كتب / الدكتور معمر نصار ..
تتناول أقلام الكثيرين في الصحف والكتب مشكلة البحث العلمي في مصر , وهي مشكلات تتشابه جدا مع دول عديدة في العالم النامي في الواقع وبالتحديد الدول التي لا تتشابه مع مصر فقط في محدودية الموارد لكن في نموذج التنمية المتبع فيها. هذه الملاحظة الأخيرة تحديداً هي ما يغيب عن غالبية ما يكتب عن مشكلات ومعوقات وأحيانا مأساة البحث العلمي والتعليم العالي ودراسات ما بعد التخرج في مصر فهي تعالج المشكلة علي نحو مقتطع ومجزوء تغلبه التفصيلية رغم أنها في سياق النقد تعرج علي دور القطاع الخاص في دعم البحوث التي تجري داخل أروقة الجامعات , المسألة تقدم كأنها استشعار ضميري مرتفع هناك لدي القطاع الخاص واستشعار ضميري منخفض لدي القطاع الخاص هنا , هذا العزل يأتي من هشاشة الخلفية السياسية - الاقتصادية لدي من يتناولون الموضوع سواء من أفراد النخبة العلمية الممارسة للبحث أو من الكتاب المشغولين بمشكلة التخلف علي نحو مناسباتي في الغالب.
إن التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي والدراسات ما بعد التخرج هي جديلة أساسية في ضفيرة التقدم النوعي في مستويات المعيشة وكفاءة إدارة الموارد و الإنتاج وحجم امتلاك أمـة ما من اسرار التصنيع والقدرة علي العيش الجيد في ظروف قد تطرأ من الانغلاق أو الحصار , و تعبير غير مباشر - لكنه لا يخطيء - عن نموذج التنمية المتبع.
فلا شك أن التعليم النظامي وقد نشأ بشكله الحديث مع الدولة الوطنية البرجوازية الحديثة , كحق وطني يكتسب بالميلاد للمواطن علي الدولة فهو إنما جاء أيضا تلبية لحاجة ماسة تسببت فيها طفرة النمو الكبير في التكنولوجيا والعلوم التي صارت مستقلة عن النشاط الفلسفي الموسوعي , ومع النمو الرأسمالي الكبير والمتسارع في بدايات الرأسمالية كانت الفجوة بين التقنية والعلم البحثى تضيق وأصبح التعليم الأسري والفردي في بيوتات الموسرين والذي تكفل في الماضي بانجاب النبهاء والعلماء الكبار غير كاف لتلبية الحاجة إلي المختصين وحتي العمال اللازمين لتدوير الماكينات وتوزيع السلع فأصبح التعليم العام هو الطريق الوحيد إلي توفير هذه الكوادر ومع تحول أغلب النشاطات الانتاجية إلي نشاطات تصنيعية بدرجة أو أخري بما فيها الزراعة - التي أصبحت التكنولوجيا والعلوم تغزو مجالاتها لتحسين قدراتها وتعظيم نتاجها - بحاجة هي الأخري لا إلي فلاحين تقليديين وفقط بل إلي عمال زراعيين وتقنيين لديهم حد أدني من الدراية بالعلم والتكنولوجيا معا بعد أن أصبح الفصل بينهما مستحيلا , فقد نشأت كليات الهندسة بأنواعها والزراعية منها لأن التكنولوجيا صارت باستمرار عملاً علميا يحتاج إلي فهم للنظريات المعقدة التي تقف وراء سير الماكينات والألات .
وفقدت الجامعة رويداً رويداً طابعها النخبوي الشديد وصارت أكثر شعبية مع تزايد أعداد الشبان القادمين عليها وبعد أن كانت توفر فقط قاعات المحاضرات ضمت الورش والمعامل وتضمنت أعمالاً يدوية أيضا فضلا عن المكاتب الفخيمة والأردية المنتمية لطبقة الأثرياء العليا فأصبح معطف المعمل وقفاز اليد ضمن أدواتها وأزياءها.
الجامعة والمدرسة إذا صدي لما يجري في عالم الإنتاج , هي ورشته التحتيه حيث تصنع الابتكارات التي تجد طريقها إلي الورش وخطوط الإنتاج وإلي المصانع التي تنتج الماكينات ومعامل إنتاج البذور وتحسين السلالات , ليست الجامعة والمدرسة إذا نشاطا ديكورياً جمالياً تزين به الحضارة صدرها لغرض التباهي أو الاستعراض أو استكمالاً لشكل ديمقراطي للدولة الحديثة , ولأنني أميل إلي المباشرة وقد أرهقني هذا التقديم الطويل فإنني سألجأ إلي تحويل العدسة إلي القوة الكبري الأن , تفحص معي ما يمكن أن يحدث للمؤسسة التعليمية " المدرسة والجامعة " في نموذج تنموي يعمل بالقطعة فيقوم اقتصاد بلد ما علي استيراد مصانع جاهزة تنتج سلعا ذات جودة عالية من الملابس والأدوات المكتبية والأواني ويعتمد في حاجاته من السلع الغالية الثمن كالسيارات علي استيراد أجزاءها ثم تجميعها وعلي ماكينات جاهزة لمزارع كبيرة لشركات فردية تنتج محاصيل مصممة لأسواق خارجية تأتي بالدولار وغير موجهة لسد حاجات المجتمع مثل مزارع الجمبري والشريمب وكميات هائلة من الفراولة المحسنة والتي جري استيراد شتلاتها من الخارج , تصور معي هذا البلد عندما يشرع في تخطيط عمراني جديد كم سيكون حجم اسهامه الوطني في هذا الامتداد !! وعندما يرغب في توسيع رقعته الزراعية ما حجم اسهام مهندسيه الزراعيين ومهندسيه المدنيين فيما سيجري وكمثال فقط لدينا الأن مشروع حفر قناة السويس الجديدة في مصر وهو مشرووع عملاق , لكن هل استشعرت أي تغير طـرأ علي حجم التشغيل الفني أو أن هناك نشاطاً متزايداً في إحدي الجامعات اتصالاً بهذا المشروع !!!!! , لن أجيب فأنت تعرف أن كل مسمار في أي ماكينة تعمل في هذا المشروع أتية من الخارج بما فيها حتي عربات نقل الردم ...
أين دور المدرسة والجامعة هنا ! , محدود للغاية .. ماذا سيكون دور كلية الزراعة وماذا كان دورها رغم التطور الكبير في الصناعات الغذائية الذي حدث بالبلاد منذ التسعينيات ! أنت تري عشرات شركات انتاج البسكويت والكيك والشيبس لكن كليات الزراعة تعاني إحجاما من الطلاب عن الانضمام إليها , لماذا لم تسهم نموات مثل النمو في التصنيع الغذائي في تطوير أداء كلية الزراعة ولماذا لا تساهم ببحوثها فيما تفعله هذه الشركات !! , الاجابة أن هذا النموذج التنموي يعتمد علي سياسة قديمة هي الاحلال محل الواردات وهي سياسة بدأها الاستعمار البريطاني في أعقاب الحرب العالمية الأولي تهدف إلي نقل الصناعات الخفيفة اللازمة لإعاشة جنوده في المستعمرات تحسباً لانقطاع وسائل النقل بالبحر بعد تجربة الحرب العالمية الأولي وتقطع نقل الامدادات والأغذية لمعسركات بريطانيا وفرنسا في أفريقيا والهند فكان التفكير في جعل هذه الصناعات تنتقل للبلدان المستعمرة بحدود طبعا , ليس للدرجة التي تسمح للمستعمرات بتعلم كيف يصنعون مصانع الأغذية أو كيف يمكن تطوير وسائل علمية لتعقيم الغذاء المعلب وكيف يمكن تصميم ماكينات ضغط العبوات وتعبئتها أو كيف يمكن تطوير سلالات بكتيرية خاصة تكسب منتجاً نكهة مميزة أو تحافظ عليه مدة أطول دون أن يتغير أو كيفية تحسين خواص اللون في سلعة غذائية ...
الموضوع هو نقل المصنع للمستعمر وبالطبع السماح لبعض رأسمالي البلد المستعمر بامتلاك بعضها بشرائها مباشرة من الدول المصدرة والمالكة للتقنية , هذا الانتقال حصل بحدود بسيطة فنقلت الاحتياجات إلي الشعوب دون أن تكفيها لاحقا وبعد نجاح حركات التحرر الوطني تم التوسع في نموذج الاحلال هذا دون العمل الحقيقي علي توطين تكنولوجيا الانتاج نفسها , في البداية كانت أعداد المصانع المستوردة للتشغيل هنا تكفي لتشغيل خريجي مدارس الزراعة والهندسة والعلوم الجامعية وقبل الجامعية لكن في كل الاحوال كانت الرعاية الصحية للمواليد لم تكشف بعد عن قدرة الكتلة السكانية علي التضاعف بما يزيد علي قدرة سياسة الاحلال علي استيعاب القادمين الجدد إلي الحياة. وبغض النظر عن طبيعة الملكية لهذه المصانع المشتراه جاهزة فإنها لم ولن تتمكن من استيعاب طاقة الجامعة والمدرسة علي تخريج الكوادر فنشأت مشكلة معكوسة لمشكلة بدايات الرأسمالية فأصبح المجتمع بحاجة إلي طريقة للتخلص من الجامعة والمدرسة ...
في الحقيقة لا تجرؤ حكومة علي قول هذا , لكن قبل أن نغادر هذه النقطة علينا أن نتوقف لحظة .. هل هذه المشكلة هي نفسها في دول الصناعية ؟! لا هناك اختلاف كبير لأن نموذج التنمية هناك لا يعتمد علي سياسة الاحلال ومجالات الانتاج لا تزال تستوعب مخرجات الجامعة والمدرسة , صحيح أن الأتمتة " التوسع فى استخدام الألات Automation " تهدد العنصر البشري والعامل اليدوي لكن بالقطع ليست الحالة مأساوية كما هي هنا , هذا الفارق هو الفارق بين التنمية المستقلة والتنمية التبعية , الأولي قائمة علي الاستجابة لتحديات الاحتياجات بداية من الفكرة العلمية وصولا للتطبيق التكنولوجي للحل بينما الثانية تعتمد علي استيراد الحل جاهزا وقصر دور المجتمع والأيدي العاملة فيه علي التشغيل في المرحلة النهائية ...
وسأعطي مثالاً أخر للتوضيح , لدينا في مصر عشرات الماركات العالمية من الغسالات والثلاجات المنزلية تجمع هنا يعمل فيها ما لا يزيد عن بضعة ألاف من العمال في خطوط تجميع هي أقرب إلي المخازن لكن لماذا لا تستوعب شركات الصناعات الهندسية هذه خريجي المدارس الصناعية وكليات الهندسة ! لماذا لدينا هذه البطالة المروعة !
لا تنخدعوا بالحديث عن التأهيل وخرافة الكفاءات فالعمل هو الكفيل بخلق الكفاءة , المهم إذا كانت تلك الغسالات تم تطويرها من خلال مشاريع بحثية في جامعة أو اثنتين وتم تطوير برامج تشغيلها الحاسوبية في جامعة أخري او اثنتين وكل مرحلة من مراحل صناعة كل مكون فيها تتم هنا في مصر فهل كان المتوقع أن تكون الجامعة مكانا صاخبا صباحا ساكنا سكون القبور مساءاً !!! وهل كانت ستكون هناك هذه البطالة المروعة في خريجي التعليم التكنولوجي الثانوي والجامعي ! , هل لو كانت الفراولة والقمح والقطن تطور في مراكز البحوث الوطنية وتجرب فيها وتطبق في مزارع كبيرة علي المستوي الوطني وتعمم باشراف الدولة , هل كانت كلية الزراعة ومدرسة الزراعة مكانا لتضييع الوقت وتصنيع الاكتئاب !! , نموذج التنمية يا سادة ينعكس في الجامعة والمدرسة ما دام نموذجا ملحقا وتابعا وفي خدمة المراكز المسيطرة تكنولوجيا لتسويق منتجاتها مع مشاركة هزيلة في الرص والتعتيل المسمي بالتجميع فالمدرسة والجامعة والبحوث ستستمر في التدهور ...
في التسعينيات طورت عالمة كيمياء من المركز القومي للبحوث طريقة لتصنيع الورق من حطب القطن فماذا كان مصيره !! أنا أتكلم عن أشياء بسيطة , أولاً اختفي القطن لأن الرأسمال المحلي ينتج سلعا وعينه علي سوق المراكز المسيطرة وفقا لعقد تم ابرامه بينه وبينهم عبر الحكومات هو منظمة التجارة العالمية , أين القطن ؟ رحل ليترك المكان للفراولة ولا عزاء لصناعة الورق في مصر , لماذا يجب أن يكون هناك بحوث علمية إذا كانت بنية التنمية تتجه إلي النمو بالقطعة وتعظيم خزينة المركزي من الدولار وفقط لنتمكن من الاستمرار في استيراد احتياجاتنا التي تتطور مع استيراد المزيد من المصانع الجاهزة والزراعات الخادمة لاحتياجات مجتمعات أخري , فيم سنحتاج الجامعة أصلا والمدرسة وغيرها من مؤسسات التعليم !! لهذا تلجأ الحكومات التابعة مثل حكوماتنا إلي ربط التعليم بدائرة تضييع الوقت المسماة بالجودة وهي سيف مسلط لاغلاق ما تيسر من المؤسسات فالجودة تملك سلطة اغلاق المؤسسة العلمية ووقف استقبالها لأي طلاب لو لم توف بالأوراق المطلوبة وهي حيلة من الطرق الامريكانية الصنع في تعثير المتعثر فلا مجال لحديث بعضكم عن مشكلة الجدية والالتزام أو دعم مجتمع الاعمال , هذا المجتمع هو صانع الأزمة ولن يكون جزءاً من حلها , بل حله هو نفسه بداية الخروج من التخلف وتدني مستوي المعيشة والادارة.
عندما نصنع نموذجا مختلفا عن الاحلال والاستيراد , هذا النموذج الذي يضمن سيطرة الاجنبي علي الوطني واستبقاء الوطن ضمن دائرة التخلف لابد من نسفه من جذوره وقتها سيكون هناك دور للجامعة والمدرسة وسيكون هناك إنتاج حقيقي وعمل حقيقي ولن نستشعر وطأة هذا العبث ...
