الاثنين، 9 مارس 2015

الربيع العربي... وسحق التنوع الديني في المنطقة قراءة في الأسباب ومحاولة لاستشراف الحلول...






شادي عمر الشربيني

لم تكن حادثة ذبح 21 قبطي مصري على الشواطئ الليبية حادثة منفصلة أو منعزلة عن سياقات ما يحدث في المنطقة العربية الآن، بل تأتي في سياق موجة عالية من العنف المفرط والتنكيل بالأقليات الدينية رافقت صعود الإسلام السياسي والحركات الجهادية والتكفيرية في المنطقة العربية في سياق ما سمي بالربيع العربي....
فمثلا نستطيع أن نقرأ في " المؤشر العالمي للاضطهاد ٢٠١٤ " أن سورية دخلت لائحة المؤشر الذي يشمل ٥٠ دولة وتبوأت المركز الثالث بسبب نمو الحركات المتطرفة والارهابية كالقاعدة واستهدافها للمسيحيين.
وإذا استعرضنا بعض نماذج ممارسات الجماعات التكفيرية في سوريا على سبيل المثال لا الحصر نجد أمامنا :

_فرض داعش على المسيحيين في مدينة الرقة دفع الجزية وذلك ضمن اتفاق يتضمن ١٢بنداً . من أهم بنوده منع المسيحيين من ترميم الأديرة والكنائس ورفع الصليب مع نزع الصلبان عن الكنائس وتحويل كنيسة الأرمن في المدينة لمكتب دعوى
_ اختطاف المطرانين اليازجي ويوحنا ابراهيم ، بالإضافة الى  اختطاف راهبات معلولا وتدمير وحرق دير القديسة تقلا و دير ما سركيس وباخوس _تدمير كنيسة ودير الكبوشيين في دير الزور، وقد كشفت صحيفة "اندبندنت" البريطانية أن "دمارا كبيرا لحق بالكنيسة الكاثوليكية اليونانية على يد مسلحي "جبهة النصرة "الجبهة الإسلامية .
_عناصر "جبهة النصرة" تقوم بقطع رأس تمثال للسيّدة العذراء في منطقة القنية قرب جسر الشغور .
_تدمير ٥٧كنيسة ودفع اكثر من ٤٥٠ الف مسيحي للنزوح داخل سورية وخارجها وفقاً لما ادلى البطريرك اللحام
_الهجوم على قرية صدد التي تتميز بكنائسها ومعابدها التاريخية وأيقوناتها ولوحاتها الجدارية الأثرية المميزة. والعثور على ثلاثين جثة لنساء ورجال واطفال من ابناء البلدة.
_تخريب دير مار سمعان العامودي في ادلب وقتل راعي الدير الأب " فرنسوا مراد" من قبل جبهة النصرة وقطع رأسه .
_تدمير كنيسة القديسة مريم للسريان الأرثوذكس في دير الزور .
_قتل الاب الهولندي فرانس فان دار في حمص
_ تدمير كنيسة ام الزنار في حمص وقلما يعرف عنها أنها أول كنيسة مسيحية تشيد في العالم، وأقدم كنيسة على وجه الأرض، بنيت عام ٥٩م، كما تعتبر من أقدم وأشهر كنائس السريان الأرثوذكس، ويعود سبب التسمية (أم الزنار ) إلى حزام السيدة مريم العذراء عليها السلام المصنوع من الصوف والمطرز بالذهب.

_الهجوم على مدينة كسب ذو الاغلبية الارمنية واختطاف ٢٢ شخص وتهجير ٦٥٠ عائلة.
الناشطة الأمريكية لحقوق الإنسان ماريا حبيب، وهي من أصل سوري، نشرت مقالتها في “وول ستريت جورنال” أشارت فيها إلى تعرض الأرمن لإبادة جماعية مرة أخرى.
منذ اندلاع الحرب السورية، دمر ما يسمى الثوريين الأضرحة المسيحية عمداً في البلاد وحرقوا الكنائس وكسروا الصلبان ودمروا المراكز الثقافية الأرمينية واليونانية، خطفوا وقتلوا الأطفال والنساء وكبار السن، ووفقاً لمنظمة أبحاث الأسرة غادر البلاد أكثر من 200 ألف مسيحي.
الفيلسوف البريطاني وليام دارلنميل في بحثه “في الجيل المقدس” كتب: ”المسيحيون سوف يختفون من مهد المسيحية خلال 16 عاماً” وأن هذه الحالة تتدهور والآمال فيها مخيبة. تحت الرايات الخضراء والسوداء وأعلام التطرف الإسلامي  والتي تدعي الديمقراطية في ربيع عربي مروع  هجر المسيحيين.
بعد أحداث 1915-1923 كانت الحرب الأهلية اللبنانية الدامية ضربة كبيرة للحضارة المسيحية قتل فيها 140 ألف شخص وغادرها 550 ألف مسيحي, بعد الحرب اللبنانية جاء الغزو الأمريكي للعراق كنقمة للمجتمع المسيحي .
العالم السياسي الأمريكي أندرو دول  كتب مقالته ”كيف أصبحت الحرب على العراق حربا على المسيحيين” فبعد فترة وجيزة من انتهاء الأعمال العدائية في 1 مايو2003  بدء صراع حقيقي بين فوضى وعنف طائفي تعرضت فيه المسيحية لاضطهاد وحشي وفي سياق حملة العنف الممنهج حاول بعض رجال الدين عن الحماية عند الجيش الأمريكي ولكن عبثاً لم يحرك الجيش الأمريكي ساكناً ولم تكن وزارة الخارجية بأحسن حالاً.
خلال فترة 2003-2006 ترك البلاد 350 ألف مسيحي وفقاً للجمعية الأرثوذكسية الدولية لخدمة الجمعيات الخيرية
IOCC بقي في العراق 140 ألف من أصل 750 ألف مسيحي، الغزو من قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة  كان السبب لأول محرقة لأتباع الدين المسيحي هددوا وقتلوا وطردوا من منازلهم وأحرقت كنائسهم, آلاف الناس أصبحوا فجأة “كفار” ,هذا الشعب الودود المضياف  أصبح يبحث عن اللجوء في البلدان الأخرى بصورة محزنة ومن استطاع الفرار إلى أمريكا في بدايات الغزو، حرم أغلبيتهم  من اللجوء وتم ترحيلهم .
.................................
.................................  
إن الصدام الديني في العادة هو أقوى مواجهة تحصل بين البشر، ولم تجر حروب أشد وأعنف من الحروب الدينية أو الطائفية، لأن المواجهة تحصل وقد انتهى دور الحوار والتفاهم إلى حالة من المغالبة وكسر العظم للخصم بناءً على هويته المهيمنة في النزاع، والتي لا تميز بين أنواع الناس وأجناسهم وأعمارهم، فالموقف لا يحتمل سوى شحذ كافة الأسلحة والعداوة والقهر للآخر حتى الإفناء، وباسم الدين والإله !.

والتاريخ الإنساني القديم والحديث لا يزال يحتفظ بصور قاتمة لشناعة الفتك العقدي بالخصوم، فأغلب حروب القرون الوسطى والقديمة كانت دينية وتتخذ طابع القداسة لانتصار الإله الذي يُهلك كل من خالفه دون اعتبار لأي مخلوق، حتى الحيوان والنبات لم يسلم من جحيم تلك الحروب، كما حصل في الحروب الصليبية وحرب فرنسا الديـــنـــية بـــيــن الكــاثـــوليـــك والبروتستانت بين عامي 1562 إلى 1598م، ومحاكم التفتيش وغيرها، والجهاد الإسلامي لم يسلم من التشويه والممارسة البشعة لإفناء الخصوم تحت راية القتال في سبيل الله، كما صنع القرامطة والخوارج، بل والأمويون في توطيد حكمهم والعباسيون في إعلان دولتهم، ولكن الملاحظ في كل تلك الحروب والمواجهات استحضار المقدس اليقيني، وأحياناً استدعاء نهاية العالم وآخر الزمان كعقيدة خلاص من المخالف، إما بخروج المسيح عليه السلام وإما بظهور المهدي أو المنقذ الديني الذي تنتهي الدنيا بانتصاراته على الخصوم، والتاريخ الأوروبي مليء بتلك النبوءات التي تتكرر في أكثر من قرن أو بعد جائحة حربية، فيرى المكلومون والمنهزمون، وأحياناً الغالبون، أن الزمان هو زمن خروج المسيح الدجال الذي سينشر الخراب ثم يطهِّر الأرض من شره نزول المسيح عليه السلام، ولا يختلف الأمر كثيراً في عقيدة الإسلام عن هذا الاستدعاء الخلاصي من قوى الشر والطغيان، بالإضافة إلى استدعاء شخصية المهدي، التي تبرز بشكل أكبر عند الشيعة ويترتب عليها الكثير من المعتقدات والآمال الانتقامية من خصومهم التقليدين، كما مارس السنة هذا الاستدعاء في التاريخ الماضي والقريب، مثل ما فعل المختار بن عبيد الثقفي وابن تومرت ومحمد المهدي زعيم الثورة المهدوية في السودان وغيرهم، ومن الملاحظ أن تكفيري داعش قد أستدعى هذا الخطاب، خطاب النهاية ونزول المسيح في خطبته التي ألقاها قبل ذبح الأقباط المصريين.
إن تراثنا مليء بالحديث عن أحوال آخر الزمان التي تتحدث عن فتن وملاحهم في آخر الزمان، و يتم استدعاء هذا الخطاب بقوة في ما يحصل من حروب أهلية وفتن معاصرة، خصوصاً ادّعاء المهدية، أو عودة الخلافة على منهاج النبوة، أو قتال الروم واليهود مع عيسى عليه السلام، وذلك يذكرنا مثلا بما حصل من جهيمان العتيبي في هجومه على الحرم المكي وادعاء القحطاني أنه المهدي في نوفمبر 1979 (انظر: كتاب «أيام مع جهيمان» لمؤلفه ناصر الحزيمي، نشر الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2011م)، ومثله ما يتداول هذه الأيام من أحاديث الرايات السود، وتنزَّل على أصحاب الدولة الإسلامية بالشام والعراق (داعش)، ونصه «إذا رأيتم الرايات السود فالزموا الأرض ولا تحركوا أيديكم ولا أرجلكم! ثم يظهر قوم ضعفاء لا يؤبه لهم، قلوبهم كزبر الحديد، هم أصحاب الدولة، لا يفون بعهد ولا ميثاق، يدعون إلى الحق وليسوا من أهله، أسماؤهم الكنى ونسبتهم القرى، وشعورهم مرخاه كشعور النساء حتى يختلفوا في ما بينهم ثم يؤتي الله الحق من يشاء». وهذا الحديث وغيره ورد في كتاب الفتن لنعيم بن حماد المروزي، لذلك من المهم التذكير بأن بناء موقف ديني يترتب عليه القتل والإهلاك بنصوص نبوية شيء ليس بالجديد على هذه المنطقة، وأن انهيار الدولة الحديثة وتفككها وتجريف الوعي المدني والثقافي والانتماء القومي للملايين من الشباب العربي هو الذي فتح الباب على مصرعيه لاستعادة هذا الخطاب والحشد والتعبئة وراء راياته.
ولكن هل هذا هو كل ما في الأمر... ظروف تفكك مجتمعي وانهيار هي التي استدعت هذا العنف والتنكيل على أساس الهوية الدينية... الأرجح أن هناك أيضا أسباب أخرى...
.................................
.................................
لقد كانت روسيا أول دولة من خارج المنطقة العربية نبهت إلى وجود هجمة إرهابية منهجية ضد المسيحيين في سوريا، امتدت وانتشرت إلى غيرها من دول المنطقة. فقد لوحظ تحول عمليات القتل والتهجير والاضطهاد، المتفرقة التي كانت تتم دائماً ضد المسيحيين والعلويين والشيعة والاسماعيليين، منذ أواسط 2011، إلى خطة مصممة تهدف إلى شن حرب إبادة ضد مسيحيي المنطقة العربية بأكملها، ودفعهم إلى الهجرة خارج البلاد. فما هي دوافع تلك العمليات؟
أولاً، التحشيد الطائفي واستثارة الغرائز، وتصوير الأعمال الإرهابية الموجهة، خصوصاً ضد سوريا والعراق ومصر، كأنها تستهدف «الكفّار»، في إطار فرضية تظن بأن من الممكن الحصول على تأييد بعض القطاعات لتلك الأعمال الوحشية.
ثانياً، الانتقام من الكتلة المسيحية التي رفضت الانخراط في المشروع الغربي - التركي ضد الدولة الوطنية.
ثالثاً، اغتنام الفرصة لتوجيه ضربات موجعة للمسيحيين تدفعهم إلى الهجرة على المديين، القريب والمتوسط، ما يحقق الأهداف الوهابية والصهيونية معاً، في إخلاء سوريا وبلاد الشام ومصر ــ بعد العراق ــ من المسيحيين، الأمر الذي يحقق الآتي: (1) إضعاف القوى الاجتماعية المؤيدة للعلمانية، (2) إضعاف قسم مهم من القواعد الاجتماعية للحركات القومية واليسارية، (3) إشعال الصراع الطائفي ــ إضافة إلى الصراع المذهبي ــ في لبنان لضرب حليفي النظام السوري في هذا البلد، حزب الله والتيار الوطني الحر، (4) منح فكرة الدولة اليهودية شرعية واقعية؛ فحين تغدو المنطقة بلا مسيحيين، أو أقله بلا مسيحيين فاعلين، وينقسم المسلمون إلى سنّة وشيعة، وتنعدم الأسس القومية والوطنية للكيانات، يحصل مشروع الدولة اليهودية، العنصري غير الواقعي تاريخياً، على تسويغ واقعي.
لا بد من ملاحظة أن مخاوف وجودية كتلك مرتبطة بالهلع على حياة الأبناء ومستقبلهم وبالمصاعب الاقتصادية والسياسية، تنتقل من سوريا إلى البلدان المشرقية. وقد أصبح من غير الممكن تجاهل ما جناه الإرهابيون من نجاح في نسف ما تبقى من اطمئنان لدى الجماعة المسيحية المشرقية، ما سيكون له آثار مريعة، حتى لو انتهت الحرب قريباً؛ سيتعاظم، أكثر فأكثر، الاتجاه نحو سيطرة سيكولوجية الانكفاء والهجرة لدى تلك الجماعة التي يتلهّف الغرب على تجديد شبابه بدمائها، بينما يُحرَم المشرق من فعالية واحدة من أكثر فئاته السكانية، حيوية، في المجالات الاقتصادية والثقافية.
كان لا يزال هناك بعض وجدان غربي متأثر عاطفياً بمقولات أرض يسوع ومهد المسيحية وأوهام الحمايات وأضغاث الجسور والرؤوس ودبابات الفاتيكان... لكنه وجدان اندثر نهائياً. فالغرب بالمطلق لا يعنيه أمر المسيحي، وربما لم تعد تعنيه الديانة المسيحية من أساسها، فهو بات يرى في عيد الفصح عيداً لتكسير البيض، وعيد الميلاد فرصة لالتقاط الصور التذكارية مع «بابا نويل»، لا أكثر.  لم يكن ينقص لانقراضه، غير تحول نسب الزيادة السكانية في الغرب نحو السلبية. نتيجة تدني أعداد الولادات الجديدة عن أعداد الوفيات في معظم دول الغرب الصناعي. صارت الديمغرافيا هاجساً تنموياً واقتصادياً في البداية. بعدها تحولت هاجساً أمنياً وسيادياً ووجودياً، نتيجة اندفاع الهجرة الإسلامية لتعبئة ذلك النقص السكاني الغربي. مع ما حملته تلك الهجرات من أزمات «المهاجرين» وأحزمة المدن وأماكن الخروج عن سيطرة الدول المضيفة. قالها صانعو القرار الغربي بوضوح. قالها ساركوزي وميركل وبلير: لقد فشل الاندماج الإسلامي في مجتمعاتنا الغربية. ماذا يعني ذلك؟ البحث إذن عن «بؤساء» من غير المهاجرين المسلمين. ذهبوا بداية صوب أميركا اللاتينية. ثم تطلعوا صوب أوروبا الشرقية. وفي ذروة الأزمة تنبّهوا إلى مسيحيي الشرق. إنها فرصة مثالية: إذا سمحنا للإسلام السياسي بطرد هؤلاء، نكون قد ضربنا عصافير عدة بوحشية واحدة. نرضي الإسلاميين في أماكنهم، نخدم اسرائيل، نخفف من النزوح «غير المندمج» إلى بلداننا، لا بل يمكن أن نخلق حركة معاكسة عبر إحياء مفهوم «الهجرة والتكفير» في حرفيته، نقضي على الآلاف منهم في حروبهم الحضارية... ونربح مئات الآلاف، وربما بضعة ملايين من المهاجرين المسيحيين المؤهلين للاندماج في نظام سوقنا وسَوقنا لهم، من دون أي كلفة إضافية.
هي هذه بداية الفكرة المؤسسة لنظرية «الربيع العربي»، كما استوحيت من أبحاث جاك أتالي الاقتصادية التنموية. قبل أن يختصرها ساركوزي بصلافته للبطريرك الراعي في سبتمبر 2012: لا مكان لكم في الشرق. تعالوا إلى هنا. يومها لم نصدّق. أصلاً البطريرك نفسه لم يصدّق. اعتقد أن «نيكولا الصغير»، كما يسميه الذين يعرفونه على حقيقته، عبّر خطأ. أو هو التبس عليه الأمر أو أشكل القول. بعد ثلاثة أعوام لم يعد ثمة مجال للالتباس من أي نوع كان. مع أن ساركوزي رحل وجاء مكانه خَلَف خصم. ومع ذلك صدر بيان رسمي، وعن وزيرين سياديين من عاصمة شارلمان والقديس لويس و«مربط خيل» مسيحيي الشرق: أهلاً وسهلاً بمسيحيي العراق في فرنسا. قضي الأمر. صار القرار رسمياً. للمرة الأولى في تاريخنا الحديث والمعاصر، المؤامرة باتت بياناً رسمياً، اسود على أبيض. لا مكان لمسيحيي الشرق في أرضهم.
لكن المسألة أيضا لا تقف عند هذا الحد، فالغرب بات يفهم أن مشكلة المتطرفين ليست فقط مع المسيحيين، وهذا ما عبر عنه الكاتب «ويليام ريمبل» في «صحيفة الجارديان» بتقرير عن المخاطر المُحدقة بمسيحيي الشرق بعنوان «الدولة الإسلامية المسمار الأخير في نعش المسيحيين والعلمانيين والقوميين العرب». نجح الغرب بطريقةٍ ذكية بتحويل مشكلة العصابات الإرهابية من الدخول في حرب مع الغرب الكافر، إلى الدخول في حرب مع الكفار المحيطين، من منطلق الأقرباء أولى بالمعروف، وهذا الأمر عبّر عنه المدير السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني «ريتشارد ديرلوف» بالقول: إن التطرف الإسلامي اختلف في طبيعة التهديد الذي يشكله منذ غزو العراق، حيث أصبح يشكل تهديداً للعالم العربي، أكثر منه للغرب الذي لم يعد يشكل هدفه الرئيسي.
هذا الكلام بات واضحاً من خلال توالي الحديث بأن تنظيمات مثل داعش وجبهة النصرة وغيرهم، تتلقى مساعدات مالية منذ سنوات من رجال أعمال قطريين، سعوديين وكويتيين، أي حلفاء الولايات المتحدة، وأصدقاء «إسرائيل» في المنطقة. ذلك لأن الدعامة الأساسية لهذا المشروع باتت واضحة وهي التقسيم، بالتالي هل الأزمة فقط هي تهجير للمسيحيين، أم إن هناك ما هو أصعب بانتظارنا؟ بالمطلق علينا ألا نَسقط بما يريده الغرب لنا بتعويم الحالة المسيحية وكأنها الحالة الفريدة في إجرام داعش، وكأنهم يتعاملون مع باقي الفئات بحالة من الرقي الحضاري. إن قضية إفراغ الشرق الأوسط من مسيحيه تماماً، هو تصور مستحيل تقريبا، فمازال الكثير من مسيحيّو الشرق يدركون أكثر من غيرهم ما جاء في إنجيل يوحنا، الإصحاح 16. «سيطردونكم من المجامع، بل تجيء ساعة يظن فيها من يقتلكم أنه يؤدي فريضة لله». لكن المشكلة الأعمق أن هناك من بات يسعى فعلياً لخلق حالة تجعل المطالبة بدولة مسيحية في الشرق، على غرار ما يطالب به «اللوبي القبطي في الولايات المتحدة»، هي أمر مقبول، في ظل إعادة رسم حدود هذا الشرق، بطريقةٍ قد تجعلنا نتحسر على أيام «سايكس- بيكو».
إن محاولة تفجيرا الصراع الديني والطائفي في المنطقة العربية، هو جزء من اللوائح الموسادية التي يتم تنفيذها، لبناء الشرق على أسس الدول الدينية.
 

.................................
.................................
و الآن يمكن الحديث عن أن انفجار التوتر و الاقتتال الديني والطائفي في المنطقة العربية ترافق مع الظواهر التالية:-
1-    تراجع التيار القومي العربي وانتقاله من المتن إلى الهامش، فلم يكن من الصدفة مثلا ترافق صعود التوتر الديني داخل مصر، وانفجار الحرب الأهلية الطائفية في لبنان، مع صعود الثورة المضادة في مصر والتحول إلى الساداتية، الذي ترافق مع انفجار الشقاق بين جناحي حزب البعث في سوريا والعراق حتى تحول الأمر إلى حرب باردة بين الطرفين فاقت تلك التي جرت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. من ساعتها والتيار القومي العربي دخل في موجات جذر وانحصار مستمر ممتد حتى الآن، ترافق مع ما يسمى بالصحوة الإسلامية ويقظة المقدس الديني عموما في المنطقة.

2-    تصاعد النفوذ الغربي في المنطقة وتراجع حركة التحرر الوطني، وامتداد ازرع العولمة الأخطبوطية لتحطيم الثقافة والهوية في المنطقة العربية، ومن عواقب الإحباطات السياسية الداخلية والخارجية، لازت المجتمعات العربية، واعية أو غير واعية، بضروب من السلوكيات التقديسية، والعديد من الظاهرات العبادية والمعتقدات والطقوس الشعبية، وتمثل هذه العودة دلالة عميقة على الانكفاء على الذات الجمعية، وارتدادا إلى المقدس الذي يرسى ضروبا من الأصول والأنماط والأعراف العصية على الذوبان والتفتيت. إن مقاومة هذه المنطقة لمحاولات ابتلاعها تبدوا انها قدر لا فكاك منه، والسؤال ليس إذا كان هناك مقاومة أم لا، بل عن الشكل الذي ستتخذه هذه المقاومة، هل هو شكل حداثي تحرري منفتح على حركة التاريخ، يعيد بناء الهوية والعقل العربي على ضوء حركة التقدم الإنساني، أم هو انكفائي ذاتوي يستدعي الهويات القديمة بما تحمله من خلافات وثارات واحتقان ديني وطائفي.

3-    تفشي نمط النيوليبرالية القائمة على منظومة اقتصاد السوق المعولم والاستثمارات الأجنبية التي تتركز حيث الربحية الأعلى في قطاعات التعدين والعقار والمال والتجارة، في الاقتصادات العربية، مما ألحقها، من خلال الخصخصة والاستثمارات والمشاريع الريعية والخدمية الغير منتجة الممولة بالدين، بالمصالح الرأسمالية العالمية وشريكها الخليجي التابع. وحولت البرجوازيات المحلية (ووسعتها) إلى فئات من الوكلاء الكمبرادوريين الذين تشابكت أعمالهم مع العناصر البيروقراطية الحاكمة، فنشأت عن ذلك بالضرورة، منظومة من الفساد الكبير المؤسسي. ونلاحظ أن هذا النموذج الاقتصادي يؤدي إلى نمو غير قابل للتوزيع على النطاق الاجتماعي، وعاجز عن توفير فرص عمل تستوعب القوى المنتجة، بل وتفاقم البطالة من خلال تسليع الأراضي ورسملة الزراعة وتخريب النمط الفلاحي وإحلال الواردات محل المنتجات الحرفية والصناعية المحلية، كما انها تعمق الفقر، ليس فقط من خلال تعميق البطالة الصريحة والمقنعة، بل أيضا من خلال التضخم والاندماج العولمي من موقع كمبرادوري، إذ انه ينشأ وضع لاعقلاني تماما من التناقض بين أجور مدفوعة بمعادلات اقتصادية واجتماعية ومالية ونقدية محلية، أسعار مقررة وفقا لمعادلات السوق الرأسمالي المعولم.
المنتج الجماهيري للنموذج الاقتصادي النيوليبرالي يتسم بالعشوائية الاجتماعية والإفقار المتزايد الحدة، والتبطل المعمم وعدم الانتظام المهني والوظيفي وتفاقم الضغوط المعيشية على الفئات العاملة، بما فيها الفئات الشعبية الوسطى، وانسداد افق المستقبل وتدني التعليم والخواء الروحي والثقافي. مما حول الجماهير إلى فريسة للتيارات الرجعية والدينية، خصوصا أن ذلك ترافق مع انكماش التيار التقدمي، وانحطاطه.

4-    أسماء مثل محمد عبده، الأفغاني، الكواكبي، و غيرهم، كان يتم تصويرهم دائما على انهم فرسان التنوير في مصر و العالم العربي، بالتأكيد فإن لهم اسهامات قوية و كبيرة أسهمت في تحريك المياه الراكدة، و لكنهم ساهموا مساهمة مباشرة في إجهاض المقولات العلمانية الجذرية و حصارها في ركن ضيق، فهم في أفضل الأحوال لم يكونوا سوى مصلحين دينيين، لم يملكوا قدرة مغادرة دوائر التقليد، و ساهموا في إفراغ مقولات مثل العقلانية والعلم والطبيعة والتاريخ من محتواها العلماني واحتوائها في دوائر التقليد و داخل السياق الإسلامي، أصبح حضورهم في الفكر العربي طاغي وكبير في مقابل تهميش أسماء مثلت التيار العلماني الحقيقي، فمن من هذا الجيل مثلا، حتى على مستوى النخبة في كثير من الأحيان، يعرف فرح أنطوان وسلامة موسى وشبلي شميل وإسماعيل مظهر..؟؟! الأكثر من هذا أن مقولات الاصلاحين وحضورهم في المجال العام مقابل تهميش العلمانيين، شكل الأساس والتكئة التي انطلقت منه الكثير من التيارات الأصولية والرجعية بعد ذلك، فجماعة "الإخوان المسلمين" مثلا، ظهرت كتعبير جذري عن الجانب المحافظ في فكر محمد عبده، وبالتالي كانفصال عن سلفيته الإصلاحية واستراتيجيتها. لقد نقل "الإخوان المسلون" سلفية محمد عبده من دعوة إصلاحية مفتوحة تخاطب المسلمين كافة وتجادل غير المسلمين بالعقل وموازينه في غير ما تشنج أو تعصب، إلى حركة قوامها الدعوة والتنظيم معا، وبالتالي إلى "طرف" ضد أطراف أخرى في المجتمع، طرف تتحدد هويته بمبدأ واحد هو: "الأخوة في الإسلام"، وهكذا فإن فكر هؤلاء الإصلاحيون في أغلب الأحوال عبدوا الطريق أمام الأصولية الدينية وأعطوها نفس جديد، أكثر مما كان رسالة تنوير وتقدم حقيقية.

5-    الانتماء الديني لأغلبية المنتمين للتيار العلماني الحقيقي كانت أيضا سببا في محدودية الاستجابة والتفاعل مع كتابات وأفكار وأراء هذا التيار، فأسماء مثل فرح أنطوان وسلامة موسى وشبلي شميل كلهم كانوا مسيحيين، وللأسف الشديد فقد تم عزل النخبة المسيحية في العالم العربي، والنظر إليها وإلى جهودها بعين الشك والريبة، وكان هذا أحد اسباب فشل هذه النخبة في تأصيل دعوتها في الثقافة العربية.

6-     من ناحية أخرى فإن التيار الليبرالي لم يكن قادرا على أن يحسم موقفه الليبرالي داخل الثقافة العربية، و كثرت فيه ظاهرة الترحال الفكري و الثقافي من الدعوة الليبرالية إلى الردة السلفية، من الكتابات الليبرالية إلى الكتابات الإسلامية، فقد أدت قوة البنية التقليدية للمجتمع، بالإضافة إلى عدم قدرة النخبة على الحسم في عرض مفاهيم التنوير، إلى أنتشار ظاهرة الردة الفكرية، و لعل هذا ما يفسر لنا تراجع طه حسين، وإسماعيل مظهر، وقاسم أمين...إلخ، بل إن التوجهات الليبرالية والعلمانية، والتي كانت تتسم بالتقدمية، كانت تحمل في طياتها عناصر الردة، هذا ما نلاحظه من موقف قاسم أمين من قضية حرية المرأة، وخوفه من الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل في التعليم، فقد دعا ان يقتصر تعليم المرأة على التعليم الابتدائي، ومحاولة التصالح مع البنية التقليدية، فقد حملت التوجهات الليبرالية في طياتها عناصر الردة، و لهذا لم تصمد كثيرا إزاء قوة التيار المحافظ.

7-    في مرحلة الخمسينات والستينيات من القرن العشرين ساد المثقفين والنخبة والانتليجنسيا شعور ليس له أساس، أن التراث والمفاهيم الدينية المسيطرة قد نسيت، ولم تعد تشكل حضور ذات معنى في الواقع العربي، وتراجعت أولوية عملية علمنة الفكر والثقافة لصالح موضوعات أخرى مثل قوى الإنتاج وعلاقاته، أو البنية الفوقية والتحتية، أو الثورة ...إلخ. حتى فوجئت هذه النخبة بالمد الأصولي الديني ابتداء من سبعينيات القرن المنصرم بصعود التيار الديني وتمدده السريع، كانت البداية هي الهزة الارتدادية نتيجة نكسة 67، حيث بدأت ملامح الردة إلى خنادق الدين ترسم خطوطها على وجه المنطقة العربية كلها، وذلك بسبب هشاشة التجربة الحداثية وأنها لم يكن تؤسس لنفسها جذور حقيقية في الثقافة العربية، فقد بنيت على أساس التجاوز وتجنب الاشتباك مع البنية الدينية الغيبية الراسخة، على عكس ما حدث في أوروبا التي كانت الحداثة نتاج مواجهة تلك البنية الأصولية الغيبية وتحديها. إن الأصولية تقدم صورة تبجيلية، ايديولوجية، مسيسة، بل وحتى أسطورية عن التراث الديني، هذه الصورة كانت موجودة في المجتمع وراسخة منذ زمن بعيد، وبما أنها لم تتعرض لنقد جذري وحقيقي من التيار التقدمي وتم القفز على مشكلة التراث، فقد ظلت هذه الصورة راسخة في عقل المجتمع ومخيلته، لذلك كان صعود التيار الأصولي تقريبا عفوي عند أول صدمة واجهت المشروع الحداثي.
 
8-     إضافة إلى هذا، فإن الأصولية الصاعدة وجدت دعم ومساندة ورعاية من أعداء مشروع الحداثة والنهضة في العالم العربي، مثل النظم العربية التقليدية شبه إقطاعية، وخصوصا النفطية، بل ومن المعسكر الرأسمالي نفسه بقيادة الولايات المتحدة، التي وجدت في تيار الإسلام السياسي حليف أساسي في مواجهة المد اليساري وصعود حركات التحرر الوطني. ترافق مع هذا الدعم أنه في مصر، بعد رحيل "عبد الناصر" وتولي “السادات" السلطة، كان كل يوم يمضي يكشف عن أن الرئيس الجديد يخطو على طريق الانقلاب على سياسات وقناعات وأفكار وقيم سلفه. في كتاب "الدين و وظائفه السياسية" يرصد سكوت هيبارد أن " ناصر كان يستشهد بالتأويلات الليبرالية المتسامحة و الحداثية للإسلام و يوظفها وسيلة لتحدي النخب التقليدية و للمصادقة على رؤيته السياسية ، حيث رأى أن الإسلام جزء أساسي من الخطاب القومي ، و لكنه وظف التأويل الذي يتسق مع العلمانية و التوجهات الاشتراكية "، " وظف ناصر الإسلام للمصادقة على نظرية العلمانية للحداثة، بيد أن بؤرة التركيز هذه تغيرت في عصر السادات حيث دعمت الحكومة المصرية التأويل السلفي الحرفي للإسلام كجزء من محاولة أكثر شمولا لإعادة تعريف توجه السياسة المصرية وتقريرها. يمدنا تغير التوجه من الدين، وأيضا من العلمنة بالسياق لفهم صعود الحركات الإسلامية. أعاد نظام السادات الاعتبار لقيادات الإخوان المسلمين، وتقرب من السعودية، وساعد على إدخال الإسلام السلفي إلى صلب مؤسسات الدولة. تمدنا هذه التوجهات بالسياق الذي يمكننا من خلاله فهم السياسة ذات المرجعية الدينية لعهد مبارك."     
و لاستكمال الصورة و توضيحها، من المفيد ايضا استعراض شهادة المفكر المعارض والباحث السياسي د. نبيل فياض عن ما حدث في سوريا، ففي إجابته عن سؤال لماذا اتخذت المعارضة في سوريا الطابع الإسلامي، قال: " معروف تاريخياً منذ زمن طويل أن في سورية هناك معارضات عديدة، ولكن المعارضة الأهم والأبرز والأكثر تنظيماً هي الإخوان المسلمين، والدولة دخلت في حرب مع الإخوان المسلمين في الثمانينيات وحسمت المعركة عسكرياً لصالحها، ولكن فكرياً حُسمت لصالح الإخوان المسلمين، كيف ذلك؟!.. فبدلاً من أن تعلن الدولة علمانيتها و يتمّ نوع من القطيعة المعرفية مع التراث التطرفي الإقصائي والإرهابي الديني دخلت بنوع من المزايدة مع الإخوان المسلمين، لأنهم أقاموا كلّ ركامهم المعرفي على تكفير النظام في سورية على مبدأ أنه علماني طائفي.. فيما أرادت الدولة أن تثبت أنها غير علمانية وغير طائفية، ولكن من دفع ثمن هذه المزاودة هو الشعب السوري، حيث تمّ فتح معاهد تعليم القرآن الكريم وهذه المعاهد تحوّلت بشكل أو بآخر إلى مراكز للتطرف الديني، وأتذكر حوادث كثيرة في مدينة حمص وكتبتُ عنها كثيراً وقرأت برامجها التي تبث فكراً طالبانياً، الدولة اعتقدت أنها بالقبضة الأمنية القوية جداً تستطيع أن تقمع كل شيء وتركت لهم المجال ليفعلوا ما يشاؤون، فكانت سلطتها فقط في المراكز، بينما الريف كان خارج نطاقها و كان مستولى عليه من قبل الشيوخ المتطرفين، ففي حمص من تحرك هي المناطق الهامشية فقط، أيضاً في دمشق ريف دمشق و حلب ريف حلب و إدلب ريف إدلب، لماذا؟.. لأن هذه المناطق كانت مهمّشة ومتروكة للتطرف الديني، و الدولة اعتقدت في بعض اللحظات، وهذا اعتقاد واهم، أن هذا التطرف يمكن احتواؤه أو السيطرة عليه بالقبضة الأمنية، وهذا الكلام غير دقيق لأن هناك انفجاراً ديمغرافياً سكانياً أدى إلى كمّ كبير من العاطلين عن العمل وإلى الفقر، والفقر يؤدي إلى التطرف، كما دخل الوهابيون على الخط وأيضاً لا ننسى الفساد.. فقد كنت أرى بأم العين الوهابيين يأتون إلى قرى سورية يوزعون الأموال وينظّمون الحلقات الدينية، ولم يبقَ مسؤول في سورية لم أضعه بصورة ما يحصل في ريف حماة وريف حلب الشمالي وريف دمشق، ولم يصغِ أحد لصوت العقل واعتقدوا أننا كعلمانيين ضد التطرف والدين والتيار الإسلامي، وأننا نهوّل أو حتى أننا ضد الإيمان وهذا غير صحيح، نحن كنّا نرى بعيني زرقاء اليمامة أن سورية مقبلة على هذه المرحلة، وأنا كتبت كثيراً أن تأجيل الموت لا يمنعه والدولة كانت تؤجل الموت لكن فجأة دخل الموت من درعا واجتاح الدولة كلّها. السيناريو الذي حدث في مصر لا يختلف كثيرا عن ما يرويه د. نبيل فياض في سوريا، لذا بعد زوال النظام في مصر كان الأرض محروثة و جاهزة لصعود التيار الديني إلى السلطة.
.................................
.................................
لا أعتقد ان هناك أحد يتصور أن الحراك العربي الذي بدأ في أواخر العقد الأول من هذا القرن، وأطلق عليه الربيع العربي، يمكن أن يقول أن هذا الحراك ساهم في تمتين الوحدة الوطنية ودعمها، فالحروب الطائفية والدينية باتت تغطي المنطقة كلها تقريبا، لكن أيضا ليس من المنطق في شيء نسب كل هذا إلى الحراك الذي تم في حد ذاته، و بعد مرور أكثر من اربع سنوات على هذا الحراك، يمكن أن نلخص انقسامات النخبة في رؤيتها له في ثلاث مقولات:
1-    أن هذا الحراك تلقائي وطبيعي ويعبر عن رغبات الشعوب وأمانيها وأحلامها.
2-    أن هذا الحراك بدأ تلقائيا وعفوي، إلا ان هناك قوى خارجية وداخلية عملت على حرفه عن مساره وتدميره.
3-    أن هذا الحراك برمته هو مؤامرة كبرى، غرضها تحطيم الأمة العربية وتقسيم المقسم وتفتيت المفتت، خدمة للمشروع الصهيوني وأجندات الاستعمار الغربي.
 ولسنا هنا بصدد اختيار مقولة من المقولات السابقة وتبنيها، ولكن حتى إذا أخذنا بالمقولة الأخيرة بحذافيرها، وتبنينها بشكل كامل، يتبقى سؤال: لماذا كانت الدول والمجتمع في العالم العربي قابلة للاختراق والتلاعب بها وتفجيرها كما نشاهد ونلمس الآن...؟؟!!!!
لقد حاولنا في هذه الورقة الإشارة إلى أن ما حدث له جذوره وأسبابه في التربة العربية، مع كامل التوضيح لدور الغرب التدميري والتآمري، وأنه من المستحيل تحميل هذا الحراك كل المسئولية عن ما حدث، فحتى في سيناريو المؤامرة الكاملة، لم تكن تلك المؤمرة لتنجح إلا باستغلال عناصر الأزمة الموجودة بالفعل، و لم يكن صاعق التفجير لينجح إلا بتوافر شحنات التفجير المتمثلة في الاحتقان السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي بل و العقائدي في المنطقة، التي كانت تجربتها الحداثية بالغة الهشاشة وتعرضت لتجريف بالغ القسوة والعنف على مدى نصف قرن تقريبا.
ربما كان النقد الأساسي الذي يمكن أن يواجه على هذا الحراك وقياداته، هو أنه كان بالأساس أثير الوهم القائل بإمكانية حل الأزمة التاريخية للبلدان العربية، بإقامة ديمقراطية على الطراز الغربي، خارج اشتراطات الواقع، وبغض النظر عن حل قضايا التحرر الوطني والتنمية والديمقراطية الاجتماعية، لذلك تدهور ذلك الحراك العربي سريعا من ليبرالية شعبوية، إلى سيطرة الإسلام السياسي، ثم إلى هيمنة السلفية الإرهابية.
لم حدث أن هذا الحراك العربي أنتهى ليصبح ربيعا للشرق الأوسط الجديد وفق المخطط الأمريكي؟
أولا، إننا نستطيع جميعا ان نرى ان القوى المحركة لجماهير الربيع العربي، هي مزيج من نشطاء الشباب المسيسين على النمط الغربي، والقوميين واليساريين المهجوسين بالمبادئ الليبرالية المتمركزة حول الحريات والانتخابات النزيهة والحكومات البرلمانية والرؤساء المنتخبين والمواطنة والعدالة بمعنها الحقوقي والإنساني العام... إلخ. بينما غابت عنهم مبادئ التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي والتنمية المستقلة. وبما أن العناصر القيادية الرئيسية في الحراك العربي هي من هذا النمط، فقد طبعت الشعارات السياسية لتحركاتها بالليبرالية السياسية.
ثانيا، الكتل الجماهيرية الكبرى في الحراك العربي، جاءت على الحراك من سياق آخر تماما. لقد جاءت من عزلة سياسية وثقافية شاملة، ولم تكن تعرف طوال العقود الثلاثة الماضية سوى التأثير المباشر لقوى الإسلام السياسي، من خلال تعويض الخواء الروحي والثقافي بالتعصب الديني المؤدلج بالوهابية، والإدارة المحلية للفقر المدقع من خلال الأعمال الخيرية الضرورية لضمان الاستمرار في الحياة.
وعندما التحقت الكتل الجماهيرية الموصوفة أعلاه بالحركة الاحتجاجية الليبرالية، تحولت الحركة إلى انتفاضة ناقصة، وتمكن الإسلاميون من استخدام تلك الكتل الجماهيرية في إطار برنامج سياسي يقوم على ترميم النظام القديم نفسه في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، ولكن على أساس المشاركة القوية أو الاستحواذ الكامل للسلطة.
لقد أسقط الحراك الشعبي العربي في السنتين الأخيرتين، جملة الأوهام حول البديل الليبرالي؛ تبيّن أنّ مداه لا يتعدى، في أفضل الحالات، تغيير النخب الحاكمة، لا المضامين السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحكم الذي بقي بين أيدي الفئات الكمبرادورية المرتبطة بالغرب الامبريالي والرجعية الخليجية. لا جديد يبشر الفقراء والمستغَلين والعاطلين وسكان أحزمة البؤس والمتسربين من التعليم والمحرومين من التأهيل التنافسي. لا جديد يبشر بكسر حلقة التخلف وإحداث القفزة التنموية. لا جديد في ميدان الحقوق الاجتماعية والخدمات العامة، ولا جديد في العلاقة التبعية مع الغرب والخضوع للمشروع الصهيوني. الجديد الوحيد هو في المجال الثقافي، حيث بدأت بالفعل الهجمة على كل مناحي التنوير والمدنية، صوب شمولية ثقافية رجعية معادية لحرية العقيدة والفكر والحق في اختيار نمط الحياة الشخصي، وتقوم على إطلاق الغرائز العدوانية للعصبيات المذهبية والطائفية والأثنية من كل لون وشكل، وعلى التعصّب الأعمى ضد الاختلاف الثقافي، وعلى الإرهاب المستهدف فرض نموذج وحيد لحياة العرب، هو النموذج الوهابي.
وليس ما حدث ويحدث في مصر وتونس ـ حيث نجح التغيير الليبرالي ـ هو انحراف عن الليبرالية، بل هو نتيجتها الحتمية في الظروف العينية القائمة. فقد مثّل استبعاد البرنامج الوطني الاجتماعي، وبالتالي استبعاد المساس بالأنظمة الكمبرادورية السياسية والاقتصادية، الأرضية المواتية لهيمنة الخطاب الديني الإخواني السلفي المتدحرج نحو الوهابية، سياسياً، وتحوُّل قواه، بدعم أميركي خليجي، إلى أداة جديدة، أسوأ من سابقتها، لإعادة انتاج النظام الكمبرادوري وعلاقاته الاجتماعية الداخلية وسياساته الخارجية في السياق السابق نفسه.   
 ما البديل؟
 بالتأكيد فإنّ البديل ليس بالطبع العودة إلى القديم وترميمه. هذا وهم ورجعية مهما كانت الشعارات، وليس اليأس والعدمية. فهذه هي طريق صريحة لانحلال الأمة لا بالمعنى المجازي، بل بالمعنى العياني في سيناريو يتحول فيه العرب والمسلمون إلى فائض سكاني مفقَر له وظيفة محددة في خطط الإمبريالية هي تزويدها بالنفط والغاز وعوائدهما... وبجيوش من السلفيين الجهاديين لخوض معاركها تحت راية الإسلام السياسي. وعلينا أن نبحث اليوم جدياً في هذا السيناريو: فبسبب أزمتها الاقتصادية التاريخية من جهة، وبسبب مستجدات ولادة تعدد القطبية من جهة أخرى، غدت الإمبريالية ـ التي لا تستطيع فرض هيمنتها على العالم إلا بالقوة ـ منزوعة الأسنان. فهل تجد في القدرات الإرهابية لبعض قوى الإسلام السياسي، أسنانها الجديدة؟
البديل هو...
بديلاً تاريخياً مختلفاً يقوم على إعادة بناء الذات في مشروع تنموي وطني يحقق الخبز والكرامة الإنسانية والقومية والعدالة الاجتماعية والحرية، في ربيع مختلف، عماده تجديد حركة التحرر الوطني.
التحرر الوطني مفهومٌ مركّب؛ فهو يتضمن من جهة أولى التحرر من الاستعمار و(أو) السيطرة الإمبريالية و(أو) التبعية السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية للمراكز الامبريالية. ويتضمن، من جهة ثانية، التحرر من شروط التخلف الداخلية المعرقلة لنموّ قوى الانتاج والتشغيل والتنمية المستقلة المتعاضدة داخلياً، أي الاعتمادية المتبادلة بين القطاعات الاقتصادية المحلية والسيطرة على العلاقات الخارجية وفق معادلة التعاون وتبادل المصالح لا وفق المعادلة الكمبرادورية. ويتضمن، من جهة ثالثة، التحرر من العلاقات الطبقية القهرية والامتيازات التي تعرقل التقدم. (والجملة الأخيرة ليست وصفاً لتلك العلاقات التي ستظل قائمة لحقبة ربما تطول، لكن لما يعرقل التنمية والتشغيل منها)، ويتضمن، من جهة رابعة، التحرر من إرث الثقافة القروسطية كالطائفية والمذهبية، والانتهازية الفردية وعقلية الربح والتربح ومعيارية الثراء المادي والفقر الروحي والعقلية الاستهلاكية والحط من قدر النساء الخ. ويتضمن، من جهة خامسة، النظام الديموقراطي الاجتماعي المنفتح نحو الاشتراكية. ويتضمن هذا النظام، آليات ضريبية وسواها من الآليات التي تتيح الإعادة المنظّمة لتوزيع الثروة على المستوى الوطني، والتنمية المتوازنة للمراكز والأطراف، والمساواة في الفرص الاقتصادية، وشمولية التعليم والتأهيل والثقافة والرعاية الصحية والطبية المجانية واللائقة، وتمكين الأسر من السكن اللائق والخدمات (الماء والطاقة) وشبكات المواصلات المنظمة والرخيصة الخ. ويتضمن، من جهة سادسة، التمكين القانوني والواقعي للفرد، رجلاً كان أو امرأة، من اختيار نمط الحياة الشخصي المتحرر من كل قيد شرعي أو اجتماعي وصيانة حقوقه الانسانية في إطار قانون مدني ليبرالي. وهذه هي المساهمة الوحيدة اللازمة من الليبرالية في فكر التحرر الوطني. وفيما يخص حركة التحرر الوطني العربية، فقد وجدت نفسها، إضافةً إلى المهمات المطروحة على شعوب العالم الثالث في العرض المار ذكره، في مواجهة مهمتين: الوحدة بوصفها مهمة أساسية لتحقيق التنمية المستقلة، ومواجهة إسرائيل بوصفها قوة تدخل امبريالية، من دون أن ننسى، بالطبع، اغتصابها بلداً عربياً وتشريدها للفلسطينيين.

الجمعة، 6 مارس 2015

النووي الإيراني بين السعودية وإسرائيل .. تطبيع قاب قوسين أو أدنى


كتب /

في ظل سعي دؤوب من السعودية لتحويل صراعها السياسي مع إيران إلى صراع طائفي يتجاوز حدود تصادم مصالح الدولتين في المنطقة إلى تصادم هَوية على أساس مذهبي تحشد الأولى من خلاله دول وجماعات على أساس الطائفة فيمسي الخلاف السياسي وتصادم المصالح صراع وجود، ألتقط رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو هذا الأمر مبكراً، وعمل على تغذيته أولاً عند الجانب الأميركي منذ بداية العام الماضي، وعزز ذلك بدعوة صريحة للرئيس الأميركي في يونيو الماضي ومن خلال وسائل إعلام أميركية، وثانياً عند ما أسماه بالدول “السُنية المعتدلة”، وهو المصطلح الذي لم ينفك عن تكراره مؤخراً حتى في خطابه أمام الكونجرس الأميركي منذ يومين.
أول أمس وقف نتنياهو ملقياً خطاب على أعضاء الكونجرس الأميركي، في ظل توتر يشوب علاقة الحكومة الإسرائيلية بإدارة الرئيس باراك أوباما، على خلفية تناقض ثانوي ما بين الاثنين فيما يتعلق بملف إيران النووي، وهو تناقض ليس بالجديد، وممتد منذ 2012، وقتها كان الخلاف ما بين واشنطن وتل أبيب يكمن في كيفية معالجة القضية النووية الإيرانية؛ واشنطن كانت ترى الضغط بسلاح العقوبات بينما تل أبيب تريد ضربة للمنشآت النووية الإيرانية تشارك فيها وتدعمها الولايات المتحدة. وقتها دعم نتنياهو وبشكل صريح منافس أوباما في الانتخابات الرئاسية، مرشح الحزب الجمهوري، ميت رومني. والأن يكرر نتنياهو ذلك بدعم متبادل بين حكومته وبين أعضاء الكونجرس الأميركي ذو الغالبية المنتمية للحزب الجمهوري، وهـو الأمر الذي تسبب بقطيعة أوباما وخارجيته لمؤتمر لجنة “ايباك” السنوي، التي نادراً ما يغيب عنه رئيس أميركي منذ تدشين اللجنة في خمسينيات القرن الماضي، وكذلك عدم حضور أوباما وغالبية نواب حزبه لخطاب نتنياهو.
خطاب نتنياهو لم يخلو من إشارات إلى أن الخطر الإيراني من وجهة نظره لا يخص إسرائيل وحدها، ولكن أيضاً المصالح الأميركية، وكذلك مصلحة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة من دول المنطقة. ملمحاً إلى “دول سُنية معتدلة” توافق وجهة نظرها حيال البرنامج النووي الإيراني وجهة النظر الإسرائيلية والتي بالضرورة توافق وجهة نظر الإدارة الأميركية التي تخوض حرب مع حلفاءها من هذه الدول “السُنية المعتدلة” ضد تنظيم “داعش”، ملخصاً طرحه هذا بقوله: “عندما نأتي إلى إيران وداعش فعدو عدوك هو عدوك أيضاً”.
ليس بغريب أو جديد على نتنياهو القيام بمثل هذا الأمر، فهو ومنذ تصدره للعمل العام في دولة الاحتلال منذ منتصف التسعينات ويسعى شأنه شأن أي سياسي إلى توظيف أخطاء الخصوم لمصلحته، ولكن الجديد هذه الأيام أن التوظيف السياسي يتعدى مرحلة الاستفادة من أخطاء عشوائية وغير متكررة، ولكنها سياسة عدد من دول عربية على رأسها السعودية تسعى لتقليص مساحات التباين بينها وبين الكيان الصهيوني منذ مطلع الألفين، سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وقتها، أو حالياً بالتحالف مع إسرائيل لمواجهة إيران على أساس تقاطع مصلحة الدولتين فيما يتعلق بالنووي الإيراني على اختلاف وسائل التقارب بينهم سواء إعلامية أو دبلوماسية أو حتى عسكرية.
مراحل التقارب –الذي قد يكلل قريباً بتطبيع رسمي- بين السعودية وإسرائيل شهدت ذروتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة أصبح هناك أكثر من مبرر وأكثر من فرصة لتطبيع معلن وشرعي بين الرياض وتل أبيب، وهو الأمر الذي ينظر له بعض الأطراف في العاصمتين كضرورة حتمية عن أي وقت مضى، وتجدر الإشارة هنا إلى ما أعلنته شبكة سي.إن.إن الأميركية في ديسمبر العام الماضي  أن نائب وزير الدفاع السعودي وقتها، الأمير سلمان بن سلطان زار إسرائيل برفقة وفد عسكري سعودي، وربط ذلك بتوصيات مؤتمر هرتسليا الأخير التي شملت على وثيقة أمنية أعدها عشرات الخبراء العسكريين والأمنيين والسياسيين، نص بندها الأول على أنه يجب على إسرائيل خلق مجال تحالف إستراتيجي جديد في الخليج، عن طريق إقامة علاقات رسمية أو غير رسمية مع دوله وعلى رأسها السعودية، انطلاقا من مبادرة السلام العربية واتفاق كل من السعودية وإسرائيل على خطورة البرنامج النووي الإيراني. وهو ما أكدت عليه صحيفة هآرتس في افتتاحيتها قبل أسبوع من خطاب نتنياهو أمام الكونجرس.
ومع تفاقم ظاهرة “داعش” ومحاولة توظيفها من جانب السعودية وإسرائيل في صراعهم مع إيران، زاد التقارب بين الرياض وتل أبيب إلى الحد الذي يراهن فيه الإسرائيليين على العرب “السُنة” سيحلوا محل الولايات المتحدة إذا أنجزت الاخيرة اتفاق نووي مع إيران، من باب أن كل من إسرائيل وهذه الدول العربية “السُنية” تجد أن إيران “الشيعية” إذا تمكنت مع انجاز اتفاق نووي فأن ذلك سيعزز من نفوذها في المنطقة، وهو ما جعل هذه الدول العربية تعرب عن قلقها للولايات المتحدة، مما حدا بصحيفة “جيروزليم بوست” الإسرائيلية أن تبرهن بذلك على وحدة موقف إسرائيل وهذه الدول العربية حيال النووي الإيراني. فيما ذهب استاذ العلاقات الدولية بجامعة نيويورك ومدير وحدة الشرق الأوسط بمعهد السياسي الدولية، ألون بن مائير، إلى أن كل من موقفي إسرائيل والسعودية حيال البرنامج النووي الإيراني واحد وذلك بدافع أن كل من الدولتين يعتبرون حلفاء إيران في لبنان وسوريا واليمن والعراق أعداء لهم. وذلك في مقال له نشره موقع سي.إن.إن. بعنوان “مخاطر إيران النووية  وتداعياتها على السعودية وإسرائيل“.
 إعلاميا، نشرت قناة “العربية” السعودية في موقعها باللغة الإنجليزية -دون نشره في النسخة العربية- مقالاً لكاتب سعودي يدعو أوباما إلى الإصغاء لخطاب نتنياهو، مسهباً في شرح تفاصيل الضرورة التي توجب على واشنطن وحلفاءها في المنطقة مع إسرائيل للوقوف ضد الخطر الإيراني. وغني عن الذكر أن هذا المقال وجد اهتمام بالغ من صُحف إسرائيلية اعتبرته يمثل وجهة النظر السعودية، وهو ما أكدت عليه صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية التي قالت -حسبما أورد موقع “المصدر” الإسرائيلي- أن ما قاله نتنياهو عن خطر تمدد النفوذ الإيراني للعواصم العربية كان يجدر أن يقوله رؤساء دول عربية.
دبلوماسيا، وسعياً لتعزيز طرح نتنياهو والذي مفاده وحدة الخطر الإيراني على إسرائيل والولايات المتحدة وحلفاءها “السُنة”؛ سريعاً إلى الأمام، تتكرر هذه الأيام المساعي الإسرائيلية في ظل مرحلة حاسمة وصلت إليها المفاوضات النووية، وكالسابق تتقاطع كل مصلحة إسرائيل والسعودية. أمس نشرت مجلة  “ذا أتلانتك” الأميركية أن نتنياهو عن طريق السفير الإسرائيلي في واشنطن، رون ديرمر، وجه دعوة رسمية إلى عدد من سفراء الدول الخليجية في الولايات المتحدة لحضور خطاب نتنياهو أمام الكونجرس، بدعوى أن هذه “الدول السُنية” لها مصالح مشتركة مع إسرائيل ضد إيران “الشيعية”، أهمها اهتمام هذه الدول مع إسرائيل بإيقاف البرنامج النووي الإيراني.
أما عسكريا، فتكررت هذه الأيام أنباء عن تعاون سعودي- إسرائيلي مشترك لضرب منشآت نووية إيرانية، حيث تسمح السعودية للمقاتلات الإسرائيلية بعبور مجالها الجوي إلى إيران. وجدير بالذكر أن هذه الأمر سُرب إلى الإعلام أول مرة عام 2012، وتكرر مجدداً منذ أيام على لسان مسئول أوربي قال أن لديه معلومات تؤكد امكانية حدوث ذلك.
بعيداً عن أصداء خطاب نتنياهو، التي تراوحت بين التقليل من أثره كون جوهره لم يأتي بجديد بالنسبة للولايات المتحدة ويستخدم لأغراض دعائية انتخابية، أو الاحتفاء به كونه ينم عن رؤية جذرية لمواجهة خطر إيران ككل وليس برنامجها النووي؛ فأن اللافت والجديد عن حق هذه المرة هو مطابقة علنية لرؤية الدولتين تجاه طهران، وهي الرؤية التي قاربت على نحو غير مسبوق بينهم، وقد تكون كافية لتطبيع العلاقات بين الحكومتين في تل أبيب والرياض –حتى دون حل للقضية الفلسطينية طبقاً لمبادرة السلام السعودية- ليس فقط فيما يخص البرنامج النووي الإيراني، ولكن أيضاً لتوافق العاصمتين في موقفهم تجاه إيران وحلفاءها في المنطقة، حتى وإن استدعى ذلك إسباغ مسوح مذهبية على  الصراع السياسي بين السعودية وإيران، المستفيد الأول من ذلك هي إسرائيل.

الأحد، 1 مارس 2015

تحقيق إستقصائى عن سيناء الغائبة





تحقيق: ياسمين الجيوشي - تصوير أحمد العطيفى / ديسمبر 2012

* التحرير تقضى 6 أيام على الحدود مع إسرائيل
* الدولة غائبة فى سيناء إلا فى العريش والمدن السياحية.. وما عدا ذلك خارج السيطرة
* لا حياة فى قرى الحدود ولا وجود للأمن.. وفريق «التحرير» تعرض للخطر عند جبل الحلال
* الشيخ حسن خلف: القوات المسلحة تستطيع أن تضبط الأمن السيناوى خلال يومين.. ومرسى لا يريد

«آدى السلام ولا بلاشى.. سينا اللى مدفع مافيهاشى.. بالأمر جيش مايروحهاشى.. حطولها قفل ورزّة وباب» كلمات للشاعر أحمد فؤاد نجم، كانت حاضرة فى ذهنى طيلة ستة أيام قضيتها على حدود مصر الشرقية، لمعايشة أبناء الشريط الحدودى فى المنطقة «ج» معاناتهم، منزوعة السلاح بموجب معاهدة السلام، لكنى فوجئت أنها قرُبت من أن تكون منزوعة البشر أيضا، وخلُصت إلى أنه لو ترك الأمر بهذا الشكل، فعلينا أن نقرأ الفاتحة على سيناء، إن لم يكن الأجدى بنا أن نقرأها منذ زمن.
سرنا على الحدود من أقصاها إلى أقصاها، وعند أبعد نقطة عن الحدود ترجَّلنا فيها خمسة كيلومترات، حيث الخريزة وأقرب نقطة كانت العزازمة التى تبعد عن الحدود 1 كم تقريبا.
كانت النتيجة التى توصلنا إليها واحدة، وهى أن هناك نصا خفيا بمعاهدة السلام، ينص على ترك سيناء وبالأخص حدودها بلا تنمية، وتركها لأياد تعبث بأمنها وبأمن وطن بأكمله، فلا تنمية هنا ولا أمان، لا جيش ولا شرطة، فقط لا ترى سوى الرعب والفقر والحاجة، ولا يوجد دولة على سيناء إلا فى مدينة العريش فقط، أما عدا ذلك فهو خارج السيطرة الأمنية، بل خارج سيطرة كل شىء تقريبا.
الرحلة التى استغرقت من فريق التحرير 6 أيام، كان مرافقنا فيها شاب بدوى اسمه مصطفى الترابين، كان هو المرشد والدليل لنا من شمال سيناء حتى جنوبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اليوم الأول:تهريب 800 ألف لتر وقود يوميًّا بعلم الحكومة
هنا قرى رفح: مدارس بلا مدرسين ومستشفيات لا تعرف الأطباء
اتجهنا إلى شمال سيناء، حيث قرية المهدية بمدينة رفح، وتبعد عن الحدود الإسرائيلية 2كم، بيوت متناثرة -يبدو أنها شيدت حديثا- وسط صحراء عظيمة الاتساع، تلك القرية من أكثر المناطق التى كان لديها مشكلات مع الأجهزة الأمنية، وما زالت.
«سيناء تعانى من مشكلات التنمية، حيث البطالة منتشرة والمدارس بلا مدرسين، والمستشفيات بلا أطباء، وبشر بلا عقول يديرون المنطقة»، هكذا قال إبراهيم المنيعى أحد مشايخ القرية، مستكملا «المشكلة الكبرى هنا تهريب الوقود، فرفح بها 11 مضخة على مسافة 1كم يتم تهريب 800 ألف لتر وقود منها فى اليوم، يكلف الدولة خسائر 6 ملايين جنيه يوميا، فهل الحكومة لا تستطيع السيطرة على هذه المسافة؟ وإن كانت الأجهزة الأمنية لا تعلم هذا فتلك مصيبة، وإن كانت تعلم وتسكت، فالمصيبة أعظم».
كان يجلس بجوار الشيخ شاب فى عقده الثانى، يدعى سامى المنيعى خريج كلية التربية جامعة الأزهر، سألته إن كان تقدم للعمل كمدرس فى إحدى مدارس رفح، فأجاب «تقدمت للعمل فى الإدارة التعليمية بمدينتى الشيخ زويد أو رفح، لكن طلبى كان يرفض دوما، رغم خلوّ المدارس من المدرسين، وأبناء الوادى ومدينة العريش، يأتون من بلدانهم ليأخذوا الوظيفة فى الإدارة التعليمية فى مدينتى رفح والشيخ زويد ويقدمون عقد إيجار أنهم مقيمون هنا ثم يعودون إلى بلدانهم ويستمرون فى تقاضى المرتبات». خرجنا من المهدية وتوجهنا إلى قرية العجرة جنوب رفح، ونزلنا فى تجمع الأنصار الذى يبعد عن الحدود 2 كم، وتقوم القرى فى هذا المحيط على زراعة البطيخ فى ظل وجود المطر، لكن عندما يتوقف، تعود الأرض إلى سيرتها الأولى صحراء جرداء، إضافة إلى قيام الأهالى برعى الأغنام عندما يتوفر العشب.
كنا رصدنا فى طريقنا حاويات وقود ضخمة، فهذه المنطقة حسب قول الأهالى، أكبر مناطق تهريب الوقود، وعندما سألنا مصطفى عن ماهيتها قال «تلك الحاويات تتجه إلى الأنفاق لتهريب الوقود إلى غزة، ويتم تهريبه أيضا إلى إسرائيل». وصلنا إلى القرية التى تنتشر فيها العشش، وسط كثبان رملية كثيفة، كان بعض الأطفال يلعبون بكرة صنعوها من الخوص، عندما رأونا، ركضوا مسرعين إلى منازلهم المصنوعة من نفس ما صنعت منه الكرة، وخرج إلينا شيخ كبير اسمه سليمان سليم، استضافنا فى مضيفته المصنوعة من الخوص أيضا.
كانت بداية حديث الشيخ صادمة حيث قال «الموساد يعمل هنا على قدم وساق، والدليل على صحة حديثى، عندما أتت شركة رجوة المصرية والمتخصصة فى حفر آبار المياه، أعطاهم الموساد رشوة ليقولوا إنه لا توجد مياه فى تلك المنطقة، وقاموا بحفر خمس آبار كلفت الدولة ملايين الجنيهات، وقالت لنا الشركة فى النهاية لا توجد مياه».
وأوضح الشيخ أن الأهالى قاموا بحفر بئر كلفتهم 10 آلاف جنيه، قائلا «لو خرجت مياه فى تلك المناطق ستعمر بالناس، وهذا ما لا تريده إسرائيل، بسبب التصاق تلك القرى بالحدود، كما أن الحكومة ترفض منح تراخيص البناء، لنفس السبب».
أما سليمان الديب فأشار إلى غياب الأمن فى تلك المنطقة، وانتشار عصابات تهريب البشر، وأن الأهالى عثروا على جثة أحد الأفارقة قبل شهر تقريبا فى هذا المكان.
ترجلت بعد ذلك نحو عشة متواضعة جدا تقطنها امرأة بدوية، استأذنتها للدخول فوافقت، وجلست مع منى عيادة، التى قالت «زوجى كان يعمل سائقا لكنه الآن لا يجد ما يعمله، ونمتلك حلال (أى أغنام)، لكن الآن لا يوجد عشب للرعى وأحيانا نسافر بها إلى الإسماعيلية»، وأخبرتنا أنها لا تمتلك بطاقة، لكن ابنتها الصغيرة لديها شهادة ميلاد.
ما زلنا فى رفح واتجهنا صوب نجع شبانة البعيد عن الحدود 4 كم، وتقابلنا مع الشيخ عبد الهادى عتيق «قاضى عرفى من قبيلة السواركة» الذى قال «نحن نعانى من كل المشكلات التى يعانى منها المصريون لكن بشكل أكبر، كما أن لدى بدو سيناء أزمة معنوية فى هويتهم، فكثير منهم لا يشعرون بالانتماء للدولة، فالبدوى يستثنى من أى منصب رفيع فى الدولة، إضافة إلى حرمانه من الالتحاق بالكليات العسكرية أو الشرطة».
وأشار كذلك إلى حرمان البدوى من تملك الأرض، قائلا «كى أشترى أرضا من الدولة يجب أن أثبت أننى مصرى وأقدم حجة أرض من 200 عام، فى حين أن ابن الوادى يستطيع تملك الأراضى فى سيناء ببطاقة الرقم القومى ليس أكثر، لذلك فالأراضى هنا فى سيناء وضع يد، وتكون عقود البيع والشراء بين البدو، عرفية».
توجهنا بعد ذلك إلى قرية الجورة بمدينة الشيخ زويد والبعيدة عن الحدود 4 كم، وأجرينا مقابلة مع الشيخ حسن خلف «كبير مجاهدى سيناء فى حرب أكتوبر» الذى تحدث عن الوضع الأمنى فى سيناء قائلا «غياب الدولة أدى إلى انتشار التكفيريين والجهاديين فى سيناء، وأنا على يقين أن القوات المسلحة تستطيع أن تضبط الأمن خلال 48 ساعة، ومرسى يريد أن يظل الوضع فى سيناء على ما هو عليه». انتهينا من اليوم الأول وكنا نحضر للتحرك فى اليوم التالى إلى الوسط حيث القرى الأكثر فقرا ورعبا، ولم نكن نعلم ما يخبئه لنا القدر.
.....................................................................
اليوم الثانى:معظم أهالى «عيد القديرات» بلا بطاقة
كلمة السر للمرور من كمين المسلحين.. السواركة
تحركنا إلى وسط سيناء، وكنا نمزح مع مرافقنا مصطفى، لكن الابتسامة اختفت وتبدل المرح بالخوف عندما دخلنا مفترق طرق عند جبل الحلال، حيث استوقفتنا سيارة دفع رباعى وترجَّل منها ثلاثة ملثمون، كل منهم يحمل سلاحا آليا وأحدهم كان يحمل قنبلة يدوية.. تملكنا الرعب، واعتقدت أن هذه النهاية، وسأل الملثمون مصطفى «إنت من قبيلة إيه؟» فأجاب «السواركة»، فنظر لنا الملثمون نظرات مريبة وسمحوا لنا بالمرور، سألت مصطفى «لماذا لم تخبرهم أنك من الترابين»، فقال «لأن هؤلاء من التياهة ولو قلت لهم إننى تربانى لقتلونى بسبب ثأر معنا، ولو كنت حاولت الهرب بالسيارة لكانوا ألقوا علينا القنبلة».
كنت قبلها قد حددت وجهتى إلى قرية «عين القديرات» التى بها أقدم وأهم عيون المياه فى سيناء، وبالفعل وصلنا القرية، عبر طرق متهالكة، ومررنا على مدينة القسيمة التى كانت قرية وتم تحويلها إلى مدينة عام 2007.
دخل المضيفة بعد دقائق معدودة، رجل عجوز فى عقده السابع، يتكئ على عصا متهالكة، هو الشيخ سليمان سالم من مشايخ القرية، جلس بجوارنا مرحبا، وبدأ حديثه عن المجندين الذين يتم استهدافهم منذ فترة فى سيناء قائلا «ماذا فعل العساكر كى يُقتلوا، هم لم ينهبوا ولم يسرقوا، هم هنا ليحمونا، وباعتقادى أن الذين يقتلون الجنود عصابات متشددة مسلطة لزعزعة أمن مصر».
مشكلات الخدمات والتنمية ليست وحدها التى تواجه تلك القرية الفقيرة، فعدد كبير من سكانها لا يحملون بطاقات الرقم القومى، وأوضح محمد سليمان أحد سكان القرية ذلك، قائلا «بعد النكسة، قام الاحتلال بعمل شهادات توثيق لنا، وعندما ذهب الاحتلال عام 1982 تنفيذا لمعاهدة السلام، أمرتنا الحكومة باستبدال شهادات مصرية بشهادات الاحتلال، وكنا نقوم بعمل إسقاط قيد، لتحرير شهادة ميلاد مصرية، ولو وجد موظفو السجل المدنى تشابها أسماء بين عوائلنا وعائلات فلسطينية يقولون لنا «أنتم فلسطينيون»، مثلا أنا اسمى محمد العرجانى، وهناك عائلة العرجانى بفلسطين، قالوا لى أنت فلسطينى بسبب تشابه الاسم واستلمت بطاقة الرقم القومى فى 2007، بعدما أثبتُ لهم مصريتى، لكن هناك كثير من عائلتى دون شهادات ميلاد وبطاقات رقم قومى».
مصريون فى سجن بئر سبع: مصر تعاملنا كأننا كلاب
«ألو، كيفك يا خوى، كيف السجن معك؟» قالها فايز سليمان لأخيه سليم المعتقل فى سجن «بئر سبع» بالنقب الإسرائيلية، اقتربت من فايز وسألته «هل تتحدث مع أخيك المعتقل» فأومأ برأسه وقال نعم.
طلبت منه أن يعطينى الهاتف بعد استئذان أخيه، وبالفعل لحظات وكان الهاتف فى يدى أتحدث مع أسير مصرى فى سجون الاحتلال الإسرائيلى، والتهمة «اختراق الحدود الإسرائيلية وتجارة الهيروين».
يقول سليم سليمان «كنت أقوم بتهريب كراتين معسل إلى إسرائيل، لكن الشرطة الإسرائيلية بعد القبض علىّ حولتها إلى كرتونة هيروين وحُكم علىّ بالسجن 6 سنوات، وهاتفت السفير المصرى، فرد (عايزنى أعملك إيه يعنى)».
.....................................................................
اليوم الثالث:وادى عمرو..القرية التى اخترقها الموساد
توجهنا إلى جبل الحلال، أكثر مناطق سيناء خطورة حيث يلجأ إليه الخارجون عن القانون نظرا إلى جغرافيته الوعرة، وكثرة كهوفه، ويمتلئ بمغارات لا يعرفها إلا البدو، ويصعب على الأجهزة الأمنية اقتحامه.
وصلنا إلى «وادى العمرو» فى جبل الحلال ويبعد عن الحدود الإسرائيلية 3 كم، وتقابلنا مع سليم سليمان التيهى، سائق، يقول «ابن الوادى مفضل عن أبناء سيناء، نتعامل معاملة رديئة تحت الصفر 200 درجة، أنا كل اللى باطلبه من الحكومة إنها تعاملنا كآدميين، إحنا شوفنا الويل بعد النكسة».
خرجنا من وادى العمرو واتجهنا نحو قرية اسمها «الخريزة» تبعد عن الحدود 5 كم، وهى القرية التى قتل فيها إبراهيم عويضة، القيادى بجماعة أنصار بيت المقدس، أغسطس الماضى على يد الموساد الإسرائيلى، كما يقول الأهالى.
التقينا بعبد الله مزاح من قبيلة التياهة، نفس القبيلة التى كان ينتمى إليها عويضة، وحسب قوله فإن الخريزة مخترقة من جانب الموساد، وأن استهداف الموساد لعويضة كان بمساعدة عدد من أبناء المنطقة الذين ثبت تعاملهم مع العدو، وتم ذبح أحدهم.
وعن مشكلات القرية قال مزاح «لا توجد هنا كهرباء والمولدات معطلة دوما، كما أن الماء هنا لا يصلح للشرب ولا حتى لغسيل الجسد، كما أخبرنا الأطباء، وهناك ماكينة تحلية فى القسيمة لكنها تعطلت والناس تشترى خمسة براميل مياه بـ50 جنيها من محطة تحلية مياه تابعة للشركة القابضة».
وأضاف مزاح «الناس هنا تعمل إما فى الرعى وإما فى جمع الحطب وهناك من يزرع الزيتون، وإن توقف المطر الناس ماتلاقيش تاكل».
خرجنا من بيت مزاح، واتجهنا صوب السيارة التى نستقلها، لكن استوقفنى عدد من أطفال القرية يلعبون رغم برودة الجو، استوقفنا طفل يدعى عمار عمره 8 سنوات، سألته «إنت ليه مش فى المدرسة» فرد قائلا «المدرسة بعيدة عن البيت كيف أروحها يعنى، والمدرسين بييجوا البيت يدرسولى»، سألته «نفسك تطلع إيه» فرد قائلا «مدرس عشان أعلم الناس هنا».
انتهينا من يوم جبل الحلال، وكنا نعد العدة للتوجه إلى قبيلة العزازمة وسط سيناء فى اليوم التالى، حيث حدثنا أحد أهالى سيناء عن قبيلة تدعى العزازمة، وأخبرنا أن تلك القبيلة أوضاعها مأساوية للغاية، وأهلها لا يحملون جنسية مصرية ويعرفون بـ«البدون».
.....................................................................
اليوم الرابع:الوصول إلى القرية عبر مدقات وعرة.. وأهالى القبيلة لا يحملون الجنسية المصرية
ناس العزازمة.. «بُدُون» مصر
ها نحن فى يومنا الرابع نتحرك صوب «الحسنة» بوسط سيناء حيث قبيلة العزازمة، كان اليوم فى بدايته طويلا، وبدا لى أنه مجهول البدء والمنتهى.
كمين المحاجر كان أول كمين أمنى نمر عليه فى طريقنا، ثم كمين «الحفن»، وهو كمين من قوات حرس الحدود، قاموا بتفتيش السيارة وأمرونا بإبراز بطاقات الهوية، فهذا الطريق المؤدى إلى وسط وجنوب سيناء، لا يمر منه سوى المصريين فقط.
فى الطريق إلى العزازمة كان الجو ينذر بتقلبات جوية غير مطمئنة، كما أن عواصف رملية عاقت الرؤية تقريبا طوال الطريق، وكنا نسير على سرعة مخفضة «من باب الاحتياط»، ولم نرَ أى سيارة شرطة أو مدرعة جيش طوال هذا الطريق الطويل والمخيف، غياب أمنى واضح سببه الملحق الأمنى فى معاهدة السلام، وما زاد من القلق والحيرة أن هذا الطريق شبه الخاوى يتم من خلاله تهريب الأفارقة والسلاح والمخدرات.
العزازمة هم «بدون» مصر حيث لا هوية لهم، وهى قبيلة تسكن وسط سيناء لا يحمل أهلها بطاقات هوية مصرية أو غير مصرية، ويحملون بطاقات مكتوب فى خانة الجنسية «غير معين الجنسية» ويُعرفون اصطلاحا بـ«البدون»، وهى فى الأصل قبيلة منتشرة بين صحراء النقب فى فلسطين المحتلة «إسرائيل» وسيناء، والموجودون فى النقب يتم تجنيدهم فى الجيش الإسرائيلى.
يقول خالد عرفات أمين عام حزب الكرامة الناصرى بشمال سيناء «العزازمة هم ضحية سايكس بيكو بسبب تقسيم الأراضى، وكانت لهم أراض فى سيناء انتزعتها منهم القبائل البدوية الأخرى»، مضيفا «الحدود فى تلك المنطقة تعمدت مصر وإسرائيل تركها مفتوحة وهى المنطقة التى تم اختراقها من الموساد الإسرائيلى واستهداف إبراهيم عويضة، قبل شهرين فى وسط سيناء».
أخيرا وصلنا إلى قبيلة العزازمة، عبر مدقات وعرة، الحياة هنا تكاد تكون قاتلة، خيم وبيوت تتوسط عدد من جبال وسط سيناء متوسطة الارتفاع، ورجال ونساء يختبئون فى البيوت من قلة ذات اليد وقسوة الحياة.
تقابلنا مع الشيخ سالم عودة شيخ القبيلة، الذى كان جالسا بالقرب من مضيفته الخاصة، حيث استقبلنا بها، وجلس يحدثنا عن مأساة قبيلته «لا يوجد لدينا أى خدمات لا كهرباء ولا صحة ولا تعليم، وكتبت هذا فى خطابات وقدمتها إلى المحافظة مرارا وتكرارا، ولا من مجيب، والمشكلة الأولى لنا هى الجنسية، نحن نريد أن تعترف الدولة بنا كمصريين، ونمتلك بطاقات مكتوبا عليها (تذكرة مرور) حيث لا يحق لنا السفر إلى أى بلد وإذا اتجهنا نحو العريش نعانى الأمرّين وأنا رجل كبير السن «مش حمل بهدلة»، مشيرا إلى قيامهم برفع قضية على الدولة لمنحهم الجنسية، والبت فيها خلال يناير الجارى.
ويضيف الشيخ سالم «نقوم بتجديد الإقامة كل سنة بـ100 جنيه للفرد، وأنا لدىّ أسرة كبيرة فوق العشرين فردا، كى أقوم بتجديد إقامتهم فأنا أحتاج إلى ما يزيد على ألفى جنيه سنويا، كما أنه لا يحق لنا تملك أى شىء، والسيارات التى تريها هنا ملك أقارب لنا على الورق صوريا لكنها فى الحقيقة ملك لنا وهى مصدر رزقنا».
يصمت الشيخ سالم قليلا ويضيف «أبى كان يعمل مع المخابرات المصرية وقت الحرب، كما عملتُ مع المخابرات وعمرى لم يتجاوز 15 عاما، ونحن لسنا خونة، بل مصريون، وهذه الأرض أرضنا ولن نتخلى عنها أبدا، فنحن لا نعرف لنا وطنا بديلا».
اتجهنا من بيت الشيخ سالم نحو هضبة مرتفعة قليلا، عليها مبنى صغير، سألنا أحد المارة عنه، فأخبرنا أنها وحدة صحية لكن الأطباء والممرضات هجروها، وتم تحويلها إلى مدرسة ابتدائى ليتلقى أبناء القرية تعليمهم، ومع ذلك لا تعمل أغلب الوقت نظرا إلى غياب المدرسين، وتقابلنا مع الطفل عيد سويلم عند المدرسة كان يلعب مع أخته الصغيرة سألناه لماذا يتغيب عن المدرسة، فقال «مسكرين المدرسة، فيش مدرسين».
مرحبا بك فى إسرائيل، ذلك هو نص الرسالة التى استقبلتها أجهزتنا المحمولة ونحن نتجول على الشريط الحدودى، أرسلتها شبكة «أورانج» الإسرائيلية، التى تعمل بكفاءة عالية بطول الحدود، أما شبكات المحمول المصرية، فلا أثر لها هنا.
الأمر كان مؤلما، فالشبكة الإسرائيلية فى أكثر منطقة حساسة بمصر، تعمل بكفاءة، أما الشبكات المصرية فلا حول لها ولا قوة، نظرا إلى أن شركات الاتصالات المصرية لا تدعم المناطق الحدودية بشبكات تقوية، «وإن كانت الدولة تخاف من صنع جواسيس لصالح إسرائيل، فهذا الأمر -وإن بدا أننا نضخمه لبعض المسؤولين- كفيل بصنع جواسيس»، كما قال لنا عبد الله مزاح من قرية الخريزة.
ويضيف مزاح «الموساد يعمل على تقوية شبكة المحمول الإسرائيلية هنا فى حين أن الحكومة المصرية تتجاهل تقوية الشبكات المصرية، والموساد يقوم بالتنصت على مكالمات الهاتف، وكثير من ضعاف النفوس يتم تشغيلهم لحساب الموساد بهذه الطريقة»، مشيرا إلى أن الذين ساعدوا الموساد فى اغتيال عويضة أغسطس الماضى من أبناء المناطق الحدودية وأحدهم اعترف أنه تم تجنيده عبر الهاتف، وقامت جماعة أنصار السنة بذبحه.
أما إبراهيم المنيعى من المهدية برفح، قال «الشبكة الأولى فى شمال سيناء هى شبكة أورانج، سواء فى اتصالات الهاتف أو الإنترنت، والحكومة لم تهتم بطلب الأهالى بتقوية شبكات الاتصالات المصرية على الحدود، حتى شبكات الإنترنت الأرضية لا تعمل هنا».
فى أثناء عودتنا إلى الفندق قال لى مصطفى «هذا بيكفى»، فأجبته «أريد مواصلة الرحلة إلى الجنوب».
.....................................................................
اليوم الخامس:الكهرباء تمر عبر القرية للأردن دون أن تنير منازلها.. والمسجد الوحيد بلا خطيب
الكونتيلا.. مسرح تدريب الطائرات الإسرائيلية
قررنا الاتجاه نحو الجنوب، ووصلنا إلى قرية «الكونتيلا» الفاصلة بين شمال وجنوب سيناء، تبعد عن الحدود 2 كم، ويصل عدد سكانها إلى ألفى نسمة، ويوجد بالقرية مسجد يتبع وزارة الأوقاف التى عينت شيخا فيه لكنه لا يأتى حتى فى صلاة الجمعة، حسب الأهالى.
تقابلنا مع صباح سليمان، من مشايخ القرية، جلست بجواره، حيث كان جالسا مع بعض الرجال وسألته عن مشكلات القرية فقال «لدينا آبار لم تصل إليها الكهرباء لذلك فهى دوما معطلة، ومنطقة الحدود تعانى من الجفاف بسبب قلة المياه، لذلك فمزارع الزيتون دوما تجف ويحترق المحصول، ورغم وجود آبار لكن الحكومة لا تكلف خاطرها وتمدها بالكهرباء لرفع المياه». مضيفا «شركة أوراسكوم لديها مولدات عملاقة تبعد عن هنا مسافة 200 كم تخص الشركة فى منطقة النقب، ورغم أن الكونتيلا غنية بالمياه الحلوة والمالحة فإن الحكومة لم تضع مولدا كهربائيا هنا لرفع مياه الآبار».
وحسب ما قاله الأهالى فإن طائرات إسرائيلية تقوم باختراق المجال الجوى المصرى للتدريب، حيث تقوم بالطيران على ارتفاع منخفض مما أدى إلى تصدع المبانى.
«الإعدادية» هى آخر ما يتلقاه المرء هنا من تعليم، حسب ما قاله الأهالى، وذلك بسبب بعد المسافة بين القرية وأقرب مركز به مدارس صناعية وتجارية وعام، يقول سليمان عيد «آخر تعليم نتلقاه هو الإعدادية فأقرب مدرسة ثانوية من القرية هى مدرسة القسيمة وتبعد عن هنا 100 كم تقريبا».
وقال خليل سالم «نحن نزرع الزيتون ونرعى الأغنام ونربى الجمال ونقوم بذبح الحلال وبيعه، لكن عندما يتوقف المطر تجف مزارع الزيتون، ونتوقف عن العمل، ونشترى المياه من القسيمة أو العريش بالشىء الفلانى، ونقوم بحفر خزانات فى الأرض لنجمع فيها المياه، والحكومة كانت قد أنشأت خزانات على مسافة ألف متر دمرها السيل وطالبناها بتصليحها لكنها لم تفعل».
انتهينا من «الكونتيلا» وقررنا مواصلة الرحلة نحو الجنوب، وكان الطريق خاويا من كل شىء عدا الجبال القاسية، وفى أثناء الرحلة شاهدت أعمدة ضغط كهرباء عظيمة الحجم تشق الجبال، قلت لمصطفى «فيه ضغط عالى هنا، أمال مفيش كهرباء إزاى»، فرد قائلا «لأن دى اللى بتتصدر للأردن».
وصلنا إلى النقب المصرية، ودلفنا إلى طريق يتوسط جبال الجنوب العاتية، وكلما اتجهنا شمالا، أشعر بالبحر أكثر فأكثر، إلى أن وصلنا «طابا»، حيث أوقفنا ضباط الداخلية الموجودون فى كمين مدخل المدينة وسألونا «انتوا مين ورايحين فين» أخبرناه بأننا صحفيون نقوم بعمل تحقيق صحفى حول «السياحة»، سمح لنا الضابط بالمرور، فالإجراءات الأمنية كما قال لنا أبو قطة مشددة ليس لشىء إلا لأن طابا منطقة سياحية هامة.
بعد طريق طويل وساعات سفر منهكة، وصلنا إلى نويبع وبالأخص منطقة الترابين أو قرية الصيادين، التى تقع على خليج العقبة.
وصلنا فى وقت متأخر حيث بدأت الشمس تميل نحو مغيبها، وترجَّلنا على أقدامنا حتى وصلنا إلى عشة خوص كبيرة تقع على شاطئ البحر مباشرة، كان المنظر أبدع مما تخيلت، وبدأت الأنوار تشتعل فى نويبع والجانب الآخر من البحر، كنت أتطلع إلى المنظر بانبهار، ولاحظ ذلك أحد الموجودين الذى تقدم نحوى وأشار بيده إلى المناطق المقابلة من البحر قائلا «دى السعودية ودى العقبة الأردنية ودى أم الرشراش (إيلات) ودى طابا».
داخل العشة الخوص بدأ الرجال حديثهم، وبدأ الحديث محمد الأحمر «لدينا هنا مشكلات كبيرة كباقى الشريط الحدودى، والمشكلات تأتى من مصر إلينا، وبدو سيناء هم الشماعة الذين تُعلق عليهم أخطاء شعب بأكمله»، استوقفته وسألته «كيف؟»، فرد قائلا «من يقوم بالعمليات الإرهابية من أهل الوادى وهناك تصفية حسابات وصراعات بين النظامين السابق والحالى، والمقصود تصدير سيناء منطقة صراع، والانتماء للدولة يأتى عندما يحصل المواطن على حقوقه، ولو بدو سيناء خونة لباعوا سيناء لليهود منذ زمن»، وطالب «أن تولى الدولة اهتماماتها بالمنطقة (ج) من شبكات اتصالات وطرق وتدعيم مولدات الكهرباء والتوطين الكلى للمنطقة، فهى حائط الصد الأول للاحتلال».
وطوال الوقت كان سليم سلمان صاحب المضيفة يتحدث بلهجة حادة، تنم عن حقد دفين تجاه الحكومة، وعرفت أنه هارب من حكم بالسجن 86 عاما بتهمتى مقاومة السلطات وتجارة المخدرات، واتفق مع الأحمر فى رأيه أن المشكلات كلها تأتى من مصر قائلا «الحكومة أفسدت أخلاق البادية وجعلت البدو جواسيس على بعضهم لصالح الداخلية وجعلوا سيناء منطقة صراع على السلطة، ولا يوجد بيننا وبين الدولة أى ثقة، فهى تعتبرنا يهودا درجة ثانية ونحن فى حكم القانون مخالفون بسبب تلفيق القضايا لنا».
وفى أثناء الحديث، دخل علينا شاب فى أواخر عقده الثانى، رحب الجميع به، وقال له سليم سليمان «احكى عن اللى شوفته لما كنت بتخلص ورق التجنيد»، فقال سليم عودة «عندما ذهبت لأنهى ورق المعافاة من الجيش قال لى جنرال فى الإسماعيلية: بتوع سينا يقفوا على جنب، حرام تدخلوا الجيش، انتو يهود سينا».
اقتربت الساعة من العاشرة مساء وقررنا المبيت فى منطقة تفصل بين نويبع وطابا، لأن مضيفينا نصحونا بعدم التحرك فى هذا التوقيت لأن الطرق غير آمنة، وبالفعل قضينا هذه الليلة فى معسكر يقع على البحر مباشرة ويحتضنه جبل كبير، وكانت أنوار أم الرشراش «إيلات» تجلب على النفس شيئا من الحزن والحسرة.
.....................................................................
اليوم السادس:أهالى النجمات: نعمل خفراء على أرضنا التى انتزعها رجل أعمال
فى الصباح توجهنا صوب قرية النجمات، البعيدة عن طابا 1 كم، وتقع فى حضن جبل ضخم، ويفصلها عن البحر قرية سياحية، تفصلها عن الرفاهية والحياة أيضا.
كانت ألوان بيوت القرية مبهجة ورائعة رغم الفقر الذى بدا على أهلها، ويوجد بالقرية مسجد ومدرسة ابتدائى، لكن المدرسة لا يوجد بها سوى مدرس واحد فقط، يمر على جميع الفصول ويدرس جميع المواد.
تقابلنا مع الشيخ سلامة الزميلى من قبيلة الحيوات، رجل طاعن فى السن، استضافنا وجلس يحدثنا عن القرية، مشيرا إلى البيوت قائلا «هذه البيوت أنشأتها لنا شركة أوراسكوم منذ عامين تقريبا، كمقابل بعد أن أخذت أرضى ملكنا لعمل هذه القرية السياحية عليها»، مشيرا إلى المنتجع السياحى المقابل لقريتهم، مضيفا «نحن أجبرنا الشركة على بناء القرية كتعويض لنا عن أراضينا وكنا قبل ذلك نسكن فى خيام وعشش».
وحسب كلام الزميلى فالأراضى لا تُملك لبدو سيناء منذ عهد الملك فاروق، الذى أمر برفع ملكية الأراضى عن أبناء سيناء كى لا يبيعوها لليهود، مثلما باع الفلسطينيون أراضيهم وبيوتهم لليهود.
وعن عمل أهل القرية قال الزميلى «نعمل غفر لتأمين القرية السياحية الموجودة أمامنا لكننا لن نتنازل عن مطلبنا بصرف تعويضات لنا عن الأرض التى سرقت منا، إضافة إلى أن النظام الحالى يتعامل بنفس معاملة النظام القديم، كأن ثورة لم تقم».
أنا مش مصرى.. أنا بدوى
كانت أكثر جملة صادمة لى فى أثناء التحقيق، عدم الاهتمام ببدو سيناء جعلهم يتملصون من مصريتهم، بل الأدهى من ذلك أن البعض يرى أن مصر تحتل سيناء وأن المصريين أو أهل الوادى -كما يُطلقون- يريدون خطف سيناء منهم.
تلك الجملة سمعتها أول مرة من منى عيادة فى رفح، عندما سألتها عما إذا كان لديها علم باستشهاد أفراد من الجيش قبل أشهر فى قرية الماسورة برفح، وكانت المفاجأة عندما قالت «زعلت عشان المصريين جايين هنا يحمونا»، سألتها مباغتة «المصريين! هو إنتى مش مصرية؟»، فردت بأسلوب أكثر مباغتة «أنا بدوية مش مصرية».
وطوال الرحلة كانت تلك الجملة تتردد على مسامعى كثيرا، لكن الأكثر صدمة لى كان كلام سليم سلمان، من نويبع، الذى كان يتحدث دوما عن كون مصر تحتل سيناء، وأن المصريين أو أهل الوادى «أحفاد فرعون» أما أهل سيناء فهم أحفاد إبراهيم عليه السلام.