الخميس، 17 سبتمبر 2015

أربعُ لوحاتٍ عن ظلٍّ عالقٍ بجدارٍ خراسانيّ .







قصة قصيرة لـــ


إسلام طارق




اللوحة الأولى

مدخل

"مرثية "



لوحة تهتز فوق النافذة الخشبية مكتوب عليها آية الكرسي بخط مذهب.. رائحة الفأر المتعفن بين الكتب.. أصوات أطفال يلعبون تحت الغرفة.. جزئيات متناهية في الصغر تسبح في آخر شعاع نور يتسرب من النافذة.. يحاول الفتى الإمساك بها دون أن يمسه النور.. رجل مربوع القامة يحاول تثبيت لوحًا خشبيًّا على النافذة..

"دق المسامير يثير أعصابي كأنه جُمَل تخترق الجسد الهش" قال الفتى.

يشكل الفتى أصابعه على هيئة دائرة يحاول حصر شيئًا ما بداخلها.

(من خلف الكوة الضيقة في جدار الزنزانة المعتمة كنت أراقبهم قبل أن أخرج عليهم.. تتدحرج الكرة مفزوعة.. تزحف خلفها سحابة ترابية تترية من أطفال حفاة يرتدون أقمصة مطبوعًا عليها صورتي مصلوبًا  .. تقفز الكرة لأعلى فتصطدم بجسد مسجي على صليب خشبي يصيح صاحبه
_ الكرة لو جات هنا تاني هقطعها!!!
يتوه التحذير وسط موجة من نباح الكلاب الضالة وأزيز البعوض ونداءات الباعة المتجولين.

على المدى حقل من الصلبان رمادية اللون تنمو على أطرافها الطحالب ونباتات الظل .. تتدلى منها أحبال ملونة مربوطة فى نهايتها أقفاص من الخوص.. ينادي من فوقها صوت نسائي:
_ اجري يا واد ع الصيدلية اديله الورقة دي واوعى تفتحها.. خليه يحطها فى كيسة سودا ..

_ هاتلي يا بني كارت شحن وشوفلنا نجار للمسامير اللي خلعت دي .. ناس معندهاش ضمير .. يبتسم صاحب الصوت: سربنا العيال.
_ يا راجل اختشي.

تتوقف الكرة تحت القدم الحديدية.. يدهسها فى تحدٍّ .. فيبتلعهم كائن الصمت. يلوح بإصبعه الدسم .. فيظهر جسدي النحيل  الذي تقصفت قامته المديدة تحت ضربات الهراوات والسياط التي تسوقه .. خلف  خصلات شعري الكثيف المتيبس برقت عيناي المكحلتان بالدماء زائغة تبحث عن نقطة المركز .. نقطة الخلاص.
دون مقدمات يركلني صاحب القدم الحديدة فى صدغي فيتدحرج جسدي فى الوحل .. وينكشف شق وجهي الذى تحطم إثر الضربة.
يشهق كائن الصمت ويلفظ الجميع الذين صاحوا بدورهم:
_ إنه السيد .. أخيرًا.
بالكاد عضلات وجهي تقوى على ابتسامة عين ذابلة .. يسبهم صاحب القدم الحديدية وهو يسحبني من شعري وسط موجة متلاطمة من العويل والنحيب والبكاء .. يبصق فى وجهي ثم يلقيني للجنود  يسحبون الجسد ثم يرفعونه على الصليب ...

الهراوات تضخمت .. سنون المسامير استطالت وصارت أشد حدة وقسوة من مناقير الغربان التي تنقب في رأسي بدأب .. أتلفت حولي .. نظراتهم اليائسة تتمسح بي .. تتوسل إليّ أنا الضعيف المدفوع بحلم العجائز والأرامل واليتامى.
_أم بدافع الخلود ؟؟
_لا لا وقت .. لترهاتك أيها الظل البغيض.
_لقد وعد الله الشيطان بالخلود حيًّا ؟؟ لماذا يجب على البشر أن يموتوا كي ينالوا الخلود ؟؟ قال الظل.
أغمضت عينيّ بقوة كطفلٍ يحاول الفرار من كابوس يطارده.
شيء ما غريب يسري بي دون تلك اللذة التي تدفقت في عروقي وهم يتوسلون إلي .. شيء آخر لم آلفه من قبل فاق كل مخططاتي للمشهد؛ سرب نمل له ملمس المسامير الحاد والبارد.
الهراوة ترتفع فى الهواء .. صوب المسمار المثبت بدقة .. تهوي على عنقه فيغوص فى لحم كفي .. تنفلت مني صرخة حادة ملتاعة .. فيتاجج النحيب والبكاء أكثر ..
(يرتد السر المقدس بداخلي.. يهوي .. دون أن يعلق برموش تقطر دمًا. يرتطم .. يتحطم .. إلا القليل يتناثر عاليًا ..عاليًا في الهواء:
رائحة خبزها الشهية تداعبني وأنا جالس بالزاوية المظلمة .. أرقب عينيها .. كفين دقيقتين بلون البنفسج يدفعان بأسى سحابة رمادية فتهطل منها فجأة موجة ذهبية تغمر الجميع في مزيجٍ ساحر.)

المسمار الثاني يخترق كفي، يتلطخ وجه الجندي بالدماء يصفعني .. يطوّح الهراوة ويهوي بغلٍّ.

(أنفاس البحر الحارة تدفع كفينا بمرح .. أقبل يدها ثم نستلقي سويًّا نرقب ماسأة إغريقية تجسدها الغيوم قبل أن ترتحل مع قافلة المغيب:

أخيرًا يتحطم السر كليًّا .. من بين الحطام يركض شيء بشدة، يطير بسرعة البراق، يخترق غشاء القلب
يحلق.
_أبت لماذا يجب أن نموت؟

يخيم الصمت .. ينفجر الجنود ضاحكين وسط صيحات احتجاج العجائز .. ينهالون علي بالضرب .. أصرخ أكثر .. أنتحب .. فجأة أشعر بيد تتحسس طريقًا لكفي الطليق  تدس شيئًا ما به.
ألتفت إليه .. وجه جاري على الصليب المجاور يبتسم وهو يهمس في حذر:
_ ترمادول أصلي مخلص من الآلام والآثام!

تتقلص عضلات وجهي في عصبية .. ثم تنفرج على .. ضحكة .. متشنجة .. عالية .. تفزع لها الغربان محتجة ..
أصرخ في جنون:
_ترمادول .. وإن صفعوني على خدى الأيسر بعد الأيمن فسأقول: أعطني نصف شريط ترمادول .. فلا أنا نصف إله ولا أنا نصف رسول !!



بالجوار يأتي صوت خجل يسأل باضطراب وكأن شيئًا ما بداخله على حافة الهاوية:

_ هو قال ترمادول ؟؟!

فتأتيه الإجابة صفعة على خده من زميله فيرتد له سلامه العميق

_يا مجسم يا ملعون، النص يؤول!

من الجانب الآخر يقفز صوت:

_ بل الملعون أنت يا معطل يا زنديق!

فقاقيع صابونية تتشابك وتصطدم، من بينها أستنجد وحيدًا
_ أبت .. أبت ..

=======================================
(
_يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ..

ابتلعت ريقي الجاف بصعوبة عبر عنقي الممدود كجذع شجرة يانعة .. إنها المرة الثالثة التي يستل فيها أبي السكين ومع ذلك يفشل .. في كل مرة يفر ظلي ويتركني وحيدًا .. أتمنى أن تكون المرة الأخيرة .. نعم .. دقائق بل لحظات تفصلني عن الجنة .. عن الحور ..
_هذا بالتأكيد أفضل من الانتحار.
قلت مخاطبًا ظلي الذى أومأ بالموافقة وهو يقترب في حذر. بل إنه بر لوالدي .. الجنة .. نظرت بمؤخرة عيني لأعلى .. السكين تلتمع فوق رقبتي في شبق لن يشبعه إلا طعم الدماء الطازج .. خفق قلبي .. أغمضت عينيّ .. تشبثت بالظل واخترت من الألوان آمنهم؛ الأخضر .. ألقيته على ظلمتي .. انفرجت شفتاي لتحررها أخيرًا
_ ستجدني إن شاء الله من الصابرين.

خلف جلد الجفن تيار ثخين يتدفق .. يتكثف .. يتسرب من تحت العين دخان فضت سخونته التصاق الجفنين .. دون أي إطار هندسي .. دون اتجاهات وجدت نفسي وحيدًا: أين الجنة؟ أين الحور؟ أين الوعد؟ .. أصرخ .. أستصرخ دون صدى يؤانس وحدتي .. أسقط على ركبتي مخذولًا، فجأة أشعر بتشقق شيء تحتي كقشرة بيضة .. تتسع الهوة .. أسقط فيها للأسفل .. للأسفل ....

أفتح عينيّ مذعورًا على وجه والدي المتهلل .. يهتف:
قم وكبر؛ لقد فداك الله .. لقد فداك الله.

أحاول استيعاب ما يجري والهوة بداخلي لم تلتئم بعد.
يقع بصري على ملاءة حمراء يتسلل من تحتها مجرى دم .. أسرع  نحوها .. أزيل الملاءة ..
أتصلب كجذع نخلة .. تهب ريح .. رأس الحسين مفصولة عن جسده، تسيل منها الدماء .. الشعر أسود سواد الليل، والشيب تقتلعه الريح من جذوره فينبت مكانه شعر أسود جميل .. العين باسمة تنظر للأعلى وكأنها صدقت ما وعدت به، والفم يفتر عن ابتسامة واثقة وكأنه لتوه فرغ من إلقاء منشور الثورة).
=======================================
ينتفض الفتى فجأة، لم يكن سريعًا لتفادي شعاع النور المقترب خلسة ناحيته, يتحول الأب نحوه ثم يعود لينهي تثبيت آخر مسمار في اللوح الخشبي على النافذة.
_ إنت مش محتاج الدوا اللي في الروشتة .. سورة البقرة تشفينا وتشفيك وتخرج البلاوي السودا اللي في جتتك.
قالها وهو يغلق خلفه باب الحجرة.





اللوحة الثانية


الأجزاء العارية في جسد الجدار تعكس دفء المصباح الكهربي .. يتحسسها بيده .. ذرات الإسمنت بارزة .. صلبة ..

عبر الباب الخشبي نفذ للداخل عنوة صوت شيخ يتلو آيات قرآنية .. ميزها سورة البقرة
"لو أن الباب خرساني لردع الصوت" تمتم محدثًا نفسه.

فرك أصابعه فخلفت ذرات إسمنتية كثيفة وخشنة .. تمنى لو أنها الحقيقة .. أخرج السماعات ودسها في أذنه .. بحث عن وجبته اليومية من الموسيقى .. فكر بأسى أنها لحظات عابرة وستهضم الموسيقى  ثم يخلفها الجسد مع إخراجاته الأخرى.
استسلم للخدر المؤقت وهو يرقب ظله المرتعش.

(الشق يوغل في التمدد كأفعى تبحث عن فريسة .. الكتب العابثة .. المرآة المكسورة تحاشى الفتى الالتقاء بها .. صدفة وردية لمعت ثم تلاشى نورها فجأة .. النافذة الموصدة بصرامة .. ارتد .. انقبض قلبه للخاطر ..
_هل كانت العين ؟ .. لا لم تكن بالتأكيد كيف تصل إلى هنا؟!
_ربما الأب .. ربما أصابته اللعنة هو الآخر؛ لعنة الغريب ذي الألف عين .. تسللت عبره أم تركها عمدًا؟! قال له الظل.

اللعنة تسري فى القرية كالطاعون .. الشيوخ يلوموننا بعد أن أكلوا اللحم وتركوا فضلاتهم نتعثر بها في الطرقات !
يلوموننا نحن! .. نسوا السنين العجاف .. أكلوا الأطفال .. لم تنجُ إلا حفنة تمنت الموت بعد ذلك .. والموت تعفف أن يمر بثوبه المزركش على القرية المظلمة الغارقة في الوحل والغائط .. حتى همس أحدهم ذات ليلة: اقتلوا القمر واسلبوا نوره وكلوه شحمًا ولحمًا، نظروا للسماء، كان القمر البكري يشتعل نورًا وغرورًا كفارس على جواده، تقازموا أمامه: كيف تقدر السحالي الموبوءة على هذا الفارس العتيد؟
إذًا، فلنقتل أباه العجوز الأحدب وعلى كل حال هو لن يخلو من الشحم والنور.
خلف الأربع نخلات العجوزات القائمات على البحيرة العطنة- كالقدر تخفوا منتظرين ساعة هبوطه، اضطربت صورته على صفحة البحيرة، انقضوا عليه، طعنوه في ظهره الأحدب، شربوا دمه وسلبوه كسوة النور ووزعوا لحمه فيما بينهم.
ست ليال مظلمة مرت، لم يتفقده قمر آخر. في الليلة السابعة،  برز البكري قلبه يتأجج بلهيب أسود لا يتحول لونه .. تظاهر أهل القرية بالجهل والبطون تشتعل رهبةً وخوفًا .. ثم ظهر الغريب فجأة.
خطواته تشي بأنه كفيف مر بينهم. الكل وعى للمحظور، بدون خبر مسبق،  في اللحظة التي مر فيها .. أُلقي في روعهم إلقاءً وكأنه قديم قدم الأزل.
الطرف يغض فرضًا، لا أحد يتجرأ على النظر في عينيه .. الجميع بلا استثناء .. يغطي جسده جلبابٌ واسع تحيطه الألف عين المسحورة، تموء كالقطط وتلعق برموشها أطرافه.

في البداية ظهرت الكرامات، علت الزغاريد والطبول والأفراح، وشاع الخبر أنه الخضر أتى برحمة من الله على أهل القرية البائسة،  ولكن بعد أن وزعت الأراضي، وقسمت، وتباينت الكروش من البطون كانت اللعنة. واليقين تكاد تنفطر له صدور الرجال ولا أحد يجرؤ على البوح.

"إنه السامري بالكاد يستر علته وعورته المجذومة تحت جلبابه الواسع" قالت النسوة متشفيات. واللعنة دائمًا على قدر المعرفة والحاجة .. من تصيبه يلزم داره .. ومن يخافها يلزم داره ..  يستحيلون جذوع نخل مبتورة الرؤوس .. أو أى شيء آخر .. لا أحد يعرف يقينًا .. لا أحد يخبر يقينًا.
وبعد الحين يأتيهم الزائر ملثمًا، يحمل أمارة شيخه الغريب، ويعرض الأعضاء المسلوبة عضوًا عضوًا شرط المقايضة، والربح دائمًا في أعضاء الديمومة.)

"اقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم" ظل الشيخ يرددها .. نفذت لأذنه .. "هل هي إشارة ؟؟ بئسًا لك من مضغة. أخلصت عمرك لإشارات عمياء !!" قال الفتى.

اقترب من النافذة بحذر، فتش جيدًا استدار وطائر الريبة لم يفارقه، اصطدم فجأة بصورة الغريب، خصره عار وضامر، مدبوغ بالنقوش، على الهامش بعض التفاصيل العارية الشائهة. الذراعان مرسلان للأعلى كفرعي لبلاب اخترقا الحجب. كادت عيناه تسقطه في المحظور.
اجتذبه صوت إيقاع الساعة (تك .. تاك .. تك .. تاك) .. صوت العظام المهشمة تحت مقصلة العقرب .. نصل العقرب يكاد يقترب منه .. يهوي على رأسه .. يراوغه .. يتفادى الإصبع المصوب نحوه باللعنات .. ويُغمِّي عينيه .. قبل أن ينطبق المشهد تنفلت منه اللعنات .. تدور في أفلاك عشوائية .. تتجمد فجأة فتتجمد اللحظة .. تعود أدراجها دائرةً في فلك هو مركزه .. تدور بسرعةٍ خاطفة .. رويدًا يترجم الحركة رقصًا .. رقصًا وثنيًّا يصاحبه صوت طبول .. تدور .. ترقص .. تتعرى أمامه الطلاسم كلمات .. يعلو صوت الطبول .. تدور .. ترقص .. تتعرى الكلمات حروفًا.
تدوي صرخة ميلاد حتى يكاد أن يكون قاب قوسين أو أدنى من المعنى .. من الأسماء، فتنقض إحداهن عليه لتنفذ عبر إحدى فتحتي خيشومه .. يشعر بها كحشرة لها ملمس رخوي رطب .. ينطلق في إثرها إحدى أصابعه ليلاحقها .. تنزلق منه .. تركض عبر تلافيف المخ مخلفةً صخبًا خَوائيًّا .. يتجاسر الإصبع أكثر.. تنقلب العين اليسرى لداخل المخ .. تدعم الإصبع .. يحاصرونها .. فتباغته أخرى محاولة النفاذ عبر الفتحة الأخرى .. يقطع طريقها .. فتعود متجهةً صوب أذنه .. ولكنه كان أسرع .. تحلق للحظات فيها يتذكر العقل أنه مدين بصرخة .. ولكنها تنبتر .. وهو يراقبها تنقض وتخترق مسام جلده العاري. يسترخي أخيرًا تاركًا جسده يتلقاها كلماتٍ .. ولكن دون الكلمات.











اللوحة الثالثة


أيقظته أنفاس القهوة الدافئة، تلثم خده دون أن يرفع رأسه عن المكتب سأل:
_إنتي جيتي يامَّهْ ؟؟
تناهى إلى سمعه صوت دبيب خافت تبعه صوت مذياع يجول فيه المؤشر حائرًا، أخيرًا يستقر، يتهادى  إلى الغرفة صوت ملائكي:
(واذكر في الكتاب مريم)

(فى كل ليلة يفور التنور .. يلتهم ما بقي وما سيبقى .. إلا البدايات، تظل كهامات الجبال السعيدة .. تبرز أسنانها المصطبغة بالألوان الاصطناعية، وينضح جوفها بالفريون منذرةً بعهدٍ جديد. وحيدًا كنت أنشد:

"في البدء كنت أريد أن أصبح حديقتك
أن يكون لي زراجين عنب وصفوف من الزهر
أن أنشر على جمالك ظلالي
لتعودي إليّ دومًا
مع ابتسامتك المتعبة, ابتسامة أم
لكن في اللحظة التي أتيت فيها ومشيت حدث معك شيء, شيء يدعوني إلى صفوف الزهر الحمراء
عندما تلوحين لي وسط الأغصان "

تراودني فيروز عن روحي فأستعصم .. لا شيء يقاطعني إلا طرقات المطر المستمرة على زجاج النافذة .. تفاقم الأمر .. فى ضيق أفتح النافذة وأصيح:
_ اتفضل يا سيدي، تشرفنا

سرت بجسدي قشعريرة، تضاءلت أمام جلال المشهد: السماء تنثر بذور الخلق الأولى .. استسلمتُ .. تركتها  تمر عبري، عدت  للمكتب ومسحت قطرات المطر عن صفحات القصيدة.

عبر سكنات الفراغ تغلغلت رائحة غريبة عني، داعبت حواسي الخمسة والخيال:
"العشب بعد المطر .. الفانيليا .. وتبغ الغجر" قلت مسحورًا.

تتبعت أثرها .. فجأة تصنمت خلف الظلمة، برقت وجنتان كسطح لؤلؤة ملساء معروقة بالندى، سبقتني يداي .. حاولت الاقتراب منها، كلما اقتربتُ ابتعدتُ، بعد مئات المحاولات وقفت على حضورها القمرى.)

_ إيه تذاكر الترام دي كلها؟ عايزها؟
_ ارميها، احرقيها
_ مكتوب على واحدة فيهم مريم وتاريخ !! اتنين، تلاتة، كلهم .. و .. سماري؟
_ السامري.
_ مين دول؟ قالت الأم وهي تغمز بعينها.
_ إشارات. قال هازئًا.
_ طيب خلاص متتحمقش كده.. أسيبها؟ هسيبها.

(... الثوب منحسر عن قدمين متعانقتين مشدودتين كأنهما على صراط من خيط عنكبوت على الحد الفاصل بين كونين. أكانت تنظر نحوي أو من خلالي أو إنها كفيفة؟ لا أعرف بالتأكيد. لا تحدثني ولا يظهر عليها أنها تسمع حديثي ..
تظل شاخصة النظر ثم تنتصب فجأة، تتحسس الخطى ثم تطلق العنان لساقيها؛ لترقص رقصاتها المرحة دون أن تغادر الصراط،  تقفز لأعلى وتختفي.).

_ فيه ريحة وحشة في الأوضة.
_ مش شامم حاجة.
_ محدش بيشم ريحته.
_ محدش .. محدش فلقتونا بسي محدش رضي الله عنه .. محدش بينام من غير عشا، محدش بيموت م الجوع .. محدش ده كان محشش وعريان الطيز.

(... يتوالى الظهور حينًا وينقطع حينًا وبينهما كنت معلقًا.
ذات ليلة جلست قبيل النافذة الموصدة فحالت هي بيننا. من الأسفل نظرت خلف ستار النور المسدل، هب نسيم، اختلجتْ على إثره ثمرتا برتقال متفتقتان سأمتا الانتظار وتتوقان إلى الفرار. نفثت دخان لفافتي الكثيف وحاولت استجماع حروفي المبعثرة دون أن أعبأ بحدود اللاممكن الذي أعرفه. نطقت، قلت إني أعلم أنكِ في كل مرة تسلبينني شيئًا وإنني لا أعترض. إنني أهيم بكِ وسأعطيكِ الذهب. دون أن تغادرها نظراتها المبهمة، اقتربت هى لأول مرة.).

_رجّعوا الدهب
_أها
_بعتيه؟
لوت بوزها فى اشمئناط وقالت:
_دبلة ومحبس!

(... دنت أكثر، قالت وهي تنظر من خلالي: وماذا عنها؟،أجبت بلهفة وكأن السؤال موجه إلي:
أبلة فضيلة؟ احترقت كما احترقت أثمال إبراهيم البالية في نيران التجربة، وبقيتِ أنتِ يا غجريتي .. كرامتي الأبدية .. ولعنتي الأبدية.
لوهلة تلذذت بصوت اشتعال التبغ واشتعال وجنتيها. انفصلت عني، ثم اختفت.).









اللوحة الرابعة


المصباح تتفجر منه أشعة الضوء، تحتل ذراته الصدأة الفراغ، يتحاشاها الفتى, ينفضها عنه، يحك جلده حتى يسيل دمًا. النحيب من حوله لا يهدأ، كلما لمس شيئًا يتحول لمأساة. إذا أمسك القلم سمع صوت أناته وأنات الورق من تحته .. عديد فتات الكوب الزجاجي المهشم، ليست له خاتمة.
يفر مذعورًا ..إلى أقصى زاوية بالغرفة .. يلملم أطراف الظل ويتدثر به .. تجحظ عيناه ناظرة صوب النافذة الموصدة.
_أتتوق للنور أم هي شهوة الفرار؟ قال الظل.
يريح مؤخرة رأسه المرهق على الحائط الإسمنتي. ويعتصر عينيه من آخر قطرات الضوء بها.

(الأذن تعرج إلى السماء فتصير نصف قمر عاريًا يكسوه ضوء كذب فبهت. تصيخ الأذن السمع، تتلقف الصوت القادم عبر الأثير.

من بعيد تسبح صلاوات غربان بقلبها يعزف ناي منفردًا .. يخبر أن نديمه هو قابيل وينشد:
"على صدر زنبقة سوداء جرحٌ أبيضُ لا يندمل
حين يدلف المساء يهدأ وفي الصباح يتقد
يسيل منه النور كاللعاب .. كالزبد
وسفينة صاريها صليب من ذهب وشراعها جناح غراب يحمل وزر خطيئته للأبد"
ينقطع الصوت إثر شهاب ينطلق صوب الأذن .. يمسها .. تحترق .. تتبدد في الفضاء.