فى التناقض**
تقوم الحياة على اساس قانون التناقض فى الاشياء فهناك تناقض فى كل شىء ؛ فى الحرب مثلا هناك تناقض بين الهجوم والدفاع وبين النصر والهزيمة ؛ وهذا التناقض هو ما يدفع الحرب الى التطور ؛ حتى على مستوى التفكير الذاتى فالتناقض والصراع بين الافكار المختلفة هو ما ينتج افكار جديدة اكثر تطورا ...
وبالتالى فالتناقض موجود فى المجتمع بين الطبقات والقوى المختلفة ؛ ولنأخذ المجتمع المصرى على سبيل المثال ونطبق عليه قانون التناقض بناء على الخبرة اللى اكتسبناها من الفترة الانتقالية منذ الانفجار الشعبى فى 25 يناير وحتى الانتخابات الرئاسية وما بعدها ..
لقد كان المجتمع المصرى مهيىء للانفجار والثورة ضد نظام مبارك لان التناقض بين النظام وسياساته وبين الشعب " تناقض داخلى " قد وصل الى مرحلة خطيرة لا مناص فيها من الثورة ؛ فالنظام المصرى بسياساته الاقتصادية وبطبيعته الاجتماعية هو نظام تسبب فى قهر الشعب المصرى وافقار المصريين وبالتالى فهو لم يكن معبرا عن ارادة شعبية بأى حال بل انه ضحى بالامن القومى مقابل العمالة للولايات المتحدة ؛ ومن هنا كان هناك تناقض بين كل القوى السياسية والنظام السياسى لكن هذا التناقض لم يكن بنفس الدرجة ؛ فلنوضح ...
اذا تحدثنا عن القوى السياسية نجدها منقسمة الى ثلاثة اقسام رئيسية بينها تناقض وفى كل قسم منها تناقضات داخلية.
فأولا لدينا التيار الاسلامى وهو فى تناقض مع الدولة فيما يخص القضية الوطنية لانه يتبنى مشروعا مختلفا "دولة اسلامية " لكنه فى نفس الوقت فى توافق مع الدولة اجتماعيا حول طبيعة النظام الطبقى والسياسات الرأسمالية وهو فى هذا فى توافق مع الامبريالية ايضا لكنه فى تناقض معها فيما يخص المشروع الاسلامى أى كانت اسانيده العلمية المتوافقه مع الواقع الحالى ومدى تطور البشرية ! .
وفى داخل التيار الاسلامى نفسه هناك تناقض بين التيار السلفى وبين جماعة الاخوان ؛ فالسلفيون يميلون اكثر للاستقرار والتوافق مع النظام بينما الاخوان يمكنهم ان يدخلوا فى صراع مع النظام للحصول على بعض المكاسب وتقاسم السلطة ناهيك عن ان الخطاب السلفى اكثر رجعية من الخطاب الاخوانى ..
اما على مستوى التيار المدنى بجناحيه " يسارى - ليبرالى " فهو فى تناقض مع الاسلام السياسى فيما يخص الدولة الوطنية العلمانية ومبادىء المواطنة والمساواة والحريات بدون تمييز وهذا تناقض شامل وواضح ؛ وفى نفس الوقت هو فى تناقض مع الدولة العسكرية من حيث رفضه الاستبداد ودعوته للديمقراطية لكنه يتفق معها فى مبدأ الدولة الوطنية ؛ من ناحية أخرى هناك تناقضات داخلية داخل التيار المدنى فالتناقض بين الخطاب اليسارى والخطاب الليبرالى واضح ؛ الليبرالية تتفق مع النظام والاسلاميين والامبريالية فى النظام الاجتماعى وطبيعة الاقتصاد بينما يختلف جزأ من اليسار فى مصر مع النظام والاسلاميين والليبراليين والامبريالية فى تلك النقطة بينما الجزأ الاخر من اليسار يمر بحالة من التخبط ونستطيع ان نقول انه يسار ليبرالى بشكل أو بأخر .
اما النظام وهو متمثل فى تحالف المؤسسة العسكرية ورجال الاعمال مع باقى مؤسسات الدولة فهو فى تناقض مع الاسلام السياسى فيما يخص الدولة الوطنية ؛ فالجيش كمؤسسة تعبر بشكل صادق عن مدنية الدولة والترقيات فيه لا تكون على اساس عرقى أودينى وهو يريد ان يستمر معبرا عن الوطنية المصرية ومحافظا على كيان الدولة الوطنية ؛ لكنه يتفق مع الامبريالية والاسلاميين والليبراليين واليسار الليبرالى فى طبيعة النظام الاجتماعى وفى هذا تناقض شامل مع الشعب ومطالبه ...
الثورة **
قولنا ان الانفجار الشعبى قد حدث نتيجة لزيادة التناقضات بين النظام وبين الشعب وهو تناقض شامل ؛ ثم التناقض مع القوى السياسية بنسب متفاوته كل حسب رؤيته وبرامجه ؛ ولكن النظام والدولة تفاجئت بالانفجار الشعبى وتفاجئت معها جماعة الاخوان المسلمين ايضا والتى تتبنى رؤية اصلاحية ؛ فما كان من النظام الا ان حرك اكثر أدواته قوة وهى الجيش لينزل الى الشارع ليقوم بمهمة محددة وهى نقل الثورة من الميادين الى داخل أجهزة الدولة البيروقراطية عن طريق الانتخابات وفى ظل اجراءات دستورية ؛ ولم يكن له ان يحقق ذلك دون ان يتحالف مع اكثر التيارات السياسية رجعية وفى هذة الحالة كانت جماعة الاخوان هى التيار السياسى الذى سارع الى الدولة ليتحالف معها لوأد الثورة الحقيقية بمطالبها الاجتماعية وأغتيال شرعية الميدان
وبدأ التحالف من استفتاء مارس الذى كسر التحول الثورى بكتابة دستور جديد للثورة واقتصر على اجراء تعديلات ابقت على النظام وسهلت مهمة اغتيال الثورة طالما النظام يتحرك فى ظل قوانينه وتشريعاته فى مقابل حصول الاخوان على نصيب من السلطة والثروة ...
هنا كان التناقض الرئيسى بين الدولة والاخوان من جانب وبين قوى الثورة من جانب أخر ؛ وبعد ما تم استخدام اسوأ الوسائل انحطاطا فى تمزيق الثورة فى ظل حالة من الاستقطاب الدينى استطاع الاسلاميون " اخوان - سلفيين " أن يحققوا نجاحا قويا فى مجلس الشعب -- "بالتاكيد ذلك التحالف الاسلامى كان بداخله تناقض ايضا فالسلفيون سارعوا بالاشتراك فى العملية السياسية خوفا من سيطرة الاخوان" -- ؛ لكن هنا يحدث تحول فبينما تم اقصاء الثورة والقوى السياسية بدأ التناقض بين الدولة والاخوان يظهر مرة أخرى ؛ فكما أشرنا هناك تناقض بين الدولة الوطنية التى يمثلها الجيش وبين المشروع السياسى لجماعة الاخوان المسلمين والذى يجعل عملية تقاسم السلطة تمر بمراحل من التوترات كان التيار المدنى فى ظلها ورقة يتم استخدامها لكل طرف حسب تغير أوراق اللعبة السياسية وبما يملكه كل طرف من تأييد خارجى " الولايات المتحدة مع الاخوان" أو شرعية داخلية " الاعلان الدستور للمجلس العسكرى " ؛ فالجيش فى تناقض اساسى الان مع الولايات المتحدة ومعه القوى المدنية ضد انفراد الاخوان بالسلطة لما يمثله ذلك من خطر على وحدة الكيان المصرى نفسه وفى اطار مشروع أمريكى لاعادة تقسيم المنطقة على اساس طائفى ؛ وفى نفس الوقت هو فى تناقض مع قوى الثورة خوفا من الاطاحه بامتيازاته أو محاسبة قياداته ؛ بينما التوافق بين أجندة الاخوان والولايات المتحدة تدفع باتجاه اجبار الجيش على قبول تمثيل واضح للاخوان فى السلطة ؛ ونحن هنا لا نتحدث عن عمالة الاخوان للولايات المتحدة بشكل مباشر بالعكس فهناك تناقض بين المشروع السياسى للاخوان مع الولايات المتحدة ولو كان مشروعا وهميا فى النهاية ؛ الا ان الولايات المتحدة تستخدم الاخوان كورقة تمكنهم من تنفيذ مشروع " سايكس - بيكو" الجديد بتقسيم المنطقة على اساس طائفى ؛ ومن هنا لجأ الجيش الى ترتيب الاوضاع بالشكل الذى رأيناه فاستعاد السلطة التشريعية من مجلس الشعب وسوف يقوم بتشكيل لجنة وضع الدستور لضمان مدنية الدولة وكتابة دستوريعبر عن كل طوائف المجتمع وفى نفس الوقت يضمن تأييد القوى المدنية ؛ ومن ناحية أخرى السماح للاخوان بالوصول لمقعد الرئاسة لكن بعد ان تم استنزاف صلاحيات الرئيس وفى ذلك رضوخا للضغط الامريكى من ناحية ؛ وحفاظا على وجود الاخوان كحليف رجعى يمكنه الاستمرار فى عملية وأد الثورة حتى لا يتحول الانفجار الشعبى فى مصر الى ثورة شعبية حقيقية تمثل خطر على الامبريالية ومصالحها والانظمة المتحالفة معها بما فيها النظام المصرى نفسه ..
كيفية استقرار النظام**
من خلال التصور السابق أتصور ان النظام قد يستقر بناء على عدة سيناريوهات ..
السيناريو الاول هو رضوخ الاخوان للوضع القائم وقبول منصب الرئاسة بالصلاحيات الحالية وتقاسم السلطة مع المجلس العسكرى وهنا سوف يتحول التناقض الرئيسى فى هدة الحالة الى التناقض بين النظام والاخوان جزأ منه وبين قوى الثورة والتغيير ..
السيناريو الثانى هو محاولة النظام استدراج الاخوان لمقدمة المشهد السياسى بينما يتمسك هو بالسلطة الحقيقية المتمثلة فى التشريع ؛ ثم تقوم أجهزة الدولة والتحالفات المرتبطة بها بتوجيه الراى العام ضد الاخوان لزيادة السخط الشعبى من أدائهم فيتم حسم الامر شعبيا ويعود الاخوان الى حجمهم ما قبل الثورة ؛ وسوف يحافظ النظام على وجودهم لاستخدامهم كالعادة كقوة رجعية لمواجهة اى ثورة اجتماعية فى المستقبل .
السيناريو الثالث هو اندفاع الجماعة للمواجهة وحسم التناقض مع الدولة العسكرية للاطاحه بالنظام والانفراد بالسلطة بدعم من الولايات المتحدة وهنا سوف يكون التناقض الرئيسى بين الجيش ومعه القوى المدنية وقطاع ضخم من الشعب المصرى وبين الاخوان والولايات المتحدة من جانب أخر ؛ وقد ينتهى الامر اما بتدخل عنيف يقضى على الجماعة ؛ أو استمرار حالة عدم الاستقرار واستخدام ورقة الطعن فى شرعية مرشح الاخوان "محمد مرسى" والدفع بأحد العناصر الوطنية لقيادة المشهد السياسى معبرا عن الدولة الوطنية فى مواجهة الاندفاع الامريكى لتمزيق الدولة الوطنية ؛ وحمدين صباحى أحد المرشحين للقيام بهذا الدور ؛ بل قد يتطور الامر لمواجهة بشكل أو بأخر للتخلص من بؤر التوتر الطائفى التى خلقتها الولايات المتحدة فى ليبيا وسوريا تمهيدا لضرب الدولة الوطنية المصرية واعادة تشكيل الشرق الاوسط من جديد ..
خلاصة الامر أتصور ان النظرة أحادية الجانب للمشهد السياسى فى مصر غير علمية بالمرة ؛ ومن ناحية أخرى فان اغفال طبيعة الدولة المصرية وطبيعة النظام السياسى فى مصر قد يحدث التباسا فى تكوين رؤية شاملة للمشهد السياسى ؛ الحقيقة ان الجغرافيا وشكل اللاندسكيب المصرى فرض وضعا سياسيا التحمت وارتبطت به الشخصية المصرية وأنتجت النظام الشديد المركزية المرتبط بعاصمة مركزية ايضا ومعها أجهزة دولة محورية يعمل بها جيش من الموظفين المرتبطين دائما بالنظام والحاكم ؛ وبالتالى فى فترات الاستقلال وتحقق وجود الدولة الوطنى المستقل -- بعيدا عن فترات الاحتلال أو التبعية لكيان أخر او لدولة المتروبول فى ايام الخلافة -- فان المعادلة التى انتجتها الجغرافيا تفرض نفسها على الواقع السياسى فأنت أمام وضع مثالى لجبروت الدولة ومركزيتها من حيث امتداد النيل الطولى عبر الوادى بالتوازى مع الاراضى المنبسطة ؛ ثم منطقة عنق مركزية فى القاهرة ؛ ودلتا لا تستطيع ان تنفصل عن المركز وباقى الجسد الممتد جنوبا ؛ أنت أمام ظروف لا تنتج نظام شمولى فقط بل ايضا نظام من الصعب مواجهته والقضاء عليه ؛ على المستوى الميدانى نظرا لسهولة الوصول الى مختلف الاماكن عبر البلاد وعلى المستوى الثقافى وتوجيه الرأى العام ؛ فالدولة تستطيع ان توجه الراى العام الى ما تريد وانا اعتبرها الالهة الشرعية التى توجه المزاج الشعبى والرأى العام كيفما تشاء ؛ ثم تلك الدولة تستطيع ان تصنع من شخص تافه لا يملك أى قدرات وتحوله الى شخصية عظيمة تحاك حولها الاساطير ؛ وفى نفس الوقت تستطيع أن توهمك أنك تخلصت من النظام فى حين أن النظام المتمثل فى عقيدة الدولة وهيكلتها لم يتغير أبدا ؛ فهناك فرق بين عقيدة الدولة وهى القرص الصلب فى المعادلة الحاكمة للوضع المصرى وبين السياسات المختلفة للنظم السياسية وهى القرص المرن ؛ لما حاول اخناتون يخرج على عقيدة الدولة وييتخلص من الدين " أمون - رع " تم التحالف ضده والقضاء عليه ومعه ارث اسرة تل العمارنة كلها ؛ وبالتالى الدولة يمكنها ان تتخلص من الفرعون وتعيد طرح النظام فى صورة جديدة .
......................................................................................................................................................
أتمنى ان أكون وفقت فى النهاية فى توضيح ماهية النظام وطبيعة تحالفاته وقوة الدولة المصرية وخطورة انفراد قوى رجعية بالسلطة لما سوف تملكه من أدوات قمعية قد تقضى على حلم الثورة الاجتماعية لعقود طويلة وتكون نكسة كبيرة للثورة الوطنية التى بدأت مع العرابيين ومازالت مستمرة الى اليوم .
وليد سامى واصل 18/6/2012
شكر للصديقين ياسر شعبان وأمير عمار لمساهمتهم الرئيسية فى التصور السابق بعد مناقشات مطوله طوال الفترة الماضية
تقوم الحياة على اساس قانون التناقض فى الاشياء فهناك تناقض فى كل شىء ؛ فى الحرب مثلا هناك تناقض بين الهجوم والدفاع وبين النصر والهزيمة ؛ وهذا التناقض هو ما يدفع الحرب الى التطور ؛ حتى على مستوى التفكير الذاتى فالتناقض والصراع بين الافكار المختلفة هو ما ينتج افكار جديدة اكثر تطورا ...
وبالتالى فالتناقض موجود فى المجتمع بين الطبقات والقوى المختلفة ؛ ولنأخذ المجتمع المصرى على سبيل المثال ونطبق عليه قانون التناقض بناء على الخبرة اللى اكتسبناها من الفترة الانتقالية منذ الانفجار الشعبى فى 25 يناير وحتى الانتخابات الرئاسية وما بعدها ..
لقد كان المجتمع المصرى مهيىء للانفجار والثورة ضد نظام مبارك لان التناقض بين النظام وسياساته وبين الشعب " تناقض داخلى " قد وصل الى مرحلة خطيرة لا مناص فيها من الثورة ؛ فالنظام المصرى بسياساته الاقتصادية وبطبيعته الاجتماعية هو نظام تسبب فى قهر الشعب المصرى وافقار المصريين وبالتالى فهو لم يكن معبرا عن ارادة شعبية بأى حال بل انه ضحى بالامن القومى مقابل العمالة للولايات المتحدة ؛ ومن هنا كان هناك تناقض بين كل القوى السياسية والنظام السياسى لكن هذا التناقض لم يكن بنفس الدرجة ؛ فلنوضح ...
اذا تحدثنا عن القوى السياسية نجدها منقسمة الى ثلاثة اقسام رئيسية بينها تناقض وفى كل قسم منها تناقضات داخلية.
فأولا لدينا التيار الاسلامى وهو فى تناقض مع الدولة فيما يخص القضية الوطنية لانه يتبنى مشروعا مختلفا "دولة اسلامية " لكنه فى نفس الوقت فى توافق مع الدولة اجتماعيا حول طبيعة النظام الطبقى والسياسات الرأسمالية وهو فى هذا فى توافق مع الامبريالية ايضا لكنه فى تناقض معها فيما يخص المشروع الاسلامى أى كانت اسانيده العلمية المتوافقه مع الواقع الحالى ومدى تطور البشرية ! .
وفى داخل التيار الاسلامى نفسه هناك تناقض بين التيار السلفى وبين جماعة الاخوان ؛ فالسلفيون يميلون اكثر للاستقرار والتوافق مع النظام بينما الاخوان يمكنهم ان يدخلوا فى صراع مع النظام للحصول على بعض المكاسب وتقاسم السلطة ناهيك عن ان الخطاب السلفى اكثر رجعية من الخطاب الاخوانى ..
اما على مستوى التيار المدنى بجناحيه " يسارى - ليبرالى " فهو فى تناقض مع الاسلام السياسى فيما يخص الدولة الوطنية العلمانية ومبادىء المواطنة والمساواة والحريات بدون تمييز وهذا تناقض شامل وواضح ؛ وفى نفس الوقت هو فى تناقض مع الدولة العسكرية من حيث رفضه الاستبداد ودعوته للديمقراطية لكنه يتفق معها فى مبدأ الدولة الوطنية ؛ من ناحية أخرى هناك تناقضات داخلية داخل التيار المدنى فالتناقض بين الخطاب اليسارى والخطاب الليبرالى واضح ؛ الليبرالية تتفق مع النظام والاسلاميين والامبريالية فى النظام الاجتماعى وطبيعة الاقتصاد بينما يختلف جزأ من اليسار فى مصر مع النظام والاسلاميين والليبراليين والامبريالية فى تلك النقطة بينما الجزأ الاخر من اليسار يمر بحالة من التخبط ونستطيع ان نقول انه يسار ليبرالى بشكل أو بأخر .
اما النظام وهو متمثل فى تحالف المؤسسة العسكرية ورجال الاعمال مع باقى مؤسسات الدولة فهو فى تناقض مع الاسلام السياسى فيما يخص الدولة الوطنية ؛ فالجيش كمؤسسة تعبر بشكل صادق عن مدنية الدولة والترقيات فيه لا تكون على اساس عرقى أودينى وهو يريد ان يستمر معبرا عن الوطنية المصرية ومحافظا على كيان الدولة الوطنية ؛ لكنه يتفق مع الامبريالية والاسلاميين والليبراليين واليسار الليبرالى فى طبيعة النظام الاجتماعى وفى هذا تناقض شامل مع الشعب ومطالبه ...
الثورة **
قولنا ان الانفجار الشعبى قد حدث نتيجة لزيادة التناقضات بين النظام وبين الشعب وهو تناقض شامل ؛ ثم التناقض مع القوى السياسية بنسب متفاوته كل حسب رؤيته وبرامجه ؛ ولكن النظام والدولة تفاجئت بالانفجار الشعبى وتفاجئت معها جماعة الاخوان المسلمين ايضا والتى تتبنى رؤية اصلاحية ؛ فما كان من النظام الا ان حرك اكثر أدواته قوة وهى الجيش لينزل الى الشارع ليقوم بمهمة محددة وهى نقل الثورة من الميادين الى داخل أجهزة الدولة البيروقراطية عن طريق الانتخابات وفى ظل اجراءات دستورية ؛ ولم يكن له ان يحقق ذلك دون ان يتحالف مع اكثر التيارات السياسية رجعية وفى هذة الحالة كانت جماعة الاخوان هى التيار السياسى الذى سارع الى الدولة ليتحالف معها لوأد الثورة الحقيقية بمطالبها الاجتماعية وأغتيال شرعية الميدان
وبدأ التحالف من استفتاء مارس الذى كسر التحول الثورى بكتابة دستور جديد للثورة واقتصر على اجراء تعديلات ابقت على النظام وسهلت مهمة اغتيال الثورة طالما النظام يتحرك فى ظل قوانينه وتشريعاته فى مقابل حصول الاخوان على نصيب من السلطة والثروة ...
هنا كان التناقض الرئيسى بين الدولة والاخوان من جانب وبين قوى الثورة من جانب أخر ؛ وبعد ما تم استخدام اسوأ الوسائل انحطاطا فى تمزيق الثورة فى ظل حالة من الاستقطاب الدينى استطاع الاسلاميون " اخوان - سلفيين " أن يحققوا نجاحا قويا فى مجلس الشعب -- "بالتاكيد ذلك التحالف الاسلامى كان بداخله تناقض ايضا فالسلفيون سارعوا بالاشتراك فى العملية السياسية خوفا من سيطرة الاخوان" -- ؛ لكن هنا يحدث تحول فبينما تم اقصاء الثورة والقوى السياسية بدأ التناقض بين الدولة والاخوان يظهر مرة أخرى ؛ فكما أشرنا هناك تناقض بين الدولة الوطنية التى يمثلها الجيش وبين المشروع السياسى لجماعة الاخوان المسلمين والذى يجعل عملية تقاسم السلطة تمر بمراحل من التوترات كان التيار المدنى فى ظلها ورقة يتم استخدامها لكل طرف حسب تغير أوراق اللعبة السياسية وبما يملكه كل طرف من تأييد خارجى " الولايات المتحدة مع الاخوان" أو شرعية داخلية " الاعلان الدستور للمجلس العسكرى " ؛ فالجيش فى تناقض اساسى الان مع الولايات المتحدة ومعه القوى المدنية ضد انفراد الاخوان بالسلطة لما يمثله ذلك من خطر على وحدة الكيان المصرى نفسه وفى اطار مشروع أمريكى لاعادة تقسيم المنطقة على اساس طائفى ؛ وفى نفس الوقت هو فى تناقض مع قوى الثورة خوفا من الاطاحه بامتيازاته أو محاسبة قياداته ؛ بينما التوافق بين أجندة الاخوان والولايات المتحدة تدفع باتجاه اجبار الجيش على قبول تمثيل واضح للاخوان فى السلطة ؛ ونحن هنا لا نتحدث عن عمالة الاخوان للولايات المتحدة بشكل مباشر بالعكس فهناك تناقض بين المشروع السياسى للاخوان مع الولايات المتحدة ولو كان مشروعا وهميا فى النهاية ؛ الا ان الولايات المتحدة تستخدم الاخوان كورقة تمكنهم من تنفيذ مشروع " سايكس - بيكو" الجديد بتقسيم المنطقة على اساس طائفى ؛ ومن هنا لجأ الجيش الى ترتيب الاوضاع بالشكل الذى رأيناه فاستعاد السلطة التشريعية من مجلس الشعب وسوف يقوم بتشكيل لجنة وضع الدستور لضمان مدنية الدولة وكتابة دستوريعبر عن كل طوائف المجتمع وفى نفس الوقت يضمن تأييد القوى المدنية ؛ ومن ناحية أخرى السماح للاخوان بالوصول لمقعد الرئاسة لكن بعد ان تم استنزاف صلاحيات الرئيس وفى ذلك رضوخا للضغط الامريكى من ناحية ؛ وحفاظا على وجود الاخوان كحليف رجعى يمكنه الاستمرار فى عملية وأد الثورة حتى لا يتحول الانفجار الشعبى فى مصر الى ثورة شعبية حقيقية تمثل خطر على الامبريالية ومصالحها والانظمة المتحالفة معها بما فيها النظام المصرى نفسه ..
كيفية استقرار النظام**
من خلال التصور السابق أتصور ان النظام قد يستقر بناء على عدة سيناريوهات ..
السيناريو الاول هو رضوخ الاخوان للوضع القائم وقبول منصب الرئاسة بالصلاحيات الحالية وتقاسم السلطة مع المجلس العسكرى وهنا سوف يتحول التناقض الرئيسى فى هدة الحالة الى التناقض بين النظام والاخوان جزأ منه وبين قوى الثورة والتغيير ..
السيناريو الثانى هو محاولة النظام استدراج الاخوان لمقدمة المشهد السياسى بينما يتمسك هو بالسلطة الحقيقية المتمثلة فى التشريع ؛ ثم تقوم أجهزة الدولة والتحالفات المرتبطة بها بتوجيه الراى العام ضد الاخوان لزيادة السخط الشعبى من أدائهم فيتم حسم الامر شعبيا ويعود الاخوان الى حجمهم ما قبل الثورة ؛ وسوف يحافظ النظام على وجودهم لاستخدامهم كالعادة كقوة رجعية لمواجهة اى ثورة اجتماعية فى المستقبل .
السيناريو الثالث هو اندفاع الجماعة للمواجهة وحسم التناقض مع الدولة العسكرية للاطاحه بالنظام والانفراد بالسلطة بدعم من الولايات المتحدة وهنا سوف يكون التناقض الرئيسى بين الجيش ومعه القوى المدنية وقطاع ضخم من الشعب المصرى وبين الاخوان والولايات المتحدة من جانب أخر ؛ وقد ينتهى الامر اما بتدخل عنيف يقضى على الجماعة ؛ أو استمرار حالة عدم الاستقرار واستخدام ورقة الطعن فى شرعية مرشح الاخوان "محمد مرسى" والدفع بأحد العناصر الوطنية لقيادة المشهد السياسى معبرا عن الدولة الوطنية فى مواجهة الاندفاع الامريكى لتمزيق الدولة الوطنية ؛ وحمدين صباحى أحد المرشحين للقيام بهذا الدور ؛ بل قد يتطور الامر لمواجهة بشكل أو بأخر للتخلص من بؤر التوتر الطائفى التى خلقتها الولايات المتحدة فى ليبيا وسوريا تمهيدا لضرب الدولة الوطنية المصرية واعادة تشكيل الشرق الاوسط من جديد ..
خلاصة الامر أتصور ان النظرة أحادية الجانب للمشهد السياسى فى مصر غير علمية بالمرة ؛ ومن ناحية أخرى فان اغفال طبيعة الدولة المصرية وطبيعة النظام السياسى فى مصر قد يحدث التباسا فى تكوين رؤية شاملة للمشهد السياسى ؛ الحقيقة ان الجغرافيا وشكل اللاندسكيب المصرى فرض وضعا سياسيا التحمت وارتبطت به الشخصية المصرية وأنتجت النظام الشديد المركزية المرتبط بعاصمة مركزية ايضا ومعها أجهزة دولة محورية يعمل بها جيش من الموظفين المرتبطين دائما بالنظام والحاكم ؛ وبالتالى فى فترات الاستقلال وتحقق وجود الدولة الوطنى المستقل -- بعيدا عن فترات الاحتلال أو التبعية لكيان أخر او لدولة المتروبول فى ايام الخلافة -- فان المعادلة التى انتجتها الجغرافيا تفرض نفسها على الواقع السياسى فأنت أمام وضع مثالى لجبروت الدولة ومركزيتها من حيث امتداد النيل الطولى عبر الوادى بالتوازى مع الاراضى المنبسطة ؛ ثم منطقة عنق مركزية فى القاهرة ؛ ودلتا لا تستطيع ان تنفصل عن المركز وباقى الجسد الممتد جنوبا ؛ أنت أمام ظروف لا تنتج نظام شمولى فقط بل ايضا نظام من الصعب مواجهته والقضاء عليه ؛ على المستوى الميدانى نظرا لسهولة الوصول الى مختلف الاماكن عبر البلاد وعلى المستوى الثقافى وتوجيه الرأى العام ؛ فالدولة تستطيع ان توجه الراى العام الى ما تريد وانا اعتبرها الالهة الشرعية التى توجه المزاج الشعبى والرأى العام كيفما تشاء ؛ ثم تلك الدولة تستطيع ان تصنع من شخص تافه لا يملك أى قدرات وتحوله الى شخصية عظيمة تحاك حولها الاساطير ؛ وفى نفس الوقت تستطيع أن توهمك أنك تخلصت من النظام فى حين أن النظام المتمثل فى عقيدة الدولة وهيكلتها لم يتغير أبدا ؛ فهناك فرق بين عقيدة الدولة وهى القرص الصلب فى المعادلة الحاكمة للوضع المصرى وبين السياسات المختلفة للنظم السياسية وهى القرص المرن ؛ لما حاول اخناتون يخرج على عقيدة الدولة وييتخلص من الدين " أمون - رع " تم التحالف ضده والقضاء عليه ومعه ارث اسرة تل العمارنة كلها ؛ وبالتالى الدولة يمكنها ان تتخلص من الفرعون وتعيد طرح النظام فى صورة جديدة .
......................................................................................................................................................
أتمنى ان أكون وفقت فى النهاية فى توضيح ماهية النظام وطبيعة تحالفاته وقوة الدولة المصرية وخطورة انفراد قوى رجعية بالسلطة لما سوف تملكه من أدوات قمعية قد تقضى على حلم الثورة الاجتماعية لعقود طويلة وتكون نكسة كبيرة للثورة الوطنية التى بدأت مع العرابيين ومازالت مستمرة الى اليوم .
وليد سامى واصل 18/6/2012
شكر للصديقين ياسر شعبان وأمير عمار لمساهمتهم الرئيسية فى التصور السابق بعد مناقشات مطوله طوال الفترة الماضية
