الثلاثاء، 29 أبريل 2014

نــــــــــــظـــــريــــة الــــمـــؤامــــــرة




مش بس عنوان فيلم لميل جيبسون , ده بقى اسلوب حياة اليومين دول خاصة فى مصر وبعد كم المؤامرات اللى بتحصل على تفاصيل صغيرة أوى وتافهة أوى حاولت ادور ورا الموضوع وأجيب اصله وفى نفس الوقت دخلت بشكل شخصى فى
تجربة اجتماعية حولين المسألة ..
فى البداية يبدو انه سلسلة فيديوهات نشرت فى موقع اليوتيوب ورا حالة الهوس بنظرية المؤامرة والماسونية وغيره , والفيديوهات موجودة على يوتيوب وهى بتتكلم فى اطار صراع دينى " صراع الحضارات " , ممكن أى حد يشوف الفيديوهات وهيعرف ليه احمد سبايدر وأبو العرايس بيفكروا بالشكل ده الفيديوهات اسمها سلسلة القادمون , الخلاصة انه دايما فيه اجتماع سرى وناس بيجتمعوا فى الخفاء وبيتأمروا لانهم مليانين شر بشكل طبيعى , بيتأمروا على بلد أو على دين أو على اشخاص , المهم انهم لازم يتأمروا لأن دى شغلتهم الشريرة , ومع المؤامرة بيكون فيه رسايل وشفرات طبعا لانهم اذكياء جدا لكن فى نفس الوقت عشان يخلقوا البطل الذكى اللى هيقدر يفك شفراتهم وينقذ العالم والبطل ده دايما واحد او اتنين او الف , المهم ان الابطال دول مش كتير وبيشتغلوا بشكل فردى , بيحاولوا ينوروا الناس وينصحوهم , مرات بيشعروا بنفس معاناة الأنبياء والرسل مع أقوامهم , تخيلوا شعور الشخص الذكى اللى اكتشف المؤامرة بيبقى عامل ازاى لما انت تستهر بكلامه او متصدقوش !
المهم دخلت فى تجربة اجتماعية بحيث بقيت انظر لكل شىء حوليا بمنطق نظرية المؤامرة , مثلا لما فى يوم ما محدش يرد عليا ف التليفون ؟! يبقى فيه مؤامرة والشخص ده اكيد تحالف مع خصمى عشان يتفقوا عليا , أكيد خصمى قاله حاجة وخلاه ياخد منى موقف !
مشيت فى الشارع حد سألنى الساعة كام ! استغربت ! محدش بيسأل عن الساعة دلوقتى وكل الناس معاها موبيلات ! اشمعنا سألنى أنا !! يبقى أكيد كان عايز يسرقنى !
رحت اخلص ورق من قسم الشرطة فالراجل أخر الورق شوية , كنت بعمل فيش وتشبيه واكيد مش عندى سجل جرائم , الراجل قالى استنى ربع ساعة ! ووجهلى نظرات غريبة ! الراجل ده أكيد تبع أمن الدولة ! أكيد الأمن بيراقبنى , أنا لازم أخد بالى من كل حركة بعملها !! فيه قلق فى كل حركة وفى كل نظرة عين , الناس دول كلهم مش حقيقين ! كلهم جزأ من مؤامرة , كل الناس بتراقبنى !!!!
الحياة اصبحت مزعجة جدا , فحاولت ارصد الحالة المجنونة اللى انا عايشها , وأكلم ناس تانية " التبليغ أو التبشير " لانه اكيد فيه ناس تانية بتتعرض لمؤامرة , ناس شبهى , مختلفين لو اعتبرت انى مختلف , وانا مختلف لانى متراقب وفيه مؤامرة ضدى , فعلا لقيت مجموعة من الناس بتشاركنى نفس التفكير ..
( فيه مؤامرة على الحزب لان الحزب التانى عايز يستقطب العناصر بتاعتنا , بل ان فيه مجموعة بتشتغل مع الامن ! معقولة الكلام ده ؟!!!!
ايوة كلهم بيشتغلوا مع الأمن او منظمات أجنبيه , وبيسجلوا لقاءاتنا !
طيب وفلان ازاى عرفت انه تبع الأمن !! " شوفته من كام يوم فى مظاهرة وراح اتكلم مع الظابط فى ودنه ! " كلهم خونة وكل الحركات السياسية مدسوس فيها عملاء !
ايوة بس العميل ده لازم يبقى له مواصفات وبياخد مميزات , فلان ده غلبان تفتكر ازاى يبقى عميل ! " هو عميل وبياخد فلوس حتى اسأل فلان . "
يا فلان انت شوفت فلان بياخد فلوس ! " اه بياخد فلوس وانا شوفته ! "
يا فلان ياللى فلان وفلان بيقولوا انك بتاخد فلوس ايه رأيك فى الكلام ده !
" اسمع يا صديقى العيال دى بتشتغل مع الامن وبيتأمروا على الحزب بتاعنا وبياخدوا فلوس ! "
كل الناس بتاخد فلوس ! اشمعنا انا مش باخد فلوس الا من أمى ! ممكن تكون أمى نفسها بتقبض من المخابرات الأمريكية ! اليومين اللى فاتوا اشترت لنا من فتح الله فراخ بانيه وبطاطس نص مقلية وكأننا عايشين عيشة برجوازية !
اكيد أمى كمان عميلة ! ثوانى!!!
انا افتكرت ايام ثانوى لما كنت سلفى لمدة اقل من شهر , كنت فاكر ان كل الناس كفار ومقصرين فى دينهم , نفس الاحساس بس الاتهامات مختلفة !
المهم ان فيه مؤامرة , لازم أخد بالى ...

بهدوء كده عشان العك ده نشوفله حل بالراحة , هل نظرية المؤامرة شىء منطقى بالشكل المعروض ؟!
الجواب لا بالطبع , لان فى الحالة دى ورغم ان العقل بيبقى نشط جدا الا انه مش بيقوم بعمليات تفكير منطقية أبدا , هو فقط بيبقى حذر زى مثلا لما بتبقى حذر وانا بتتعامل مع براد الشاى السخن وخايف يلسعك , مجرد حالة استنفار ممكن أى كائن حى بيشعر بالخطر يقوم بيها وياخد اجراءات دفاعية , وعليه فاحنا قدام حالة اضطراب نفسى كاملة مش حالة تفكير بأى حال .
طيب هل نظرية المؤامرة مرفوضه تماما ؟
بالطبع لأ هناك ما يمكن ان نسميه مؤامرة وده أمر طبيعى لكن يمكن المصطلح نفسه خد ابعاد مختلفة وغريبة , بمعنى انه من خلال تناقض المصالح وتعارضها بيحصل انه المجموعات صاحبة المصالح المتعارضة بتقف لبعضها موقف الخصومة والعداء وعليه بيحصل صراع بيوصل لقمته فى شكل حرب بين الأمم والشعوب , تحت راية معينة فى الغالب بتخفى حقيقة الصراع لانه بحكم المنطق والمصالح فان اغلب سكان العالم مصلحتهم واحدة فى حياة سعيدة أمنة وفى مستوى معيشة يحقق الرفاهية للجميع وفرص متساوية للجميع وعلاج للجميع وتعليم للجميع واطلاق للمواهب البشرية فى اطار الخير وفى اطار العلم اللى بيبنى مش العلم اللى بيصنع قنابل نووية .
وبالتالى بنرجع للعناصر الخاصة المكونة لنظرية المؤامرة المعروفة , بمعنى لما نجاوب على اسئلة خاصة بنوعية البشر المتأمرين والاجتماع السرى بتاعهم نقدر نقول انه طبيعى يكون فيه اجتماع لكن مش بالضرورة يكون رد الفعل نتيجة لاجتماع , لان الاجتماع نفسه هو نتيجة لتعارض المصالح , الناس اللى اجتمعت فى دار الندوة فى مواجهة دعوة الرسول عملت كده مش بدافع الشر المطلق اللى جواها لانهم مش اشرار بالمعنى ده ولكن دفاعا عن مصالحهم المباشرة ومكانتهم وسيادة قريش , الخلاصة انهم كانوا بيدافعوا عن النظام اللى عرفوه واستفادوا منه وبالتالى دخلوا فى تناقض مع الثورى اللى جاى ياخد المجتمع لقفزة عظيمة الى الامام وكان عنده الجرأة على المغامرة والثقة فى تصوراته وامكان تحويلها لعمل حقيقى , وبالتالى فاجتماعات دار الندوة لو اعتبرناها اجتماعات مؤامرة بحكم انتصار الاسلام فهى كانت نتيجة لتعارض المصالح , وبالتالى الاجتماع فى حد ذاته مش هو القضية , ومن ناحية تانية هؤلاء الناس ليسوا اشرارا فى المطلق ولا اتباع الشيطان ولا غيره من التوصيفات الغريبة -- هنلاقى واحد من أشد اعداء الرسول فى قريش وهو سهيل بن عمرو بيكون بعد كده مجاهد فى سبيل الله وبيشارك فى فتح الشام -- من ناحية تانية مش بالضرورة يكونوا بيعملوا فى منظمات سرية , مش محتاج اشتغل فى منظمة سرية عشان ادافع عن مصلحتى , مش محتاج أكون ماسونى او عضو فى المافيا عشان أخد رد فعل طبيعى بالدفاع عن مصلحتى , وبالتالى مش محتاج أتوهم وجود منظمة سرية يرأسها عبد الله بن سبأ اللى تجسد الشيطان فى صورته عشان يتسبب فى الفتنه بين الصحابة مع تجاهل الاسباب الموضوعية اللى وضحها طه حسين فى كتابة الفتنه الكبرى بكل بساطة " ياريت الناس تقراه "..
لما ابقى غنى وتتفرض قوانين اشتراكية أكيد هقف بكل جهدى ضد النظام الاشتراكى واحاول اسقاطه وممكن اتحالف مع دول أجنبيه كمان ! انا هعتبر نفسى ضحية والنظام هيعتبرنى متأمر وخاين !
لما تجتمع دول العدوان الثلاثى فى باريس وتجهز خطة لضرب مصر , ما ده أمر طبيعى لان مصالح الامبراطوريتين دخلوا فى تعارض مع مصالح مصر بالاضافه لاسرائيل اللى اعتبرت وجود جيش مصرى على حدودها خطر على وجودها نفسه , وما كان التحايل او سرية الاجتماع الا لان الحرب بتمثل مصالح الامبراطورية , والامبراطورية نشأت بالقوة والسلب والنهب لكن كانوا بيقولوا للمواطنين بتوعهم انهم رايحين يحرروا شعوب العالم زى ما امريكا دلوقتى بتنشر الديمقراطية ..
المهم ان الاجتماع هو نتيجة لتناقض المصالح وبالتالى رد الفعل اللى هيصدر عنه أمر طبيعى وبيحسب لتناقض المصالح مش للاجتماع نفسه , ثانيا الأشخاص فى حد ذاتهم اللى تصادف وجودهم فى الظرف الزمنى ده تأثيرهم مش بيكون جوهرى ولا هم أشرار بالفطرة , هم بيتفاعلوا مع التناقضات وصحيح العامل الذاتى له تأثير لكنه مرتبط بالتكتيك اكتر منه بتغير مجرى الصراع , لانه لا أحد بشكل فردى يملك تغيير مجرى الصراع الاجتماعى فى التاريخ , ده محتاج حركة شعوب بأكملها وتراكم خبرات على مدار سنوات , ونشوف أوربا خدت قد ايه عشان تخرج من عصر الاقطاع لعصر البرجوازية الصناعية ..
لما كنت صغير وبعرف الأخوان المسلمين كانوا بيكلمونا عن المؤامرة " الصهيوامريكية صليبية ماسونية " , ضد الاسلام والمسلمين فى المطلق كده كأن أمريكا مش بتحارب روسيا ولا ضربت فيتنام ولا قارفه الصين فى عيشتها ..
المهم يقولك ان القائد الفرنسى راح لقبر صلاح الدين وقاله ها قد عدنا ! على اساس ان مجموعات من " فرسان المعبد " هربت بعد تحرير القدس وراحت واستنت كل السنين دى لغاية لما رجع الاستعمار الحديث يحتل المنطقة ! والكل هنا بيتجاهل حركة التاريخ والتطورات اللى حدثت فى أوربا لكن يهمنى سؤال انا كمواطن أوربى وقتها ايه هو تصورى لحركة الجهاد الاسلامى اللى وصلت لاسبانيا وهددت أوربا , وبعدها التوسع العثمانى وصولا للقسطنطينية ! بلاش اقول ايه عن مظاهرات الاخوان المسلمين لما كانوا فى السلطة وهم بيدعوا للعودة للاندلس !
لحظة ! دى مؤامرة من المسلمين للسيطرة على العالم , وده يؤكده علم تنظيم القاعدة اللى بيحط لا اله الا الله على الكوكب كله ! المسلمين عايزين يسيطروا على العالم !! ..

بعيداً عن نظرية بينكى وبراين , العالم الأن أمامه عدو واحد وهو الشركات الاحتكارية والليبرالية الجديدة والادوات اللى بتملكها لتزييف حقيقة الصراع الطبقى , والناس دى مش محتاجة تستخبى ولا تنضم لمنظمات سرية ولا محتاجين يكونوا قرايب ولا تربطهم رابطة الدم والنسب , فقط المصالح ولو شوفنا الشركات متعددة الجنسيات هنلاقى من اسمها مليانه مسلمين وعرب وصهاينة وامريكان ومن كل حدب وصوب , لو المسألة بالسهولة دى يبقى لينين يعتبر نبى لما كتب " الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية " لكن ده مش محتاج نبوة , وانما منهج علمى وتفكير علمى ..
عايز تعرف فين العدو وفين الصديق وازاى تقدر تاخد موقف حتى فيما يخص الأوضاع فى مصر والمنطقة دور ورا المصالح وشوف مصلحتك فين وهتلاقيها مرتبطة بالطبقة اللى انت بتنتمى اليها والطبقة دى لا ليها لون ولا دين ولا جنس مختلف , دى طبقة عالمية من المقهورين , لكن مش هنقدر نفهم بشكل كويس
الا من خلال فهم قانون التناقض فى مقال لماو سى تونغ " أتمنى الناس تقراه "..

وليد سامى واصل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.