مفهوم الأله مطلق القوى لم يكن موجوداً فى عالم تسوده الفوضى, اذ ان صعوبة رصد نمط معين من الاحداث فى مجتمع مشاعى بدائى لا يتضمن قدر كبير من تنظيم العلاقات الاجتماعية وبالتالى الاقتصادية يؤدى بالضرورة الى عدم الاعتقاد بوجود الله مطلق القوى ومدبر سير أحداث الزمان.
كانت الارهاصات الأولى عن الأله لدى الانسان الأول مرتبط بتفسير بدائى للسبب الماورائى لظواهر الطبيعة, فخلقت المخيلة البشرية من خلال الموجودات صور مركبة عن قوى ما فوق بشرية تقوم بتسيير الظواهر الطبيعية.
لكن تطور وعى الانسان بذاته والاسئلة االوجودية الاولى عن نشأة الحياة, ارتبطت بشكل اجتماعى منظم أعطى للحياة نسق معين من خلال سطوة طبقية احتكرت الثروة وحددت المفاهيم الكلية وفق مصالحها الطبقية, فانتج ذلك النسق الاجتماعى مفهوم محدد لحياة الانسان ودوره فأصبحت غائية وجوده مرتبطه بدوره الاجتماعى - أى أصبح الوجود الأجتماعى قدرياً أيضا - ومع تطور مفهوم الاله المطلق القوى مدبر الاحداث, صارت القدرية مرتبطة ليس فقط بمجمل الظواهر الطبيعية بل بأثر تلك الاقدار على مسار ترقى الانسان اجتماعيا, أى أن قيم المجتمع ومنظومته الاقتصادية وحاصل نتيجة تفاعل الانسان مع واقعه الاجتماعى اصبح محسوبا على أقدار محدده سلفا حددت ذلك المسار واعطته معنى وغاية ذلك أن السياق الأجتماعى أصبح منظومة متكالمة يستغرق فيها الأنسان بشكل كامل ويواجه صعوبات حقيقية فى تصور أى فكرة أو رؤية خارج نطاق ذلك الأطار والنسق .
اذا فأنت عندما تقرأ هذة السطور, فهذا يعنى ان هذا الأمر كان محددا سلفا لو أخذنا بالاعتبار القول بالقدرية, أو أن لهذا الكلام معنى ما مرتبط بغائية وجودنا الاجتماعى ذاته, فى حين اننا لو تخيلنا نموذج ما لعالم تسوده الفوضى ولا يحكمه نظام اجتماعى معين, ستبدو عديد من الحوداث غير ذات جدوى أو لا تحتمل نفس الأثر النفسى والمعنى الأجتماعى المسبب بالقدرية, كموت عزيز عليك فى ظروف ما وميلك وقتها لمحاولة تفسير ذلك الغياب وربطه باسباب عديدة متعلقة ومرتبطة بدورك الاجتماعى ومستوى وعيك بحوادث العالم من حولك.
لكن حقيقة الأمر أن وجودنا الاجتماعى ليس غائيا, وأن مجمل القيم والتصورات التى نتبناها ليست قدراً او مساراً قد حدد سلفا وانما هى نتاج نسق اجتماعى معين, وأن ذلك المجتمع طالما ظلت امامه آفاق اوسع للتطور فهو فى سبيل تطوير رؤاه وتصوراته عن الحياة بشكل مضطرد ومختلف لكن بما لا يحيل الاله المطلق الى التقاعد, لانه طالما ظل هناك مجتمعاُ منظماُ حتى لو افترضنا تحقق نموذج المجتمع الشيوعى, فان وجود الاله المسبب ومدبر احداث الزمان سيكون حاضراً ليس فقط ليعوض نقصا واضحاً فى ما نعرفه عن العالم بل هو ما يقدم تبريراً لغاية وجودنا الاجتماعى الى حين تجاوز تلك الحاجة لايجاد مبرر لوجودنا.
