مدنية الدولة من خلال إرتباطه بالمصالح المباشرة للطبقات الكادحة وحتى
الفئات الدنيا من البرجوازية صاحبة المصلحة في إنجاز المشروع الوطني
الديمقراطي , أي أن معيار التحرر الوطني على المستوى الخارجي من التبعية
والتحرر الداخلي من ديكتاتورية الطغمة الرأسمالية الإحتكارية كان غائباً
وبالتالي فرغ مفهوم (مدنية الدولة ) من معناه .
وخلال
عام ونصف منذ إندلاع إنتفاضة 25-28 يناير 2011 ..تم طرح تناقضان ظاهريان
ووضعهما على رأس جدول الأعمال ( الدولة المدنية/العسكرية ) و (الدولة
المدنية /الدينية ) وإغفال التناقض الجوهري ( الدولة الوطنية /الدولة
التابعة ) والخلل هنا هو في عدم إدراك "الدولة " كتنظيم إجتماعي يتم بناؤه
على أساس توازن القوى والمصالح الطبقية في المجتمع , ويحتكر الحق في
إستخدام العنف ويضع إطاراً خارجياً محدداً (للحريات السياسية ) بحيث يمتنع
الخروج عن (قواعد اللعبة)ولديه القدرة على تبرير كل ما سبق من إحتكار
لممارسة العنف وتنظيم الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية من خلال
بناء نظري يتجلى في (الدستور) , وبالتالي فإن الدولة إما أن تمارس تنظيم
الحياة الإقتصادية والاجتماعية والسياسية من واقع إرتباط البناء التحتي
للدولة (البنية الطبقىة والإقتصادية ) بقوى ومؤثرات خارج نطاق المجتمع
(جغرافياً )ولا علاقة لها بشروط تطور المجتمع نفسه وقد تكون هذه القوى
والمؤثرات دولة إستعمارية أو تحالفاً استعمارياً ما أو قد تكون فوضى العرض
والطلب في السوق العالمي نفسه , بحيث يصبح الهدف من إدارة الإقتصاد ليس
(إشباع الحاجات) في المفهوم الأولي لعلم الإقتصاد , بل يتحول إلى (الإندماج
في السوق العالمي ) وكأن السوق والإندماج به يمثل هدفاً بحد ذاته ,
وبالتالي تكون الدولة المنوط بها تنظيم الحياة الإقتصادية والإجتماعية
والسياسية وفقاً لشروط ومتطلبات السوف هي (دولة تابعة ) ويتجلى ذلك من خلال
تحول الدولة لدولة "مدينة " أي مثقلة بالديون ترسم خطوط ميزانيتها السنوية
وفقاً لإعتبارات "المديونية " وخدمتها وفوائدها ..إلخ , والدولة التي تحقق
الإستقلال على الصعيدين الاقتصادي والإجتماعي ثم السياسي أو تسعى لذلك من
خلال مشروع شامل هي الدولة الوطنية وهي نقيض الدولة التابعة
وبرأيي
هذا هو التناقض الجوهري الذي اختفى وراء تناقضان (ظاهريان) , وهما ظاهريان
من حيث طرحهما بطريقة "شكلية " تتلخص غالباً في زي من يجلس على سدة الحكم ,
فأي مقاربة تقارن بين دولة مدنية ودولة عسكرية أو دولة مدنية ودولة دينية
وتغفل واقع إرتهان الدولة المصرية لقوى العرض والطلب هو نقاش مضلل وثانوني
إن
الدولة كجهاز إداري هي تنظيم إجتماعي يعبر عن المصالح والتوازنات الطبقية
ويسير وفقاً للوائح وقوانين هي جزء من البناء الفوقي للدولة . فالقانون
يعبر عن وجهة نظر الطبقة أو التحالف الطبقي السائد في كيفية إدارة وتنظيم
الحياة الإقتصادية والاجتماعية , ليس فقط من خلال قواعد المنع والإباحة بل
وحتى أدق التفاصيل المتعلقة بالتوثيق والإثبات والرسوم والدمغات , فتسهيل
نشاط إقتصادي ما من الناحية الإجرائية وتشديد الإجراءات بوجه نشاط آخر يعبر
عن وجهة نظر الدولة كأدة تنظيم الحياة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية
حول الأولوية الإقتصادية , وكذلك فيما يتعلق بتقديم الخدمات والتي هي من
الوظائف اليومية للدولة , فإن سياسات الدولة في تقديم إعتمادات معينة لجهاز
خدمي ما والفوارق الكمية والكيفية بين الإعتمادات المقدمة لهذا القطاع
الخدمي أو ذاك
ويمكن إجمال ظواهر تبعية الجهاز الإداري والخدمي للدولة من خلال ما يلي:
1- الإرتباط العضوي بين الجهاز الخدمي والإداري للدولة بالبنك الدولي :
أ-إقتراض كل جهاز على حدة من البنك الدولي من خلال سياسة الميزانيات المنفصلة
ب – الإستشارات من البنك الدولي للأجهزة الخدمية (التعليم نموذجاً)
2- جهاز الدولة الإدراي والخدمي وقوى العرض والطلب:
أ- الجهاز الإداري والتوجه نحو مفهوم "التنافسية "
3- عملية "رسملة " الجهاز الخدمي وتحويل القطاعات الخدمية لشركات قابضة "الكهرباء نموذجاً"
1-أولاً : الإرتباط العضوي بين الجهاز الخدمي والإداري للدولة والبنك الدولي :
لدى مطالعة الموقع الألكتروني الخاص بالبنك الدولي , وفي القسم المتعلق بمصر نجد خريطة منشورة على الرابط التالي :
http://maps.worldbank.org/mena/egypt-arab-republic
أ-إقتراض كل جهاز على حدة من البنك الدولي من خلال سياسة الميزانيات المنفصلة:
حيث
أن هناك 27 نشاطاً يتم تمويله من البنك الدولي وتتوزع بين جهات حكومية أو
استثمارات شراكة بين القطاعين الحكومي والخاص تتوزع على 248 موقعاً على
امتداد خريطة جمهورية مصر العربية
وتتوزع تلك الأنشطة قطاعياً بين التعليم والنقل والحماية والجهاز القضائي والتعدين والطاقة والصناعة والزراعة والمياه والصرف الصحي
ويتضح من ذلك أن عملية إرتباط الأجهزة الإدارية
والخدمية المختلفة بالدولة لم تعد مركزية من خلال وزارة المالية التي تضع
السياسة المالية العامة في إطار موازنة وخطة مالية , بل لقد أصبح لكل جهاز
إداري سلطة التفاوض ولو بشكل جزئي مع البنك الدولي على سياسات التمويل ,
ويكفي أن نعرف أن دور البنك الدولي لا يقتصر على تقديم التمويل بل على
تقديم "الإستشارات " , ولما كانت وازرة المالية المصرية قد اعتمدت منهجية
غير مسبوقة في حساب الموازنة الختامية , فبدلاً من تقسيم الموازنة إلى
موارد "إيرادات " و"مصروفات " وحساب الفائض او العجز على أساس الفارق بين
الإيرادات والمصروفات في إطار ما يُعرف بسياسة "وحدة الموازنة المالية "
بما أن تلك الموازنة هي الحساب المالي السنوي الختامي لـ"دولة " تضع "سياسة
عامة " و "موحدة " لإدارة ماليتها , نجد أن كل عام مالي يتم إصدار جدول
يحتوي على صورة إجمالية بينما يتم "تفكيك " الموازنة إلى تقسيم إقتصادي
ويتم في جدول التقسيم الإقتصادي ترتيب الأجهزة الحكومية من صحة وتعليم على
أساس الفائض أو العجز بشكل "منفصل" وكذلك التقسيم الوظيفي بحيث تتفكك
الدولة محاسبياً إلى "وحدات مالية " منفصلة .
ب – الإستشارات من البنك الدولي للأجهزة الخدمية (التعليم نموذجاً):
أصدر
البنك الدولي تقريراً مفصلاً حول التعليم العالي في مصر خلال العام 2010
تحت عنوان "مراجعة لسياسات التعليم العالم – التعليم العالي في مصر" وكان
من أبرز "الإستشارات " التي قدمها البنك الدولي للحكومة المصرية :
استراتيجية تمويل التعليم العالي في مصر :
1- زيادة الاستثمارات العامة
2- تنويع إيرادات المؤسسات عن طريق زيادة تقاسم التكاليف
3- توسع القطاع الخاص
1- ما يتعلق بزيادة الاستثمارات العامة
: ينبغي عند الحديث عن هذه النقطة أن نلاحظ أن التقرير استخدم مصطلح
"الإستثمارات العامة " بدلاً من مصطلح "النفقات العامة " , والفرق بين
المصطلحين واضح , فالمقصود بــ"النفقات العامة " أي إجمالي حجم الأموال
التي توجهها الدولة من مواردها للإنفاق على التعليم بصرف النظر عن العائد
المالي الناتج , أي أن نصطلح "النفقات " يدل على أن الدولة تتحمل نفقات
التعليم لأنه خدمة عامة تلتزم بها الدولة بما أن الدولة هي التنظيم السياسي
والإجتماعي والإداري والقانوني الذي يتولي إدارة موارد الشعب بالنيابة
عنه لصالح هذا الشعب , أي أن الدولة عندما تتعامل مع مصروفات التعليم
كـ"نفقات " دون توقع للربح فهي تقوم بإلتزام ملقى على عاتقها , ولا يعني
هذا بالضرورة أن الدولة عندما تتعامل مع مصروفات التعليم من موازنتها
كـ"نفقات " فإنها تتحمل خسائر , على العكس فإن التعليم هو بحد ذاته من أهم
أسس التنمية وبالتالي فإن الإنفاق على التعليم يعتبر إنفاقاً على التنمية
وتدعيماً لها حتى ولو لم يات بأرباح مباشرة على المدى القصير , أما مصطلح
"الاستثمارات " فهو يعني الإنفاق بغرض الربح المباشر كما هو الحال في
الشركات والمؤسسات الإستثمارية الهادفة للربح .
2- تنويع إيرادات المؤسسات عن طريق زيادة تقاسم التكاليف :
والمقصود بمصطلح " تقاسم التكاليف" ببساطة تقاسم تكاليف العملية
التعليمية بين الدولة وبين الطالب مع العلم أن الضرائب التي يدفعها الطالب
أو أسرته تدخل في ميزانية الدولة ومنها ياتي الجزء المخصص للإنفاق على
العملية التعليمية وبالتالي فإن الحديث عن تقاسم التكاليف بين الطالب وبين
الدولة قد يبدو بعد إعادة النظر زيادة للتكاليف المفروضة على الطالب وليس
تقاسماً للتكاليف , وهي سياسة تتبعها الحكومة والجامعات المصرية في الفترة
الأخيرة بشكل ملحوظ بدعوى عدم توافر الموارد , وفي الواقع أن هذه السياسة
تأتي ضمن خطة لإعادة هيكلة نظام التعليم الجامعي وما قبل الجامعي في مصر
بالإشتراك مع المؤسسات الدولية كالبنك الدولي بما يتوافق مع توجهات الحكومة
منذ التسعينيات من القرن الماضي نحو الخصخصة بما فيها إدارة التعليم بنفس
الطريقة التي تُدار بها المؤسسات التي تم بيعها أي أ الدولة تلجأ للتعامل
مع القطاع التعليمي كقطاع ربحي يهدف لتحقيق أرباح كأي مشروع إستثماري بدلاً
من السياسات التي كانت متبعة والتي كانت تتعامل مع قطاع التعليم كقطاع
تابع للدولة يهدف لتقديم الخدمة وتنمية قدرات المجتمع بصرف النظر عن الربح .
3-تـوسـع الـقـطـاع الخـاص:منذ
صدور القانون رقم 101 لسنة 1992 للترخيص بإنشاء الجامعات الخاصة وعلى
الرغم من أن الجامعة الأمريكية ظلت الجامعة الخاصة الوحيدة منذ تأسيسها عام
1919 إلا أن الدولة قررت السماح من خلال هذا القانون بإنشاء جامعات خاصة
وبالفعل فقد تم تأسيس 4 جامعات خاضة في عام 1996 وإستمر منذ ذلك العام
تأسيس جامعات خاصة وزيادة أعداد المقيدين بها حتى وصل إلى 20.1% من إجمالي
عدد الطلاب المقيدين , ومن الإمتيازات الممنوحة لتلك المجموعات ما ورد
بالمادة 5: "تدبر الجامعة أموالها بنفسها ، وتحدد مصروفاتها الدراسية ، وللجامعة الخاصة أن تقبل التبرعات والوصايا والهبات والمنح التى تحقق أغراضها ، سواء من داخل جمهورية مصر العربية أو من خارجها ، بما يتفق ومصالح البلاد ، وتعفى مبالغ التبرعات والهبات من ضرائب الدخل ، فى الحدود المقررة فى القانون رقم 157 لسنة 1981 ".
- الواقع
أن "إسهامات البنك الدولي " في مجال "تقديم الإستشارات " تلقي الضوء بما
لا يدع مجالاً للشك على نظرة الدولة بوصفها جهازاً تنظيمياً ينظم الحياة
الإقتصادية والإجتماعية لمسالة التعليم , لقد تحولت الدولة نحو استراتيجية
"تنافسية " وقد تبدو المسألة هنا في إطار التحليل اليساري المعتاد القائل
بـ"تخلي الدولة عن دورها " لكن ترصيص كل قطع الفسيفساء السابقة من تفكيك
للموازنة وتحويل أجهزة الدولة لكيانات ووحدات مالية منفصلة تتعامل كل منها
على حدة مع الهيئات الدائنة يجعلنا نضع في الإعتبار التحول في دور الدولة ,
بل والتحول في طبيعة الدولة بحيث لم تعد "دولة " بالمعنى المفهوم بل تحولت
لأداة جباية تقترض من الهيئات الدائنة لتحصل الموارد والرسوم والضرائب من
الشعب المصري لتعيدها للخارج على شكل مستحقات وفوائد وهكذا دواليك في دائرة
لا تنتهي , من عملية تدوير رأس المال , أي أنه وبصيغة أخرى تحولت مؤسسات
الدولة ذاتها إلى "إستثمار " شديد الإغراء للهيئات الدائنة .
2- جهاز الدولة الإدراي والخدمي وقوى العرض والطلب:
تم
تسريب وثيقة من موقع "ويكليكس " إلى صحيفة "التليجراف " البريطانية في 15
فبراير 2011 ويرجع تاريخها إلى 24 فبراير 2010 ونشرتها الصحيفة في عدد
الثلاثاء 15 مايو 2012, ومصدرها السفارة الأمريكية بالقاهرة .والتي يتصدرها
النص الآتي :
" SBU:
قدمت الحكومة المصرية مجموعة من التشريعات المالية الجديدة التي تسمح
للشركات المملوكة للدولة بإصدار السندات ولشركات القطاع الخاص بأن تصدر
السندات بشكل أكثر سهولة , ولأول مرة أعلنت الحكومة المصرية جدولاً ثابتاً
لإصدار السندات , وتهدف هذه التعديلات التشريعية إلى زيادة ارتباط الدولة
والشركات المملوكة لها بالإضافة للقطاع الخاص بسوق الأوراق المالية ."
وقد جاء بإحدى البرقيات في هذه الوثيقة :
"3- السماح للمشاريع والإستثمارات المملوكة للدولة بإصدار السندات 3- State-Owned Enterprises Allowed to
Issue Bonds
في
شهر يناير غيرت الحكومة المصرية قوانينها بحيث يُسمح للشركات
والإستثمارات المملوكة للدولة بأن تصدر سندات لزيادة مواردها المالية ,
بما يسمح لتلك الشركات والاستثمارات بان تمول مشاريع ضخمة في مجالات البنية
التحتية مثل محطات الصرف الصحي والطرق ومشروعات الإسكان , ووفقاً للسيد/
صالح فإن وزارة الإستثمار تشرف على أغلب المشروعات والإستثمارات المملوكة
للدولة"
والوثيقة منشورة على الرابط التالي :
http://www.telegraph.co.uk/news/wikileaks-files/egypt-wikileaks-cables/8326788/BABY-STEPS-IN-THE-EGYPTIAN-BOND-MARKET.html
أي
أنه – وبمنتهى البساطة – فإن الحكومة المصرية ستسمح أو سمحت بالفعل
للمؤسسات المملوكة لها بإصدار سندات تقترض بوسطها من الإستثمارات العالمية
في المجال المصرفي , أي أنه يمكن وفقاً للوثيقة أن تقوم هيئة أو وزارة ما
بإصدار سندات , ولم يتوقف الأمر على ذلك بل تعداه إلى قيام الحكومة المصرية
بتثبيت جدول سنوي لإصدار سندات الخزانة , بحيث يمكن وفقاً لتصريحات مسئول
إدارة المديونية بوزارة المالية المصرية أن تكون سندات الخزانة المصرية
أكثر قابلية للتوقع ولزيادة سهولة تداولها بما يؤدي لزيادة الطلب عليها ,
ووفقاً للسيد/ محمد أسعد مدير "إدارة الديون " بوزارة المالية المصرية(
فإن الإعلان عن جدول ثابت لإصدار سندات الخزانة المصرية سوف يسمح_كما
يعتقد_ للبنوك والمستثمرين بأن يُدرجوا السندات الحكومية المصرية ضمن خططهم
الإستثمارية للعام بما يخلق سوق أكثر إستقراراً ونمواً للسندات الحكومية
المصرية ) أي أنه قد تم بالفعل إرساء توجه من قبل الدولة المصرية لربط
الإقتصاد بشكل أكثر تسارعاً بل والدولة ذاتها بشكل أكثر عمقاً بالإحتكارات
الدولية في مجال التمويل والقطاع المصرفي, أي أن تلك الإحتكارات صار لديها
القدرة على أن "تستثمر" في المديونية المصرية لعلمها أن سداد الدين وفوائده
يتم من خلال إيرادات جهاز الدولة الذي أصبح يدير سياسات تنظيم الحياة
الإقتصادية والإجتماعية وفق إطار "تنافسي" يسمح له ببساطة بهامش ربح ويسمح
للدائنين , المستثمرين في الديون المصرية , بهامش ربح كعائد لـ"استثمارهم "
في المديونية
أ- الجهاز الإداري والتوجه نحو مفهوم "التنافسية ":
يكفي
أن تطالع المواقع الألكترونية الخاصة بالهيئات والمصالح والأجهزة الإدارية
والخدمية للدولة لتجد مصطلح "التنافسية " ضمن "أهداف "هذا الجهاز أو ذاك ,
والواقع أن طرح مفهوم "التنافسية " لا يتفق أصلاً وطبيعة الدولة , إن ذلك
التحول الدرامي يوضح أن الأمر لا يقتصر على ما اعتدنا –كيساريين – تسميته
بـ"تخلي الدولة عن دورها " إنطلاقاً من الإعتقاد المصري الراسخ في الدولة
المركزية الأم , لقد صارت تلك الدولة أقرب لشركة وكيلة تنحصر مهمتها _في
الإطار التنافسي _ في تحصيل أقصى عائد ربحي ممكن من تقديم الخدمات التي
يفترض أن تقوم بها الدولة بشكل أساسي , بحيث يمكن لتلك "الدولة " أن تحقق
لمن "يستثمرون " فيها عائد ربحي من خلال قيمة السندات والقروض المستحقة
بالإضافة للفوائد عليها
3- عملية "رسملة " الجهاز الخدمي وتحويل القطاعات الخدمية لشركات قابضة "الكهرباء نموذجاً" :
*شهد
المنتصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي ومطلع القرن الحالي ذروة عمليات
إعادة الهيكلة وإعادة تموضع الإقتصاد المصري في تقسيم العمل الدولي,وإن كان
المتابع للدراسات الخاصة برصد تلك المرحلة(لا سيما اليسارية والماركسية
منها )يجد انها تصب جل اهتمامها على عمليات بيع القطاع الصناعي المملوك
للدولة(القطاع العام) ,فإن من أسوأ ما شهدته مصر في تلك المرحلة هو تحويل
المرافق العامة المملوكة للدولة من هيئات عامة (اشخاص اعتبارية من اشخاص
القانون العام) لشركات قابضة(من الأشخاص الاعتبارية للقانون الخاص) .
وتُعتبر
عملية اعادة هيكلة قطاع الكهرباء بموجب القانون رقم 164 لسنة 2000 بتحويل
هيئة كهرباء مصر إلى شركة مساهمة مصرية حالة نموذجية لذلك النوع من عمليات
إعادة الهيكلة
*استُـهِل
نص القانون بالمادة الأولى منه التي تقضي بتحويل الهيكل التنظيمي لقطاع
الكهرباء في مصر من شخص اعتباري من اشخاص القانون العام أي هيئة عامة تدير
مرفقاً عاماً من مرافق الدولة إلى شخص اعتباري من اشخاص القانون الخاص
لتتوافق مع وضعها الجديد كشركة مساهمة.
وقد
أكدت المادة الثانية على المعنى السابق وذلك من خلال ما ورد بنصها من
سريان احكام القانون رقم 159 لسنة 1981 الخاص بشركات المساهمة وشركات
التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة وقانون سوق رأس المال
الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1992,والواقع ان اعاده هيكلة قطاع الكهرباء
تنظيمياً يستوجب تحولاً هائلاً على الطبيعة الوظيفية لقطاع الكهرباء
نفسه,فالفارق شاسع بين مرفق عام من مرافق الدولة مسئول عن تقديم سلعة
استراتيجية لا غنى عنها هى الكهرباء ومسئول أيضاً عن تشغيل وصيانة محطات
توليد الكهرباء وخطوط نقلها وتوزيعها على مستوى القطر المصري,وبين شركة
مساهمة تتألف من جمعية عمومية خاضعة لملكية الأسهم ومجلس إدارة يعبر عن
ارادة حملة الأسهم,الفارق هو بين مرفق الدولة العام الذي يتحمل مسئولية
توفير الطاقة الكهربائية للسكان بصرف النظر عن الربح ,وبين شركة مساهمة
تسعى للربح في المقام الأول ,إن هذا التحول الدرامي لا ينعكس على علاقات
العمل داخل قطاع الكهرباء فحسب,بل إنه يعكس تحولاً رهيباً في العلاقة بين
"الدولة" التي تحولت لحامل للأسهم في ذلك القطاع الاستراتيجي وبالتالي
تحولت آلية تعاملها مع المجتمع فيما يتعلق بتوفير الطاقة إلى علاقة هادفة
للربح بالأساس ,ولو تتبعنا الخيط لنهايته لنجد أن ذلك التحول الحاد يعكس
تحول الدولة في مصر من أداة هيمنة طبقية إلى أداة جباية دون أدنى اكتراث
بشروط الهيمنة الطبقية ذاتها لقد تحولت مؤسسات الدولة من أداة لليهمنة
الإقتصادية والتشريعية والقضائية والأيديولوجية بيد البرجوازية الطفيلية في
مصر إلى مجموعة من حاملي الأسهم وأصحاب الحصص في عدد من الشركات التي
تمارس الإستغلال المكثف على العمال وتمارس من جهة أخرى النهب المكثف على
المواطن(المستهلك في هذه الحالة) بواسطة علاقة تعاقدية إذعانية بوصفها
محتكرة توفير الطاقة الكهربائية في هذه الحالة .
إن كل ما سبق يعكس ما يمكن أن نلخصه في نقاط سريعة :
1- تحولت
الدولة من وحدة مالية واحدة تمارس التخطيط المالي من خلال موازنة موحدة
إلى ما يشبه وحدات إدارية وخدمية وإقتصادية تتمتع كل منها بإستقلالية
محاسبية بما ينسف فكرة التخطيط التي هي من خصائص الدولة – وحتى الدول
الراسمالية – من جذورها .
2- سُمح
لكل "وحدة " بالتعامل مع الجهات والهيئات الدائنة التي أصبحت صاحبة
"إستثمارات " في القطاع الخدمي والإداري للدولة الذي هو صلب الدولة ذاتها ,
يتم تقديم الإستثمارات من خلال القروض وتلقي العائد او الربح من خلال
مستحقات السندات والديون وفوائدها
3- أصبحت
الدولة تابعة من الناحية الوظيفية لتلك الإحتكارات وبالتالي فوضى العرض
والطلب , لأن دور الدولة كمؤسسات "تنافسية " تحقيق هامش ربح ينعكس على شكل
أرباح لكل من يقدم "استثمارات " على شكل قروض أو سندات .
4- لم
يعد من الممكن القول بتخلي الدولة عن دورها تجاه المواطنين , بل صار من
الأدق –من وجهة نظر كاتب السطور السابقة – أن دور الدولة وطبيعتها قد شهدا
تحولاً نحو ممارسة دور جهاز أو شركة وكيلة تعمل لصالح تحقيق "ربح " للجهات
الدائنة .
5- الخلاصة
أن الدولة المصرية , بأجهزتها ومؤسساتها حتى الإدارية والخدمية التي
تتعامل مع المواطنين يومياً صارت بحد ذاتها جهازاً طفيلياً يمارس مهام
الوكالة لصالح قوى الإحتكارات المالية والمصرفية العالمية .
محمد رشيد
الإسكندرية 24 / 7 / 2012
خريطة الأنشطة الحكومية التي يمولها البنك الدولي في مصر ..