بعد تنحى مبارك فى الحادى عشر من فبراير عام 2011 وفى ظل سلطة المجلس
العسكرى انتشر شعار يسقط حكم العسكر بين الاوساط السياسية وتم ترويجه
شعبياً برعاية الأخوان المسلمين الذين طمحوا للاستيلاء على السلطة كاملة
وازاحة الجيش من المشهد السياسى , ولكن المصطلح يبدو ليبرالياً بامتياز ,
فكيف خدعنا الوهم الليبرالى عن ما يسمى المجتمع المدنى وفرضية ان دور الجيش
فى الحراك الاجتماعى هو أمر دخيل وشاذ لا تعرفه الدول الديمقراطية الحديثة
؟ ..
منذ أن ظهرت المجتمعات الطبقية فى التاريخ , كان وجود الدولة
وأدواتها القمعية شرطاً لاستمرار أى نظام طبقى , فكان الجيش النواه الصلبة
لكل الدول التى شهدها التاريخ فى مراحل تطورها المختلفة وصولا الى الدولة
الحديثة التى ارتبطت بالثورة الصناعية والتكنولوجية .
فى العصر العبودى
والاقطاعى استخدمت الجيوش كأدوات قمع مباشر للطبقات المحكومة من قبل الطبقة
المسيطرة , ومع صعود البرجوازية فى مواجهة الأقطاع كان الجيش نفسه فى قلب
التحول الأجتماعى باعتباره مصدراً للتكنولوجية العسكرية التى قضت على
الفرسان والقلاع المحصنه وامتلكت المدافع والبارود واسست لتشكيلة اجتماعية -
اقتصادية جديدة تسيطر عليها البرجوازية الأوربية ..
هنا يبدو الدور
الوظيفى للجيش بشكل عام باعتباره أداة للقمع تستخدمه الطبقة المسيطرة لفرض
مصالحها بالقوة المباشرة على الطبقات المحكومة " العصر العبودى والأقطاعى "
, ولكن مع صعود البرجوازية واتساع نطاق السيطرة الاقتصادية والتطور
التكنولوجى الهائل , كانت البرجوازية تخشى من الثورة عليها من القوى
الاجتماعية المنظمة التى تتعارض مع مصالحها وهى العمال , فتم قمع كومونة
باريس بالقوة , لكن كان لابد من توفير غطاء نظرى يمثل البنيه الفوقية التى
تحمى التشكيلة الاجتماعية القائمة , فأضطلعت الدولة ومؤسساتها بأدوار
اضافيه , واعتبرت الدولة نفسها مسئولة بشكل جوهرى عن التعليم والثقافة
وقامت بتغذيه المجتمع بالمفاهيم والنظريات التى تخدم البرجوازية وللابقاء
على النظام الرأسمالى , فى محاولة لخداع الجماهير وادعاء ان مبدأ السلطة
للشعب يمكن تحقيقه من خلال الحريات السياسية فقط مستغلين فترات السلم
الداخلى المتوتره التى شهدها القرن التاسع عشرفى أوربا ثم الاستقرار الذى
شهدته بعد الحرب العالمية الثانية لاخفاء حقيقة النظام الطبقية وان هامش
الحرية لا يتعدى الحريات السياسية بينما لا يمكن السماح لهذة الحرية أن تمس
جوهر النظام من حيث ملكية وسائل الانتاج ...
من هنا فالقاء الضوء
على الدورالوظيفى للجيش فقط يصبح غير كافى لتوضيح حقيقة الوهم الليبرالى ,
ولكن من خلال مبدأ الخصوصية يمكننا ان نستعرض تمايز دور الجيش فى كل بلد من
خلال بعدين ,
البعد الاول يتناول طبيعة نشوء وتشكيل كل دولة فى العالم
, فهناك دول حديثة التكوين كالولايات المتحدة والتى نشأت فى خلال حرب
الاستقلال وبالتحالف بين البرجوازية الامريكية والجيش , فنشأت الدولة
الجديدة بفضل الجيش وتحالف البرجوازيه معه حيث يمثلان العماد الرئيسى
للدولة , ويعبر عن هذا بوضوح فى شعور المواطن الامريكى بالانتماء اولا
واخيرا للدولة متجاوزا اى انتماء حزبى , وهى خلقت لتكون دولة استعمارية
بالاساس واستخدم الجيش فى ابادة اهل البلاد الاصليين من الهنود الحمر ثم فى
غزو المكسيك وضم ولايات منها للولايات المتحدة , ثم مبدأ الوصاية على
امريكا الجنوبية التى فرضها مبدأ مونرو ..
من ناحية أخرى نجد الدول التى
دخلت مرحلة الوحدة فى وقت متأخر مثل المانيا وايطاليا وبالتالى كان
للعسكريين دور رئيسى فى حفظ النظام والجمع بين القوميات والأقاليم
المختلفة ولم يتراجع دور الجيش الى المرتبة الثانية الا بعد سقوط الأنظمة
المحليه فى الدولتين بعد الهزيمة فى الحرب العالمية الثانية , نموذج أخر
تمثله انجلترا وفرنسا وهى دولة قديمة نشأ فيها مجتمع مدنى بمعزل عن
التدخلات الاستعمارية الخارجية , نجد القوات المسلحة ايضا جزأ من التشكيل
الاجتماعى لكنها تأت فى الدرجة الثانية بعد المجتمع المدنى , حيث صدرت
ازمات المجتمع الداخلية للخارج مع فترات المد الاستعمارى واستخدمت القوات
المسلحة كأداة للقمع الخارجى بشكل واضح حيث تم استنزاف موارد الشعوب والدول
المحتلة من أجل رفع مستوى المعيشة بشكل عام فى أوربا مع امكانية استدعائها
داخليا فى حالة تفجر الازمات , حيث ابقت بريطانيا مثلا على حوالى مائة الف
جندى من قواتها لحفظ الامن فى الجبهة الداخلية اثناء الحرب العالمية
الثانية ومواجهة الاحتجاجات العمالية التى اعترضت على دخول انجلترا الحرب
..
نموذج أخر لدول لا يقوم الجيش فيها بدور واضح مثل سويسرا وهى دولة
يجمعها اتحاد كونفدرالى وليس لها تاريخ عريق كبير , بينما نجد دول مركزية
ذات تاريخ عريق مثل مصر والصين أصبح الجيش فيها جزأ من النسيج الوطنى ..
البعد
الأخر يأتى من خلال مستوى التطور الذى تعيشه الدولة فى اطار التشكيلة
الاجتماعية - الاقتصادية القائمة , فلا مقارنة بين جيوش دول مراكز النظام
الرأسمالى ودورها الأمبريالى وبين الجيوش الوطنية فى مصر والصين وفيتنام
وكوبا وغيرها , فهذة جيوش وطنية وجدت نفسها فى القلب من الثورات الوطنية
وفى مواجهة قوى الاحتلال وأصبحت جزأ من نسيج الثورة الوطنية فى هذة البلدان
, فى حين جيوش الدول الاستعمارية تقوم بعملياتها العسكرية تحقيقا لمصالح
البرجوازية الحاكمة والاحتكارات الكبرى فى العالم ...
وبالتالى فصورة
المجتمع المدنى الأوربى يمكن ارجاعها الى طبيعة نشأة هذة الدول بعيدا عن
التدخلات الاستعمارية خاصة مع توقف الزحف الاسلامى عند حدود القسطنطينية ,
اما الدول التى نشأت حديثا مثل الولايات المتحدة فكما أشرنا فهى خلقت لتكون
دولة استعمارية بامتياز وبما تملكه من تكنولوجية وثروات فرضت نفوذها فى
نطاق الامريكتين ثم اندفعت بكل طاقتها خلال الحرب العالمية الاولى والثانية
لتصبح الدولة الأمبريالية الأولى فى العالم , بينما لم تسمح الظروف لنشأة
مجتمع مدنى مماثل فى مصر يتصدر المشهد لطول فترة التدخل الاستعمارى من
ناحية , ولما تمثله المركزية وطبيعة ملكية وسائل الانتاج - التى احتكرتها
الدولة المصرية منذ فجر التاريخ وحتى قانون المقابلة الصادر سنة 1871 - من
تأثير مهم على شكل السلطة السياسية وطبيعة النظام فى مصر ..
من هنا
ننتقل لخصوصية الحالة المصرية التى تضيف الينا بعدا أخر , فمنذ نشاة الدولة
المركزية فى مصر كانت الدولة ودورها محور رئيسيا فهى سيدة النهر والفرعون
هو راعى المياه وبالتالى فهى تتدخل فى العملية الاقتصادية بل تمتلك كل
الأرض فى شخص الفرعون , ويقوم جهازها الادارى بتنظيم عمليات الرى , ومن هنا
كان الجيش هو ذراعها القوية لفرض النظام والحفاظ على الأمن والسلم العام ,
ومواجهة اى محاولات انفصالية تهدد مركز العاصمة ونفوذها من خلال قطع مجرى
النهر بأى شكل , كان الجيش وهو نواة الدولة الصلبة جزءاً لا يتجزأ ايضا من
النضال الشعبى ضد المحتل الأجنبى , فقاد أحمس المصريين خلال حرب التحرير
تحت راية وطنية لدفع العناصر الأجنبية الغازية خارج حدود البلاد , واستمر
الجيش المصرى فى دوره فى ظل انشاء الامبراطورية وان كان التوسع فى الاعتماد
على الجنود المرتزقه سيؤدى فى النهاية الى سقوط الدولة المصرية تحت وطأة
عهود احتلال طويلة الأمد , لم يعاود المصرى فيها المشاركة فى الحياة
العسكرية سوى فى مواجهات المصريين ضد الحملة الفرنسية التى ايقظت الشعور
الوطنى من جديد ثم اعادة بناء الدولة المصرية فى عهد محمد على ودخول
المصريين الجيش مره أخرى , ورغم حالات التهرب من الخدمة العسكرية الاجبارية
والتى شهدت اعداد كبيرة من الفلاحين الذين حاولوا الهرب من التجنيد
الاجبارى من خلال الاعاقات البدنيه , الا انه بمرور الوقت ومع الانتصارات
المتتالية للجيوش المصرية أستعاد المصريين حسهم العسكرى والوطنى واستعادوا
بالذاكرة امجاد الماضى السحيق ابان حرب التحرير ضد الهكسوس ...
وفى
اتجاه تعميق الدور الوطنى للجيش المصرى منذ قانون المقابلة سنة 1871 وظهور
طبقة ملاك الاراضى لأول مره فى التاريخ المصرى حيث خرجت ملكية الارض عن
اطار الدولة والتى كانت تمنحها سابقا فى شكل اعطاءات لا تورث , الا انه فى
ظل قانون المقابلة نشات طبقة من ملاك الاراضى المصريين الذين دخلوا فى
مواجهة مع التدخل الاجنبى فى مصر فى عهد اسماعيل وطالبوا بحق البرلمان فى
مناقشة الميزانية خاصة فيما يخص الديون , باعتبارهم المسئولون بالاساس عن
تسديد هذة الديون , فى نفس الوقت كان الجيش متضررا هو الأخر من سياسات
الحكومة فى عدم دفع رواتب الجنود والضباط والتمييز بين الضباط المصريين
والاتراك , فكان تحرك الضباط بقيادة أحمد عرابى يتوافق فى تلك اللحظة مع
مطالب الأعيان " الطبقة الجديدة " , وتحركت الواحدات العسكرية يوم 9 سبتمبر
1881 م , تحمل مطالب الجيش والشعب الى الخديو توفيق الذى اضطر لقبولها ,
ومع التدخل الانجليزى فى الشئون المصرية قاتل الجيش المصرى تحت الراية
الوطنية ثم كانت الهزيمة العسكرية التى منى بها , فكان أول قرارات نظام
الاحتلال , هو حل الجيش المصرى وابقاء قوة شرفية تحت سيطرة الحاكم
الانجليزى تقوم بمهام حفظ الامن ومساعدة الشرطة المحلية ...
ظل
الجيش مقيدا وبعيدا عن العمل الوطنى , وتم استخدامه فى الحرب العالمية
الأولى حيث قدمت مصر اكثر من مليون ونصف المليون مقاتل بجانب الجيش
الانجليزى , لكن هذا الامر لم يفرز كوادر وطنية حيث كانت ادارة الاحتلال
تراقب تحركات الجيش جيدا , ومع ثورة 1919 حصلت مصر على استقلال صورى ثم
كانت عام 1936 حيث المعاهدة المصرية البريطانية فى ظل حكومة الوفد وهو نفس
العام الذى شهد دخول ضباط من المصريين من ابناء الطبقة الوسطى الى القوات
المسلحة وهم من سيمثلون طليعة الضباط الأحرار التى ستعتبر هزيمة حرب فلسطين
1948 مناسبة لاعادة ترتيب اوراق البيت الوطنى مره أخرى ولتجد القوات
المسلحة نفسها من جديد فى واجهة المشهد السياسى ..
كان المشروع
الوطنى الناصرى يعتبر الجيش ركيزته الأساسية , ومع مساعدة حركات التحرر
الوطنى كانت ذراع الدولة المصرية تمتد لتأمين حدودها شمالا وجنوبا وفى كل
دوائر أمنها القومى , هذا بالتوافق مع مشروع تنمية اقتصادية بدأ مع ملحمة
السد العالى وصولا للخطة الخمسية الأولى وانشاء القطاع العام , لذلك أدرك
الاستعمار ان تدمير المشروع الوطنى المصرى يقتدى تدمير الجيش المصرى نفسه
وهو ما حدث فى 1967 ...
ومع تراجع المد الناصرى وانحسار المشروع الوطنى
خلف قناة السويس , تراجع دور مصر تماما وأصبح الجيش مقيداً بعلاقات التبعية
بالولايات المتحدة ومعاهدة كامب ديفيد التى أطلقت يد اسرائيل فى المنطقة
..
وكانت انتفاضه يناير 1977 تمثل خطرا على النظام وسياساته , الا
ان الضغط الاجتماعى تم تصديره الى دول الخليج وأوربا لتعاود الأزمات
الاقتصادية للتفجر مره أخرى فى نهاية عهد مبارك , وكان الجيش يدرك انه سوف
يتعين عليه التحرك لحفظ النظام وحماية الدولة خاصة مع رصد حالة غضب شعبى فى
حالة وصول جمال مبارك للسلطة , من ناحية أخرى كان انتهاج سياسات
الليبرالية الجديدة من قبل النظام قد أدى بالمصريين الى الاندفاع فى موجه
غاضبه فى يناير 2011 انتهت بسقوط رأس السلطة السياسية لكنها فقدت بوصلتها
الوطنية ودفعت باليمين الدينى المنظم المتمثل فى الاخوان المسلمون الى
السلطة , الذين جاءوا بمشروع التنظيم الدولى وبالتالى دخلوا فى عداء مع
الدولة الوطنية وهددوا وجودها , وهم فى صلب رؤيتهم يحملون مشروعا لا ينطلق
أبدا من البعد الوطنى بل يعتبر مصر مجرد محطة لاستكمال مشروعهم المسمى
باستاذية العالم ..
من هنا وجد الجيش نفسه مره أخرى مضطرا للتداخل
مع الحراك الاجتماعى ومستجيبا للغضب الشعبى من سياسات الاخوان المسلمين
التى سارت فى نفس مسار الليبرالية الجديدة لكنها اضافت على ذلك عداء لمفهوم
الدولة الوطنية واستخدام الخطاب الدينى المتطرف وتهديد المجتمع بحرب أهلية
, فتحرك الجيش لاستعادة الدولة وللحفاظ على الامن القومى .
ان وجود
الجيش المصرى فى المشهد السياسى وداخل الحراك الاجتماعى هو جزأ من دور
الجيش الوطنى التاريخى الذى بدأ منذ التحامه بالثورة الوطنية مع عرابى
وتصديه لمواجهة الاحتلال الانجليزى , ثم دوره الوطنى منذ ثورة يوليو حتى
أكتوبر 1973 م
ورغم ان تحرك الجيش الحالى يعتبر فى أضيق الحدود التى
تتقاطع مع المسار الوطنى حيث ضرورة الحفاظ على اطار الدولة الوطنية التى
أراد الاخوان تحييدها تماما مقابل مشروعهم الدينى المتوافق مع مصالح
الامبريالية الامريكية واعادة ترسيم المنطقة من جديد فيما يعرف بمشروع
الشرق الأوسط الجديد , على اساس اشعال صراع طائفى " سنى - شيعى " ...
وبالتالى
فالدور الوطنى للجيش المصرى يقتضى ما هو أكثر من ذلك , بالتوافق مع صعود
تيار وطنى شعبى يعبر عن مصالح الشعب المصرى وفى مقدمته الطبقات الشعبية
والتى هى بكل تأكيد فى تعارض تام مع الوجود الامريكى فى المنطقة وفى تعارض
تام مع كامب ديفيد والسلام مع الكيان الصهيونى , ان مصالح الشعب المصرى
والتى لابد أن يعبر عنها الجيش الوطنى تتعارض بكل تأكيد مع مصالح
الاحتكارات الكبرى وصندوق النقد الدولى والعروش الخليجية , وبالتالى فان
تجذر الثورة المصرية بفعل التناقضات التى يفرضها الواقع سوف تدفع بكل تأكيد
لظهور حزب ثورى حقيقى يعبر عن مصالح الشعب الجذرية , وبينما تنتشر أفكار
الحزب الثورى بين المصريين سيكون الجيش الذى هو فى تركيبته الوطنية يتكون
من عموم المصريين , فى مقدمة الصفوف استعدادا للمواجهة القادمة ضد
الاستعمار وللتخلص من قيود كامب ديفيد ومن قيود التبعية ...
بقلم / وليد سامى واصل