الجمعة، 30 سبتمبر 2011

الناصرية غـدا ....

" لقد حذرت دائما من الاعتماد على الفرد وقلت مرارا أن أى فرد مهما بلغ اسهامه
فى قضايا أمته ؛ يؤدى دوره ويرحل ويبقى الشعب من الازل الى الابد "

هكذا حدد جمال عبد الناصر فى كلماته الرائعة مفهوما واضحا للناصرية كأيديولوجية يتبناها الكثيرون من المحيط الى الخليج ؛ الا اننا
نجد اختلافا كبيرل فى تحديد معنى وتعريف واضح للناصرية لنجد أنفسنا امام حيرة كبيرة بين تجربة رجل جعلته الظروف رئيسا لدولة مصر بكل ما يتعلق بهذا الدور من مسئوليات ؛ وبين زعيما عربيا ورائدا من رواد حركات التحرر فى العالم ؛ هذة التركيبة الفريدة التى خلقت شخصية استثنائية أصابت الايديولوجية بالشلل والجمود بمجرد رحيل القائد والمنظر الاول لها !! .....
لهذا كان علينا أن نبحث ونجتهد فى ايجاد تعريف للناصرية فى سياق تاريخى ؛ يتجاوز وضع الجمود الحالى ويقدم النظرية فى ثوبها الحقيقى للجماهير العربية الثائرة الان للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية .

فى البداية ينبغى أن نعرف ان التجربة الناصرية ليست نبتا شيطانيا ظهر من العدم ؛ بمعنى انها أولا ورغم كل شىء تجربة مصرية بالاساس ؛ فهى بنت التاريخ المصرى والبيئة المصرية بجدارة وثانيا هى استمرار لتاريخ نضالى بدأ فى تصورى مع انشاء الدولة الحديثة مرورا بفشل محمد على واسماعيل وتأمر الدول الاوربية بالتحالف مع رجل أوربا المريض ضد مصر ومشروعها النهضوى ؛ ثم كفاح أحمد عرابى ضد الاحتلال وفشل أول مشروع لانشاء الجمهورية المصرية ؛ بعدها كفاح كل من مصطفى كامل ومحمد فريد ثم سعد زغلول وثورة 1919 التى أنتجت الحقبة الليبرالية الطبقية والتى غابت فيها مظاهر العدالة الاجتماعية وأنتجت بمرور الوقت احزابا فاسدة تتصارع على السلطة .
وتمر الاحداث فاذا نحن أمام معاهدة 1936 التى استغلت فيها بريطانيا امكانيات مصر لصالح تدعيم موقفها فى الحرب العالمية ثم لم تقدم شيئا فى المقابل ؛ بعدها يدخل المجتمع
فى حالة فوران تهىء الاجواء لتغيير قادم لا محالة ؛ فتخرج مظاهرات الطلبة والعمال عام 1946 وتهتف ضد الاحزاب وضد الفساد وتطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية .
فى العام 1948 يشترك الجيش فعليا فى هموم الوطن بعد أن عاد محبطا من حرب فلسطين ويبدأ تنظيم الضباط الاحرار فى العمل حتى كانت اللحظة الحاسمة فى 23 يوليو 1952 .

كان على الضباط التحرك فى ثلاثة محاور بشكل متوازى ؛ فأولا هناك محور تمثله معركة التنمية وفعلا حاول نظام يوليو تقديم تسهيلات كبيرة لرأس المال والقطاع الخاص لكى يساعد فى مشروعات التنمية الا ان رأس المال خذل الضبااط بالاضافه للحصار المالى الذى اتبعته الدول الغربية خوفا من طموحات جمال عبد الناصر؛ فكان الاتجاه الى تمصير الشركات وتأميمها والتى أنتهت باصدار قوانين يوليو الاشتراكية فى 1961 م ؛ ثانيا هناك محور تمثله معركة ضد الاحتلال وضرورة خروجه من مصر نهائيا فكانت معاهدة الجلاء عام 1954 والتى اظهرت ان الامور قد تسير فى شكل علاقات تعاونية مع الغرب الا انه وفى نفس العام جاءت صفقة السلاح التى أثارت زوبعة فى الغرب وبدأ العداء يظهر مع المعسكر الغربى وكان على مصر - مضطره - ان تتجه للمعسكر الشرقى لكسر احتكار السلاح فى مواجهة اسرائيل المتفوقه عسكريا ؛ وبناء على تلك المحاور التى تحركت فيها الثورة بسبب ما فرض عليها من واقع دولى فى ظل الحرب الباردة كان المحور الثالث وهو ادراك جمال عبد الناصر ان مصر وحدها لن تستطيع أن تواجه كل هذة التحديات بالاعتماد على قدراتها الذاتية فقط فكان التوجه الى المحيط العربى طلبا للدعم والمساندة فى معركة مصير واحد بكل تحدياتها ...

كل هذا جعل نظام يوليو يسير فى طريق محدد له ؛ اولا انه ضد الاستعمار وفرض عليه ان يتصادم مع القوى العظمى رغم انه لم يكن يرغب فى الصدام لكنه بداية من صفقة الاسلحة كان الاتجاه بيسير الى صدام ؛ ثانيا اتجاهه لتنمية مستقلة فاعتمد على الراسمالية الا انه فشل فغير اتجاهه للاشتراكية المتوازنه وهذا أيضا كان بصدد جره الى صدام مع الغرب ؛ من هنا ومن خلال رؤيتنا لمجتمع لم يتطور بالشكل الطبيعى بحكم الحقبة العثمانية السوداء ثم الاحتلال الانجليزى ؛ وجد نظام يوليو نفسه امام مجتمع رجعى لدرجة ان الاقطاع الذى انتهى من العالم كله كان ما يزال موجودا فى مصر حتى سنة 1953 بعد صدور قوانين الاصلاح الزراعى وبالتالى فالرأسمالية الموجودة لم تكن هى تلك الرأسمالية التى طالبت بالحرية وقضت على الاقطاع ولكنها رأسمالية مصطنعة وتابعة للاحتلال تحالفت مع الاقطاع وابقت على المجتمع الطبقى كما هو !!.
نحن نتحدث عن نظام حاول انه يقوم بدور التاريخ الذى سمح للمجتمع الاوربى ان يدخل فى صراعات اجتماعية و تجارب انسانية أكسبته خبرة فقام ينادى بحريته بنفسه وحافظ على مكتسباته لانه أدرك انه له حقوق لا يمكنه التنازل عنها ؛ فى حين ان مجتمعنا المصرى حتى حينه كان مجتمعا طبقيا تتقاسمه الرأسمالية مع الاقطاع ؛ مجتمع يحتاج الى أن يمر بنفس الخبرات والتجارب التى أكسبت المجتمع الاوربى خبرة وتماسك ؛ مجتمع يحتاج الى طبقة جديدة وهى الطبقة الوسطى ومعها طليعة شبابية من المتعلمين تقود مستقبل مصر فى ظل تكافؤ الفرص بين الجميع ؛ كل هذا فى ظل مواجهة مع الغرب وخوف من عدم تماسك الحبهة الداخلية فكان النظام حاسم فى ردود فعله وكانت ختياراته محدودة ؛ فنجح فى معركة العدالة الاجتماعية وخلق طبقة وسطى ناضلت ومازالت تناضل ؛ وفشل فى معركة الحرية والديمقراطية أو ربما لم يمهل القدر النظام وزعيمه بعد ازالة اثار العدوان ليخلق نظاما ديمقراطيا حقيقيا وحسم التاريخ امره بما كان ولا رجعة فيه ! ؛ واما معركته ضد الاستعمار فقد خاضها بكل ما أوتى من قوة  فانتصر فى معارك وهزم فى أخرى لكنه ترك وعيا حيا فى جماهير الشعب المصرى والعربى لتستكمل الحرب الى النهاية ...

من هنا نستطيع أن نقول أن الناصرية هى استراتيجية صيغت من واقع مصر السياسى والاجتماعى والاقتصادى ؛ فهى رؤية نابعة من البيئة المصرية ؛ تتناول دوائر العمل السياسى لمصر دون ترتيب لاولوياتها وفقا للامن القومى وضروراته فى كل فترة ؛ ثم هى حركة تنمية مستقلة تعتمد اقتصاد متوازن يوفق بين دور الدولة ودور القطاع الخاص " فى حدود لا تسمح بالاستغلال " فى بناء اقتصاد وطنى قوى ؛ ثم هى حركة تحررية ضد الاستعمار وضد الامبريالية فى العالم ؛ تمثل فيها مصر قاعدة للنضال فى العالم ضد الفقر وضد الاستغلال وضد الاستعمار .
والناصرية هى ايضا نهضة ثقافية وعلمية ومشروع ديمقراطية حقيقية تبدا بالعدالة الاجتماعية حتى تصل الى مرحلة التعددية السياسية وبالتالى هى لا تقف عند شخص او مجموعة أشخاص بل هى تراكم لنضال أكثر من جيل ؛ ومع التزامها بالخط العربى تسعى الناصرية فى اطار مشروع وحدوى تقوده مصر الى الوحدة العربية وهى تراها وحده شعبية يتحمل مسئولياتها أكثر من جيل وتترك لكل جيل حرية اختيار الخطوات التى يراها مناسبة دون تعجل لتحقيق الوحدة الشاملة ....

وعليه فمن خلال هذة الرؤية نستطيع أن نرسم خطوطا لتحرك السياسة المصرية وذلك على أساس ثلاثة محاور
المحور الاول هو المحور الافريقى حيث الامن القومى ؛ فأفريقيا تمثل مصدرا هاما للمواد الخام ومصادر الطاقة بعيدا عن مناطق المصالح المباشرة للولايات المتحدة فى الخليج العربى ؛ بالاضافة لكونها سوقا لتصدير المنتجات المصرية مما يمكن مصر من بناء قاعدة صناعية كبيرة ..
ولقوة مصر الناعمة فى افريقيا رصيد كبير فى امتداد ممتلكات المملكة المصرية سابقا بالاضافة لرصيد مصر المعنوى بمساعدتها لحركات التحرر فى افريقيا فى الستينات ..
اما المحور الثانى فهو المحور العربى وأتصور ان التحرك على هذا المستوى يكون بنسبة كبيرة تحركا شعبيا ؛ من خلال التواصل بين
الشباب العربى ؛ وأعتقد ان اى تحرك وحدوى فى تلك الفترة لابد أن يكون مرحليا ؛ بمعنى أن نعطى اولوية لفتح الحدود بين الدول العربية وتفعيل السوق العربية المشتركة ؛ مما ينشط العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية ويكسر الحاجز النفسى الذى أنتجته فترة الردة وتوغل الاستعمار فى المنطقة منذ انتهاء التجرية الناصرية برحيل جمال عبد الناصر فى سبتمبر 1970 م .
وبالنسبة للمحور الثالث فهو على المستوى الدولى ؛ تقود فيه مصر محور عالمى بالتنسيق بين الشباب فى مصر والوطن العربى وبين الشباب فى أوربا وأسيا وامريكا الجنوبية والشمالية فى مواجهة الرأسمالية العالمية وسياسات الليبرالية الجديدة من أجل افقار العالم لصالح حفنه من الاغنياء ؛ ذلك لان اى مشروع يهدف الى احداث تنمية مستقلة سيواجه جشع الرأسمالية العالمية التى أفقرت العالم وأدت الى زيادة نسبة البطالة فى أوربا وامريكا نفسها بسبب عمليات "الافشورنيج" حيث هجرة رؤوس الاموال عبر البحار مما أدى لاستننزاف ثروات أوربا وأمريكا ؛ فى حين تلجأ الرأسمالية الى خلق عدو وهمى بافتعال حروب دينية وعنصرية بين الشعوب حتى تنسى العدو الحقيقى الذى يمثل خطرا على الانسانية كلها .
ونحن نمتلك الفرصة الان فى ظل الثورات العربية ؛ والشباب فى أوربا ينتظر الشباب العربى ليناضل معه فى معركة الانسانية كلها ضد الجشع والاستغلال .....

أخيرا ؛ أتصور ان رؤية المبدع جمال حمدان لمفهوم الناصرية كان من منطلق انها نظرية مرنه نستطيع أن نرسم بها أفاق المستقبل فى مجال استراتيجى كبير لا نبالغ حين نصفه " بالمجال العظيم " ؛ وتقدم معه الناصرية كنظرية عالمية تقدمية تسعى لاعلاء قيم العدل والمساوة والسلام بين البشر جميعا ......

بقلم وليد سامى

الأحد، 18 سبتمبر 2011

عـــســكــر وثـــورجــيــة !!!

فى مصر مثل التحالف القائم عبر التاريخ بين المؤسسة العسكرية والكهنوت الدينى باشكاله المختلفه معادلة قوية الاركان حكمت بقوانينها الواقع السياسى المصرى حتى صارت قانونا طبيعيا لا يمكن الخروج عليه ؛ بل ان تلك المعادلة قد فرضت قانونها فى نطاق حضارات الشرق الاوسط القديم ومازالت حتى الان ....

ولعلنا نجد دائما تفاوت وتباين فى الادوار التى يؤديها كل طرف لكن بما لا يخل بجوهر المعادلة نفسها؛ فأحيانا تكون السلطة الدينية هى المسيطرة وتتبعها القوة العسكرية ومرات أخرى يسيطر العسكر على الحكم بشكل مباشر وتتبعهم المؤسسة الدينية وكل العناصر والجماعات التى تستعمل الدين غطاءا سياسيا .

والوضع فى ايران مثلا يعطينا مثالا على سيطرة رجال الدين ومدى ولاء المؤسسة العسكرية لسلطة الكهنوت ؛ فى حين أن دولا كمصر وسوريا تميل الى النموذج العسكرى ؛ وعلى كل فالمعادلة سارت بشكل جيد طوال التاريخ اللهم من بعض الاستثناءات التى أنقلب فيها أحد الاطراف على الاخر وقضى عليه ؛ وثورة يوليو 1952 تعتبر مثالا حيا على ذلك حيث قاد العسكر مشروعا ثوريا بقيادة الراحل الزعيم جمال عبد الناصر بعدما اصطدموا بطموحات السلطة المتزايدة لدى جماعة الاخوان المسلمين ؛ لكن كان لعبد الناصر رأى أخر .....
على كل لم يستمر الامر طويلا بمجرد رحيل القيادة الثورية عادت المعادلة لتفرض نفسها واقعا من جديد ؛ وكان الاتفاق الذى عقده السادات مع الاسلاميين واضح المعالم حيث سمح لهم بالتحرك داخل الجامعة وفى النقابات وفى الشارع وسمح لهم ايضا بالمكاسب الاقتصادية فى حين تحتفظ الدولة بمؤسساتها السيادية كالاعلام والدفاع والمخابرات والداخلية وكل ما يتعلق بالعلاقات الخارجية ؛ الامر الذى شجع الجماعات الاسلامية فانتشرت كالوباء فى الشارع المصرى تعربد هنا وهناك وتقيم الحدود عشوائيا فى الصعيد وتقتل من تريد وتحى من تريد حتى صارت الحاكم بأمرها وأنتهى شهر العسل بمقتل السادات نفسه .
وفى عصر الرئيس السابق مبارك كانت الهجمة الامنية ضد الجماعات الاسلامية الجهادية لكبح جماحها والتى انتهت بما سمى المراجعات الفكرية لجماعات الجهاد الاسلامى والتكفير والهجرة غير ان واقع الامر يتحدث عن صفقة بين النظام وتلك الجماعات لكى تستمر المعادلة قائمة ؛ الامر ايضا استمر على مستوى العمل السياسى بين جماعة الاخوان والنظام فالتحالف قائم ولم يتغير وكل ما يظهر على السطح من مظاهر العداء انما هى من صميم المعادلة والصفقة االساداتية حيث تقوم الدولة بعمليات ردع لكبح جموح الاسلاميين فى حين تترك لهم الشارع السياسى لاستقطاب الشباب فى مواجهة التيارات الاخرى ؛ ومن هنا لا أبالغ حينما أقول اننا كنا نعيش منذ ما يزيد عن أربعين عاما فى ظل الحكم الاسلامى .
نعم صدق أو لا تصدق !!!

        لكن فى الحقيقة فان مصر الان تشهد تغيرا كبيرا ربما يخطىء من يتجاهله أو يظن انه تكرارا لتجارب أخرى فاشلة ؛ فالجيل الثائر الان ليس مجرد طليعة شبابية ضخمة العدد فحسب بل هو جيل يملك من وسائل التكنولوجيا ما يمكنه من كسر أسر الاعلام والسلطة وتوجيهها والانطلاق الى العالم بافكاره ؛ دلك التفاعل الدى انتج جيلا متمردا على النمط القائم ؛ جيلا يرغب فى الحرية حقا وأكثر من ذلك يرغب فى التغيير .
     والان يواجه هذا الجيل نفس المعركة التى خاضها جيل السبعينات ومع نفس المعادلة الحاكمة التى استمرت طوال تاريخ مصر 
ان القارىء للواقع السياسى فى مصر الان يجد نفسه أمام عدة حقائق لا يمكن تجاهلها
فأولا هناك جيل جديد يريد أن يعيش عصره ولا يعرف سوى معنى الحرية
ثانيا هناك نظام عسكرى موجود لا يستطيع ان يتعامل مع الامور الا فى اطار نظرية " عاش الملك مات الملك " وان يستمر الحال كما هو عليه والتعامل معه على انه انتفاضه او حدث عابر سوف يتم احتوائه
ثالثا هناك تيار دينى يعتقد فى قوته وقدرته على الحشد فى الفترة الحالية ولهذا هو يرغب فى الاسراع فى العملية الانتخابية حتى يضمن لنفسه اكبر ما يمكن من نفوذ فى الفترة القادمة خوفا من تزايد قوة التيار المدنى .
رابعا هنك تيار مدنى كبير فى مصر ؛ صحيح انه يفتقد الى التنظيم لكنه يزداد حجما وخبرة وتنظيما يوما بعد يوم وسيتشكل مع مدى انتشاره وقدرته على الصمود مستقبل مصر فى المائة سنة القادمة .
خامسا هناك بالتأكيد حقيقة واحدة وربما تكون أم الحقائق وهى أن جيلا شابا يتخطى عدده الـ 25 مليون شخص عاشوا تجربة الحرية ؛ وان جيلا كهذا لن يفرط فى حريته سواء بالارهاب أو بالمؤامرات أو بأموال شيوخ الخليج .

ولـيـــد ســـامـى واصــل

الجمعة، 2 سبتمبر 2011

حتى تكون ثورة ...

الثورة مصطلح يكثر تداوله الان فى ظل الانتفاضة الشاملة التى تشهدها المنطقة العربية لكن يبدو ان للمصطلح تعريف اكثر عمقا مما يظنه الكثيرون ، فالثورة تستلزم تغييرات جذرية فى نواحى الحياة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا ومعنى هذا اجتماعيا ان طبقة مستغلة لابد ان تزول وان مظاهر وسلوكيات فاسدة لابد ان تتلاشى..
واما على المستوى الاقتصادي فالثورة تعنى ان نظاما اقتصاديا قد فشل فى تلبية متطلبات الجماهير وعلينا ان ناتى بنظام جديد اكثر عدالة .
والثورة سياسيا تعنى ان مناخا سياسيا فاسدا قد ولى عصره وان تجربة جديدة لابد ان تبدأ فى وضع أسس جديدة للحياة السياسية تقوم على الحرية والتعددية وقبول الرأى الاخر .
فهل وصلنا بعد الى تلك التغييرات الشاملة ؟ .....الاجابة بالقطع لا .
فمازال النظام الاقتصادى كما هو ومازالت الطبقة المستغله موجودة ومازال كثير من رموز النظام السابق فى مواقع قياديه فى السلطة ؛ لكن ليس ذلك هو جوهر القضية !
فالقضية الرئيسية هى رؤيتنا للفترة الانتقالية على أنها فترة فوضى وعدم استقرار ؛ ولكن بالعكس فالفترة الانتقالية هى فترة البناء والاعداد لمستقبل جديد ولمجتمع ثورى مختلف على كافة المستويات .
انها حتى تكون ثورة لابد من تلك التغييرات الجذرية وليس مجرد الاكتفاء ببعض الاجراءات الاصلاحية والا فكل ما حدث لا علاقة له بالثورة من قريب ولا من بعيد .
والمتابع للشان المصرى يرى أن المناخ السياسى قد تلوث فى الـ 30 عاما الماضية نتيجة للمارسات القمعية للنظام السابق ؛ وفضلا عن هذا فان دولة مركزية كمصر يبدو تاريخها السياسى استبداديا بجداره طوال تاريخه
لا تخلق مناخا سياسيا يضمن التعددية وقبول الاخر ؛ بل بالعكس فاللعبة السياسة فى مصر تتلخص فى معادلة واحدة وهى ان من يسيطر على الدولة يسيطر على كل شىء فى مصر ؛ سواء فى توجهها السياسى او الاقتصادى بل ان الدولة فى مصر كانت طوال التاريخ هى الدافع الوحيد وراء اى تغير اجتماعى شهدته مصر طوال تاريخها .
والامر واضح للعيان فى ظل حالة التنافر الشديدة بين الرؤى المختلفة للتيارت السياسية والتى لا يمكن أن يقبل أحدها الاخر فى ظل سباق الوصول الى السلطة مهما حاولت الدعوات الوطنية للتقريب بين وجهات النظر
الامر يبدو خارج ارادة وقدرة كل تيار على قبول الرؤى الاخرى؛ وطالما انتهى الخصم المشترك متمثلا فى النظام السابق فأن شيئا لا يمكنه ان يوحد الرؤى بين التيارات السياسية التى ولدت فى ظل مناخ سياسى بهذا السوء ؛ ولهذا تظهر أهمية المرحلة الانتقالية كمرحلة اعادة بناء وتشكيل للمجتمع على كافة الاصعدة ؛ مرحلة قد تطول كثيرا لكنها الضمانة الوحيدة لاحداث تلك التغييرات الشاملة ومن هنا فان المبادىء الحاكمة فوق الدستورية هى ضمانة لتماسك الجبهة الداخلية للوطن واستمرارية الثورة فى ظل حالة صراع قد تصل الى العداء بين التيارات السياسية .
ان فكرة سيطرة تيار سياسى معين واحتكاره لرسم خارطة الطريق لمستقبل مصر ما بعد الثورة اعتمادا شعبيه انتخابية ربما ما تلبث أن تزول بعد فترة اذا فشل فى تلبيه مطالب الجماهير أثناء وجوده فى السلطة هى محض عبث بالتأكيد؛ وبالتالى فقد يفهم رفض المبادىء الفوق دستورية من التيار الاسلامى خاصة ان شيئا ما يدبر ضد مدنية الدولة ؛ وانه لو فشل الاسلاميون فى تحقيق رغبات الجماهير فانهم لن يتخلوا عن السلطة بحكم تحصين موقفهم فى الدستور الجديد .
ان المبادىء الحاكمة – التى أقرها المجلس العسكرى المسئول عن الفترة الانتقالية بحكم نتائج الاستفتاء والاعلان الدستورى - تحافظ على مدنية الدولة وفقا لما جاء فى مادتها الاولى وتحافظ ايضا على الهوية العربية الاسلامية حسب ما جاء فى المادة الثانية ؛ وتتضمن مواد تتحدث عن المسااوة بين المواطنين أمام القانون دون تمييز بين أحد على أساس اللون أو الدين أو العرق ؛ وتؤكد على دور الدولة فى التنمية وتوفير حياة كريمة للمواطن والحفاظ على الملكية العامة والنهوض بالاقتصاد الوطنى على اساس تنمية مستقلة .
أن القبول بالمواد الحاكمة فوق الدستورية هو أحد ضروريات فترة الاعداد والبناء للمجتمع الجديد ؛ من أجل خلق شارع سياسى تتنافس فيه القوى المختلفة تحت مظله واحدة ؛ ومن أجل بناء مصر الجديدة على اساس من المساوة والتعددية وقبول الاخر ؛ وحتى تكون ثورة .......


 وليد سامى