تقديم : هذة المقالات تعرض ارهاصات الأنطباع الأول عن زيارتى الأولى
لدولة الأمارات العربية المتحدة , قضيت فيها مدة شهر بين دبى والشارقة,
أنقلها بعين الراصد لا الباحث المتخصص لعلها تفتح مجالاً أوسع للبحث واعادة
النظر فى النظريات المطروحة بخصوص التركيبة الاجتماعية فى منطقة الخليج
وقيمها ودورهـا - الموصوم بالرجعية - فى اطار مشروع وحدوى عربى وباعتبار
دولة الأمارات نموذجـاً مصغراً لتلك الوحدة .
المقال الثانى / اتهامات رجعية .
كتب / وليد سامى واصل
عرضت فى المقال السابق مدخل جيوسياسى لمحددات السياسة الأماراتية الحالية وبحث امكانية التعويل على دول الخليج فى مشروع وحدة عربية تشارك فيه مصر بدور فاعل , وكنت أنتظر بشغف تعليقات الأصدقاء للأفادة ولفتح مجال أوسع للبحث كما أشرت فى مقدمة المقال السابق , وبالفعل شرفنى كثير من الأصدقاء بالتعليق والأضافة لكن ربما أخطىء البعض فى أيجاد نقاط تماس مع الموضوع المطروح , ولهذا أردت أن أوضح أنه بشكل عام هناك اتفاق بين كل من كتبوا فى مبحث الجيوبوليتيك على تعريفه بأنه فرع من الجغرافيا يدرس الظاهرة السياسية المتغيرة فى ضوء حقائق جغرافية , فهو يدرس تطور الدول وعوامل قوتها وتوجهاتها السياسية , ويمكن الوصول الى استنتاجات عامة ترصد القوانين الأكثر شمولية فى فهم ورصد الظاهرة السياسية .
لكن بين حقائق الجيوبوليتيك وبين الدوجمائية المصرية تعارض واضح وهذا مدخل لما أود طرحه هنا , فاتهامات الأنتلجنسيا المصرية لشعوب الخليج بالبداوة والتخلف وبأنهم موطن الرجعية والأفكار المعادية للحضارة هى تعميم خاطىء وأحكام متسرعة وتعبر عن موقف عنصرى يحيلنا الى عقيدة الشعب المختار وما دونه من الأغيار من شعوب الأمم الأخرى , وهذا كلام خارج سياق الموضوعية .
أحب أولا أن أبدأ بتحديد مفهوم الرجعية حتى لا يترك الأمر للتعميمات المغلوطة , فالبعد السياسى فى المسألة يشير الى كل دولة أو شعب يتخلف عن مسار الحداثة ومشروع التنمية والتصنيع وما يستتبعه من اتجاه للاستقلال والتحرر الوطنى ويقف عائقاً أمام الحركات الثورية على المستوى القطرى والأقليمى والدولى , وأما البعد الأجتماعى فيشير الى القيم والتصورات والنظريات والعادات والممارسات اليومية لشعب ما والتى تعكس مدى تطور البنية الفوقية لنظامه الاجتماعى , والبنية الفوقية فى التعريف الماركسى هى النظريات والأفكار والقوانين التى تعكس واقع نظام اجتماعى معين القائم على اساس علاقات انتاج معينة تحدد فيها طبيعة الملكية نوعية وشكل هذا المجتمع والقيم التى يتبناها والأفكار والتصورات التى تعبر عنه .
هذة القوانين العامة يمكن من خلالها دراسة تطور مجتمع ما أو تتبع مراحل تطوره لكن مع التأكيد على أهمية العامل الذاتى الذى تمثله البنية الفوقية لأى نظام اجتماعى وتأثيره فى اطار الجيوبوليتيك وحركة الشعوب فى العالم القديم , أى أن البيئة فى هذة المعادلة هى مصدر كل التصورات والأفكار وهى التى ينعكس من خلالها النظام الأجتماعى , والمجتمعات البشرية مرت بنفس مراحل التطور تقريبا مع سمات عامة مشتركة وتمايزات خاصة بين مناطق المراكز وبين أطراف النظام الاجتماعى , لكن الفارق الزمنى بين تطور بعض الجماعات البشرية وبين الأخرى كان له أثـر كبير فى تداخل النظم والأفكار والتصورات المرتبطة ببيئات مختلفة وتتبع هذة المؤثرات المتداخلة ليس صعباً , فلنأخذ على سبيل المثال مصر التى تكونت فيها الدولة مبكراً ووصلت الى مراحل متقدمة من التعقيد وانعكس ذلك على النظام الاجتماعى نفسه , وكما يوضح الدكتور جمال حمدان فالجغرافيا المركزية الحاكمة لنهر النيل هى التى أسست لتلك الدولة الكبيرة وأعطت للجهاز الأدارى دوره الفاعل فى تنظيم حياة المصريين وادارة عملية الرى لتكون تلك مسئولية الحاكم مباشرة , وهى نفس الجغرافيا التى حققت لمصر وفرة فى الموارد جعلتها تنعزل تماما فترة طويلة من الزمن حيث لم يتطور الجيش المصرى ويتحرك خارج حدوده بشكل فاعل الا مع الدولة الحديثة التى تعقبت أثر القبائل الرعوية " الهكسوس " التى اجتاحت حدود الدولة فى فترات ضعفها , بينما لم تمارس الامبراطورية المصرية سياسة أمبريالية وأكتفت باستخدام ولاة تابعين للحكم المصرى لكن محتفظين بالادارة الذاتية لأقاليمهم , نظراً لعدم حاجة مصر الى موارد تلك الدول واستنزافها وبالتالى لم تتحول مصر الى دولة متروبول , أى لم تتحول لمركز نهب استعمارى .
لكن ما يهمنا هنا هو أنه مرحلة العزلة أثرت على الشخصية المصرية فى اطار الجغرافيا الحاكمة لوادى النيل , تطورت الشخصية المصرية وأسست لقيمها وقوانينها بمعزل عن المؤثرات الخارجية بدرجة كبيرة , خاصة لو كانت مؤثرات غير نهرية أى غير حضارية , وبالتالى أنتجت الحضارة المصرية قيم وقوانين متسامحة للغاية مع الأنسانية ومع الطبيعة , لكن مع تحرك المجموعات البشرية من وسط أسيا وتدفق المهاجرين على شمال سوريا والعراق وفلسطين والأردن وتوغل هؤلاء الى العمق المصرى حدث تغير بامتزاج القيم الواردة مع هؤلاء الغرباء والتى تطورت فى بيئة قاسية غير مستقرة , لتؤثر على جملة القيم المصرية تدريجياً حتى سقوط الحضارة المصرية وتعرض مصر للغزو من شعوب وأمم مختلفة , لم تحمل معها فقط خليطاً جينياً جديداً اندمج مع السكان بل حملت أفكار ومعتقدات وحتى التركيبات النفسية لهذة الشعوب وما عانته من خبراتها مع البيئة , أنصهر هذا المزيج كله ليكون الشخصية المصرية الحالية التى هى بكل تأكيد مزيج مركب تلعب فيه البيئة المصرية نفسها دور رئيس لكن أثر البيئات الأخرى يبدو واضحاً , وهذا معناه أنه حدث انقطاع حضارى كبير فى تاريخ مصر , أى أن المصريين الحاليين هم أبعد ما يكونوا عن نسخة طبق الأصل من المصريين القدماء والمسألة المطروحة هنا ليست مجادلة فى المسألة الأثنية وانما على المستوى الثقافى والحضارى فالشعب المصرى غير لغته ودينه أكثر من مره على مدار ألفين سنة ماضية , وكانت مصر موطن لهجرات عديدة لم تتوقف , حمل أصحابها معهم عاداتهم وأفكارهم التى تطورت فى بيئات مختلفة .
وحتى لا نستغرق فى عرض تاريخى لتغير قيم وتصورات الشعوب وتتبع مراحل تطورها الاجتماعى , لابد من الوقوف على معيار للقياس والمقارنة مبدئياً حتى يتحقق الغرض الرئيس من المطروح هنا , وبالتأكيد لا يمكن أن نتجاوز العصر الحالى أو نترد الى الخلف , أى الى ما قبل الحداثة , وقيم الحداثة وقوانينها هى تلك المرتبطة بحرية الأنسان والمساواة بين البشرية والدول العلمانية التى تطور من خلالها مفهوم الشعب الذى يتجاوز القومية ويؤسس لمفهوم الوطن والمواطن بالأضافة الى الدعوة لحرية المرأة وتحررها من موروثات الأقطاع خاصة فى الشرق الأوسط , وأيضا القيم التى أنتجتها الثورات العمالية الاشتراكية وحركات التحرر الوطنى وسعى البشر الى الوحدة وانهاء علاقات الاستغلال والتطلع لنظام اجتماعى - اقتصادى أرقى , وسوف أعين هذة القيم معياراً للمقارنة والبحث .
وحسب التعريف السابق , فالنظام الاجتماعى يعكس قيمه أى أن النظام الاقطاعى أو بشكل أكثر عمومية النظام الخراجى الذى ساد العالم القديم عرف قيم معينة نستطيع أن نحقق منها سمات عامة اجتمعت عليها البشرية مع تمايز بين دول مراكز هذا النظام فى الشرق الأوسط والأقصى وبين أوربا التى تمثل وقتها أطراف هذا النظام الاجتماعى , وقيم هذا النظام وقوانينه أرتبطت باستعباد الانسان لأخيه الانسان واستغلال قوة عمله لتحقيق فائض فى الموارد تستطيع الطبقة المسيطرة من خلاله الانعزال عن العمل الاجتماعى والتمتع برفاهية على حساب شقاء الطبقات المقهورة , وعرف هذا المجتمع عادات قهر المرأة والأسرة البطريركية التى تتمركز حول سلطة الأب , حق الفتح واسترقاق الشعوب الأخرى واجبارهم على دفع الجزية أو تغيير العقيدة , الزواج فى اطار قيود تتحكم فيها العائلة للحفاظ على ملكية الأرض التى قد تؤول للغرباء , الى غيره من عادات وقيم تفاوتت وتمايزت نسبيا من هنا الى هناك .
لكن ومع بداية ظهور الأقطاع الأوربى كانت مازالت هناك جماعات بشرية تعيش فى مراحل اجتماعية سابقة على الشكل الاجتماعى للمجتمع الاقطاعى , فهناك جماعات بشرية عاشت فى اطار العشيرة والقبيلة وتمايزت بين بدو رحل فى الغالب مقاتلين , وبدو مستقرين على تخوم الحضارات يمارسوا الزراعة الى جانب أنواع أخرى من الأنشطة الاقتصادية كالتجارة .
فالقبائل الجيرمانية الغربية التى كانت الرافد الرئيس للاقطاع الأوربى , كانت تعيش على الصيد نظراً لفقر البيئة فى الدول الاسكندنافيه وكانت شعوب مقاتلة بطبعها ترفض الزراعة حتى لا تلين عزيمة المقاتلين , ويبدو نظامهم القيم بالنسبة لنا نظام منحل الى درجة بعيدة , فهم يتقاتلون للترفيه ويشربون الخمر ويعبدون الهة وثنية أى أنهم من منظورنا غير أخلاقيين بالمره , لكن من ناحية أخرى فالمرأة عندهم لديها مكانة كبيرة وهى تقدم هدية لزوجها كما يقدم لها هو هدية الزواج ولا يمكنه الزواج من أخرى حسب القانون الجيرمانى , بينما مجتمعاتنا تعانى فيها المرأة بشدة والرجل المصرى تحديداً يرفض أن تكون المرأة مساوية له ويشعر أن فى ذلك امتهان لرجولته , من ناحية أخرى على مستوى النظام السياسى فقد عرفت هذة الشعوب نظم ديمقراطية تطورت بحكم النظام شبه المشاعى الذى حكم حياة الجرمان وهو انعكاس لبيئة قاسية وفقيرة تحتاج لمجهود ودور كل فرد للحفاظ على المجموع , فقد عرف الشعب الجيرمانى ما يشبه مجلس الأمة اليوم فى مصر , وكان يسمى بالجمعية العمومية للشعب الجرمانى وكانت لها سلطات واسعة منها تعيين قادة الجيش ولم يكن للملك نفسه صلاحيات مطلقة وكان المنصب من حق الأكثر شجاعة وقدرة على القتال باعتبارهم مجتمع عسكرى , بينما عندما تحركت تلك القبائل الى غرب أوربا وأشتغلت بفلاحة الأرض حدث تغير كبير على مستوى القيم والقوانين فتحول النظام الاجتماعى الى نظام هرمى على رأسه السيد الأقطاعى وتغيرت العقيدة الى المسيحية التى تطورت فى بيئة شرق أوسطية , بينما احتفظت طبقة النبلاء بشغف الحياة العسكرية وهو ما دفعها للحروب الصليبية على الشرق فيما بعد , وبالتأكيد تراجعت مكانة المرأة فى المجتمع الجديد نظراً لتغير النظام من نظام شبه مشاعى أى تشييع فيه ملكية الموارد الى نظام قائم على الملكية الخاصة لن يسمح فيه بانتقال الملكية الى غرباء وكان هذا مدخلاً لصراعات عديدة على العروش الأوربية بين الأسر الارستقراطية .
هذا عن نموذج البدو الرحل , أما البدو الزراعيين فهم النوع الأكثر خطورة خاصة الذين قدموا من بيئات صحراوية قاحلة كما فى الشرق الأوسط وعاشوا فى تخوم الحضارات والدول الكبرى ومارسوا الزراعة والتجارة , وذلك لأنهم جاؤوا من خلفية بيئية قاسية ثم تحولوا الى نظام اجتماعى ارتبط بعلاقات ملكية خاصة ولكن عانى من الندرة , عرف المدن ولكنها كانت مدن ترانزيت ولم تكن كالمدن العملاقة فى روما والمدائن عواصم الامبراطوريات , أو نموذج المدن الايطالية فيما بعد , فقد تطور هذا المجتمع البدوى الزراعى فى ظروف مشوهة غير مكتملة التطور, وبالتالى عرف هذا المجتمع الثأر والقتل لأجل الشرف حفاظاً على الملكية فى حدود الذرية المعروفة , وعرفوا تشريع قوانين تقهر المرأة وتعتبرها مصدر كل الشرور والمصائب بينما النوع الأخر كان أكثر تحرراً من تلك القيود حيث كانوا يميلون الى الحركة والتنقل وبالتالى ليس هناك التزام باتباع نفس منظومة القيم التى اندمج فيها البدو الزراعيين , بل ان هذة الأشكال البدائية للتجمعات البشرية ظلت محتفظة بعلاقات قرابة مشاعية لفترات ليست بعيدة فى الزمن كما قبائل الهنود الحمر فى جزر هاواى حتى القرن التاسع عشر .
ان الأشكال الأولى للتجمعات البشرية على مستوى العشائر والقبائل التى كانت فى حالة حركة مستمرة لم تتقيد بقيم نظام الأقطاع الأوربى التى حلت بعد ذلك ,لكن ما دفع أوربا الى التغيير كان الوضع الجيوسياسى للقارة ودور المدن التجارية التى بدأ تكونها كحصون متقدمة ثم تطور فيها التبادل السلعى - النقدى لتتكون تدريجيا طبقة البرجوازية التجارية التى ستحمل عبىء الترويج لأفكار عصر النهضة وتمويل الكشوف الجغرافية فيما بعد ثم التحول الى برجوازية صناعية بعد الثورة الصناعية والاطاحة بالنظام الاقطاعى وسيادة نمط الانتاج الرأسمالى فى العالم , وقد حدث هذا التطور بمعزل كبير عن الضغوط من دول المراكز فى المجتمع الخراجى التى لم يتوفر لها نفس الظروف الموضوعية للتطور , وهذا عامل يضيف تميزاً بين البدو الزراعيين فى أوربا وبين هؤلاء الذين عاشوا بالشرق الأوسط تحديداً .
الذى يتفحص التركيبة الاجتماعية فى الخليج يرى أنه هذة الجماعات البشرية وخاصة على ساحل الأمارات المهادن لم تعرف حالة الاستقرار الزراعى نتيجة لفقر التربة , بل كانوا صيادين للسمك وعملوا فى استخراج اللؤلؤ من الخليج , هذا قبل الطفرة البترولية والأنتقال للحياة فى المدن الحديثة وبالتأكيد قبل التأثير الوهابى , لكن ماذا عن الاتهامات بالرجعية ؟
لنبدأ مثلا بالنظام السياسى وبعيداً عن حالة دبى وعن قوانين الاتحاد ونظامه الأساسى المستمد من القوانين والنظم الحديثة فشكل القبيلة وطبيعة الحكم داخل كل امارة تعكس مساحة من الديمقراطية الموروثة من المجتمع المشاعي الذى عبرت عنه القبيلة وسلطة الشيخ والتى ترسخت داخل هذا النظام الاجتماعى بفعل موروثه الذى لم يقيد بعلاقات ملكية اقطاعية نظراً لعوامل جيوسياسية كما أوضحت فى المقال السابق , حيث شيخ الامارة لديه ديوان عام يستقبل فيه شكاوى المواطنين وتقدم الاعانات لكل مواطن فى حاجة ومع الطفرة البترولية يحظى المواطن الاماراتى بدعم كبير من الدولة فى التعليم المجانى وكذلك قروض وتسهيلات كبيرة لكل من له دخل شهرى أقل من 20 ألف درهم وهو مبلغ خيالى لأى مصرى يعمل هناك بالاضافة للجمعيات التعاونية لتوفير السلع بأسعار مناسبة للمواطنين , وسلطه الشيخ هى بالاساس سلطة عرفية مشروعيتها القبول العام وهو نظام لا يقل ديمقراطية عن خيارات الانتخاب فى الولايات المتحدة بين الحزب الجمهورى والحزب الديمقراطى , ومن ناحية أخرى فقد قاومت قبائل القواسم الأستعمار البريطانى الى أن أجبرت على توقيع اتفاقية صلح وقد قاومت قبائل الساحل المهادن البرتغاليين فى السابق , ومع صعود حركة القومية العربية كان للشيخ صقر بن سلطان القاسمى دور كبير فى دعم التوجه القومى وتأييد سياسات جمال عبد الناصر وواجه النفوذ البريطانى فى الخليج مما دفع بريطانيا للاطاحة به , وقد شاركت الامارات بقوة عسكرية فى حرب أكتوبر وساهم الشيخ زايد بدعم مالى لمصر لدعم المجهود الحربى . وكما أوضحت فان الوضع الجيوسياسى للامارات يجعل خياراتها صعبة فى ضوء صراع القوى الأقليمية والقوى الدولية الموجودة , فى حين تتحمل مصر العبىء الأكبر فى اعادة تمركز الاستعمار فى المنطقة لانسحابها من المواجهة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع العدو الصهيونى .
أما الجانب الأكثر أهمية هنا فيأتى على مستوى القيم فان هذة المجتمعات تتميز بأنها لا تقتل للثأر فى قضايا الشرف والخيانة الزوجية ولم تنتج تصورات معادية للمرأة , بينما الرجل المصرى وهو ابن المدينة الصناعية - التى تكونت مبكراً بالمقارنة بعمر مثيلاتها فى مدن الخليج - لا يقبل على سبيل المثال أن تتصدر زوجته الحديث فى مناقشة لا يقوم هو بدور رئيسى فيها ولا يقبل أن تتكون صداقات بين زوجته ورجال أخرين لأن مثل تلك العلاقات ينظر اليها بعين الشك والريبة دائماً, والتحقق من تلك العقد فى الشخصية المصرية بسيط , يكفى أن يتعرض كاتب هذا المقال للسؤال الشهير " هل ترضاه لأختك أو لزوجتك ؟ " , فهكذا يفكر المصريون , بينما الوضع فى دولة الامارات يختلف تماماً فالمرأة لديها حقوق ومساحة حرية أفضل بكثير من وضع المرأة المصرية وهو ليس حق تكون سيدة الدار ومدبرة أحوال الأسرة فقط , فهى هنا كما فى الحالة المصرية مجرد حارس على قيم تقمعها وهى تمارس القمع على بناتها لتجبرهم على تبنى نفس القيم , فى حين المرأة الأماراتية كانت شريك بفعل موروث نظام اجتماعى فعل دورها بمساندة الرجل فى عمليات الصيد وتحصيل الرزق , صحيح أن وضع المرأة تغير بعد تحولهم لحياة المدن وبعد الطفرة البترولية التى أقترنت بالتأثير الوهابى - السعودى مما أجبر النساء على أرتداء العباءات السوداء وتخلوا عن ملابسهم التقليدية التى كانت تتميز بالألوان المختلفة , لكن هناك مقاومة لهذا التأثير الوهابى فيمكنك أن ترى المرأة الأماراتية تحتفى بالملابس التقليدية خلف العباءة السوداء ويظهر شعرها واضحاً بينما المرأة المصرية أسيرة ملابس مقيدة لحركتها وحريتها , وهنا فمستوى تطلعات المرأة الأماراتية - حتى فى ظل الأرتداد الذى حدث بعد تشكل المدن ثم الطفرة البترولية والمد الوهابى - هو بالتأكيد أرقى بكثير من مستوى طموح المرأة المصرية التى تتحرك فى دائرة قيم هى نفسها الحارس الأمين عليها فى غياب مشروع تنموى حقيقى لدولة بحجم مصر , وبينما المصريون يقتلون للثأر فى قضايا الشرف لا يقوم المواطنين فى الامارات بارتكاب مثل هذة الجرائم , وهناك مساحة كبيرة للتسامح . صحيح ان الخيانة الزوجية غير مقبولة لكن هذا لا يعطى الانسان الحق فى ازهاق أرواح الأخرين لمجرد ان اختياراتهم تغيرت أو لقرار خاطىء فى لحظة ما لأنسان يصيب ويخطىء .

السينما المصرية تعكس تلك القيم الرجعية, تكفى مقاطع من فيلم خيانة مشروعة الذى صور أبطاله كشخصيات متحررة أو علمانية بالمعنى الدارج , بينما أرتكبوا جرائم قتل فى حالات الخيانة الزوجية والسينما هنا تعكس صورة العقل الجمعى للمصريين , الذين أصبحوا مصدر مزايدة كبيرة على الشعوب الأخرى ومنهم شعوب الخليج نفسها , فعندما يعرف الخليجى أنك مصرى سيعدل من سلوكه الطبيعى خوفاً من المزايدة المصرية التى يروا نموذج لها فى الافلام المصرية وفى الممارسات العادية لأبسط المصريين , ومشكلة ظاهرة التدين المصرى أنها أزمة نفسية مركبة , فالمصرى لا مانع لديه من تعاطى المخدرات وشرب الخمر ومعاشرة فتيات الليل بينما لا يمنع نفسه من المزايدة الدينية والاخلاقية على الأخرين وهنا الحضارة المصرية القديمة بريئة من هذة المسئولية فكما أشرت هناك انقطاع تاريخى وثقافى حدث ولا شك , فالمصريين القدماء كانوا يبحثون عن حلول لمشاكل الحياة , ففكروا فى البعث والخلود كحل لمشكلة الموت لكنهم لم يهتموا بتصنيف الشعوب على أساس الكفر والأيمان , اهتمت مصر بحماية حدودها لكنها لما خرجت لتصنع اول امبراطورية فى التاريخ لم تتحول الى دولة نهب استعمارى لانها ليست فى حاجة لخيرات هذة البلاد المتوفرة أصلا فى مصر , لم تكن تلك الشخصية عدائية أبداً بل بالعكس تصدت لمحاولات اجبارها على عبادة الـه واحد فيما يسمى بالثورة الدينية فى عهد اخناتون .
وأتصور أن الهجرات من جنوب سوريا والأردن هى المسئولة عن نقل هذة التصورات المرتبطة ببدو مستقرين وليسوا رحل فى تخوم الحضارات القديمة , وأنه وراثة بعض العادات والمفردات اللغوية من الحضارية المصرية القديمة لا تعنى بأى حال استمرارها بل ان دور البيئة الحاكم الذى يعكس قيمه وتصوراته قد يتغير اذا تعرض لمؤثر خارجى أقوى من خلال وعى اخر تطور فى بيئة أخرى , وكثير من الشعوب التى غيرت دينها ولغتها وقيمها لتصبح تحت سلطة أفكار شعوب أخرى هى أكبر دليل على ذلك , هذا طبعا بالاضافة للمد الوهابى والمليارات التى أنفقتها السعودية لتحول الدين الى تجارة مربحة وهو ما عمق الازمة فى مصر التى دخلت فى حالة عزلة اختيارية , فربما كانت العزلة التاريخية لمصر القديمة مبررة لأن مصر ظلت فترة ألف عام تتحدث الى نفسها تقريبا فى عالم واسع مظلم لم تتوفر فيه نفس الشروط الموضوعية التى سرعت تطور الحضارة المصرية لتحقق لها السبق فى الوصول الى درجة عالية من التطور , بينما كانت العزلة الاخيرة على مدار الأربعين سنة الأخيرة هى قرار باعتزال الحياة وتوقيع على مغادرة التاريخ من أبواب كامب ديفيد . ولهذا فان مصر تحتاج الى ثورة لا الى المزايدة على الشعوب الأخرى , ثورة نفسية كما يصفها الدكتور جمال حمدان ، بمعني ثورة علي نفسها أولا ،
وعلي نفسيتها ثانيا ،أي تغيير جذري في العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة
قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها , ثورة في الشخصية المصرية
وعلي الشخصية المصرية , ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر وكيان مصر
ومستقبل مصر "1" .
وبالعودة الى الامارات, فتطور دبى وتحولها الى مدينة حديثة ساهم كعامل أضافى فى اتاحة الفرصة للقيم العلمانية خاصة أنها مدينة يعيش فيها عشرات الجنسيات المختلفة القادمة من ثقافات مختلفة ويستطيع العربى فيها أن يعيش بعيداً عن سلطة الأسرة الأبوية ويمكن أن تتكون الأسر الجديدة على أساس من الأختيار الحر بين الرجل والمرأة المستقلين مادياً والقادرين على اعالة أنفسهم , وهذا بالتأكيد يمثل عامل مؤثر على المواطنين الأماراتيين أنفسهم الذين تحكمهم قوانين مقيدة نوعا ما ومانعة للاختلاط بالجنسيات الأخرى, بينما لا يتعدى نسبة المواطنين 15% من نسبة السكان وهو ما يمثل عائق أمام تطور البلد ذاتياً, وهذا مجال الحديث عن المدينة وامكانات تطورها فى المقال القادم .
المقال القادم " عن المدينة واليها " .
1- جمال حمدان , شخصية مصر , دراسة فى عبقرية المكان .