الجمعة، 6 مارس 2015

النووي الإيراني بين السعودية وإسرائيل .. تطبيع قاب قوسين أو أدنى


كتب /

في ظل سعي دؤوب من السعودية لتحويل صراعها السياسي مع إيران إلى صراع طائفي يتجاوز حدود تصادم مصالح الدولتين في المنطقة إلى تصادم هَوية على أساس مذهبي تحشد الأولى من خلاله دول وجماعات على أساس الطائفة فيمسي الخلاف السياسي وتصادم المصالح صراع وجود، ألتقط رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو هذا الأمر مبكراً، وعمل على تغذيته أولاً عند الجانب الأميركي منذ بداية العام الماضي، وعزز ذلك بدعوة صريحة للرئيس الأميركي في يونيو الماضي ومن خلال وسائل إعلام أميركية، وثانياً عند ما أسماه بالدول “السُنية المعتدلة”، وهو المصطلح الذي لم ينفك عن تكراره مؤخراً حتى في خطابه أمام الكونجرس الأميركي منذ يومين.
أول أمس وقف نتنياهو ملقياً خطاب على أعضاء الكونجرس الأميركي، في ظل توتر يشوب علاقة الحكومة الإسرائيلية بإدارة الرئيس باراك أوباما، على خلفية تناقض ثانوي ما بين الاثنين فيما يتعلق بملف إيران النووي، وهو تناقض ليس بالجديد، وممتد منذ 2012، وقتها كان الخلاف ما بين واشنطن وتل أبيب يكمن في كيفية معالجة القضية النووية الإيرانية؛ واشنطن كانت ترى الضغط بسلاح العقوبات بينما تل أبيب تريد ضربة للمنشآت النووية الإيرانية تشارك فيها وتدعمها الولايات المتحدة. وقتها دعم نتنياهو وبشكل صريح منافس أوباما في الانتخابات الرئاسية، مرشح الحزب الجمهوري، ميت رومني. والأن يكرر نتنياهو ذلك بدعم متبادل بين حكومته وبين أعضاء الكونجرس الأميركي ذو الغالبية المنتمية للحزب الجمهوري، وهـو الأمر الذي تسبب بقطيعة أوباما وخارجيته لمؤتمر لجنة “ايباك” السنوي، التي نادراً ما يغيب عنه رئيس أميركي منذ تدشين اللجنة في خمسينيات القرن الماضي، وكذلك عدم حضور أوباما وغالبية نواب حزبه لخطاب نتنياهو.
خطاب نتنياهو لم يخلو من إشارات إلى أن الخطر الإيراني من وجهة نظره لا يخص إسرائيل وحدها، ولكن أيضاً المصالح الأميركية، وكذلك مصلحة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة من دول المنطقة. ملمحاً إلى “دول سُنية معتدلة” توافق وجهة نظرها حيال البرنامج النووي الإيراني وجهة النظر الإسرائيلية والتي بالضرورة توافق وجهة نظر الإدارة الأميركية التي تخوض حرب مع حلفاءها من هذه الدول “السُنية المعتدلة” ضد تنظيم “داعش”، ملخصاً طرحه هذا بقوله: “عندما نأتي إلى إيران وداعش فعدو عدوك هو عدوك أيضاً”.
ليس بغريب أو جديد على نتنياهو القيام بمثل هذا الأمر، فهو ومنذ تصدره للعمل العام في دولة الاحتلال منذ منتصف التسعينات ويسعى شأنه شأن أي سياسي إلى توظيف أخطاء الخصوم لمصلحته، ولكن الجديد هذه الأيام أن التوظيف السياسي يتعدى مرحلة الاستفادة من أخطاء عشوائية وغير متكررة، ولكنها سياسة عدد من دول عربية على رأسها السعودية تسعى لتقليص مساحات التباين بينها وبين الكيان الصهيوني منذ مطلع الألفين، سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وقتها، أو حالياً بالتحالف مع إسرائيل لمواجهة إيران على أساس تقاطع مصلحة الدولتين فيما يتعلق بالنووي الإيراني على اختلاف وسائل التقارب بينهم سواء إعلامية أو دبلوماسية أو حتى عسكرية.
مراحل التقارب –الذي قد يكلل قريباً بتطبيع رسمي- بين السعودية وإسرائيل شهدت ذروتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة أصبح هناك أكثر من مبرر وأكثر من فرصة لتطبيع معلن وشرعي بين الرياض وتل أبيب، وهو الأمر الذي ينظر له بعض الأطراف في العاصمتين كضرورة حتمية عن أي وقت مضى، وتجدر الإشارة هنا إلى ما أعلنته شبكة سي.إن.إن الأميركية في ديسمبر العام الماضي  أن نائب وزير الدفاع السعودي وقتها، الأمير سلمان بن سلطان زار إسرائيل برفقة وفد عسكري سعودي، وربط ذلك بتوصيات مؤتمر هرتسليا الأخير التي شملت على وثيقة أمنية أعدها عشرات الخبراء العسكريين والأمنيين والسياسيين، نص بندها الأول على أنه يجب على إسرائيل خلق مجال تحالف إستراتيجي جديد في الخليج، عن طريق إقامة علاقات رسمية أو غير رسمية مع دوله وعلى رأسها السعودية، انطلاقا من مبادرة السلام العربية واتفاق كل من السعودية وإسرائيل على خطورة البرنامج النووي الإيراني. وهو ما أكدت عليه صحيفة هآرتس في افتتاحيتها قبل أسبوع من خطاب نتنياهو أمام الكونجرس.
ومع تفاقم ظاهرة “داعش” ومحاولة توظيفها من جانب السعودية وإسرائيل في صراعهم مع إيران، زاد التقارب بين الرياض وتل أبيب إلى الحد الذي يراهن فيه الإسرائيليين على العرب “السُنة” سيحلوا محل الولايات المتحدة إذا أنجزت الاخيرة اتفاق نووي مع إيران، من باب أن كل من إسرائيل وهذه الدول العربية “السُنية” تجد أن إيران “الشيعية” إذا تمكنت مع انجاز اتفاق نووي فأن ذلك سيعزز من نفوذها في المنطقة، وهو ما جعل هذه الدول العربية تعرب عن قلقها للولايات المتحدة، مما حدا بصحيفة “جيروزليم بوست” الإسرائيلية أن تبرهن بذلك على وحدة موقف إسرائيل وهذه الدول العربية حيال النووي الإيراني. فيما ذهب استاذ العلاقات الدولية بجامعة نيويورك ومدير وحدة الشرق الأوسط بمعهد السياسي الدولية، ألون بن مائير، إلى أن كل من موقفي إسرائيل والسعودية حيال البرنامج النووي الإيراني واحد وذلك بدافع أن كل من الدولتين يعتبرون حلفاء إيران في لبنان وسوريا واليمن والعراق أعداء لهم. وذلك في مقال له نشره موقع سي.إن.إن. بعنوان “مخاطر إيران النووية  وتداعياتها على السعودية وإسرائيل“.
 إعلاميا، نشرت قناة “العربية” السعودية في موقعها باللغة الإنجليزية -دون نشره في النسخة العربية- مقالاً لكاتب سعودي يدعو أوباما إلى الإصغاء لخطاب نتنياهو، مسهباً في شرح تفاصيل الضرورة التي توجب على واشنطن وحلفاءها في المنطقة مع إسرائيل للوقوف ضد الخطر الإيراني. وغني عن الذكر أن هذا المقال وجد اهتمام بالغ من صُحف إسرائيلية اعتبرته يمثل وجهة النظر السعودية، وهو ما أكدت عليه صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية التي قالت -حسبما أورد موقع “المصدر” الإسرائيلي- أن ما قاله نتنياهو عن خطر تمدد النفوذ الإيراني للعواصم العربية كان يجدر أن يقوله رؤساء دول عربية.
دبلوماسيا، وسعياً لتعزيز طرح نتنياهو والذي مفاده وحدة الخطر الإيراني على إسرائيل والولايات المتحدة وحلفاءها “السُنة”؛ سريعاً إلى الأمام، تتكرر هذه الأيام المساعي الإسرائيلية في ظل مرحلة حاسمة وصلت إليها المفاوضات النووية، وكالسابق تتقاطع كل مصلحة إسرائيل والسعودية. أمس نشرت مجلة  “ذا أتلانتك” الأميركية أن نتنياهو عن طريق السفير الإسرائيلي في واشنطن، رون ديرمر، وجه دعوة رسمية إلى عدد من سفراء الدول الخليجية في الولايات المتحدة لحضور خطاب نتنياهو أمام الكونجرس، بدعوى أن هذه “الدول السُنية” لها مصالح مشتركة مع إسرائيل ضد إيران “الشيعية”، أهمها اهتمام هذه الدول مع إسرائيل بإيقاف البرنامج النووي الإيراني.
أما عسكريا، فتكررت هذه الأيام أنباء عن تعاون سعودي- إسرائيلي مشترك لضرب منشآت نووية إيرانية، حيث تسمح السعودية للمقاتلات الإسرائيلية بعبور مجالها الجوي إلى إيران. وجدير بالذكر أن هذه الأمر سُرب إلى الإعلام أول مرة عام 2012، وتكرر مجدداً منذ أيام على لسان مسئول أوربي قال أن لديه معلومات تؤكد امكانية حدوث ذلك.
بعيداً عن أصداء خطاب نتنياهو، التي تراوحت بين التقليل من أثره كون جوهره لم يأتي بجديد بالنسبة للولايات المتحدة ويستخدم لأغراض دعائية انتخابية، أو الاحتفاء به كونه ينم عن رؤية جذرية لمواجهة خطر إيران ككل وليس برنامجها النووي؛ فأن اللافت والجديد عن حق هذه المرة هو مطابقة علنية لرؤية الدولتين تجاه طهران، وهي الرؤية التي قاربت على نحو غير مسبوق بينهم، وقد تكون كافية لتطبيع العلاقات بين الحكومتين في تل أبيب والرياض –حتى دون حل للقضية الفلسطينية طبقاً لمبادرة السلام السعودية- ليس فقط فيما يخص البرنامج النووي الإيراني، ولكن أيضاً لتوافق العاصمتين في موقفهم تجاه إيران وحلفاءها في المنطقة، حتى وإن استدعى ذلك إسباغ مسوح مذهبية على  الصراع السياسي بين السعودية وإيران، المستفيد الأول من ذلك هي إسرائيل.

الأحد، 1 مارس 2015

تحقيق إستقصائى عن سيناء الغائبة





تحقيق: ياسمين الجيوشي - تصوير أحمد العطيفى / ديسمبر 2012

* التحرير تقضى 6 أيام على الحدود مع إسرائيل
* الدولة غائبة فى سيناء إلا فى العريش والمدن السياحية.. وما عدا ذلك خارج السيطرة
* لا حياة فى قرى الحدود ولا وجود للأمن.. وفريق «التحرير» تعرض للخطر عند جبل الحلال
* الشيخ حسن خلف: القوات المسلحة تستطيع أن تضبط الأمن السيناوى خلال يومين.. ومرسى لا يريد

«آدى السلام ولا بلاشى.. سينا اللى مدفع مافيهاشى.. بالأمر جيش مايروحهاشى.. حطولها قفل ورزّة وباب» كلمات للشاعر أحمد فؤاد نجم، كانت حاضرة فى ذهنى طيلة ستة أيام قضيتها على حدود مصر الشرقية، لمعايشة أبناء الشريط الحدودى فى المنطقة «ج» معاناتهم، منزوعة السلاح بموجب معاهدة السلام، لكنى فوجئت أنها قرُبت من أن تكون منزوعة البشر أيضا، وخلُصت إلى أنه لو ترك الأمر بهذا الشكل، فعلينا أن نقرأ الفاتحة على سيناء، إن لم يكن الأجدى بنا أن نقرأها منذ زمن.
سرنا على الحدود من أقصاها إلى أقصاها، وعند أبعد نقطة عن الحدود ترجَّلنا فيها خمسة كيلومترات، حيث الخريزة وأقرب نقطة كانت العزازمة التى تبعد عن الحدود 1 كم تقريبا.
كانت النتيجة التى توصلنا إليها واحدة، وهى أن هناك نصا خفيا بمعاهدة السلام، ينص على ترك سيناء وبالأخص حدودها بلا تنمية، وتركها لأياد تعبث بأمنها وبأمن وطن بأكمله، فلا تنمية هنا ولا أمان، لا جيش ولا شرطة، فقط لا ترى سوى الرعب والفقر والحاجة، ولا يوجد دولة على سيناء إلا فى مدينة العريش فقط، أما عدا ذلك فهو خارج السيطرة الأمنية، بل خارج سيطرة كل شىء تقريبا.
الرحلة التى استغرقت من فريق التحرير 6 أيام، كان مرافقنا فيها شاب بدوى اسمه مصطفى الترابين، كان هو المرشد والدليل لنا من شمال سيناء حتى جنوبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اليوم الأول:تهريب 800 ألف لتر وقود يوميًّا بعلم الحكومة
هنا قرى رفح: مدارس بلا مدرسين ومستشفيات لا تعرف الأطباء
اتجهنا إلى شمال سيناء، حيث قرية المهدية بمدينة رفح، وتبعد عن الحدود الإسرائيلية 2كم، بيوت متناثرة -يبدو أنها شيدت حديثا- وسط صحراء عظيمة الاتساع، تلك القرية من أكثر المناطق التى كان لديها مشكلات مع الأجهزة الأمنية، وما زالت.
«سيناء تعانى من مشكلات التنمية، حيث البطالة منتشرة والمدارس بلا مدرسين، والمستشفيات بلا أطباء، وبشر بلا عقول يديرون المنطقة»، هكذا قال إبراهيم المنيعى أحد مشايخ القرية، مستكملا «المشكلة الكبرى هنا تهريب الوقود، فرفح بها 11 مضخة على مسافة 1كم يتم تهريب 800 ألف لتر وقود منها فى اليوم، يكلف الدولة خسائر 6 ملايين جنيه يوميا، فهل الحكومة لا تستطيع السيطرة على هذه المسافة؟ وإن كانت الأجهزة الأمنية لا تعلم هذا فتلك مصيبة، وإن كانت تعلم وتسكت، فالمصيبة أعظم».
كان يجلس بجوار الشيخ شاب فى عقده الثانى، يدعى سامى المنيعى خريج كلية التربية جامعة الأزهر، سألته إن كان تقدم للعمل كمدرس فى إحدى مدارس رفح، فأجاب «تقدمت للعمل فى الإدارة التعليمية بمدينتى الشيخ زويد أو رفح، لكن طلبى كان يرفض دوما، رغم خلوّ المدارس من المدرسين، وأبناء الوادى ومدينة العريش، يأتون من بلدانهم ليأخذوا الوظيفة فى الإدارة التعليمية فى مدينتى رفح والشيخ زويد ويقدمون عقد إيجار أنهم مقيمون هنا ثم يعودون إلى بلدانهم ويستمرون فى تقاضى المرتبات». خرجنا من المهدية وتوجهنا إلى قرية العجرة جنوب رفح، ونزلنا فى تجمع الأنصار الذى يبعد عن الحدود 2 كم، وتقوم القرى فى هذا المحيط على زراعة البطيخ فى ظل وجود المطر، لكن عندما يتوقف، تعود الأرض إلى سيرتها الأولى صحراء جرداء، إضافة إلى قيام الأهالى برعى الأغنام عندما يتوفر العشب.
كنا رصدنا فى طريقنا حاويات وقود ضخمة، فهذه المنطقة حسب قول الأهالى، أكبر مناطق تهريب الوقود، وعندما سألنا مصطفى عن ماهيتها قال «تلك الحاويات تتجه إلى الأنفاق لتهريب الوقود إلى غزة، ويتم تهريبه أيضا إلى إسرائيل». وصلنا إلى القرية التى تنتشر فيها العشش، وسط كثبان رملية كثيفة، كان بعض الأطفال يلعبون بكرة صنعوها من الخوص، عندما رأونا، ركضوا مسرعين إلى منازلهم المصنوعة من نفس ما صنعت منه الكرة، وخرج إلينا شيخ كبير اسمه سليمان سليم، استضافنا فى مضيفته المصنوعة من الخوص أيضا.
كانت بداية حديث الشيخ صادمة حيث قال «الموساد يعمل هنا على قدم وساق، والدليل على صحة حديثى، عندما أتت شركة رجوة المصرية والمتخصصة فى حفر آبار المياه، أعطاهم الموساد رشوة ليقولوا إنه لا توجد مياه فى تلك المنطقة، وقاموا بحفر خمس آبار كلفت الدولة ملايين الجنيهات، وقالت لنا الشركة فى النهاية لا توجد مياه».
وأوضح الشيخ أن الأهالى قاموا بحفر بئر كلفتهم 10 آلاف جنيه، قائلا «لو خرجت مياه فى تلك المناطق ستعمر بالناس، وهذا ما لا تريده إسرائيل، بسبب التصاق تلك القرى بالحدود، كما أن الحكومة ترفض منح تراخيص البناء، لنفس السبب».
أما سليمان الديب فأشار إلى غياب الأمن فى تلك المنطقة، وانتشار عصابات تهريب البشر، وأن الأهالى عثروا على جثة أحد الأفارقة قبل شهر تقريبا فى هذا المكان.
ترجلت بعد ذلك نحو عشة متواضعة جدا تقطنها امرأة بدوية، استأذنتها للدخول فوافقت، وجلست مع منى عيادة، التى قالت «زوجى كان يعمل سائقا لكنه الآن لا يجد ما يعمله، ونمتلك حلال (أى أغنام)، لكن الآن لا يوجد عشب للرعى وأحيانا نسافر بها إلى الإسماعيلية»، وأخبرتنا أنها لا تمتلك بطاقة، لكن ابنتها الصغيرة لديها شهادة ميلاد.
ما زلنا فى رفح واتجهنا صوب نجع شبانة البعيد عن الحدود 4 كم، وتقابلنا مع الشيخ عبد الهادى عتيق «قاضى عرفى من قبيلة السواركة» الذى قال «نحن نعانى من كل المشكلات التى يعانى منها المصريون لكن بشكل أكبر، كما أن لدى بدو سيناء أزمة معنوية فى هويتهم، فكثير منهم لا يشعرون بالانتماء للدولة، فالبدوى يستثنى من أى منصب رفيع فى الدولة، إضافة إلى حرمانه من الالتحاق بالكليات العسكرية أو الشرطة».
وأشار كذلك إلى حرمان البدوى من تملك الأرض، قائلا «كى أشترى أرضا من الدولة يجب أن أثبت أننى مصرى وأقدم حجة أرض من 200 عام، فى حين أن ابن الوادى يستطيع تملك الأراضى فى سيناء ببطاقة الرقم القومى ليس أكثر، لذلك فالأراضى هنا فى سيناء وضع يد، وتكون عقود البيع والشراء بين البدو، عرفية».
توجهنا بعد ذلك إلى قرية الجورة بمدينة الشيخ زويد والبعيدة عن الحدود 4 كم، وأجرينا مقابلة مع الشيخ حسن خلف «كبير مجاهدى سيناء فى حرب أكتوبر» الذى تحدث عن الوضع الأمنى فى سيناء قائلا «غياب الدولة أدى إلى انتشار التكفيريين والجهاديين فى سيناء، وأنا على يقين أن القوات المسلحة تستطيع أن تضبط الأمن خلال 48 ساعة، ومرسى يريد أن يظل الوضع فى سيناء على ما هو عليه». انتهينا من اليوم الأول وكنا نحضر للتحرك فى اليوم التالى إلى الوسط حيث القرى الأكثر فقرا ورعبا، ولم نكن نعلم ما يخبئه لنا القدر.
.....................................................................
اليوم الثانى:معظم أهالى «عيد القديرات» بلا بطاقة
كلمة السر للمرور من كمين المسلحين.. السواركة
تحركنا إلى وسط سيناء، وكنا نمزح مع مرافقنا مصطفى، لكن الابتسامة اختفت وتبدل المرح بالخوف عندما دخلنا مفترق طرق عند جبل الحلال، حيث استوقفتنا سيارة دفع رباعى وترجَّل منها ثلاثة ملثمون، كل منهم يحمل سلاحا آليا وأحدهم كان يحمل قنبلة يدوية.. تملكنا الرعب، واعتقدت أن هذه النهاية، وسأل الملثمون مصطفى «إنت من قبيلة إيه؟» فأجاب «السواركة»، فنظر لنا الملثمون نظرات مريبة وسمحوا لنا بالمرور، سألت مصطفى «لماذا لم تخبرهم أنك من الترابين»، فقال «لأن هؤلاء من التياهة ولو قلت لهم إننى تربانى لقتلونى بسبب ثأر معنا، ولو كنت حاولت الهرب بالسيارة لكانوا ألقوا علينا القنبلة».
كنت قبلها قد حددت وجهتى إلى قرية «عين القديرات» التى بها أقدم وأهم عيون المياه فى سيناء، وبالفعل وصلنا القرية، عبر طرق متهالكة، ومررنا على مدينة القسيمة التى كانت قرية وتم تحويلها إلى مدينة عام 2007.
دخل المضيفة بعد دقائق معدودة، رجل عجوز فى عقده السابع، يتكئ على عصا متهالكة، هو الشيخ سليمان سالم من مشايخ القرية، جلس بجوارنا مرحبا، وبدأ حديثه عن المجندين الذين يتم استهدافهم منذ فترة فى سيناء قائلا «ماذا فعل العساكر كى يُقتلوا، هم لم ينهبوا ولم يسرقوا، هم هنا ليحمونا، وباعتقادى أن الذين يقتلون الجنود عصابات متشددة مسلطة لزعزعة أمن مصر».
مشكلات الخدمات والتنمية ليست وحدها التى تواجه تلك القرية الفقيرة، فعدد كبير من سكانها لا يحملون بطاقات الرقم القومى، وأوضح محمد سليمان أحد سكان القرية ذلك، قائلا «بعد النكسة، قام الاحتلال بعمل شهادات توثيق لنا، وعندما ذهب الاحتلال عام 1982 تنفيذا لمعاهدة السلام، أمرتنا الحكومة باستبدال شهادات مصرية بشهادات الاحتلال، وكنا نقوم بعمل إسقاط قيد، لتحرير شهادة ميلاد مصرية، ولو وجد موظفو السجل المدنى تشابها أسماء بين عوائلنا وعائلات فلسطينية يقولون لنا «أنتم فلسطينيون»، مثلا أنا اسمى محمد العرجانى، وهناك عائلة العرجانى بفلسطين، قالوا لى أنت فلسطينى بسبب تشابه الاسم واستلمت بطاقة الرقم القومى فى 2007، بعدما أثبتُ لهم مصريتى، لكن هناك كثير من عائلتى دون شهادات ميلاد وبطاقات رقم قومى».
مصريون فى سجن بئر سبع: مصر تعاملنا كأننا كلاب
«ألو، كيفك يا خوى، كيف السجن معك؟» قالها فايز سليمان لأخيه سليم المعتقل فى سجن «بئر سبع» بالنقب الإسرائيلية، اقتربت من فايز وسألته «هل تتحدث مع أخيك المعتقل» فأومأ برأسه وقال نعم.
طلبت منه أن يعطينى الهاتف بعد استئذان أخيه، وبالفعل لحظات وكان الهاتف فى يدى أتحدث مع أسير مصرى فى سجون الاحتلال الإسرائيلى، والتهمة «اختراق الحدود الإسرائيلية وتجارة الهيروين».
يقول سليم سليمان «كنت أقوم بتهريب كراتين معسل إلى إسرائيل، لكن الشرطة الإسرائيلية بعد القبض علىّ حولتها إلى كرتونة هيروين وحُكم علىّ بالسجن 6 سنوات، وهاتفت السفير المصرى، فرد (عايزنى أعملك إيه يعنى)».
.....................................................................
اليوم الثالث:وادى عمرو..القرية التى اخترقها الموساد
توجهنا إلى جبل الحلال، أكثر مناطق سيناء خطورة حيث يلجأ إليه الخارجون عن القانون نظرا إلى جغرافيته الوعرة، وكثرة كهوفه، ويمتلئ بمغارات لا يعرفها إلا البدو، ويصعب على الأجهزة الأمنية اقتحامه.
وصلنا إلى «وادى العمرو» فى جبل الحلال ويبعد عن الحدود الإسرائيلية 3 كم، وتقابلنا مع سليم سليمان التيهى، سائق، يقول «ابن الوادى مفضل عن أبناء سيناء، نتعامل معاملة رديئة تحت الصفر 200 درجة، أنا كل اللى باطلبه من الحكومة إنها تعاملنا كآدميين، إحنا شوفنا الويل بعد النكسة».
خرجنا من وادى العمرو واتجهنا نحو قرية اسمها «الخريزة» تبعد عن الحدود 5 كم، وهى القرية التى قتل فيها إبراهيم عويضة، القيادى بجماعة أنصار بيت المقدس، أغسطس الماضى على يد الموساد الإسرائيلى، كما يقول الأهالى.
التقينا بعبد الله مزاح من قبيلة التياهة، نفس القبيلة التى كان ينتمى إليها عويضة، وحسب قوله فإن الخريزة مخترقة من جانب الموساد، وأن استهداف الموساد لعويضة كان بمساعدة عدد من أبناء المنطقة الذين ثبت تعاملهم مع العدو، وتم ذبح أحدهم.
وعن مشكلات القرية قال مزاح «لا توجد هنا كهرباء والمولدات معطلة دوما، كما أن الماء هنا لا يصلح للشرب ولا حتى لغسيل الجسد، كما أخبرنا الأطباء، وهناك ماكينة تحلية فى القسيمة لكنها تعطلت والناس تشترى خمسة براميل مياه بـ50 جنيها من محطة تحلية مياه تابعة للشركة القابضة».
وأضاف مزاح «الناس هنا تعمل إما فى الرعى وإما فى جمع الحطب وهناك من يزرع الزيتون، وإن توقف المطر الناس ماتلاقيش تاكل».
خرجنا من بيت مزاح، واتجهنا صوب السيارة التى نستقلها، لكن استوقفنى عدد من أطفال القرية يلعبون رغم برودة الجو، استوقفنا طفل يدعى عمار عمره 8 سنوات، سألته «إنت ليه مش فى المدرسة» فرد قائلا «المدرسة بعيدة عن البيت كيف أروحها يعنى، والمدرسين بييجوا البيت يدرسولى»، سألته «نفسك تطلع إيه» فرد قائلا «مدرس عشان أعلم الناس هنا».
انتهينا من يوم جبل الحلال، وكنا نعد العدة للتوجه إلى قبيلة العزازمة وسط سيناء فى اليوم التالى، حيث حدثنا أحد أهالى سيناء عن قبيلة تدعى العزازمة، وأخبرنا أن تلك القبيلة أوضاعها مأساوية للغاية، وأهلها لا يحملون جنسية مصرية ويعرفون بـ«البدون».
.....................................................................
اليوم الرابع:الوصول إلى القرية عبر مدقات وعرة.. وأهالى القبيلة لا يحملون الجنسية المصرية
ناس العزازمة.. «بُدُون» مصر
ها نحن فى يومنا الرابع نتحرك صوب «الحسنة» بوسط سيناء حيث قبيلة العزازمة، كان اليوم فى بدايته طويلا، وبدا لى أنه مجهول البدء والمنتهى.
كمين المحاجر كان أول كمين أمنى نمر عليه فى طريقنا، ثم كمين «الحفن»، وهو كمين من قوات حرس الحدود، قاموا بتفتيش السيارة وأمرونا بإبراز بطاقات الهوية، فهذا الطريق المؤدى إلى وسط وجنوب سيناء، لا يمر منه سوى المصريين فقط.
فى الطريق إلى العزازمة كان الجو ينذر بتقلبات جوية غير مطمئنة، كما أن عواصف رملية عاقت الرؤية تقريبا طوال الطريق، وكنا نسير على سرعة مخفضة «من باب الاحتياط»، ولم نرَ أى سيارة شرطة أو مدرعة جيش طوال هذا الطريق الطويل والمخيف، غياب أمنى واضح سببه الملحق الأمنى فى معاهدة السلام، وما زاد من القلق والحيرة أن هذا الطريق شبه الخاوى يتم من خلاله تهريب الأفارقة والسلاح والمخدرات.
العزازمة هم «بدون» مصر حيث لا هوية لهم، وهى قبيلة تسكن وسط سيناء لا يحمل أهلها بطاقات هوية مصرية أو غير مصرية، ويحملون بطاقات مكتوب فى خانة الجنسية «غير معين الجنسية» ويُعرفون اصطلاحا بـ«البدون»، وهى فى الأصل قبيلة منتشرة بين صحراء النقب فى فلسطين المحتلة «إسرائيل» وسيناء، والموجودون فى النقب يتم تجنيدهم فى الجيش الإسرائيلى.
يقول خالد عرفات أمين عام حزب الكرامة الناصرى بشمال سيناء «العزازمة هم ضحية سايكس بيكو بسبب تقسيم الأراضى، وكانت لهم أراض فى سيناء انتزعتها منهم القبائل البدوية الأخرى»، مضيفا «الحدود فى تلك المنطقة تعمدت مصر وإسرائيل تركها مفتوحة وهى المنطقة التى تم اختراقها من الموساد الإسرائيلى واستهداف إبراهيم عويضة، قبل شهرين فى وسط سيناء».
أخيرا وصلنا إلى قبيلة العزازمة، عبر مدقات وعرة، الحياة هنا تكاد تكون قاتلة، خيم وبيوت تتوسط عدد من جبال وسط سيناء متوسطة الارتفاع، ورجال ونساء يختبئون فى البيوت من قلة ذات اليد وقسوة الحياة.
تقابلنا مع الشيخ سالم عودة شيخ القبيلة، الذى كان جالسا بالقرب من مضيفته الخاصة، حيث استقبلنا بها، وجلس يحدثنا عن مأساة قبيلته «لا يوجد لدينا أى خدمات لا كهرباء ولا صحة ولا تعليم، وكتبت هذا فى خطابات وقدمتها إلى المحافظة مرارا وتكرارا، ولا من مجيب، والمشكلة الأولى لنا هى الجنسية، نحن نريد أن تعترف الدولة بنا كمصريين، ونمتلك بطاقات مكتوبا عليها (تذكرة مرور) حيث لا يحق لنا السفر إلى أى بلد وإذا اتجهنا نحو العريش نعانى الأمرّين وأنا رجل كبير السن «مش حمل بهدلة»، مشيرا إلى قيامهم برفع قضية على الدولة لمنحهم الجنسية، والبت فيها خلال يناير الجارى.
ويضيف الشيخ سالم «نقوم بتجديد الإقامة كل سنة بـ100 جنيه للفرد، وأنا لدىّ أسرة كبيرة فوق العشرين فردا، كى أقوم بتجديد إقامتهم فأنا أحتاج إلى ما يزيد على ألفى جنيه سنويا، كما أنه لا يحق لنا تملك أى شىء، والسيارات التى تريها هنا ملك أقارب لنا على الورق صوريا لكنها فى الحقيقة ملك لنا وهى مصدر رزقنا».
يصمت الشيخ سالم قليلا ويضيف «أبى كان يعمل مع المخابرات المصرية وقت الحرب، كما عملتُ مع المخابرات وعمرى لم يتجاوز 15 عاما، ونحن لسنا خونة، بل مصريون، وهذه الأرض أرضنا ولن نتخلى عنها أبدا، فنحن لا نعرف لنا وطنا بديلا».
اتجهنا من بيت الشيخ سالم نحو هضبة مرتفعة قليلا، عليها مبنى صغير، سألنا أحد المارة عنه، فأخبرنا أنها وحدة صحية لكن الأطباء والممرضات هجروها، وتم تحويلها إلى مدرسة ابتدائى ليتلقى أبناء القرية تعليمهم، ومع ذلك لا تعمل أغلب الوقت نظرا إلى غياب المدرسين، وتقابلنا مع الطفل عيد سويلم عند المدرسة كان يلعب مع أخته الصغيرة سألناه لماذا يتغيب عن المدرسة، فقال «مسكرين المدرسة، فيش مدرسين».
مرحبا بك فى إسرائيل، ذلك هو نص الرسالة التى استقبلتها أجهزتنا المحمولة ونحن نتجول على الشريط الحدودى، أرسلتها شبكة «أورانج» الإسرائيلية، التى تعمل بكفاءة عالية بطول الحدود، أما شبكات المحمول المصرية، فلا أثر لها هنا.
الأمر كان مؤلما، فالشبكة الإسرائيلية فى أكثر منطقة حساسة بمصر، تعمل بكفاءة، أما الشبكات المصرية فلا حول لها ولا قوة، نظرا إلى أن شركات الاتصالات المصرية لا تدعم المناطق الحدودية بشبكات تقوية، «وإن كانت الدولة تخاف من صنع جواسيس لصالح إسرائيل، فهذا الأمر -وإن بدا أننا نضخمه لبعض المسؤولين- كفيل بصنع جواسيس»، كما قال لنا عبد الله مزاح من قرية الخريزة.
ويضيف مزاح «الموساد يعمل على تقوية شبكة المحمول الإسرائيلية هنا فى حين أن الحكومة المصرية تتجاهل تقوية الشبكات المصرية، والموساد يقوم بالتنصت على مكالمات الهاتف، وكثير من ضعاف النفوس يتم تشغيلهم لحساب الموساد بهذه الطريقة»، مشيرا إلى أن الذين ساعدوا الموساد فى اغتيال عويضة أغسطس الماضى من أبناء المناطق الحدودية وأحدهم اعترف أنه تم تجنيده عبر الهاتف، وقامت جماعة أنصار السنة بذبحه.
أما إبراهيم المنيعى من المهدية برفح، قال «الشبكة الأولى فى شمال سيناء هى شبكة أورانج، سواء فى اتصالات الهاتف أو الإنترنت، والحكومة لم تهتم بطلب الأهالى بتقوية شبكات الاتصالات المصرية على الحدود، حتى شبكات الإنترنت الأرضية لا تعمل هنا».
فى أثناء عودتنا إلى الفندق قال لى مصطفى «هذا بيكفى»، فأجبته «أريد مواصلة الرحلة إلى الجنوب».
.....................................................................
اليوم الخامس:الكهرباء تمر عبر القرية للأردن دون أن تنير منازلها.. والمسجد الوحيد بلا خطيب
الكونتيلا.. مسرح تدريب الطائرات الإسرائيلية
قررنا الاتجاه نحو الجنوب، ووصلنا إلى قرية «الكونتيلا» الفاصلة بين شمال وجنوب سيناء، تبعد عن الحدود 2 كم، ويصل عدد سكانها إلى ألفى نسمة، ويوجد بالقرية مسجد يتبع وزارة الأوقاف التى عينت شيخا فيه لكنه لا يأتى حتى فى صلاة الجمعة، حسب الأهالى.
تقابلنا مع صباح سليمان، من مشايخ القرية، جلست بجواره، حيث كان جالسا مع بعض الرجال وسألته عن مشكلات القرية فقال «لدينا آبار لم تصل إليها الكهرباء لذلك فهى دوما معطلة، ومنطقة الحدود تعانى من الجفاف بسبب قلة المياه، لذلك فمزارع الزيتون دوما تجف ويحترق المحصول، ورغم وجود آبار لكن الحكومة لا تكلف خاطرها وتمدها بالكهرباء لرفع المياه». مضيفا «شركة أوراسكوم لديها مولدات عملاقة تبعد عن هنا مسافة 200 كم تخص الشركة فى منطقة النقب، ورغم أن الكونتيلا غنية بالمياه الحلوة والمالحة فإن الحكومة لم تضع مولدا كهربائيا هنا لرفع مياه الآبار».
وحسب ما قاله الأهالى فإن طائرات إسرائيلية تقوم باختراق المجال الجوى المصرى للتدريب، حيث تقوم بالطيران على ارتفاع منخفض مما أدى إلى تصدع المبانى.
«الإعدادية» هى آخر ما يتلقاه المرء هنا من تعليم، حسب ما قاله الأهالى، وذلك بسبب بعد المسافة بين القرية وأقرب مركز به مدارس صناعية وتجارية وعام، يقول سليمان عيد «آخر تعليم نتلقاه هو الإعدادية فأقرب مدرسة ثانوية من القرية هى مدرسة القسيمة وتبعد عن هنا 100 كم تقريبا».
وقال خليل سالم «نحن نزرع الزيتون ونرعى الأغنام ونربى الجمال ونقوم بذبح الحلال وبيعه، لكن عندما يتوقف المطر تجف مزارع الزيتون، ونتوقف عن العمل، ونشترى المياه من القسيمة أو العريش بالشىء الفلانى، ونقوم بحفر خزانات فى الأرض لنجمع فيها المياه، والحكومة كانت قد أنشأت خزانات على مسافة ألف متر دمرها السيل وطالبناها بتصليحها لكنها لم تفعل».
انتهينا من «الكونتيلا» وقررنا مواصلة الرحلة نحو الجنوب، وكان الطريق خاويا من كل شىء عدا الجبال القاسية، وفى أثناء الرحلة شاهدت أعمدة ضغط كهرباء عظيمة الحجم تشق الجبال، قلت لمصطفى «فيه ضغط عالى هنا، أمال مفيش كهرباء إزاى»، فرد قائلا «لأن دى اللى بتتصدر للأردن».
وصلنا إلى النقب المصرية، ودلفنا إلى طريق يتوسط جبال الجنوب العاتية، وكلما اتجهنا شمالا، أشعر بالبحر أكثر فأكثر، إلى أن وصلنا «طابا»، حيث أوقفنا ضباط الداخلية الموجودون فى كمين مدخل المدينة وسألونا «انتوا مين ورايحين فين» أخبرناه بأننا صحفيون نقوم بعمل تحقيق صحفى حول «السياحة»، سمح لنا الضابط بالمرور، فالإجراءات الأمنية كما قال لنا أبو قطة مشددة ليس لشىء إلا لأن طابا منطقة سياحية هامة.
بعد طريق طويل وساعات سفر منهكة، وصلنا إلى نويبع وبالأخص منطقة الترابين أو قرية الصيادين، التى تقع على خليج العقبة.
وصلنا فى وقت متأخر حيث بدأت الشمس تميل نحو مغيبها، وترجَّلنا على أقدامنا حتى وصلنا إلى عشة خوص كبيرة تقع على شاطئ البحر مباشرة، كان المنظر أبدع مما تخيلت، وبدأت الأنوار تشتعل فى نويبع والجانب الآخر من البحر، كنت أتطلع إلى المنظر بانبهار، ولاحظ ذلك أحد الموجودين الذى تقدم نحوى وأشار بيده إلى المناطق المقابلة من البحر قائلا «دى السعودية ودى العقبة الأردنية ودى أم الرشراش (إيلات) ودى طابا».
داخل العشة الخوص بدأ الرجال حديثهم، وبدأ الحديث محمد الأحمر «لدينا هنا مشكلات كبيرة كباقى الشريط الحدودى، والمشكلات تأتى من مصر إلينا، وبدو سيناء هم الشماعة الذين تُعلق عليهم أخطاء شعب بأكمله»، استوقفته وسألته «كيف؟»، فرد قائلا «من يقوم بالعمليات الإرهابية من أهل الوادى وهناك تصفية حسابات وصراعات بين النظامين السابق والحالى، والمقصود تصدير سيناء منطقة صراع، والانتماء للدولة يأتى عندما يحصل المواطن على حقوقه، ولو بدو سيناء خونة لباعوا سيناء لليهود منذ زمن»، وطالب «أن تولى الدولة اهتماماتها بالمنطقة (ج) من شبكات اتصالات وطرق وتدعيم مولدات الكهرباء والتوطين الكلى للمنطقة، فهى حائط الصد الأول للاحتلال».
وطوال الوقت كان سليم سلمان صاحب المضيفة يتحدث بلهجة حادة، تنم عن حقد دفين تجاه الحكومة، وعرفت أنه هارب من حكم بالسجن 86 عاما بتهمتى مقاومة السلطات وتجارة المخدرات، واتفق مع الأحمر فى رأيه أن المشكلات كلها تأتى من مصر قائلا «الحكومة أفسدت أخلاق البادية وجعلت البدو جواسيس على بعضهم لصالح الداخلية وجعلوا سيناء منطقة صراع على السلطة، ولا يوجد بيننا وبين الدولة أى ثقة، فهى تعتبرنا يهودا درجة ثانية ونحن فى حكم القانون مخالفون بسبب تلفيق القضايا لنا».
وفى أثناء الحديث، دخل علينا شاب فى أواخر عقده الثانى، رحب الجميع به، وقال له سليم سليمان «احكى عن اللى شوفته لما كنت بتخلص ورق التجنيد»، فقال سليم عودة «عندما ذهبت لأنهى ورق المعافاة من الجيش قال لى جنرال فى الإسماعيلية: بتوع سينا يقفوا على جنب، حرام تدخلوا الجيش، انتو يهود سينا».
اقتربت الساعة من العاشرة مساء وقررنا المبيت فى منطقة تفصل بين نويبع وطابا، لأن مضيفينا نصحونا بعدم التحرك فى هذا التوقيت لأن الطرق غير آمنة، وبالفعل قضينا هذه الليلة فى معسكر يقع على البحر مباشرة ويحتضنه جبل كبير، وكانت أنوار أم الرشراش «إيلات» تجلب على النفس شيئا من الحزن والحسرة.
.....................................................................
اليوم السادس:أهالى النجمات: نعمل خفراء على أرضنا التى انتزعها رجل أعمال
فى الصباح توجهنا صوب قرية النجمات، البعيدة عن طابا 1 كم، وتقع فى حضن جبل ضخم، ويفصلها عن البحر قرية سياحية، تفصلها عن الرفاهية والحياة أيضا.
كانت ألوان بيوت القرية مبهجة ورائعة رغم الفقر الذى بدا على أهلها، ويوجد بالقرية مسجد ومدرسة ابتدائى، لكن المدرسة لا يوجد بها سوى مدرس واحد فقط، يمر على جميع الفصول ويدرس جميع المواد.
تقابلنا مع الشيخ سلامة الزميلى من قبيلة الحيوات، رجل طاعن فى السن، استضافنا وجلس يحدثنا عن القرية، مشيرا إلى البيوت قائلا «هذه البيوت أنشأتها لنا شركة أوراسكوم منذ عامين تقريبا، كمقابل بعد أن أخذت أرضى ملكنا لعمل هذه القرية السياحية عليها»، مشيرا إلى المنتجع السياحى المقابل لقريتهم، مضيفا «نحن أجبرنا الشركة على بناء القرية كتعويض لنا عن أراضينا وكنا قبل ذلك نسكن فى خيام وعشش».
وحسب كلام الزميلى فالأراضى لا تُملك لبدو سيناء منذ عهد الملك فاروق، الذى أمر برفع ملكية الأراضى عن أبناء سيناء كى لا يبيعوها لليهود، مثلما باع الفلسطينيون أراضيهم وبيوتهم لليهود.
وعن عمل أهل القرية قال الزميلى «نعمل غفر لتأمين القرية السياحية الموجودة أمامنا لكننا لن نتنازل عن مطلبنا بصرف تعويضات لنا عن الأرض التى سرقت منا، إضافة إلى أن النظام الحالى يتعامل بنفس معاملة النظام القديم، كأن ثورة لم تقم».
أنا مش مصرى.. أنا بدوى
كانت أكثر جملة صادمة لى فى أثناء التحقيق، عدم الاهتمام ببدو سيناء جعلهم يتملصون من مصريتهم، بل الأدهى من ذلك أن البعض يرى أن مصر تحتل سيناء وأن المصريين أو أهل الوادى -كما يُطلقون- يريدون خطف سيناء منهم.
تلك الجملة سمعتها أول مرة من منى عيادة فى رفح، عندما سألتها عما إذا كان لديها علم باستشهاد أفراد من الجيش قبل أشهر فى قرية الماسورة برفح، وكانت المفاجأة عندما قالت «زعلت عشان المصريين جايين هنا يحمونا»، سألتها مباغتة «المصريين! هو إنتى مش مصرية؟»، فردت بأسلوب أكثر مباغتة «أنا بدوية مش مصرية».
وطوال الرحلة كانت تلك الجملة تتردد على مسامعى كثيرا، لكن الأكثر صدمة لى كان كلام سليم سلمان، من نويبع، الذى كان يتحدث دوما عن كون مصر تحتل سيناء، وأن المصريين أو أهل الوادى «أحفاد فرعون» أما أهل سيناء فهم أحفاد إبراهيم عليه السلام.



السبت، 3 يناير 2015

البحث العلمي والتعليم والنموذج التنموي ...



كتب / الدكتور معمر نصار ..

تتناول أقلام الكثيرين في الصحف والكتب مشكلة البحث العلمي في مصر , وهي مشكلات تتشابه جدا مع دول عديدة في العالم النامي في الواقع وبالتحديد الدول التي لا تتشابه مع مصر فقط في محدودية الموارد لكن في نموذج التنمية المتبع فيها. هذه الملاحظة الأخيرة تحديداً هي ما يغيب عن غالبية ما يكتب عن مشكلات ومعوقات وأحيانا مأساة البحث العلمي والتعليم العالي ودراسات ما بعد التخرج في مصر فهي تعالج المشكلة علي نحو مقتطع ومجزوء تغلبه التفصيلية رغم أنها في سياق النقد تعرج علي دور القطاع الخاص في دعم البحوث التي تجري داخل أروقة الجامعات , المسألة تقدم كأنها استشعار ضميري مرتفع هناك لدي القطاع الخاص واستشعار ضميري منخفض لدي القطاع الخاص هنا , هذا العزل يأتي من هشاشة الخلفية السياسية - الاقتصادية لدي من يتناولون الموضوع سواء من أفراد النخبة العلمية الممارسة للبحث أو من الكتاب المشغولين بمشكلة التخلف علي نحو مناسباتي في الغالب.
إن التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي والدراسات ما بعد التخرج هي جديلة أساسية في ضفيرة التقدم النوعي في مستويات المعيشة وكفاءة إدارة الموارد و الإنتاج وحجم امتلاك أمـة ما من اسرار التصنيع والقدرة علي العيش الجيد في ظروف قد تطرأ من الانغلاق أو الحصار , و تعبير غير مباشر - لكنه لا يخطيء - عن نموذج التنمية المتبع.
فلا شك أن التعليم النظامي وقد نشأ بشكله الحديث مع الدولة الوطنية البرجوازية الحديثة , كحق وطني يكتسب بالميلاد للمواطن علي الدولة فهو إنما جاء أيضا تلبية لحاجة ماسة تسببت فيها طفرة النمو الكبير في التكنولوجيا والعلوم التي صارت مستقلة عن النشاط الفلسفي الموسوعي , ومع النمو الرأسمالي الكبير والمتسارع في بدايات الرأسمالية كانت الفجوة بين التقنية والعلم البحثى تضيق وأصبح التعليم الأسري والفردي في بيوتات الموسرين والذي تكفل في الماضي بانجاب النبهاء والعلماء الكبار غير كاف لتلبية الحاجة إلي المختصين وحتي العمال اللازمين لتدوير الماكينات وتوزيع السلع فأصبح التعليم العام هو الطريق الوحيد إلي توفير هذه الكوادر ومع تحول أغلب النشاطات الانتاجية إلي نشاطات تصنيعية بدرجة أو أخري بما فيها الزراعة - التي أصبحت التكنولوجيا والعلوم تغزو مجالاتها لتحسين قدراتها وتعظيم نتاجها - بحاجة هي الأخري لا إلي فلاحين تقليديين وفقط بل إلي عمال زراعيين وتقنيين لديهم حد أدني من الدراية بالعلم والتكنولوجيا معا بعد أن أصبح الفصل بينهما مستحيلا , فقد نشأت كليات الهندسة بأنواعها والزراعية منها لأن التكنولوجيا صارت باستمرار عملاً علميا يحتاج إلي فهم للنظريات المعقدة التي تقف وراء سير الماكينات والألات .
وفقدت الجامعة رويداً رويداً طابعها النخبوي الشديد وصارت أكثر شعبية مع تزايد أعداد الشبان القادمين عليها وبعد أن كانت توفر فقط قاعات المحاضرات ضمت الورش والمعامل وتضمنت أعمالاً يدوية أيضا فضلا عن المكاتب الفخيمة والأردية المنتمية لطبقة الأثرياء العليا فأصبح معطف المعمل وقفاز اليد ضمن أدواتها وأزياءها.
الجامعة والمدرسة إذا صدي لما يجري في عالم الإنتاج , هي ورشته التحتيه حيث تصنع الابتكارات التي تجد طريقها إلي الورش وخطوط الإنتاج وإلي المصانع التي تنتج الماكينات ومعامل إنتاج البذور وتحسين السلالات , ليست الجامعة والمدرسة إذا نشاطا ديكورياً جمالياً تزين به الحضارة صدرها لغرض التباهي أو الاستعراض أو استكمالاً لشكل ديمقراطي للدولة الحديثة , ولأنني أميل إلي المباشرة وقد أرهقني هذا التقديم الطويل فإنني سألجأ إلي تحويل العدسة إلي القوة الكبري الأن , تفحص معي ما يمكن أن يحدث للمؤسسة التعليمية " المدرسة والجامعة " في نموذج تنموي يعمل بالقطعة فيقوم اقتصاد بلد ما علي استيراد مصانع جاهزة تنتج سلعا ذات جودة عالية من الملابس والأدوات المكتبية والأواني ويعتمد في حاجاته من السلع الغالية الثمن كالسيارات علي استيراد أجزاءها ثم تجميعها وعلي ماكينات جاهزة لمزارع كبيرة لشركات فردية تنتج محاصيل مصممة لأسواق خارجية تأتي بالدولار وغير موجهة لسد حاجات المجتمع مثل مزارع الجمبري والشريمب وكميات هائلة من الفراولة المحسنة والتي جري استيراد شتلاتها من الخارج , تصور معي هذا البلد عندما يشرع في تخطيط عمراني جديد كم سيكون حجم اسهامه الوطني في هذا الامتداد !! وعندما يرغب في توسيع رقعته الزراعية ما حجم اسهام مهندسيه الزراعيين ومهندسيه المدنيين فيما سيجري وكمثال فقط لدينا الأن مشروع حفر قناة السويس الجديدة في مصر وهو مشرووع عملاق , لكن هل استشعرت أي تغير طـرأ علي حجم التشغيل الفني أو أن هناك نشاطاً متزايداً في إحدي الجامعات اتصالاً بهذا المشروع !!!!! , لن أجيب فأنت تعرف أن كل مسمار في أي ماكينة تعمل في هذا المشروع أتية من الخارج بما فيها حتي عربات نقل الردم ...
أين دور المدرسة والجامعة هنا ! , محدود للغاية .. ماذا سيكون دور كلية الزراعة وماذا كان دورها رغم التطور الكبير في الصناعات الغذائية الذي حدث بالبلاد منذ التسعينيات ! أنت تري عشرات شركات انتاج البسكويت والكيك والشيبس لكن كليات الزراعة تعاني إحجاما من الطلاب عن الانضمام إليها , لماذا لم تسهم نموات مثل النمو في التصنيع الغذائي في تطوير أداء كلية الزراعة ولماذا لا تساهم ببحوثها فيما تفعله هذه الشركات !! , الاجابة أن هذا النموذج التنموي يعتمد علي سياسة قديمة هي الاحلال محل الواردات وهي سياسة بدأها الاستعمار البريطاني في أعقاب الحرب العالمية الأولي تهدف إلي نقل الصناعات الخفيفة اللازمة لإعاشة جنوده في المستعمرات تحسباً لانقطاع وسائل النقل بالبحر بعد تجربة الحرب العالمية الأولي وتقطع نقل الامدادات والأغذية لمعسركات بريطانيا وفرنسا في أفريقيا والهند فكان التفكير في جعل هذه الصناعات تنتقل للبلدان المستعمرة بحدود طبعا , ليس للدرجة التي تسمح للمستعمرات بتعلم كيف يصنعون مصانع الأغذية أو كيف يمكن تطوير وسائل علمية لتعقيم الغذاء المعلب وكيف يمكن تصميم ماكينات ضغط العبوات وتعبئتها أو كيف يمكن تطوير سلالات بكتيرية خاصة تكسب منتجاً نكهة مميزة أو تحافظ عليه مدة أطول دون أن يتغير أو كيفية تحسين خواص اللون في سلعة غذائية ...
الموضوع هو نقل المصنع للمستعمر وبالطبع السماح لبعض رأسمالي البلد المستعمر بامتلاك بعضها بشرائها مباشرة من الدول المصدرة والمالكة للتقنية , هذا الانتقال حصل بحدود بسيطة فنقلت الاحتياجات إلي الشعوب دون أن تكفيها لاحقا وبعد نجاح حركات التحرر الوطني تم التوسع في نموذج الاحلال هذا دون العمل الحقيقي علي توطين تكنولوجيا الانتاج نفسها , في البداية كانت أعداد المصانع المستوردة للتشغيل هنا تكفي لتشغيل خريجي مدارس الزراعة والهندسة والعلوم الجامعية وقبل الجامعية لكن في كل الاحوال كانت الرعاية الصحية للمواليد لم تكشف بعد عن قدرة الكتلة السكانية علي التضاعف بما يزيد علي قدرة سياسة الاحلال علي استيعاب القادمين الجدد إلي الحياة. وبغض النظر عن طبيعة الملكية لهذه المصانع المشتراه جاهزة فإنها لم ولن تتمكن من استيعاب طاقة الجامعة والمدرسة علي تخريج الكوادر فنشأت مشكلة معكوسة لمشكلة بدايات الرأسمالية فأصبح المجتمع بحاجة إلي طريقة للتخلص من الجامعة والمدرسة ...
في الحقيقة لا تجرؤ حكومة علي قول هذا , لكن قبل أن نغادر هذه النقطة علينا أن نتوقف لحظة .. هل هذه المشكلة هي نفسها في دول الصناعية ؟! لا هناك اختلاف كبير لأن نموذج التنمية هناك لا يعتمد علي سياسة الاحلال ومجالات الانتاج لا تزال تستوعب مخرجات الجامعة والمدرسة , صحيح أن الأتمتة " التوسع فى استخدام الألات Automation " تهدد العنصر البشري والعامل اليدوي لكن بالقطع ليست الحالة مأساوية كما هي هنا , هذا الفارق هو الفارق بين التنمية المستقلة والتنمية التبعية , الأولي قائمة علي الاستجابة لتحديات الاحتياجات بداية من الفكرة العلمية وصولا للتطبيق التكنولوجي للحل بينما الثانية تعتمد علي استيراد الحل جاهزا وقصر دور المجتمع والأيدي العاملة فيه علي التشغيل في المرحلة النهائية ...
وسأعطي مثالاً أخر للتوضيح , لدينا في مصر عشرات الماركات العالمية من الغسالات والثلاجات المنزلية تجمع هنا يعمل فيها ما لا يزيد عن بضعة ألاف من العمال في خطوط تجميع هي أقرب إلي المخازن لكن لماذا لا تستوعب شركات الصناعات الهندسية هذه خريجي المدارس الصناعية وكليات الهندسة ! لماذا لدينا هذه البطالة المروعة !
لا تنخدعوا بالحديث عن التأهيل وخرافة الكفاءات فالعمل هو الكفيل بخلق الكفاءة , المهم إذا كانت تلك الغسالات تم تطويرها من خلال مشاريع بحثية في جامعة أو اثنتين وتم تطوير برامج تشغيلها الحاسوبية في جامعة أخري او اثنتين وكل مرحلة من مراحل صناعة كل مكون فيها تتم هنا في مصر فهل كان المتوقع أن تكون الجامعة مكانا صاخبا صباحا ساكنا سكون القبور مساءاً !!! وهل كانت ستكون هناك هذه البطالة المروعة في خريجي التعليم التكنولوجي الثانوي والجامعي ! , هل لو كانت الفراولة والقمح والقطن تطور في مراكز البحوث الوطنية وتجرب فيها وتطبق في مزارع كبيرة علي المستوي الوطني وتعمم باشراف الدولة , هل كانت كلية الزراعة ومدرسة الزراعة مكانا لتضييع الوقت وتصنيع الاكتئاب !! , نموذج التنمية يا سادة ينعكس في الجامعة والمدرسة ما دام نموذجا ملحقا وتابعا وفي خدمة المراكز المسيطرة تكنولوجيا لتسويق منتجاتها مع مشاركة هزيلة في الرص والتعتيل المسمي بالتجميع فالمدرسة والجامعة والبحوث ستستمر في التدهور ...
في التسعينيات طورت عالمة كيمياء من المركز القومي للبحوث طريقة لتصنيع الورق من حطب القطن فماذا كان مصيره !! أنا أتكلم عن أشياء بسيطة , أولاً اختفي القطن لأن الرأسمال المحلي ينتج سلعا وعينه علي سوق المراكز المسيطرة وفقا لعقد تم ابرامه بينه وبينهم عبر الحكومات هو منظمة التجارة العالمية , أين القطن ؟ رحل ليترك المكان للفراولة ولا عزاء لصناعة الورق في مصر , لماذا يجب أن يكون هناك بحوث علمية إذا كانت بنية التنمية تتجه إلي النمو بالقطعة وتعظيم خزينة المركزي من الدولار وفقط لنتمكن من الاستمرار في استيراد احتياجاتنا التي تتطور مع استيراد المزيد من المصانع الجاهزة والزراعات الخادمة لاحتياجات مجتمعات أخري , فيم سنحتاج الجامعة أصلا والمدرسة وغيرها من مؤسسات التعليم !! لهذا تلجأ الحكومات التابعة مثل حكوماتنا إلي ربط التعليم بدائرة تضييع الوقت المسماة بالجودة وهي سيف مسلط لاغلاق ما تيسر من المؤسسات فالجودة تملك سلطة اغلاق المؤسسة العلمية ووقف استقبالها لأي طلاب لو لم توف بالأوراق المطلوبة وهي حيلة من الطرق الامريكانية الصنع في تعثير المتعثر فلا مجال لحديث بعضكم عن مشكلة الجدية والالتزام أو دعم مجتمع الاعمال , هذا المجتمع هو صانع الأزمة ولن يكون جزءاً من حلها , بل حله هو نفسه بداية الخروج من التخلف وتدني مستوي المعيشة والادارة.
عندما نصنع نموذجا مختلفا عن الاحلال والاستيراد , هذا النموذج الذي يضمن سيطرة الاجنبي علي الوطني واستبقاء الوطن ضمن دائرة التخلف لابد من نسفه من جذوره وقتها سيكون هناك دور للجامعة والمدرسة وسيكون هناك إنتاج حقيقي وعمل حقيقي ولن نستشعر وطأة هذا العبث ...

الأحد، 28 ديسمبر 2014

العدوان على سوريا... ماذا تريد إسرائيل؟؟




كتب / شـادى عمر الشربينى ..

ستظل الكتابة هي فاتحة الحضارة و طريق التنوير و التقدم الإنساني نحو المستقبل و معانقة الحياة... لذلك قبل أن نلتقي بالصفحات البيضاء و نمسك بالقلم يجب أن يكون لدينا ما يستحق أن يقال، ما نعتقد أنه نور يبدد ولو شيء من الظلام ويجعل القارئ أكثر فهما و إدراكا لما يدور حوله... أما الثرثرة على الورق فهو ذنب لا يغتفر، هي الخروج من الحضارة و الردة إلى البربرية و إطفاء لمصابيح العقل أو بمعنى أدق... تحطيمها....
لكن حجم الثرثرة و العبث و التلفيق الخداع الذي يتلقاه العربي ليل نهار فاق أي حدود حتى أصبحت الكتابة هي وسيلة للتجهيل و فرض الاضطراب على العقل العربي، فكان من ضمن الحصاد فيالق جذ الرقاب و ذبح الحضارة، و إلقاء المنطقة العربية في عتمة زمان بربري كريه...
لذلك فعندما أكتب إنما أتوجه بالأساس لهؤلاء الذين لم تطير أعاصير الربيع العربي عقولهم، لهؤلاء الذين يشعرون بفطرتهم النبيلة حجم الخديعة و الخداع الذي يمارس على هذه الأمة و يلتمسون الطريق إلى الحقيقية بكل ما يتطلبه ذلك من إرادة عظيمة و جهد استثنائي في زمن نشر الخرافة و التجهيل...
و من ضمن الخرافات التي تم حقنها في الجسد العربي، أن إسرائيل تريد الحفاظ على النظام السوري، أنها تراه الصديق و الحليف، تخاف عليه و تراه ضامن لأمنها و سلامتها... و القارئ الذي قبل ببلع تلك الأكاذيب حتى وهو يرى العدوان الصهيوني المستمر على سوريا، هو بالتأكيد ليس مدعوا لقراءة هذا المقال...
القارئ الذي يطالع تقرير قوة فصل القوات في الجولان السوري "أندوف"، التابعة للأمم المتحدة، و الذي يكشف تفاصيل اتصالات دائمة بين متزعمي التنظيمات المسلحة في سوريا وضباط ومسؤولي جيش العدو الإسرائيلي، حيث تم رصد 59 لقاء تم بين متزعمي هذه التنظيمات وقيادي وضباط جيش الاحتلال الإسرائيلي، وذلك فقط خلال الفترة من مطلع مارس الماضي وحتى نهاية مايو، حيث تم خلالها نقل 89 مسلحاً مصابا إلى مشافي الاحتلال الإسرائيلي للعلاج وإعادة 19 مسلحاً منهم مع جثتين إلى الأراضي السورية مبيناً بذلك حصول التنسيق الكامل بين هؤلاء المسلحين ومشغليهم من العدو الإسرائيلي وجيشه... ثم بعد كل ذلك يصر هذا القارئ على إغلاق عينيه و تجاهل حقيقية أن مظهر الحرب على سورية هو ثورة وانتفاضة شعبية في حين أنه مشروع تقويض لسورية كلها، استخدمت فيه إسرائيل كل أدواتها وما تملكه من آليات ومن ضمنها «القصص الديني» وفشلت... فهو بالتأكيد لن يجد في هذا المقال ما يؤيد أوهامه و يدعم أكاذيبه.
إن تقرير الأمم المتحدة المشار إليه، هو أول تقرير صادر عنها يعترف بتنسيق بين جبهة النصرة و إسرائيل في الجولان السوري المحتل.. ولكن التقرير لا يتخلى عن بعض العبارات المراوغة و المخاتلة.. وأحيانا الوقحة.. والتي تتهرب من التسديد على الكلمات الصحيحة دون اعتبار لقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.. الأمم المتحدة مهووسة دوما بتطبيق الشرعية الدولية وتأديب المخالفين حتى وإن اقتضى الأمر استلال الفصل السابع من غمده وقتل مليون عراقي.. ولكن عندما تخردق إسرائيل القرارات الدولية فإن الفصل السابع يدخل إلى غرفته وينام خلف البحور السبعة ويصبح بابا نويل.. بل ويصبح فصلا من فصول مسرحية "شاهد ماشفش حاجة".. وبان كيمون يقول لنا: امسكوا أعصابكم حتى وإن كانت إسرائيل تفتح السياج الالكتروني للمسلحين وتسمح بمرور الدبابات التي أعطاها العرب للإرهابيين تحت ناظريها لضرب نقاط تخص القوات السورية.. كما أن قرار ملاحقة جبهة النصرة الإرهابية لا يطبق على قطر وإسرائيل وهما اللتان تقومان علنا بالتفاوض مع الإرهابيين بل و يفتح لدى جبهة النصرة حساب بنكي رسمي في قطر دون أن يحتج أحد.
إن تقرير الأمم المتحدة لم يمس سوى قمة جبل التعاون و الدعم بل و الاحتضان الإسرائيلي للجماعات المسلحة في سوريا، لم تكن الأمم المتحدة تملك أن تغمض عينيها بالكامل عن الدعم الإسرائيلي للمسلحين في سوريا، خصوصا بعد أن أسفر بشكل مباشر عن اعتداءات متتالية على قوتها (قوة فصل القوات في الجولان السوري "أندوف") وصلت إلى حد الخطف و تحويلها إلى رهائن لدى جبهة النصرة. لم تكن الأمم المتحدة تستطيع التمسك بالصمت التام عن ما يحدث عبر حدود الأردن و الجولان، خصوصا أنه أمر أصبح مشهورا و تتناوله بكثرة مراكز البحوث السياسية و الاستراتيجية وتسلط عليه الضوء الصحافة الغربية المعروف عنها دعمها الكامل للمتمردين والمسلحين في سوريا.
أخر تلك التقارير هو ما كشفت عنه كشفت مجلة "تشير ماجزين" الاميركية، أن معسكراً تدريبياً كانت تديره القوات الخاصة الأميركية في الاردن لتدريب المعارضة المسلحة ضد الحكومة السورية، تحولت القوات التي تدربت فيه بعد انتقالها الى سوريا عبر تركيا الى عناصر جماعة "داعش" الارهابية.

وتكمل المجلة: إنه "منذ ما يقرب من عام واعتماداً على مصادر موثوقة كانت القوات الأميركية الخاصة تدير معسكراً في بلدة شمال الأردن تدعى الصوافة تقوم بتدريب وتجهيز قوات يفترض أنها ستقوم بإسقاط نظام الأسد وبتنسيق سري عسكري اسرائيلي وتعاون اردني واضح"، مشيرة الى أن "هذه القوات قامت بشق طريقها من الأردن الى تركيا ومنها الى سوريا لتتحول بمعجزة العبقرية العسكرية التكتيكية الى جماعة "داعش" والتي استولت خلال ثلاث سنوات على اجزاء من العراق وسوريا".

وتضيف المجلة في مقالها الذي كتبه باري تشامش: انه "مع عمليات قطع الرؤوس التي تم الترويج لها جيداً يتم اعادة الولايات المتحدة مجدداً الى منطقة الشرق الأوسط لمحاربة تلك الوحوش البشرية"، موضحة انه "باختصار فان الولايات المتحدة وبمساعدة اسرائيلية انشأت اسوأ اعدائها وهذا ما كشفت عنه روسيا عبر تصريح احد مساعدي بوتين الكساندر بورخانوف الذي قال إن الموساد الإسرائيلي كان يقوم بتدريب جماعة "داعش" في العراق وسوريا".
وترى المجلة، أن "المثير في الأمر أن موقع ديبكا التابع للمخابرات الإسرائيلية كان قد كشف الغطاء القبيح قبل بضعة اشهر ثم تم اغلاقه لثلاثة اسابيع فجأة، ليعود بعدها مجدداً وموسعاً ليصبح في احسن حالاته مع العملية"، مشددة بالقول "ربما يبدو هذا متناقضا مع الحقيقة التي حاولت تل ابيب إخفائها لكن هجوم المسلحين السوريين لانتزاع منطقة القنيطرة لم يكن ليتم لولا مساعدة "اسرائيل" وليس فقط من خلال الرعاية الطبية التي كانت تقدم للجرحى فحسب، بل ايضا في بعض الامدادات للأسلحة والاستخبارات والمواد الغذائية وقد تصرفت "اسرائيل" كعضو في دعم الجماعات المسلحة في جنوب سوريا الى جانب الولايات المتحدة والأردن".

وتختتم المجلة مقالها، أن "عملية تنسيق الجهود في هذا المجال كانت تتم من خلال غرفة عمليات قامت وزارة الدفاع الأميركية خلال العام الماضي بإنشائها بالقرب من عمان"، لافتة الى أن "الضباط الأميركيين والإسرائيليين والأردنيين كانوا يتشاورون في تلك المنشأة في دعم الفصائل المسلحة وتعزيز معسكرات التدريب لهم في الاردن ويتسلمون منه الأسلحة".
.......................
.......................
و لكن بعد كل هذا يطرح سؤال نفسه، لماذا لا تكتفي إسرائيل بدورها كداعم مباشر من وراء الستار لمجاميع المسلحين و الجهاديين في سوريا، و تتدخل بنفسها أحيانا في العدوان على سوريا...؟؟!! 

لماذا تخاطر إسرائيل و تكشف نفسها كطرف أصيل في العدوان على سوريا، كمثل ما حدث أخيرا من غاراتها على سوريا عبر استهداف منطقتين في ريف دمشق في كل من الديماس وقرب مطار دمشق الدولي المدني...؟؟!!
إن الإجابة على هذا السؤال مهمة جدا للكشف عن مجرى الأحداث و تطوراتها و بيان الدوافع التي تحرك أطراف العدوان على سوريا.
و يمكن، بعد الاطلاع على مجمل التقارير و تحليل الأحداث الأخيرة التي جرت في المنطقة و سوريا بالأخص، تلخيص أسباب العدوان الإسرائيلي كالتالي:-

1) من المعروف أنه منذ عام و نصف تقريبا، انقلبت بوصلة الأحداث في سوريا، فلم تعد الأمور تسير لصالح الجماعات المسلحة، بمختلف تشكيلاتها و انتماءاتها، على الإطلاق، فبالإضافة إلى تحقيق الجيش السوري انتصارات ساحقة ، استراتيجية و نوعية، ضد تلك الجماعات و التنظيمات، فإن ذلك ترافق مع انفجار الخلافات و الاقتتال فيما بينها. لكن في الأسابيع الأخيرة بالذات، ارتفعت وتيرة انتصارات وتقدم الجيش السوري، حيث تم حسم جملة معارك بالعاصمة دمشق وبريفها الشرقي، لتأمين دمشق من جهة الجنوب استعدادا على ما يبدو لبداية معارك كبرى بالجنوب السوري، كما تم الاطباق على باقي حصون المسلحين بريفي حماه وحمص بشمالي وشرقي أرياف المدينتين وبعمليات نوعية وخاطفة، أما بحلب فقد أقترب الجيش السوري من الأطباق على بعض الأحياء بالمدينة التي يتحصن بها المسلحون، وبالريف الحلبي هناك أيضاً تقدم ملحوظ للجيش السوري بريفي حلب الشمالي والشرقي. 
إن تلك الانتصارات المتتالية للجيش السوري، أرهقت المسلحين و استنزافهم بشدة مما نتج عنه انهيار حاد لمعنويات تلك الجماعات و تفكك الكثير منها و لجؤهم إلى تسويات مع الدولة السورية. 
في ظل هذه الأجواء جاءت الغارة "الإسرائيلية" على ريف دمشق، لتؤكد للجماعات الإرهابية أنهم ليسوا وحدهم، ولضمان بقاء "جبهة النصرة"، وأنها ستبقى معيناً وإمداداً لها. لقد كان من الحيوي وقف الانتصارات السورية أولاً، وثانياً، صرف الأنظار عن هذه الإنجازات والانتصارات بأي ثمن، ولو بغارة صهيونية قد تشعل حرباً.
الخبراء يذكّرون بتجارب عدوانية سابقة للعدو الصهيوني، ترافقت مع انتصارات باهرة للجيش السوري، منها على سبيل المثال إبان معركة القصير، حيث دخلت "إسرائيل" على الخط لتقول إن "القصير خط أحمر"، فكان أن سُرِّعت المعركة وحُسمت. ومع معركة القلمون، وبداية سقوط يبرود، دخلت "إسرائيل" على الخط، فأغارت على منطقة "جمرايا"، دون أن ننسى غارتها على منطقة جنتا في البقاع اللبناني.
أعتقد أننا نتفق جميعا الآن أن هناك تكاملا بين المسلحين والجيش الاسرائيلي وهؤلاء المسلحون يشكلون لواء جولاني الثاني بالنسبة إليه، فهو يمدهم بالمعلومات والصور والخطط ويشوش الكترونيا على الأسلحة السورية وأجهزة الاتصالات والرصد. وكل الآراء تتفق رغم تبايناتها على أن هناك غاية معنوية تخص المجموعات المسلحة.. وقد يبدو ذلك فانتازيا عندما يرد على لسان البعض.. ولأنه صار يتكرر في تفسير كل الغارات فإنه يعامل معاملة المشكوك فيه أحيانا.. لكن هذا التفسير رغم ما يحاول البعض اسباغ اللاجدية عليه فإنه فعلا إحدى غايات الغارة ودون أي مبالغة لحرف الحقيقة عن مسارها.. لأن اسرائيل لا تستطيع الابقاء على تحالفها مع المجموعات المسلحة التي تتعرض للتقهقر والضرب الناري الكثيف في كثير من الجبهات أو تواجه الحصار في بعض المناطق دون أمل بتدخل خارجي.. مما يضطر اسرائيل لأن تظهر أنها معنية بالتحالف ودعمه وإظهار جديتها كمتدخل خارجي يصل إلى حد الاستعراض بجسدها العسكري.. خاصة وأن المجموعات المسلحة تعرف أنها في موقف المتهم إسلاميا ووطنيا وهي تقاتل نيابة عن اسرائيل التي لا تقاتل معها.

2) ”إسرائيل” باستهدافها لسورية تحديدا، كانت تعرف مسبقا أن الرد لن يأتي من دمشق، لأنها ليست المرة الأولى التي تشن فيها عدوانا آثما على سورية بل الرابعة منذ سنة 2011، وبسبب ظروف سورية الحالية لن يستطيع الجيش العربي السوري تغيير بوصلة الصراع وفتح جبهة جديدة، وهو الجيش الذي يوجد اليوم في وضع مشتت، بعد أن تحول من فرق منظمة معدة لمواجهة “إسرائيل” إلى كتائب صغيرة موزعة على أكثر من 700 موقع في سورية لمواجهة حرب العصابات التي تتقنها الجماعات المسلحة المدربة من قبل المخابرات الأطلسية والموساد و المدعومة من الأجهزة الأمنية الخليجية، من ما دفع بالقيادة السورية بمساعدة الحلفاء إلى تغيير البنية التنظيمية للجيش وأسلوب عمله الميداني لمنع انتشار الجماعات التكفيرية ومحاصرتها ثم ضربها للقضاء عليها. وبالتالي، فإعادة تجميع هذه القوى لمواجهة “إسرائيل” اليوم عمل شبه مستحيل إن لم يكن انتحارا، وسيعني فيما يعنيه هزيمة سورية بالإرهاب الوهابي الداخلي والإرهاب الصهيوني الخارجي.. وهذا ما تدركه واشنطن وتل أبيب جيدا، ويستحيل أن تسقط القيادة السورية في فخ غبي من هذا القبيل.

لذلك فالأرجح أن ”إسرائيل” بعدوانها على سورية كانت تستدرج حزب الله للرد، وهنا بيت القصيد، لأن حزب الله لو فعل، فهو لا يمتلك الذريعة، وستعتبره تل أبيب وواشنطن وحلفائها وأدواتها في المنطقة “إرهابا” من قبل الحزب ومغامرة غير محسوبة لإشعال المنطقة، ناهيك عن جوقة الداعشية السياسية في 14 آذار (تكتل الحريري و حلفاءه في لبنان) التي تتربص بالحزب الدوائر وتتحين اللحظة للانقضاض عليه، سواء بإرهاب الداخل أو بالإرهاب السياسي في المحافل الدولية. أما السياق، فـ”إسرائيل” بهذه الرسالة، إنما تكشف عن ما أصبح يعرفه الجميع، وسبق للوزير جون كيري أن أكده في كلمة أمام منتدى “سابان” السنوي لبحث العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية، بقوله، أن هناك دولا في منطقة الشرق الأوسط (لم يحددها) مستعدة للوقوف وصنع السلام مع إسرائيل، فضلا عن الدخول في تحالف إقليمي جديد، لمكافحة الجماعات الإرهابية. والجماعات الإرهابية التي يقصدها الوزير الأمريكي ليست “داعش” و”النصرة” وأخواتها التي هي صناعة صهيوأمريكية و وهابية صديقة تعمل لمصلحة “إسرائيل”، بل “إرهاب” حزب الله الذي يقض مضاجع الكيان الصهيوني المغتصب، ويرعب السعودية ومشيخات الخليج، ويقلق واشنطن والغرب الأطلسي، بعد أن تحول من مقاومة لبنانية محلية إلى قوة إقليمية ضاربة حين قال سماحة السيد حسن نصر الله ذات خطاب “سنكون حيث يجب أن نكون”، ومن ثم، ها هو الحزب يقاتل في لبنان وفي سورية وإلى جانب الجنرال قاسم سليماني في العراق، وتتهمه السعودية بالتواجد في اليمن لتدريب الحوثيين، ويحمله أعراب الزيت مسؤولية الفشل في إسقاط النظام السوري في “دمشق”، ما يستوجب تدفيعه الثمن.
لذلك لم يكن من باب الصدفة أن يعين نتانياهو المدعو ‘جادي ايزنكوت’ رئيسا جديدا لأركان جيش الإسرائيلي والذي قالت عنه الصحافة الإسرائيلية أنه “الرجل المناسب في المكان المناسب”، باعتباره متخصصا في شؤون لبنان واللبنانيين، والحائز أخيراً على شهادة اكاديمية عبارة عن رسالة ماجستير تناولت شخصية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، مدعوما بعدد من القيادات العسكرية من الصف الأول الخبيرة بلبنان وحزب الله، من بينهم نائب رئيس الاركان الجديد اللواء يائير جولان، الذي غادر منصب قائد المنطقة الشمالية حديثاً، وخلفه الحالي افيف كوخافي الذي يدرك بدوره قدرات حزب الله ربطاً بمنصبه السابق كرئيس لشعبة الاستخبارات العسكرية، والرئيس الحالي للاستخبارات هرتسي هاليفي الذي خدم اخيرا كقائد لعصبة الجليل في الشمال.
و من كل ما سبق نستطيع أن نفهم، خصوصا إذا صدقت الأنباء التي تتكلم عن استشهاد مسئولين من حزب الله في الغارة الإسرائيلية، أن إسرائيل تسعى لجر حزب الله لمعركة معها، تكون فيها الطرف الثاني من الكماشة سحق حزب الله، والتي تشكل الجماعات الجهادية و تكتل 14 آذار طرفها الأول. 

3) عبر عشرات الحروب التي خاضتها المنطقة أصبحنا ندرك جيدا مدى ارتباط السياسي بالميداني و الميداني بالسياسي، لذلك كان من الطبيعي و المفهوم أن يفرز صمود الدولة السورية الكبير و انتقالها من مرحلة امتصاص الضربة الأولى إلى الدفاع النشط ثم أخيرا الهجوم والمبادرة، تغيرات سياسية كبيرة وعميقة تعكس التقدم الميداني السوري و خيبات حلف إسقاط سوريا و تدميرها. مظاهر هذه التغيرات عديدة وكثيرة، منها مثلا أنه في الاجتماع الوزاري الأول الذي عقد في مقر الناتو في بروكسل للائتلاف الذي تتزعمه الولايات المتحدة تحت عنوان «محاربة داعش»، فإن إسبانيا عبر مندوبها إلى بروكسل اقترحت البدء بحوار مع الجيش العربي السوري، في إطار مواجهة التنظيم الإرهابي، ورغم عدم وجود اتفاق حالياً على هذا الطرح، لاختلاف أجندات المجتمعين، إلا أن الفكرة طرحت لأول مرة على طاولة اعتاد المجتمعون حولها توجيه التهم والشتائم للمسؤولين السوريين وجيش البلاد، وفي الحقيقية فإن الاقتراح الإسباني لا يمثل اسبانيا فقط، بل يعبر عن تحول عام في المزاج أوروبي من الإصرار على إسقاط الدولة السورية إلى القلق المتنامي من انعكاسات الأزمة في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط عموما علي أوربا، المتمثلة في تضخم التهديد الإرهابي للقارة و تدفق سيل المهاجرين إليها، مما يستدعي بالضرورة بدأ تغير دفة السياسات الأوربية إلى إيجاد تسوية للأزمة السورية و الحفاظ على الدولة ومؤسستها فيها.
و حتى السعودية انتقلت لأول مرة من وضع السكون إلى الحركة، وطرح فكرة قريبة من الاقتراح الإسباني تقوم على تدريب مسلحي المعارضة وتمكينهم، مع إمكانية دمجهم في مرحلة لاحقة مع قوات الجيش السوري، طبعاً ضمن «المرحلة الانتقالية للحكم» حسب سعود الفيصل، الذي يدرك مسبقاً أن فكرة المرحلة الانتقالية مرفوضة في دمشق، وهو موقف مستجدّ في السياسة السعودية المتطرفة تجاه سورية منذ بدايات الأزمة، فالروس مثلا لا ينسون رئيس الاستخبارات السعودية السابق الامير بندر بن سلطان وهو يقول حرفيا في موسكو: «نريد تدمير هذا النظام العلوي في سوريا حتى لو جرى تدمير سوريا».. وسط هذه الظروف تعلن الكويت عزمها على إعادة فتح السفارة السورية وتقدم تأشيرات لثلاثة دبلوماسيين سوريين.. مؤشرات يضعها بعض المتابعين في سياق التغيرات التي طالت ظروف الحرب على سوريا. بيان القمة الخليجية في الدوحة مؤخرا دليل آخر. لم يطالب البيان بإسقاط النظام. ذهب باتجاه الحديث عن حل سلمي للأزمة.
استراتيجية البيت الأبيض للقتال ضد «داعش» في العراق وسوريا، رغم أنها تحقق القليل من الإنجاز العسكري، إلا أنها انتهت إلى منح السوريين غطاءً سياسياً دولياً في مقاتلة الإرهاب؛ في الواقع، لم تعد هناك قيود سياسية أو إعلامية لنشاط الجيش السوري، بينما أعداء سوريا الإقليميون ــ وأدواتهم في المعارضة السورية ــ وقعوا في ارتباك سياسي عمّق فشلهم وأدى إلى شلّ قدرتهم على التحرك. وبينما تتسع الهوّة بين الأميركيين والأتراك بسبب الخلاف على المسألة الكردية، حمل إليهم الروس جائزة القرن: خط أنابيب الغاز؛ إتمام هذه الصفقة الكبرى سيؤدي، على رغم تصريحات أردوغان الجوفاء بشأن إسقاط النظام السوري، إلى حياد تركي واقعي. تركيا الآن مشلولة عن القيام بمبادرة كبرى للتدخل في سوريا، فهل يفكر الإسرائيليون اليوم في أنه جاء دورهم للقيام بتلك «الضربات الغامضة» التي دعا إليها الفرنسيون ضد الجيش السوري؟
نعم... الإسرائيليون يرون أن تحالف الدولي - الإقليمي ضد سوريا يتفكك و ينهار، لذلك جاء العدوان الإسرائيلي الأخير كمحاولة لترميم هذا التحالف، و إيصال رسالة أن إسرائيل على استعداد لإشعال حرب إقليمية واسعة في حالة التوقف عن مشروع إسقاط الدولة السورية، التي تمثل واسطة عقد محور المقاومة الممتد من طهران إلى جنوب لبنان، وتراه إسرائيل يشكل تهديد وجودي لها.

4) في يوم الأربعاء 26/11/2014 استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزير الخارجية السوري وليد المعلم في المقر الرئاسي في سوتشي، أجواء اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية السوري وليد المعلم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرجي لافروف على مدى يومين تفيد بأنّ الزيارة كانت ناجحة بكلّ المعايير. وبالرغم من أن هذا ليس بجديد إلّا انه يعكس مدى استياء القيادة الروسية من سلوك واشنطن وحلفائها في ظلّ الاجواء الدولية المشحونة بينهما، وهذا ما تمثل بتلويح لافروف برمي ورقة «نعي» الجهود السياسية المتمثلة بمؤتمر جنيف، فالرجل رفض بوضوح فكرة تنظيم مؤتمر دولي واسع النطاق بشأن التسوية في سوريا على نمط مؤتمرات جنيف. لم يكتفِ رأس الديبلوماسية الروسية برفض جنيف بل ذهب أبعد من ذلك، الى إعلانٍ مبطَّن مفاده أنّ الحلّ يكون في موسكو وعبرها وإلّا فلن يكون، وهذا ما اعتبره المراقبون خطوة تصعيدية من موسكو في اتجاه الغرب، رداً على الخطوات الاميركية الاحادية الجانب، خصوصاً التحالف الدولي في سوريا والعراق، ولا سيما اعتباره أنّ العملية في الأراضي السورية تخالف كلّ بنود القانون الدولي. ترافق مع ذلك لقد كان هناك بنداً أساسيّاً في جدول الأعمال بين وزيري الخارجية الروسي و السوري، وهو صواريخ s300 والأسلحة النوعية الأخرى التي تطلبها سوريا و الظاهر أن روسيا وافقت بالفعل على إمداد سوريا بها.
كثير من الخبراء العسكريون يرجحون أن هذه الأنظمة الروسية وصلت قبل أيام بواسطة طائرات نقل روسية للجزء العسكري من مطار دمشق الدولي، لذلك لا يمكن استبعاد امكان التنسيق الأمني بين تل أبيب وواشنطن تجاه الغارات الأخيرة التي شنتها طائرات إسرائيلية قرب دمشق، وهي جاءت بعيد اعلان المعلم التزام موسكو بتنفيذ عقود الأسلحة التي وقعتها مع سورية، الأمر الذي فسر على أنه يعني صفقة صواريخ «إس 300» المضادة للطائرات والصواريخ الاستراتيجية.
والغارتان الإسرائيليتان بذلك تمثلان رسائل لموسكو ودمشق بأن إسرائيل غير راضية عن اتمام صفقات سلاح جديدة بين الدولتين وأن ما عجزت عنه تل أبيب بالوسائل الديبلوماسية لثني الكرملين من تزويد دمشق بهذه الصواريخ التي ستقلب موازين القوى في الشرق الأوسط، ستعمل على احباطها بالقوة العسكرية ولو كلفها ذلك تصعيد خطير للتوتر في الشرق الأوسط. وبعد أن نجحت الجماعات المسلحة في تدمير ثكنات ومراكز انذار مبكر كانت تحيط بدمشق إن في غوطتيها الشرقية والغربية أو في هضبة الجولان والشريط المحاذي لفلسطين المحتلة مثل مركز تل الحارة الاستراتيجي الذي سيطرت عليه المعارضة خلال الأسبوع الأول من أكتوبر الماضي، قالت مصادر استخبارية غربية إن هذه القاعدة كانت واحدة من أكبر القواعد الاستخبارية الروسية المتطورة خارج الحدود الروسية، وأن المعارضة حصلوا على أجهزة وأدوات استخبارية روسية لم يعرفها الغرب من قبل، ونقل موقع "ديبكا" الإسرائيلي عن مصادره أن هذه الأجهزة الحساسة خرجت من سوريا، وتم نقلها لخبراء استخبارات غربيين؛ بهدف دراستها وفحصها.
و هكذا فإن الغارة الإسرائيلية تستهدف الروس أيضا. هي ردّ على التصلب الروسي إزاء النظام السوري، وخصوصًا بعد كلام الرئيس فلاديمير بوتين من تركيا وجولة موفده ميخائيل بوجدانوف في الشرق الاوسط وطرح لمّ شمل السوريين برعاية موسكو..
..........................
..........................
السطور السابقة كانت محاولة لكشف لغز الضربات الإسرائيلية، لفهم أسباب و دوافع العدوان الإسرائيلي الأخير على سوريا، و كما بينا و أوضحنا، فإنه لا يمكن إرجاع تلك الضربات إلى سبب واحد أو هدف أحادي، بل إلى جملة من الأسباب و الدوافع المركبة التي دفعت العدو الإسرائيلي إلى معاودة مجاهرته بالعدوان بدلا من اختبائه و دعمه وتحريكه من وراء الستار للمختلف التنظيمات المسلحة التي تنهش في الجسد السوري منذ اربع سنوات.
المسألة هنا ليس الكشف عن وفهم دوافع العدوان فقط، بل قبلها و بعدها محاولة لتسليط الضوء على حدث معين، في سبيل توضيح ولو جزء من الحقيقة للقارئ و المتابع العربي، في سبيل أن يكون الإنسان العربي على صلة حية مع الواقع، مع وقائعه و عناصره، أي أن يعيها كما هي و كما تحدث، فالخلاص العربي لن يكون إلا بتفتح الإدراك وبناء الوعي عربي.... ساعتها فقط يكون للقاء القلم بالأوراق قيمة ومعنى.

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

فن الأولوية - قراءة في المعلن ...



 

كتب الدكتور معمر نصار ..

 في حالة مصر - هناك مشاكل مركبة متداخلة تبدأ من كل مجال وتنتهي في كل مجال لكنها ليست ساقية بلا أول ولا أخر ولا يعي العاقل معالجتها , ذلك أن جماع الإشكالات المصرية كلها يمكن ردها إلي متغير أو سبب حاسم (السبب الوحيد مقولة غير علمية) إنه التبعية ..
 التبعية الاقتصادية والتذيل المعلن والمضمر لشبكة المصالح التي تصب الرباح في حسابات الشركات الكبري عبر تقييد خيار التصنيع الوطني وتوطين التكنولوجيا والقفز فوقه كخيار استراتيجي حتمي للخروج من نفق التخلف بكل أعراضه و تداخلاته,تتحدث المشاريع المطروحة والقائم العمل عليها فعليا عن حل مشكلة الطاقة والبحث عن بدائل أو ترشيد استهلاك المواطنين لتنتهي بالأخير إلي لوم المواطن علي كونه يستعمل الدفايات شتاء والتكييف صيفا , رغم أن الدولة تشجعه علي شراءها وتفتح الباب لعشرات الماركات الاحتكارية الأجنبية ويعمل فيها عشرات الرأسماليين المحليين ورغم أنها لا تراقب بناء المساكن ولا تتابع اشتراطاتها الصحية والتي يتسبب تجاوزها المزمن والدائم في افتقادها للتهوية الجيدة وتجبر من ثم سكانها علي اللجوء إلي الحل المطروح من قبل الوسطاء التابعين والذين بتبعيتهم تستتبع الدولة والمجتمع والمنطقة كلها للدوران في حلقة شريرة تغذي نفسها طول الوقت بتعاظم الاستهلاك وتولد العجز ثم البحث عن بديل يستهلكه التزايد الاستهلاكي وهكذا تطرد الحلقة الشريرة الأرباح إلي المراكز الرسمالية العالمية الكبيرة وتصب بعض مزاريبها في جيوب الرسمالية المحلية ذات الصلة ..

في التعليم يتم اقالة الوزراء ويؤتي بغيرهم , يتغير الساسة ولا تتغير السياسة .. إنه الثبات علي النهب المنتظم للثروة الوطنية بما يحرم قطاع التعليم من موارده وقطاع الاسكان من التخطيط للانتشار الافقي ومن ثم استحالة الخروج من الحلقة الشريرة ..
أطفال تولد كل عام مدارس لا تزيد عددا ولا كيفا ولا كوادراً لكنهم لا ينسون أن يشتروا بملايين الدولارات أجهزة حواسيب أصلية وبرامج تدعم الملياردير المحبوب صاحب مايكروسوفت , فيه حاسوب له ويندوز أحدث إصدار لكن شباك الفصل يفتقد لوح زجاج لا يزيد ثمنه علي عشرين جنيها قد يذبح بعض الأطفال لكن لا يهم ما دام بيل جيتس بخير وما دام الرجل سيتبرع بثروته علي خطة زمنية مقدارها خمسين الف سنة مما تعدون , ياله من كريم ويالكرم وكيله المحليي ...
هذا الوضع البائس يطرح الوسطاء حلولا لا حلا واحداً ويشخصون عشرات الأسباب دون أن يقولوا لنا إسهام كل منها فيما نحن فيه وكيف سيختلف حال المستشفي - على سبيل المثال - إذا رحل الوزير ولم يرحل صندوق النقد من حياتنا , إن ساقية التبعية هي ساقية فشل متعمد صرتها صندوق النقد وجرارها الرسمال المحلي التابع والخلاص منها ممكن والابقاء عليها مهلكة محققة ..
إستقلوا يرحمكم الله ..


الخميس، 13 نوفمبر 2014

معركة شرق المتوسط والعدوان على البحرية المصرية ..






كتب د/ ايــاد حـرفـوش ..



العدوان الذي تعرضت له قطعة بحرية مصرية مساء ١٢ نوفمبر (تشرين ثاني) على بعد أربعين ميلا بحريا من ميناء دمياط، لا يمكن أن يكون في توقيته، ولا في موقعه وتفاصيله مجرد جريمة إرهابية جديدة! وهو تطور نوعي يجعل المعركة الوجودية التي تخوضها مصر أوضح لبعض من عميت عيونهم عن حقيقتها! لعل من يزعمون أننا لا نخوض حربا حقيقية يعيدون النظر في زعمهم هذا! عدونا ليس مجرد عصابات تكفيرية، والمعركة أكبر من "مرسي" وشرعيته المزعومة.  

إعلان القاهرة: مصر واليونان وقبرص في المعركة
في ٨ نوفمبر (تشرين ثاني) الجاري أصدرت القمة الثلاثية بين الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، والرئيس القبرصي "نيكوس آنستازيادس"، ورئيس الوزراء اليوناني "آنتونيس ساماراس"، بيانا عرف بإعلان القاهرة، يؤطر التعاون بين الدول الثلاث في شرق المتوسط!  وهي خطوة بالغة الدقة والأهمية نظرا لما للأطراف من صراع مصالح مع تركيا، فقد كان نص الإعلان جريئا في عدة مواضع كان أهمها:
(١) التأكيد على "احترام سيادة جمهورية قبرص (أو قبرص اليونانية) على نطاقها الاقتصادي، ودعوة تركيا للتوقف الفوري عن أعمال المسح السيزمولوجي (التنقيب عن الغاز والبترول) في المياه الإقليمية القبرصية"، وخلفية هذا البند هو إرسال تركيا لسفينة مسح سيزمولوجي للمياه القبرصية، وكذلك بارجة حربية تركية تقف على بعد تسع أميال بحرية من سفينة تنقيب منحتها قبرص اليونانية حقوق التنقيب عن الغاز، حيث اعتبرت تركيا هذا التصرف حفاظا على حقوق القبارصة الأتراك (جمهورية شمال قبرص التركية)
(٢) الدعوة لإنهاء المشكلة القبرصية، وتوحيد الجزيرة وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وجدير بالذكر هنا أن جمهورية قبرص الجنوبية معترف بها دوليا في الأمم المتحدة، وتتبادل التمثيل الدبلوماسي مع كل دول العالم! بينما جمهورية شمال قبرص التركية  (المحتلة من قبل تركيا منذ ١٩٧٤م) غير معترف بها إلا من تركيا! هكذا ترتد "شرعية أردوجان" في نحره.
(٣) الإشارة لثروات الطاقة التقليدية في شرق المتوسط، والاستناد إلى مرجعية قانون البحار الدولي، وعزم الدول الثلاث على المضي قدما في ترسيم الحدود البحرية لها! (أو بمعنى أدق إكمال ما بدأته مصر مع قبرص من ترسيم الحدود في عام ٢٠٠٣م) وهذا هو المؤشر الأخطر لتركيا، حيث يعني ترسيم الحدود مع دولتين عضوتين في الاتحاد الأوروبي حفظ حقوق مصر وحقوق الدولتين في ثروات مياهها الإقليمية، وانعدام المنطقة الضبابية التي تستغلها تركيا وإسرائيل للتنقيب عن البترول، فضلا عن ضمان الاعتراف الدولي الفوري بهذا الترسيم للحدود البحرية.
(٤) تغير لغة الدول الثلاث إزاء الأزمة السورية، بالتأكيد على عملهم بالتنسيق مع المبعوث الدولي للأمم المتحدة "ستيفان دي مستورا"، والذي صرح "بان كي مون" أنه عينه بعد تشاور مع جميع الأطراف بما فيها السلطات السورية! وكذلك نائبه المصري "رمزي عز الدين" سفير مصر السابق في برلين. هذا التغير الذي تجاهل أذناب تركيا في الأزمة السورية، شكل تغييرا واضحا، يعكس إدراك دور تركيا في الأزمة السورية، ودافعها لهذا الدور وهو المياه الإقليمية السورية كشريك في ثروات الغاز شرق المتوسط.
(٥) تجاهل البيان الإشارة لإسرائيل كشريك في غاز شرق المتوسط، وأشار عوضا عن ذلك لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وفقا لقرارات الأمم المتحدة.

لم يكن إعلان القاهرة هو التحرك السياسي-الاقتصادي المصري الوحيد ضد "خليفة المجرمين" في تركيا، فقد سبقه بأسبوعين إعلان وزارة النقل عزمها عدم تجديد اتفاقية الرورو، التي تنتهي في مارس المقبل، والتي يتم وفقا لها شحن البضائع التركية إلى موانيء دمياط وبورسعيد، ومنها برا إلى ميناء السخنة، حيث يتم شحنها عبر البحر الأحمر لأسواق الخليج العربي، وبهذا تستفيد تركيا من تجنب رسوم المرور في قناة السويس!!

تصريحات قائد البحرية التركية بين التهوين والتهويل
صرح "آدم بستان-أوغلو" قائد البحرية التركية، في ٩ نوفمبر الجاري (اليوم التالي لإعلان القاهرة)، أنه "تسلم قواعد الاشتباك الجديدة في شرق المتوسط من القيادة العامة للقوات المسلحة، والتي فوضتها الحكومة التركية في التطبيق الفوري لقواعد الاشتباك المعدلة عند الحاجة لذلك، بعد تزايد الاحتقان مع الدول المعنية بالتنقيب عن الغاز والبترول في شرق المتوسط وهي مصر وقبرص اليونانية وإسرائيل". وقد تناول الإعلام عندنا - على لسان الخبراء الاستراتيجيين العظام - تلك التصريحات بتهوين شديد، حيث قال بعضهم أنه مجرد تصريح روتيني في حالة تعرض تركيا ومياهها الإقليمية للاعتداء!!! وهو ما يدل أن جناب الخبير لم يقرأ نص التصريحات قبل التعليق عليها! تلك التصريحات كانت ردا مباشرا على إعلان القاهرة، في حالة إعلان تحدي! حيث تضمنت تصريحاته أن قواعد الاشتباك المعدلة تتضمن "مواجهة أي قطع بحرية مصرية أو قبرصية أو إسرائيلية في مناطق التنقيب"، كما تتضمن حماية باخرة التنقيب "بارباروس خير الدين باشا" التي أشار إليها إعلان القاهرة بوصفها عملا غير مشروع في النطاق الاقتصادي لقبرص، كما أشار "بستان-أوغلو" أن البحرية التركية تراقب سفينة الشركة الإيطالية-الكورية، التي منحتها قبرص حق التنقيب، من مسافة تسعة كيلومترات، وأن التعليمات "حتى الآن" هي عدم الاقتراب منها أو التحرش بها مباشرة!

العدوان على البحرية المصرية أمام سواحل دمياط!
على بعد قرابة ٨٠ ميل بحري شمال دمياط يقع حقل "لافياثان" الذي تستخرج منه إسرائيل الغاز، كما يقع حقل "آفروديت" موضع النزاع بين قبرص وتركيا، وعلى مسافة أقرب تقع الحقول التي تستكشفها شركة شل مصر بتفويض من وزارة البترول والطاقة، وكذلك حقول تستكشفها شركات صينية- مصرية منذ ٢٠٠٥م. كل هذا في المنطقة شمال دمياط! لهذا فمن حيث التوقيت والموقع الذي ارتكبت به جريمة العدوان، وبغض النظر عمن قام بها بالوكالة عن غيره، فالمنطق يوجه أصابع الاتهام نحو تركيا أو إسرائيل، أو نحوهما معا! تركيا ذات العلاقات الاقتصادية والعسكرية المتميزة مع إسرائيل (بعيدا عن مسرحية مرمرة) تشكل حلفا مضادا للحلف الذي أعلنته مصر في قمة القاهرة. وهذه الجريمة حلقة من حلقات صراع طويل ومرير، والإرهاب في سيناء وفي سوريا هو بدوره حلقة من حلقات ذلك الصراع.

لو كان كلينتون قد صدق في شيء، فهو قوله "إنه الاقتصاد يا غبي" .. إنه الاقتصاد دائما.

والآن: ألا تستحق تلك المعركة المصيرية التي تستخدم فيها أذناب الإرهاب التكفيري، لإرهاق الجيوش العربية قبل أن يأتي وقت المعركة المباشرة مع الجيوش المعادية، ألا تستحق تلك المعركة كل الانتباه؟ أم نظل مشغولين بتسييس الفضائح الجنسية وحالات الاكتئاب والانتحار؟