الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

فن الأولوية - قراءة في المعلن ...



 

كتب الدكتور معمر نصار ..

 في حالة مصر - هناك مشاكل مركبة متداخلة تبدأ من كل مجال وتنتهي في كل مجال لكنها ليست ساقية بلا أول ولا أخر ولا يعي العاقل معالجتها , ذلك أن جماع الإشكالات المصرية كلها يمكن ردها إلي متغير أو سبب حاسم (السبب الوحيد مقولة غير علمية) إنه التبعية ..
 التبعية الاقتصادية والتذيل المعلن والمضمر لشبكة المصالح التي تصب الرباح في حسابات الشركات الكبري عبر تقييد خيار التصنيع الوطني وتوطين التكنولوجيا والقفز فوقه كخيار استراتيجي حتمي للخروج من نفق التخلف بكل أعراضه و تداخلاته,تتحدث المشاريع المطروحة والقائم العمل عليها فعليا عن حل مشكلة الطاقة والبحث عن بدائل أو ترشيد استهلاك المواطنين لتنتهي بالأخير إلي لوم المواطن علي كونه يستعمل الدفايات شتاء والتكييف صيفا , رغم أن الدولة تشجعه علي شراءها وتفتح الباب لعشرات الماركات الاحتكارية الأجنبية ويعمل فيها عشرات الرأسماليين المحليين ورغم أنها لا تراقب بناء المساكن ولا تتابع اشتراطاتها الصحية والتي يتسبب تجاوزها المزمن والدائم في افتقادها للتهوية الجيدة وتجبر من ثم سكانها علي اللجوء إلي الحل المطروح من قبل الوسطاء التابعين والذين بتبعيتهم تستتبع الدولة والمجتمع والمنطقة كلها للدوران في حلقة شريرة تغذي نفسها طول الوقت بتعاظم الاستهلاك وتولد العجز ثم البحث عن بديل يستهلكه التزايد الاستهلاكي وهكذا تطرد الحلقة الشريرة الأرباح إلي المراكز الرسمالية العالمية الكبيرة وتصب بعض مزاريبها في جيوب الرسمالية المحلية ذات الصلة ..

في التعليم يتم اقالة الوزراء ويؤتي بغيرهم , يتغير الساسة ولا تتغير السياسة .. إنه الثبات علي النهب المنتظم للثروة الوطنية بما يحرم قطاع التعليم من موارده وقطاع الاسكان من التخطيط للانتشار الافقي ومن ثم استحالة الخروج من الحلقة الشريرة ..
أطفال تولد كل عام مدارس لا تزيد عددا ولا كيفا ولا كوادراً لكنهم لا ينسون أن يشتروا بملايين الدولارات أجهزة حواسيب أصلية وبرامج تدعم الملياردير المحبوب صاحب مايكروسوفت , فيه حاسوب له ويندوز أحدث إصدار لكن شباك الفصل يفتقد لوح زجاج لا يزيد ثمنه علي عشرين جنيها قد يذبح بعض الأطفال لكن لا يهم ما دام بيل جيتس بخير وما دام الرجل سيتبرع بثروته علي خطة زمنية مقدارها خمسين الف سنة مما تعدون , ياله من كريم ويالكرم وكيله المحليي ...
هذا الوضع البائس يطرح الوسطاء حلولا لا حلا واحداً ويشخصون عشرات الأسباب دون أن يقولوا لنا إسهام كل منها فيما نحن فيه وكيف سيختلف حال المستشفي - على سبيل المثال - إذا رحل الوزير ولم يرحل صندوق النقد من حياتنا , إن ساقية التبعية هي ساقية فشل متعمد صرتها صندوق النقد وجرارها الرسمال المحلي التابع والخلاص منها ممكن والابقاء عليها مهلكة محققة ..
إستقلوا يرحمكم الله ..


الخميس، 13 نوفمبر 2014

معركة شرق المتوسط والعدوان على البحرية المصرية ..






كتب د/ ايــاد حـرفـوش ..



العدوان الذي تعرضت له قطعة بحرية مصرية مساء ١٢ نوفمبر (تشرين ثاني) على بعد أربعين ميلا بحريا من ميناء دمياط، لا يمكن أن يكون في توقيته، ولا في موقعه وتفاصيله مجرد جريمة إرهابية جديدة! وهو تطور نوعي يجعل المعركة الوجودية التي تخوضها مصر أوضح لبعض من عميت عيونهم عن حقيقتها! لعل من يزعمون أننا لا نخوض حربا حقيقية يعيدون النظر في زعمهم هذا! عدونا ليس مجرد عصابات تكفيرية، والمعركة أكبر من "مرسي" وشرعيته المزعومة.  

إعلان القاهرة: مصر واليونان وقبرص في المعركة
في ٨ نوفمبر (تشرين ثاني) الجاري أصدرت القمة الثلاثية بين الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، والرئيس القبرصي "نيكوس آنستازيادس"، ورئيس الوزراء اليوناني "آنتونيس ساماراس"، بيانا عرف بإعلان القاهرة، يؤطر التعاون بين الدول الثلاث في شرق المتوسط!  وهي خطوة بالغة الدقة والأهمية نظرا لما للأطراف من صراع مصالح مع تركيا، فقد كان نص الإعلان جريئا في عدة مواضع كان أهمها:
(١) التأكيد على "احترام سيادة جمهورية قبرص (أو قبرص اليونانية) على نطاقها الاقتصادي، ودعوة تركيا للتوقف الفوري عن أعمال المسح السيزمولوجي (التنقيب عن الغاز والبترول) في المياه الإقليمية القبرصية"، وخلفية هذا البند هو إرسال تركيا لسفينة مسح سيزمولوجي للمياه القبرصية، وكذلك بارجة حربية تركية تقف على بعد تسع أميال بحرية من سفينة تنقيب منحتها قبرص اليونانية حقوق التنقيب عن الغاز، حيث اعتبرت تركيا هذا التصرف حفاظا على حقوق القبارصة الأتراك (جمهورية شمال قبرص التركية)
(٢) الدعوة لإنهاء المشكلة القبرصية، وتوحيد الجزيرة وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وجدير بالذكر هنا أن جمهورية قبرص الجنوبية معترف بها دوليا في الأمم المتحدة، وتتبادل التمثيل الدبلوماسي مع كل دول العالم! بينما جمهورية شمال قبرص التركية  (المحتلة من قبل تركيا منذ ١٩٧٤م) غير معترف بها إلا من تركيا! هكذا ترتد "شرعية أردوجان" في نحره.
(٣) الإشارة لثروات الطاقة التقليدية في شرق المتوسط، والاستناد إلى مرجعية قانون البحار الدولي، وعزم الدول الثلاث على المضي قدما في ترسيم الحدود البحرية لها! (أو بمعنى أدق إكمال ما بدأته مصر مع قبرص من ترسيم الحدود في عام ٢٠٠٣م) وهذا هو المؤشر الأخطر لتركيا، حيث يعني ترسيم الحدود مع دولتين عضوتين في الاتحاد الأوروبي حفظ حقوق مصر وحقوق الدولتين في ثروات مياهها الإقليمية، وانعدام المنطقة الضبابية التي تستغلها تركيا وإسرائيل للتنقيب عن البترول، فضلا عن ضمان الاعتراف الدولي الفوري بهذا الترسيم للحدود البحرية.
(٤) تغير لغة الدول الثلاث إزاء الأزمة السورية، بالتأكيد على عملهم بالتنسيق مع المبعوث الدولي للأمم المتحدة "ستيفان دي مستورا"، والذي صرح "بان كي مون" أنه عينه بعد تشاور مع جميع الأطراف بما فيها السلطات السورية! وكذلك نائبه المصري "رمزي عز الدين" سفير مصر السابق في برلين. هذا التغير الذي تجاهل أذناب تركيا في الأزمة السورية، شكل تغييرا واضحا، يعكس إدراك دور تركيا في الأزمة السورية، ودافعها لهذا الدور وهو المياه الإقليمية السورية كشريك في ثروات الغاز شرق المتوسط.
(٥) تجاهل البيان الإشارة لإسرائيل كشريك في غاز شرق المتوسط، وأشار عوضا عن ذلك لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وفقا لقرارات الأمم المتحدة.

لم يكن إعلان القاهرة هو التحرك السياسي-الاقتصادي المصري الوحيد ضد "خليفة المجرمين" في تركيا، فقد سبقه بأسبوعين إعلان وزارة النقل عزمها عدم تجديد اتفاقية الرورو، التي تنتهي في مارس المقبل، والتي يتم وفقا لها شحن البضائع التركية إلى موانيء دمياط وبورسعيد، ومنها برا إلى ميناء السخنة، حيث يتم شحنها عبر البحر الأحمر لأسواق الخليج العربي، وبهذا تستفيد تركيا من تجنب رسوم المرور في قناة السويس!!

تصريحات قائد البحرية التركية بين التهوين والتهويل
صرح "آدم بستان-أوغلو" قائد البحرية التركية، في ٩ نوفمبر الجاري (اليوم التالي لإعلان القاهرة)، أنه "تسلم قواعد الاشتباك الجديدة في شرق المتوسط من القيادة العامة للقوات المسلحة، والتي فوضتها الحكومة التركية في التطبيق الفوري لقواعد الاشتباك المعدلة عند الحاجة لذلك، بعد تزايد الاحتقان مع الدول المعنية بالتنقيب عن الغاز والبترول في شرق المتوسط وهي مصر وقبرص اليونانية وإسرائيل". وقد تناول الإعلام عندنا - على لسان الخبراء الاستراتيجيين العظام - تلك التصريحات بتهوين شديد، حيث قال بعضهم أنه مجرد تصريح روتيني في حالة تعرض تركيا ومياهها الإقليمية للاعتداء!!! وهو ما يدل أن جناب الخبير لم يقرأ نص التصريحات قبل التعليق عليها! تلك التصريحات كانت ردا مباشرا على إعلان القاهرة، في حالة إعلان تحدي! حيث تضمنت تصريحاته أن قواعد الاشتباك المعدلة تتضمن "مواجهة أي قطع بحرية مصرية أو قبرصية أو إسرائيلية في مناطق التنقيب"، كما تتضمن حماية باخرة التنقيب "بارباروس خير الدين باشا" التي أشار إليها إعلان القاهرة بوصفها عملا غير مشروع في النطاق الاقتصادي لقبرص، كما أشار "بستان-أوغلو" أن البحرية التركية تراقب سفينة الشركة الإيطالية-الكورية، التي منحتها قبرص حق التنقيب، من مسافة تسعة كيلومترات، وأن التعليمات "حتى الآن" هي عدم الاقتراب منها أو التحرش بها مباشرة!

العدوان على البحرية المصرية أمام سواحل دمياط!
على بعد قرابة ٨٠ ميل بحري شمال دمياط يقع حقل "لافياثان" الذي تستخرج منه إسرائيل الغاز، كما يقع حقل "آفروديت" موضع النزاع بين قبرص وتركيا، وعلى مسافة أقرب تقع الحقول التي تستكشفها شركة شل مصر بتفويض من وزارة البترول والطاقة، وكذلك حقول تستكشفها شركات صينية- مصرية منذ ٢٠٠٥م. كل هذا في المنطقة شمال دمياط! لهذا فمن حيث التوقيت والموقع الذي ارتكبت به جريمة العدوان، وبغض النظر عمن قام بها بالوكالة عن غيره، فالمنطق يوجه أصابع الاتهام نحو تركيا أو إسرائيل، أو نحوهما معا! تركيا ذات العلاقات الاقتصادية والعسكرية المتميزة مع إسرائيل (بعيدا عن مسرحية مرمرة) تشكل حلفا مضادا للحلف الذي أعلنته مصر في قمة القاهرة. وهذه الجريمة حلقة من حلقات صراع طويل ومرير، والإرهاب في سيناء وفي سوريا هو بدوره حلقة من حلقات ذلك الصراع.

لو كان كلينتون قد صدق في شيء، فهو قوله "إنه الاقتصاد يا غبي" .. إنه الاقتصاد دائما.

والآن: ألا تستحق تلك المعركة المصيرية التي تستخدم فيها أذناب الإرهاب التكفيري، لإرهاق الجيوش العربية قبل أن يأتي وقت المعركة المباشرة مع الجيوش المعادية، ألا تستحق تلك المعركة كل الانتباه؟ أم نظل مشغولين بتسييس الفضائح الجنسية وحالات الاكتئاب والانتحار؟        

السبت، 8 نوفمبر 2014

حسن طلبة ..


هذة محاولة للتأريخ , أكثر منها عمل أدبى .....

وليد سامى واصل



السادس من أكتوبر 1987 ...

ولد محمود خالد لأسرة متوسطة الحال , كان الأب يشتغل بالأعمال الحرة لكنه لم يحظ بفرصة الترقى لطبقة رجال الأعمال حيث أنتهت هوجة الأنفتاح ولم يتبق من يناصيب البلد الكثير , وكانت أرباح الدكانه تكفى لتوفير حياة كريمة لأسرة السيد خالد ولطفله الأول ..
أهتمت الأسرة بمحمود اهتماماً كبيراً كعادة الأسر المصرية مع الطفل الأول خاصة لو كان ولداً , فهو وريث العرش – أى عرش – حتى لو كان مجرد كرسى الدكانه الخشبى .
لكن من حسن حظ محمود أن والده كان يسكن فى بيت جده الذى كان عاملاً فى شركة حكومية للغزل والنسيج , والبيت هو شقة فى مساكن العمال حيث الأيجارات منخفضة ويستطيع أبناء العاملين أن يعيشوا فى نفس المنزل دون أن يكون لهم حق التملك ..
المهم أن المدينة كانت رائعة , فهى تحتفظ بروح الستينات حيث المصنع مازال يعمل والشوارع منظمة والأسفلت فى حالة جيدة وهو حلم صعب المنال أصلا للمناطق العشوائية المجاورة , ثم هناك السور الكبير المحيط بالمدينة والذى سيكون له أبلغ الأثر فى شخصية محمود , من هنا تبدو الاجواء رائعة لمستقبل مشرق لمحمود ولكل أقرانه من أطفال المدينة ولكل أبناء هذا الجيل من المصريين , فمصر الأن تخطو بثبات نحو مستقبل أكثر تفاؤلاً بعد أن انتهت الحروب , هذا الجيل المحسود أبداً لأنه من سيجنى عوائد السلام والاستقرار والتنمية ...

الرئيس مبارك يبدأ مسيرة الأصلاح الأقتصادى 1991 ....


كان محمود طالباً مميزاً فى المرحلة الأبتدائية فى مدرسة المصنع الحكومية , حيث كان الأول فى تحصيل الدرجات بالاضافة لكونه رئيس الفصل فى مدة الخمس سنوات , وذلك بالأنتخاب الحر المباشر وبقليل من السندوتشات أيضا حيث لم تكن المنافس - زينب رئيسة البنات - تستطيع الفوز , كان عدد الصبيان أكثر دائما وحتى كارهى محمود لم يكونوا ليتقبلوا فكرة أن تكون رئيسة الفصل فتاة ..
أما فى المدينة فكان مميزاً أيضا لكن بطريقة مختلفة , فهو كثير اللعب مع أصدقائه لكنه يفضل الوحدة والعزلة أحياناً ولديه تلك الرؤى الغريبة التى يعجز عن تفسيرها , بعد فترة تصور أنها ربما رسائل من الله , وتسائل فى نفسه لما لا يكون نبياً ؟! لا ليقود تمرداً اجتماعيا ضد سلطة ما ولكن لكونه يشعر بتميز وأختلاف , هذة الانعزالية تسببت فى مشاعر كراهية واضحة من الكثيرين من أبناء المدينة وابناء الجيران , لكن هو لم يكن ليهتم وفى النهاية جمعت كرة القدم الجميع وتناسوا الخلافات لما صاروا فى المرحلة الاعدادية , كانت الصداقة أقوى بكثير ..

فى تلك الفترة كان الأطفال يلعبون ألعاباً مختلفة ( السبع بلطات – عسكر وحرامية – بياع الفول – استغمايه ) وكانوا أيضا يقامرون بالبلى والأساتك , لكن كانت كرة القدم لعبة الجميع المفضلة وكان محمود يجيد اللعب وكون مع ابناء الشارع فريق خاص كان يمثل الشارع فى المباريات التنافسية بالمدينة وخارجها امام الفرق الأخرى , بالاضافة لمشاهدة الاكبر سناً وهم يلعبون أمام الساحة الواسعة عند الجامع الكبير , وكان هناك بالطبع حسن طلبة ذلك الشاب الوسيم الذى ينتظره الجميع ليشاهدوا مهاراته فى كره القدم , كان محمود يتطلع الى حسن كنموذج للنجاح فهو يمثل كل ما يحمله محمود من أحلام وطموحات ..
كرة القدم وحلم أحتراف اللعبة , والشهرة والمكانة التى يتمتع بها حسن فى المدينة بسبب مهاراته بالاضافه لأنه كبير وكل أبناء هذا الجيل استعجلوا العمر ليصيروا كباراً أيضا حيث الاحترام والتقدير من الجميع , ثم المستقبل وتحقيق الذات ..

حسن طلبة رائع , حتى اذا لم يحترف كرة القدم فسيحظى بوظيفة مهمة وسيتزوج ليكمل نصف دينه وفى كل الاحوال فهذا نموذج يحتذى به , الحياة مازالت رائعة لمحمود ولكل أقرانه والمستقبل يحمل الخير , يقول محمود فى نفسه " هناك نموذج فأنظروا جميعا الى حسن طلبة انه بطلنا الحقيقى بعد كابتن ماجد بالطبع " ..

الرئيس مبارك يدشن العمل فى مشروع توشكى لاستصلاح 540 ألف فدان 9 يناير 1997

لم ينس محمود أبداً تلك الرؤى التى مازالت تصاحبه دائما , فى عيد ميلاده العاشر فكر فى أن توافق ذكرى ميلاده مع يوم أنتصار أكتوبر لم يكن بالمصادفة بل كان رسالة ما , ربما لديه مهمة مقدسة كأن يقود الجيش المصرى لمواجهة الشر فى العالم ..
كان لديه يقين أن الجيش المصرى هو أقوى جيش بالعالم حتى أنه سأل خاله مصطفى - الذى يفخر بخدمته فى الجيش بسلاح الأشارة - عن امكانية تدخل الجيش لضرب صربيا التى تقتل المسلمين فى اقليم كوسوفو , اجابه خاله أنه أمر صعب لأن طائراتنا لا يمكن أن تعبر تلك المسافة لكن ظل محمود يفكر فى امكانية حدوث ذلك , اذا كنا هزمنا اسرائيل فنحن قادرين على هزيمة أمريكا فكيف لا نستطيع أن ننقذ المسلمين من هؤلاء الصرب !!
على كل حال كان شعور السعادة بالانتصار طاغياً , أنتظر محمود فى تمام الساعة الثانية ظهراً بدأ الحرب مرة أخرى وتجدد الانتصار دائماً وفى المساء جلس مع أسرته ليسمع حكايات جديدة عن حرب اكتوبر , حكت الوالدة عن عبد العاطى صائد الدبابات – قيل أنه دمر 25 دبابة اسرائيلية – لقد كان شجاعاً حقا , وعلى الفور كانت الرؤى تضع محمود فى ميدان الحرب ليحل محل عبد العاطى ويحطم رقمه فى تدمير الدبابات الاسرائيلية بل وربما هزيمة الجيش الصهيونى بأكلمه ..
لكن الوالد لم يكن بخير , سأله محمود عن سبب عبوس وجهه فقال له الوالد " انه غلاء المعيشة يا بنى " فالحياة صارت صعبة ونحن بالكاد نعيش حياتنا يوماً بيوم وأختك الصغيرة فى المدرسة الأن ولا أعرف ما الذى يخبئه لنا المستقبل ..
لم يفهم محمود حالة الوالد وسبب تعاسته , قالوا له فى المدرسة أن مشروع توشكى سوف يحل أزمة الجميع والأمور تسير فى المشروع على ما يرام , ثم خطر بباله سؤال عجيب " متى ولدت أختى على أى حال ؟! " ..

تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات يؤكد زراعة 13 ألفًا و200 فدان، من إجمالي 540 ألف فدان أى بنسبة 4.2% فى مشروع توشكى , 1998 ..


حلف الشمال الأطلسي (الناتو) يشن هجوماً على صربيا والجبل الأسود لوقف الحرب في كوسوفو 1999 .

لماذا يبدو كل شىء مختلفاً فجأة ! تبدو جودة الصورة فى برامج التلفزيون مختلفة تماما فهى أكثر وضوحاً ونقاءاً , والمصريون أيضا باتت ألوان وجوههم باهتة أكثر ..
مرحلة المراهقة كانت صعبة على الجميع , كان محمود يعانى بشدة فهناك شيئا ما يتغير فيه هو أيضا ولكن أكثر ما كان يرعبه أن يفقد تلك الرؤى السحرية , كيف سيعيش دون أن يكون مميزاً ! ولاسباب عديدة كان محمود يصب لعناته على الجميع الا الرئيس مبارك وحسن طلبة فهما مصدر الأمل الوحيد , لكن كان هناك عبد الناصر أيضا ويبدو صوته أكثر صدقاً لكن محمود لم يهتم فالأمور الخاصة بعبد الناصر أغلبها مزعج وتكفى الهزيمة ليغلق باب النقاش بنتيجة واحدة فى كل المرات , انه رجل فاشل وتسبب فى هزيمتنا ..
لكن أين حسن طلبة ؟ سأل محمود أحد أصدقائه فأخبره أن حسن سافر الى السعودية وسيتزوج عند عودته بالتأكيد ..
فكر محمود فى انه طالما كان حسن طلبه بخير فان احلامه بخير أيضا , لكن كان يشعر هو أيضا بالأختلاف فحتى كرة القدم صارت لعبة خوف , الخوف من الخسارة ومن السقوط أرضا على الأسفلت فأثر السقوط الأن أكثر ضرراً .
تعددت مشاكل محمود فهو فى صدام مع أبيه دائما , ويكره الجنس الأخر بشدة لأنهم أصل كل الشرور كما سمع من رجال الدين ولا تجوز الصداقة بين الولد والبنت حتى انه تنكر لزينب المنافس اللدود وصديقة الطفولة أيام المدرسة الأبتدائية لما قابلها صدفة , أنكرها تماما وأختبىء خلف أسوار ضعفه الذى يبرره بتعاليم الدين ..
فقد محمود كثيراً من تميزه , لكنه مر من المرحلة الثانوية على كل حال بمجموع يؤهله لكلية التربية حيث التحق بقسم اللغة الأنجليزية وقدر أنه سيتخرج ليصبح مدرساً بالتربية والتعليم .

 بدء ضخ المياه في ترعة الشيخ زايد، وهي القناة الرئيسية لمشروع توشكى 2003 .

مرت سنوات الكلية سريعاً , لم يكن فيها من الاحداث ذا أهمية الا قصة حب فاشلة فى السنة الأخيرة , كان مشغولاً فى رؤاه السحرية التى احتفظ بها بطريقة ما لكن كانت تتسلل الى وعيه الغائب دائماً بعض صور من الواقع لدرجة أنه تسائل مرة عن سر الأتربة فى مصر حيث تبدو البلد بأكملها وكأنها غارقة فى بحر من التراب ..
فى مره قال أحد كبار السن أن التراب مرتبط بتحلل جثث من يموتوا , وظل محمود يفكر فيمن يا ترى يقتل كل هذا العدد من المصريين ! لأن التراب كثير وصار ظاهرة تؤرقه حيث أنه أصيب بحساسية فى الأنف , فهو يعانى من التراب ويعانى من السؤال أيضا ..
لم يهتم محمود بالسياسة بشكل مباشر , فقط تعاطف كما كل المصريين مع الأحداث فى فلسطين والعراق ويذكر انه فرح مع صديقه عبد الله لما شاهدوا انهيار أبراج التجارة العالمية فى الولايات المتحدة مباشرة على شاشات التلفزيون ..
بعد التخرج أكتشف محمود أن وزارة التربية والتعليم أوقفت التعيينات منذ 2001 وأنه سينضم لطابور العاطلين , وفشلت محاولاته للسفر خارج البلاد - كما فعل حسن طلبة - فدخل فى حالة اكتئاب طويلة لم تتوقف الا عندما بدأت زيارات عبد الناصر له فى المنام ..
فجأة صار محمود مهتماً بالسياسة وأصبح من معارضى نظام مبارك , وكانت الأوضاع فى مصر تدفع باتجاه غضب شعبى غير مسبوق ..

اتهم عدد من نواب المعارضة في مجلس الشعب الحكومة بإهدار المال العام، وإنفاق المليارات علي المشروع دون عائد، مؤكدين أن المساحة المزروعة لم تتجاوز 4 آلاف فدان من إجمالي 540 ألف فدان بتكلفة 7 مليارات جنيه تم صرفها بمعدل مليون و750 ألف جنيه  للفدان الواحد بينما صرح محمود أبو زيد وزير الموارد المائية والري بإنه تم الإنتهاء من 85% من المشروع , ابريل 2006 .

صرح محمد نصر الدين علام وزير الموارد المائية والري، إنه تم انجاز 96% من مشروع توشكى، بإستثمارات بلغت 7 مليارات جنيه , أكتوبر 2010 .

( الاستقلال الوطنى – التنمية المستقلة – الأشتراكية – التجربة الناصرية – العلمانية – الصراع الطبقى – التقدمية والمساواة بين الرجل والمرأة فى ظل مجتمع عامل ومنتج )
مفاهيم وتصورات جديدة فى حياة محمود , تطورت شخصيته كثيراً وزادت معرفته من خلال مداومة الأطلاع على الكتب المتنوعة ما جعله فى طليعة المشاركين فى الدعوة لمظاهرات احتجاجية ضد نظام مبارك فى الخامس والعشرين من يناير عام 2011 , وبعد توتر الاوضاع فى الشارع كان يوم الجمعة 28 يناير يوماً لن ينس فى تاريخ مصر ولا من ذاكرة محمود بالطبع ففى كل هذة الفوضى قابل حسن طلبة بالصدفة فى محطة الرمل بالأسكندرية حيث كانت المواجهات على أشدها بين المتظاهرين وقوات الشرطة , لكن حسن طلبة تغير كثيراً وصار أكثر نحافة ويبدو بائساً للغاية لكن الجميع يهتف بالثورة فأى ما كان قد حدث لطلبة فقد قامت الثورة لتغير كل شىء ..
انتهت هوجة الجماهير وبدأ الصراع على السلطة لكن كان الأسلاميون الأوفر حظاً , وبدأت فى نفس الفترة الرحلات المكوكية لحسن طلبة مشياً على الأقدام حول المدينة بلا هدف واضح , لم يلاحظ محمود هذا الأمر الا بعد فترة حيث شاهد حسن فى أكثر من مكان يمشى ولا يبدو أنه يتوقف بأى حال ..
على كل الظروف كلها تعيسه , فبعد عام أنتخب ممثل الاخوان المسلمين رئيسا للجمهورية وكان محمود يرى أن انتفاضه الجماهير سرقت وأن الثورة لم تكن ترتب أمورها جيداً لينتهى بها الحال الى وصول تيار رجعى الى رئاسة الجمهورية بالاضافة لأغلبية فى البرلمان ..
الأمور ليست جيدة والازمات الاقتصادية مستمرة وأحوال المواطن المصرى فى تدهور , لكن تدهور أحوال حسن طلبة بالذات كانت الأعظم أثراً على محمود .
لم يتحدث محمود الى حسن طلبة بشكل مباشر منذ سنوات طويلة , لكن بالصدفة وفى وقت أزمة البنزين , رفع سائقى سيارات الميكروباص الأجرة فقرر محمود أن يذهب الى وسط المدينة سيراً على الأقدام وكانت تلك الفرصة الوحيدة ليتسنى له أن يقابل حسن طلبه فى الطريق ..
حكى حسن عن تجربته , قال انه أصيب بمرض غامض ولم يجد له علاج بل ربما فشل الأطباء فى تشخيص الحالة بالأساس وعليه فقد كثيراً من وزنه وضاع مستقبله وهو يعيش الأن فى بيت أمه بلا أمل , ثم استمر يلعن فى الأخوان وغيرهم من القوى السياسية ..
أفترق الأثنان , ومحمود يشعر بخيبة أمل كبيرة وصار حسن طلبة رمزاً للتشاؤم والفشل حتى ان محمود تجنب الالتقاء به مره أخرى , صار طلبة مصدر خوف لمحمود كما كرة القدم التى لم يعد يهتم حتى بمشاهدتها .
لكن كان محمود يفكر فى كلمات حسن طلبة الذى أخبره أن شيئا لن يتغير فى مصر , وفكر أن حسن وحالته النفسيه جعلته يعطى ظهره للحياة ويستمر فى رحلاته العبثية مشياً على الأقدام وأنه ربما كان ضعيفاً هكذا طوال الوقت لكن محمود نفسه من حوله لأسطورة ..

النائب العام يتحفظ على أراض تابعة لشركة المملكة للتنمية الزراعية التي يرأسها رجل الأعمال الوليد بن طلال بمنطقة توشكى بعدما تبين أن عملية البيع تمت بالمخالفة للقانون , 11 أبريل 2011 .



 توقيع اتفاقية جديدة بين وزارة الزراعة وشركة المملكة للتنمية الزراعية بعد إلغاء العقد القديم , 7 يونيو 2011 .


شارك محمود بقوة فى معارضة حكم جماعة الأخوان المسلمين , كان يرى أستحالة التغيير بوجود تيار رجعى فى السلطة وان كان البديل غير معروف لكن كان لابد من المشاركة فى الدعوات التى انطلقت للاطاحة بنظام الاخوان ..
كانت حركة الجماهير غير مسبوقة , وتحرك الجيش للاطاحة بنظام الأخوان حيث تلاقت المصالح الوطنية للجيش - فى حدود معينة – مع الشعب صاحب المصلحة الأولى فى مجتمع متقدم ودولة مستقلة وحياة كريمة , وجد محمود نفسه بين الجماهير ويتذكر فرحة الانتصار فى اكتوبر فحركة الجماهير الكبيرة كانت بمثابة أنتصار جديد خاصة أن أغانى انتصارات أكتوبر كانت تملىء الأجواء كرمزية للاطار الوطنى ضد جماعة تتبنى أيديولوجية دينية , لكن محمود هذة المرة كان أكثر موضوعية فى رصد التطورات السياسية ولم يذهب بأماله بعيداً لكنه شعر بسعادة لأول مرة منذ سنوات , وترك فرصة لأمنياته ليتخيل مستقبل أكثر اشراقاً للجميع كما كان يحلم فى الماضى ابان الطفولة ..
فى السادس من أكتوبر عام 2014 تتقاطع مسارات محمود مع حسن طلبة مرة أخرى , لم يتوقف حسن هذة المره وأستمر فى طريقه لتدخل رحلاته العجيبه عامها الرابع ..
توقف محمود هذة المرة وأخذ ينظر الى حسن وهو يبتعد وتخيل صورة شخصية حنظله التى أبتكرها ناجى العلى , لكن حسن طلبة فى هذا المشهد ليس فقط أدار ظهره للحياة بل استمر فى المشى مبتعداً وبدأ محمود يتحدث عن متلازمة حسن طلبة أو أزمة الثورة الوطنية المصرية المتعثرة منذ 1882 ...  

إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء يزور مشروع توشكى للتعرف على المشاكل التي تواجهه، وذلك بعد قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء فورا في استكماله , يوليو 2014 .