السبت، 30 يناير 2016

بداية تعثر الثورة الوطنية الكبرى وخيانة البرجوازية المصرية .


تفيد أوراق الثورة العرابية ومحاضر التحقيق مع قادتها أن الريف المصرى شملته حركة فلاحية واسعة للاستيلاء على أراضى الخديوى وأسرته والأجانب والأتراك وكبار الملاك وخاصة الذين خانوا الثورة مثل محمد سلطان باشا وطلعت باشا وعثمان رفقى باشا , وكان الفلاحون يوزعون الأراضى فيما بينهم كما كانوا يستولون على ما فى المخازن وعلى المواشى ويرسلونها لجيش عرابى , بل كان هناك ما يمكن تسميته بأولى عمليات التأميم فى التاريخ المصرى , حيث استولى الفلاحون فى المنيا على مصانع السكر وأعتبروها ملكا لهم , وكذلك استولوا على بعض معامل حليج القطن فى قرية منية سلامة بمديرية البحيرة .
وكانت حركة الفلاحين أنشط ما تكون فى الشرقية والغربية والبحيرة والقليوبية والمنيا وأسيوط وقنا . وكانت تلك مناسبة لكى يصفى الفلاحون حساباتهم مع المرابين الأجانب من أرمن ويهود ويونانيين , كما أرتفعت الطلبات باسقاط ديون الفلاحين وديون الحكومة ..
وفى كثير من هذة الحالات فان الفلاحين كانوا يستخدمون السلاح للاستيلاء على اراضى كبار الملاك ...
( راجع ما كتبه أنجلز عن دور العنف فى التاريخ )
ومن المهم هنا تسجيل هذا التحول الهام فى موقف الفلاحين من الأرض , فالفلاحون الذين كانوا حتى عهد اسماعيل يهربون من الأرض , أصبحوا الأن يقاتلون بالسلاح من أجل امتلاك الأرض .. ( لأن الوطن مش كلام أغانى ولا حضن ولا حب ولكن مصلحة حقيقية لكل مواطن يشعر ان هذا المكان يحقق له اعاشه كريمة ومستقرة ويطمح فى مستقبل أفضل ) ..

وكان عمق المستوى الاجتماعى للثورة لدى القاعدة الفلاحية مقترنا بعمق المحتوى الوطنى والديمقراطى فالفلاحون لم يكونوا يريدون الأرض وحسب , بل كانوا يعتبرون أن الأرض لن تكون مضمونة لهم الا فى وطن مستقل وفى وجود حكومة تمثلهم ..
فاستجابة لطلب عرابى تطوع خمسة الاف من الفلاحين لحمل السلاح وحراسة شواطىء بحيرة المنزلة من نواحى دمياط والمطرية والمنزلة خشية أن ينزل الأنجليز هناك , كما كانت هناك حركة تطوع واسعة من جانب الفلاحين للانضمام للجيش , وبلغ عدد المتطوعين فى مديرية جرجا 2000 فلاح , وفى مديرية المنيا 2600 فلاح ..

انه من المهم هنا تسجيل هذا التحول أيضا , فالفلاحون الذين كانوا الى عهد قريب جدا يهربون من الجندية , ويصيبون أنفسهم بعاهات خطيرة مثل فقأ العين أو بتر الاطراف حتى لا يكونوا صالحين للتجنيد , يسارعون اليوم للانخراط فى الجندية تطوعا عن الوطن ..
كذلك يورد الدكتور على بركات نماذج عديدة من التبرعات التى قدمها بعض صغار الأعيان من العمد والمشايخ وجماهير الفلاحين لجيش عرابى , والتى كانت تصل الدفعة الواحدة منها الى الاف من الأرادب من القمح والفول والعدس وقطعان كاملة من الغنم ومئات من الخيل ورؤوس الماشية وعلف الماشية والاف من الأثواب للجنود ..
وعلى الجانب الأخر فان حركة الفلاحين بينما كانت تطالب بالقضاء نهائيا على سيطرة الأجانب والأتراك , فانها فى ذات الوقت كانت تطالب بقيام حكومة الفلاحين من عمد البلاد وتكون هذة الحكومة لنا نتوظف فيها كيف نشاء والديون التى على الحكومة وعلى الاهالى ترفع جميعا , وأطيان الجفالك نستولى عليها ..

واذا كانت ثورة الفلاحين قد أزعجت كبار الملاك والأعيان فى الريف , فان حركة جماهير المدينة أزعجت المجلس العرفى الممثل للطبقة الوسطى المدينية المشكلة أساسا من التجار وكبار الموظفين .. وكان المجلس العرفى قد شكل من وكلاء الوزارات وبعض كبار الضباط لادارة شئون البلاد بعد انحياز الخديوى توفيق صراحة للأنجليز وقرار الجمعية الوطنية بخلعه .. وحينما وجد عرابى انه قد يحتاج القوات الموجودة فى القاهرة أو قد يضطر للتراجع الى العاصمة والدفاع عنها أرسل للمجلس العرفى فى 16 يوليو 1882 طالبا بتشكيل حرس أهلى من سكان القاهرة ولكن المجلس رفض هذا الطلب فى جلسته بتاريخ 24 يوليو 1882 وقال صراحة فى قراره ( أنه لا يؤتمن للحرس الأهلى فى حراسة العاصمة ) وكان هذا القرار بناء على مذكرتين الأولى من يعقوب سامى وكيل الجهادية " وزارة الدفاع " يقول فيها " انه لا يؤتمن للحرس الأهلى اذا تحولت اليه حراسة العاصمة " والثانية من ابراهيم فوزى مأمور ضبطية مصر " أى حكمدار العاصمة " يقول فيها ( انه يخشى على البلاد منهم اذا سلمت اليهم حراستها ) هكذا !!!!!! , كما يقول الدكتور على بركات , خشيت البرجوازية المصرية أن تترك وجها لوجه دون جماية أمام الجماهير المسلحة ..
وحينما اضطر عرابى الى التراجع الى القاهرة وعقد اجتماعا فى قصر النيل مع الضباط والمدنيين ورجال الدين لم يجد سوى الضعف والرغبة فى استعطاف الخديوى , ولم يجد معه فى رفضه لهذا الاستسلام سوى عبد الله النديم , وأربعين جندى سوارى وألف خفير ليدافع بهم عن القاهرة .. ولهذا كانت هزيمة الثورة فى أولى حلقاتها أمرا محتوما .. وبدأ الاحتلال البريطانى لمصر .

طاهر عبد الحكيم / الشخصية الوطنية المصرية

الاثنين، 18 يناير 2016

ثـلاث مقالات عن دبـى .



تقديم : هذة المقالات تعرض ارهاصات الأنطباع الأول عن زيارتى الأولى لدولة الأمارات العربية المتحدة , قضيت فيها مدة شهر بين دبى والشارقة, أنقلها بعين الراصد لا الباحث المتخصص لعلها تفتح مجالاً أوسع للبحث واعادة النظر فى النظريات المطروحة بخصوص التركيبة الاجتماعية فى منطقة الخليج وقيمها ودورهـا - الموصوم بالرجعية - فى اطار مشروع وحدوى عربى وباعتبار دولة الأمارات نموذجـاً مصغراً لتلك الوحدة .
المقال الثالث / عن المدينة واليها . 

كتب / وليد سامى واصل .

 سأحاول فى هذا المقال عرض بعض التفاصيل الخاصة بالحياة فى مدينة دبى , ومن ناحية أخرى وضع المدينة قيد التقييم من حيث كونها مدينة ناجحة أم لا , فقد تطورت مدينة دبى تطوراً هائلاً بعد الطفرة البترولية وأصبحت أحدى أهم المدن فى الشرق الأوسط والعالم , ولاشك أن الأرتباط بالاقتصاد الحديث هو ما أعطى هذة الامكانية لتطور مدينة كدبى ليس لها ظهير زراعى أو كتلة سكانية كبيرة , لتنافس المدن الكبرى وتنازعها نفوذها .

قديما كانت المدن تعتمد اعتماداً كلياً على الريف فى توفير احتياجاتها الأساسية بما فيها الحاجات المصنعة يدوياً والتى كان يقوم بها حرفيون يعيشون فى الريف بالأساس وأكتفت المدينة بأن تكون مقراً للحكم أو حصناً متقدماً للدفاع , ومع تطور التبادل السلعى - النقدى وظهور البرجوازية التجارية أستطاعت المدينة أن تلعب دوراً أكبر بل وأن تفرض سطوتها تدريجياً على الريف , فكان التجار يمدون الحرفيون فى الريف بالمواد الخام ثم يستردونها مصنعة لتنقل الى أسواق المدن بعد ذلك , ثم كان التحول النوعى فى العلاقة بين الريف والمدينة عقب الثورة الصناعية حيث استغنت المدن عن اعتمادها الكامل على الريف بما أتاحه الانتاج الصناعى من قدرة للمدينة على توفير أغلب احتياجاتها وكذلك تنوع مجالات الانشطة الأقتصادية داخلها , وهى الفترة التى شهدت هجرات السكان من الريف الى المدن الصناعية ليصبح الريف معتمداً بشكل عام على الخدمات التى تقدمها له المدينة , بل وأن تصبح القيم المدنية الأكثر قبولاً وانتشاراً لأنها ببساطة تمثل نموذجاً ناجحاً .
ومن هنا تحدد للمدينة دورين أساسيين , الأول محلى وهو أن تلبى المدينة حاجات سكانها وتوفر لهم الخدمات الأساسية والثانى اقليمى بمعنى أن تؤدى المدينة دورها تجاه الريف المحيط وتوفر له الخدمات المختلفة , وسوف أعين هذا الدور معياراً للحكم على كفاءة مدينة دبى مع الأخذ فى الاعتبار سياق تطورها التاريخى بالمقارنة بالمدن الكلاسيكية , وكذلك طبيعتها الطوبوغرافية والوضع الجيوسياسى لدولة الأمارات العربية المتحدة بشكل عام .
لاشك أنه وفق معطيات العصر الحالى , فالمدينة التى تتحرك بسرعة هى الأكثر نجاحاً أما المدن البطيئة فهى تسير فقط باتجاه الفشل , وقد حققت دبى طفرة هائلة فى مجال المواصلات والنقل عبر شبكة من الطرق الواسعة والتى سهلت حركة النقل والمواصلات مع ضبط ايقاعها بقوانين صارمة توقع عقوبات مالية كبيرة على كل من يخالف القوانين المرورية , ويكفى للعلم أن غرامة مخالفة اشارة المرور تتجاوز 2500 درهم . وأضافت دبى مشروع مترو دبى لشبكة مواصلاتها الذى بدأ تشغيله فى عام 2009 ليساهم بدوره فى تسهيل الحركة المرورية ونقل ألاف من العمالة يومياً من أماكن العمل الى أماكن اقامتهم عبر المدينة .
لم تكتف دبى بتسهيل خدمة المواصلات لسكانها بل كان توفير خدمة الأمن أهم ما يميز المدينة , فقد تطور أداء شرطة دبى لتصبح من أكثر الأجهزة الأمنية كفاءة فى العالم , يكفى أن تمشى فى شوارع المدينة فى أى وقت من اليوم لتشعر بأمان حقيقى خاصة أن سرعة استجابة عناصر الشرطة لأى بلاغ مذهلة , والأهم من ذلك هو حرصهم على تطبيق القانون وحسن المعاملة فاذا كنت تواجه مشكلة ما فى دبى , كل ما عليك فعله هو الأتصال بالشرطة .
ولتكتمل عوامل نجاح المدينة , استطاعت المدينة توفير مظلة قانونية لتسهيل حياة المواطنين والمقيمين داخلها فدائما يتم تطوير القوانين الخاصة بالاقامة وشروط العمل , وكل ذلك يمكن التعامل معه الكترونياً دون الحاجة للتزاحم عند المقرات الحكومية ولعل أهم ما يميز المدينة فى هذا المجال هو جهاز حماية المستهلك , فبرغم من القوانين والتسهيلات المقدمة للاستثمار الا أن جهاز حماية المستهلك لديه صلاحية اغلاق سلسلة من المطاعم أو المحلات الشهيرة بناء على تحقيق فى شكوى مقدمة من المستهلك بسوء المعاملة أو رفضهم استرجاع أحدى السلع المعيبة .
ويحسب للمدينة أيضا هذا المناخ من التسامح الدينى الذى يضمن حرية العبادة لأصحاب الديانات المختلفة , وكذلك القوانين العلمانية التى تعطى مساحة كبيرة من الحرية لمدينة يعيش فيها أكثر من مائة جنسية مختلفة يمثلون أعراق وأديان وقوميات عديدة , ولا شك أن تأثر تلك الثقافات ببعضها له أثر ايجابى فى التركيز على المشتركات بين البشر وتجاوز تمايزاتهم .
لكن على النقيض من ذلك نجد أن سياسة الدولة بشكل عام لا تهدف الى توطين هذة العمالة وصهر هذة الثقافات لتكون مجتمع كوزموبوليتانى انسانى حقيقى , فالقانون الأماراتى لا يسمح بمنح الجنسية للأجانب ولا أن تتزوج المواطنة الأماراتية من غير اماراتى , بالاضافة لسياسة الأجور نفسها والتى تكرس هذة السياسة حيث تعطى أجور متفاوتة حسب سعر صرف الدرهم فى كل بلد , فيمكن أن يختلف المرتب الخاص بنفس الوظيفة باختلاف الجنسيات , والأفضلية طبعا للجنسيات الأوربية . وهو ما يجعل هذا الأجتماع الأنسانى الحافل غير مكتمل الأركان ,وعلى كل حال فنموذج التنمية نفسه مسئول عن ذلك ولن يتحقق مجتمع انسانى حقيقى فى ظل عمل قيم وقوانين الرأسمالية التى تدفع البشر باتجاه المنافسة والصراع من أجل تعظيم الربح لصالح الطبقة المترفة. ليس هذا فحسب , فانخفاض الأجور لدى أغلب العمالة القادمة من شرق أسيا  - وهم يمثلون أغلب السكان - يدفعهم للسكن فى الشارقة وهو أرخص كثيراً من تكلفة السكن فى دبى , فايجار السرير الواحد فى دبى يتجاوز 1200 درهم وهو ما يزيد أيضا الضغط على خط المترو خاصة فى المحطات القريبة من الشارقة , بالاضافة لأرتفاع تعريفة التاكسى الذى صمم لأغراض سياحية بالاساس .
أما على المستوى الأستراتيجى فتواجه دبى والامارات عامة عدة مشكلات خطيرة , أولها بلا شك هو قرب انتهاء عصر البترول وقد حققت دبى نجاحا كبيراً فى تقليل اعتمادها على البترول وأن يكون 70 % من عوائد الاقتصاد غير بترولية ولكن هذا مرتبط بارتباط اقتصاد المدينة بالاقتصاد العالمى المهدد بالركود دائما تبعاً لأزمة هيكلية يعانى منها النظام الرأسمالى , وبالتالى استعانت دبى بأمارة أبو ظبى لاستكمال المشاريع المعمارية التى توقفت بعد الأزمة المالية فى 2008 والتى بدأت فى القطاع العقارى بالذات ومنها مشروع برج خليفة نفسه والذى كان من المفترض أن يسمى برج دبى وتحول اسمه لبرج خليفة لأن امارة أبو ظبى أكملت تمويل المشروع .
 وتواجه مدن الخليج بشكل عام أزمة كبيرة متعلقة بارتفاع درجات الحرارة والتى ستتجاوز حاجز الخمسين درجة مئوية صيفاً بشكل مستمر مع ظاهرة الاحتباس الحرارى وهو ما قد يشل حركة هذة المدن بشكل كبير , يضاف الى ذلك التغيرات الجيوسياسية فى معادلة الصراع فى المنطقة واحتمالات انحسار السعودية أو حتى تفككها وتراجع القوى الكوكبية الغير اقليمية عن تواجدها العسكرى فى الأقليم " الامبريالية الامريكية ومناطق تمركز الأسطول الخامس " بعد ظهور بدائل لبترول الخليج وسعى الولايات المتحدة للاعتماد على انتاجها من البترول الصخرى , ومع تغير المعادلة السياسية سيتأثر الواقع الاقتصادي للمدينة التى ستحتاج الى قواها الذاتية لكى تتطور لا أن ترتد تاريخياً لتعود لممارسة الصيد واستخراج اللؤلؤ من الخليج , لكن البلد يعانى نقصاً فى السكان وكذلك فى الموارد الغذائية نظراً لعدم وجود ظهير زراعى , يضاف الى ذلك أن أغلب المواطنين يعملون فى قطاعات خدمية غير انتاجية , وأى تنمية لا تشمل الجانب الزراعى والصناعى ستواجه فشلاً مستقبلياً , وبالتالى فأى دولة بلا ظهير زراعى هى دولة بلا مستقبل , وهذا ما يستدعى اعادة النظر فى مشروع الوحدة العربية كهدف استراتيجى لبلدان المنطقة فى اطار تشكل واقع جيوسياسى جديد .


 هوامش / انطباعات شخصية عن المدينة .
الشعور بالغربة / شخصياً لم أشعر بذلك أبداً منذ أول يوم لوصولى هناك وهذا ليس لكونها بلد عربى , بالعكس فالهنود هناك يمثلون أغلبية السكان واللغة الأكثر استخداماً بين مختلف الجنسيات هى الأنجليزية , ولكن أتصور أن لـ خط المترو تحديداً دور فى ذلك - وهذا لأعتبارات شخصية مرتبطة بتحديد نمط معين لكل مدينة يمكن فهم المدينة من خلاله - وهو تحديد نمط واضح للمدينة والسيطرة على تمددها العمرانى بحيث لا يتجاوز التخطيط حتى اذا أنحسرت سلطة الحكومة وفقد سيطرتها على التخطيط العمرانى , والمترو يمثل مرجع للمدينة وهذا يمثل بالنسبة لى شخصياً مدخلاً لفهم المدينة وادراك أبعادها عكس القاهرة الكبرى كنموذج لمدينة غير واضحة الملامح وتتوسع بشكل عشوائى حيث تمثل ضواحيها مدن فندقية وسكنية غير مرتبطة بمشروع تنمية صناعية وليس لديها ظهير زراعى وهى مجرد رقع مدنية كما يصفها الدكتور جمال حمدان فى كتابه جغرافية المدن .

الشعور بالأنبهار / لم أشعر بالانبهار مطلقاً من المبانى الشاهقة ولعل سبب ذلك فى رأى يتمثل فى أن سبب الانبهار فى الغرب مرتبط بسطوة الحضارة الغربية وتميز الرجل الأبيض ونفوذه الثقافى على الحضارة الانسانية , وليس لأهمية المبانى المرتفعة فى حد ذاتها بينما فى الخليج عامة أنت تدرك أن هذة المبانى تم شراء الخبرات التى قامت ببنائها ولم تكن نتيجة تطور ذاتى وخبرات متراكمة , ويعلق أغلب الأصدقاء الذين زاروا المدينة بأنها مدينة بلا روح , فى الحقيقة هى مدينة بلا شخصية وطنية واضحة وحتى هذا الاجتماع الانسانى الرائع لم يسمح له أن يشكل مزيج ثقافى مختلف , لهذا فالمدينة تحتاج الى عديد من السنوات لتطور شخصية مستقلة وهذا لا يمكن أن يحدث بدون اعتماد نموذج تنموى مختلف يعتمد على القوى الذاتية للدولة فى اطار مشروع وحدة عربية . 

الاثنين، 11 يناير 2016

ثـلاث مقالات عن دبـى .



تقديم : هذة المقالات تعرض ارهاصات الأنطباع الأول عن زيارتى الأولى لدولة الأمارات العربية المتحدة , قضيت فيها مدة شهر بين دبى والشارقة, أنقلها بعين الراصد لا الباحث المتخصص لعلها تفتح مجالاً أوسع للبحث واعادة النظر فى النظريات المطروحة بخصوص التركيبة الاجتماعية فى منطقة الخليج وقيمها ودورهـا - الموصوم بالرجعية - فى اطار مشروع وحدوى عربى وباعتبار دولة الأمارات نموذجـاً مصغراً لتلك الوحدة .
المقال الثانى / اتهامات رجعية .

كتب / وليد سامى واصل 

عرضت فى المقال السابق مدخل جيوسياسى لمحددات السياسة الأماراتية الحالية وبحث امكانية التعويل على دول الخليج فى مشروع وحدة عربية تشارك فيه مصر بدور فاعل , وكنت أنتظر بشغف تعليقات الأصدقاء للأفادة ولفتح مجال أوسع للبحث كما أشرت فى مقدمة المقال السابق , وبالفعل شرفنى كثير من الأصدقاء بالتعليق والأضافة لكن ربما أخطىء البعض فى أيجاد نقاط تماس مع الموضوع المطروح , ولهذا أردت أن أوضح أنه بشكل عام هناك اتفاق بين كل من كتبوا فى مبحث الجيوبوليتيك على تعريفه بأنه فرع من الجغرافيا يدرس الظاهرة السياسية المتغيرة فى ضوء حقائق جغرافية , فهو يدرس تطور الدول وعوامل قوتها وتوجهاتها السياسية , ويمكن الوصول الى استنتاجات عامة ترصد القوانين الأكثر شمولية فى فهم ورصد الظاهرة السياسية .
لكن بين حقائق الجيوبوليتيك وبين الدوجمائية المصرية تعارض واضح وهذا مدخل لما أود طرحه هنا , فاتهامات الأنتلجنسيا المصرية لشعوب الخليج بالبداوة والتخلف وبأنهم موطن الرجعية والأفكار المعادية للحضارة هى تعميم خاطىء وأحكام متسرعة وتعبر عن موقف عنصرى يحيلنا الى عقيدة الشعب المختار وما دونه من الأغيار من شعوب الأمم الأخرى , وهذا كلام خارج سياق الموضوعية .
أحب أولا أن أبدأ بتحديد مفهوم الرجعية حتى لا يترك الأمر للتعميمات المغلوطة , فالبعد السياسى فى المسألة يشير الى كل دولة أو شعب يتخلف عن مسار الحداثة ومشروع التنمية والتصنيع وما يستتبعه من اتجاه للاستقلال والتحرر الوطنى ويقف عائقاً أمام الحركات الثورية على المستوى القطرى والأقليمى والدولى , وأما البعد الأجتماعى فيشير الى القيم والتصورات والنظريات والعادات والممارسات اليومية لشعب ما والتى تعكس مدى تطور البنية الفوقية لنظامه الاجتماعى , والبنية الفوقية فى التعريف الماركسى هى النظريات والأفكار والقوانين التى تعكس واقع نظام اجتماعى معين القائم على اساس علاقات انتاج معينة تحدد فيها طبيعة الملكية نوعية وشكل هذا المجتمع والقيم التى يتبناها والأفكار والتصورات التى تعبر عنه .
هذة القوانين العامة يمكن من خلالها دراسة تطور مجتمع ما أو تتبع مراحل تطوره لكن مع التأكيد على أهمية العامل الذاتى الذى تمثله البنية الفوقية لأى نظام اجتماعى وتأثيره فى اطار الجيوبوليتيك وحركة الشعوب فى العالم القديم , أى أن البيئة فى هذة المعادلة هى مصدر كل التصورات والأفكار وهى التى ينعكس من خلالها النظام الأجتماعى , والمجتمعات البشرية مرت بنفس مراحل التطور تقريبا مع سمات عامة مشتركة وتمايزات خاصة بين مناطق المراكز وبين أطراف النظام الاجتماعى , لكن الفارق الزمنى بين تطور بعض الجماعات البشرية وبين الأخرى كان له أثـر كبير فى تداخل النظم والأفكار والتصورات المرتبطة ببيئات مختلفة وتتبع هذة المؤثرات المتداخلة ليس صعباً , فلنأخذ على سبيل المثال مصر التى تكونت فيها الدولة مبكراً ووصلت الى مراحل متقدمة من التعقيد وانعكس ذلك على النظام الاجتماعى نفسه , وكما يوضح الدكتور جمال حمدان فالجغرافيا المركزية الحاكمة لنهر النيل هى التى أسست لتلك الدولة الكبيرة وأعطت للجهاز الأدارى دوره الفاعل فى تنظيم حياة المصريين وادارة عملية الرى لتكون تلك مسئولية الحاكم مباشرة , وهى نفس الجغرافيا التى حققت لمصر وفرة فى الموارد جعلتها تنعزل تماما فترة طويلة من الزمن حيث لم يتطور الجيش المصرى ويتحرك خارج حدوده بشكل فاعل الا مع الدولة الحديثة التى تعقبت أثر القبائل الرعوية " الهكسوس " التى اجتاحت حدود الدولة فى فترات ضعفها , بينما لم تمارس الامبراطورية المصرية سياسة أمبريالية وأكتفت باستخدام ولاة تابعين للحكم المصرى لكن محتفظين بالادارة الذاتية لأقاليمهم , نظراً لعدم حاجة مصر الى موارد تلك الدول واستنزافها وبالتالى لم تتحول مصر الى دولة متروبول , أى لم تتحول لمركز نهب استعمارى .
لكن ما يهمنا هنا هو أنه مرحلة العزلة أثرت على الشخصية المصرية فى اطار الجغرافيا الحاكمة لوادى النيل , تطورت الشخصية المصرية وأسست لقيمها وقوانينها بمعزل عن المؤثرات الخارجية بدرجة كبيرة , خاصة لو كانت مؤثرات غير نهرية أى غير حضارية , وبالتالى أنتجت الحضارة المصرية قيم وقوانين متسامحة للغاية مع الأنسانية ومع الطبيعة , لكن مع تحرك المجموعات البشرية من وسط أسيا وتدفق المهاجرين على شمال سوريا والعراق وفلسطين والأردن وتوغل هؤلاء الى العمق المصرى حدث تغير بامتزاج القيم الواردة مع هؤلاء الغرباء والتى تطورت فى بيئة قاسية غير مستقرة , لتؤثر على جملة القيم المصرية تدريجياً حتى سقوط الحضارة المصرية وتعرض مصر للغزو من شعوب وأمم مختلفة , لم تحمل معها فقط خليطاً جينياً جديداً اندمج مع السكان بل حملت أفكار ومعتقدات وحتى التركيبات النفسية لهذة الشعوب وما عانته من خبراتها مع البيئة , أنصهر هذا المزيج كله ليكون الشخصية المصرية الحالية التى هى بكل تأكيد مزيج مركب تلعب فيه البيئة المصرية نفسها دور رئيس لكن أثر البيئات الأخرى يبدو واضحاً ,  وهذا معناه أنه حدث انقطاع حضارى كبير فى تاريخ مصر , أى أن المصريين الحاليين هم أبعد ما يكونوا عن نسخة طبق الأصل من المصريين القدماء والمسألة المطروحة هنا ليست مجادلة فى المسألة الأثنية وانما على المستوى الثقافى والحضارى فالشعب المصرى غير لغته ودينه أكثر من مره على مدار ألفين سنة ماضية , وكانت مصر موطن لهجرات عديدة لم تتوقف , حمل أصحابها معهم عاداتهم وأفكارهم التى تطورت فى بيئات مختلفة .
وحتى لا نستغرق فى عرض تاريخى لتغير قيم وتصورات الشعوب وتتبع مراحل تطورها الاجتماعى , لابد من الوقوف على معيار للقياس والمقارنة مبدئياً حتى يتحقق الغرض الرئيس من المطروح هنا , وبالتأكيد لا يمكن أن نتجاوز العصر الحالى أو نترد الى الخلف , أى الى ما قبل الحداثة , وقيم الحداثة وقوانينها هى تلك المرتبطة بحرية الأنسان والمساواة بين البشرية والدول العلمانية التى تطور من خلالها مفهوم الشعب الذى يتجاوز القومية ويؤسس لمفهوم الوطن والمواطن بالأضافة الى الدعوة لحرية المرأة وتحررها من موروثات الأقطاع خاصة فى الشرق الأوسط , وأيضا القيم التى أنتجتها الثورات العمالية الاشتراكية وحركات التحرر الوطنى وسعى البشر الى الوحدة وانهاء علاقات الاستغلال والتطلع لنظام اجتماعى - اقتصادى أرقى , وسوف أعين هذة القيم معياراً للمقارنة والبحث .
وحسب التعريف السابق , فالنظام الاجتماعى يعكس قيمه أى أن النظام الاقطاعى أو بشكل أكثر عمومية النظام الخراجى الذى ساد العالم القديم عرف قيم معينة نستطيع أن نحقق منها سمات عامة اجتمعت عليها البشرية مع تمايز بين دول مراكز هذا النظام فى الشرق الأوسط والأقصى وبين أوربا التى تمثل وقتها أطراف هذا النظام الاجتماعى , وقيم هذا النظام وقوانينه أرتبطت باستعباد الانسان لأخيه الانسان واستغلال قوة عمله لتحقيق فائض فى الموارد تستطيع الطبقة المسيطرة من خلاله الانعزال عن العمل الاجتماعى والتمتع برفاهية على حساب شقاء الطبقات المقهورة , وعرف هذا المجتمع عادات قهر المرأة والأسرة البطريركية التى تتمركز حول سلطة الأب , حق الفتح واسترقاق الشعوب الأخرى واجبارهم على دفع الجزية أو تغيير العقيدة , الزواج فى اطار قيود تتحكم فيها العائلة للحفاظ على ملكية الأرض التى قد تؤول للغرباء , الى غيره من عادات وقيم تفاوتت وتمايزت نسبيا من هنا الى هناك .  
لكن ومع بداية ظهور الأقطاع الأوربى كانت مازالت هناك جماعات بشرية تعيش فى مراحل اجتماعية سابقة على الشكل الاجتماعى للمجتمع الاقطاعى , فهناك جماعات بشرية عاشت فى اطار العشيرة والقبيلة وتمايزت بين بدو رحل فى الغالب مقاتلين , وبدو مستقرين على تخوم الحضارات يمارسوا الزراعة الى جانب أنواع أخرى من الأنشطة الاقتصادية كالتجارة .
فالقبائل الجيرمانية الغربية التى كانت الرافد الرئيس للاقطاع الأوربى , كانت تعيش على الصيد نظراً لفقر البيئة فى الدول الاسكندنافيه وكانت شعوب مقاتلة بطبعها ترفض الزراعة حتى لا تلين عزيمة المقاتلين , ويبدو نظامهم القيم بالنسبة لنا نظام منحل الى درجة بعيدة , فهم يتقاتلون للترفيه ويشربون الخمر ويعبدون الهة وثنية أى أنهم من منظورنا غير أخلاقيين بالمره , لكن من ناحية أخرى فالمرأة عندهم لديها مكانة كبيرة وهى تقدم هدية لزوجها كما يقدم لها هو هدية الزواج ولا يمكنه الزواج من أخرى حسب القانون الجيرمانى , بينما مجتمعاتنا تعانى فيها المرأة بشدة والرجل المصرى تحديداً يرفض أن تكون المرأة مساوية له ويشعر أن فى ذلك امتهان لرجولته , من ناحية أخرى على مستوى النظام السياسى فقد عرفت هذة الشعوب نظم ديمقراطية تطورت بحكم النظام شبه المشاعى الذى حكم حياة الجرمان وهو انعكاس لبيئة قاسية وفقيرة تحتاج لمجهود ودور كل فرد للحفاظ على المجموع , فقد عرف الشعب الجيرمانى ما يشبه مجلس الأمة اليوم فى مصر , وكان يسمى بالجمعية العمومية للشعب الجرمانى وكانت لها سلطات واسعة منها تعيين قادة الجيش ولم يكن للملك نفسه صلاحيات مطلقة وكان المنصب من حق الأكثر شجاعة وقدرة على القتال باعتبارهم مجتمع عسكرى , بينما عندما تحركت تلك القبائل الى غرب أوربا وأشتغلت بفلاحة الأرض حدث تغير كبير على مستوى القيم والقوانين فتحول النظام الاجتماعى الى نظام هرمى على رأسه السيد الأقطاعى وتغيرت العقيدة الى المسيحية التى تطورت فى بيئة شرق أوسطية , بينما احتفظت طبقة النبلاء بشغف الحياة العسكرية وهو ما دفعها للحروب الصليبية على الشرق فيما بعد , وبالتأكيد تراجعت مكانة المرأة فى المجتمع الجديد نظراً لتغير النظام من نظام شبه مشاعى أى تشييع فيه ملكية الموارد الى نظام قائم على الملكية الخاصة لن يسمح فيه بانتقال الملكية الى غرباء وكان هذا مدخلاً لصراعات عديدة على العروش الأوربية بين الأسر الارستقراطية . 
هذا عن نموذج البدو الرحل , أما البدو الزراعيين فهم النوع الأكثر خطورة خاصة الذين قدموا من بيئات صحراوية قاحلة كما فى الشرق الأوسط وعاشوا فى تخوم الحضارات والدول الكبرى ومارسوا الزراعة والتجارة , وذلك لأنهم جاؤوا من خلفية بيئية قاسية ثم تحولوا الى نظام اجتماعى ارتبط بعلاقات ملكية خاصة ولكن عانى من الندرة , عرف المدن ولكنها كانت مدن ترانزيت ولم تكن كالمدن العملاقة فى روما والمدائن عواصم الامبراطوريات , أو نموذج المدن الايطالية فيما بعد , فقد تطور هذا المجتمع البدوى الزراعى فى ظروف مشوهة غير مكتملة التطور, وبالتالى عرف هذا المجتمع الثأر والقتل لأجل الشرف حفاظاً على الملكية فى حدود الذرية المعروفة , وعرفوا تشريع قوانين تقهر المرأة وتعتبرها مصدر كل الشرور والمصائب بينما النوع الأخر كان أكثر تحرراً من تلك القيود حيث كانوا يميلون الى الحركة والتنقل وبالتالى ليس هناك التزام باتباع نفس منظومة القيم التى اندمج فيها البدو الزراعيين , بل ان هذة الأشكال البدائية للتجمعات البشرية ظلت محتفظة بعلاقات قرابة مشاعية لفترات ليست بعيدة فى الزمن كما قبائل الهنود الحمر فى جزر هاواى حتى القرن التاسع عشر .
ان الأشكال الأولى للتجمعات البشرية على مستوى العشائر والقبائل التى كانت فى حالة حركة مستمرة لم تتقيد بقيم نظام الأقطاع الأوربى التى حلت بعد ذلك ,لكن ما دفع أوربا الى التغيير كان الوضع الجيوسياسى للقارة ودور المدن التجارية التى بدأ تكونها كحصون متقدمة ثم تطور فيها التبادل السلعى - النقدى لتتكون تدريجيا طبقة البرجوازية التجارية التى ستحمل عبىء الترويج لأفكار عصر النهضة وتمويل الكشوف الجغرافية فيما بعد ثم التحول الى برجوازية صناعية بعد الثورة الصناعية والاطاحة بالنظام الاقطاعى وسيادة نمط الانتاج الرأسمالى فى العالم , وقد حدث هذا التطور بمعزل كبير عن الضغوط من دول المراكز فى المجتمع الخراجى التى لم يتوفر لها نفس الظروف الموضوعية للتطور , وهذا عامل يضيف تميزاً بين البدو الزراعيين فى أوربا وبين هؤلاء الذين عاشوا بالشرق الأوسط تحديداً .
الذى يتفحص التركيبة الاجتماعية فى الخليج يرى أنه هذة الجماعات البشرية وخاصة على ساحل الأمارات المهادن لم تعرف حالة الاستقرار الزراعى نتيجة لفقر التربة , بل كانوا صيادين للسمك وعملوا فى استخراج اللؤلؤ من الخليج , هذا قبل الطفرة البترولية والأنتقال للحياة فى المدن الحديثة وبالتأكيد قبل التأثير الوهابى , لكن ماذا عن الاتهامات بالرجعية ؟
لنبدأ مثلا بالنظام السياسى وبعيداً عن حالة دبى وعن قوانين الاتحاد ونظامه الأساسى المستمد من القوانين والنظم الحديثة فشكل القبيلة وطبيعة الحكم داخل كل امارة تعكس مساحة من الديمقراطية الموروثة من المجتمع المشاعي الذى عبرت عنه القبيلة وسلطة الشيخ والتى ترسخت داخل هذا النظام الاجتماعى بفعل موروثه الذى لم يقيد بعلاقات ملكية اقطاعية نظراً لعوامل جيوسياسية كما أوضحت فى المقال السابق , حيث شيخ الامارة لديه ديوان عام يستقبل فيه شكاوى المواطنين وتقدم الاعانات لكل مواطن فى حاجة ومع الطفرة البترولية يحظى المواطن الاماراتى بدعم كبير من الدولة فى التعليم المجانى وكذلك قروض وتسهيلات كبيرة لكل من له دخل شهرى أقل من 20 ألف درهم وهو مبلغ خيالى لأى مصرى يعمل هناك بالاضافة للجمعيات التعاونية لتوفير السلع بأسعار مناسبة للمواطنين , وسلطه الشيخ هى بالاساس سلطة عرفية مشروعيتها القبول العام وهو نظام لا يقل ديمقراطية عن خيارات الانتخاب فى الولايات المتحدة بين الحزب الجمهورى والحزب الديمقراطى , ومن ناحية أخرى فقد قاومت قبائل القواسم الأستعمار البريطانى الى أن أجبرت على توقيع اتفاقية صلح وقد قاومت قبائل الساحل المهادن البرتغاليين فى السابق , ومع صعود حركة القومية العربية كان للشيخ صقر بن سلطان القاسمى دور كبير فى دعم التوجه القومى وتأييد سياسات جمال عبد الناصر وواجه النفوذ البريطانى فى الخليج مما دفع بريطانيا للاطاحة به , وقد شاركت الامارات بقوة عسكرية فى حرب أكتوبر وساهم الشيخ زايد بدعم مالى لمصر لدعم المجهود الحربى . وكما أوضحت فان الوضع الجيوسياسى للامارات يجعل خياراتها صعبة فى ضوء صراع القوى الأقليمية والقوى الدولية الموجودة , فى حين تتحمل مصر العبىء الأكبر فى اعادة تمركز الاستعمار فى المنطقة لانسحابها من المواجهة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع العدو الصهيونى .
أما الجانب الأكثر أهمية هنا فيأتى على مستوى القيم فان هذة المجتمعات تتميز بأنها لا تقتل للثأر فى قضايا الشرف والخيانة الزوجية ولم تنتج تصورات معادية للمرأة , بينما الرجل المصرى وهو ابن المدينة الصناعية - التى تكونت مبكراً بالمقارنة بعمر مثيلاتها فى مدن الخليج - لا يقبل على سبيل المثال أن تتصدر زوجته الحديث فى مناقشة لا يقوم هو بدور رئيسى فيها ولا يقبل أن تتكون صداقات بين زوجته ورجال أخرين لأن مثل تلك العلاقات ينظر اليها بعين الشك والريبة دائماً, والتحقق من تلك العقد فى الشخصية المصرية بسيط , يكفى أن يتعرض كاتب هذا المقال للسؤال الشهير " هل ترضاه لأختك أو لزوجتك ؟ " , فهكذا يفكر المصريون , بينما الوضع فى دولة الامارات يختلف تماماً فالمرأة لديها حقوق ومساحة حرية أفضل بكثير من وضع المرأة المصرية وهو ليس حق تكون سيدة الدار ومدبرة أحوال الأسرة فقط , فهى هنا كما فى الحالة المصرية مجرد حارس على قيم تقمعها وهى تمارس القمع على بناتها لتجبرهم على تبنى نفس القيم , فى حين المرأة الأماراتية كانت شريك بفعل موروث نظام اجتماعى فعل دورها بمساندة الرجل فى عمليات الصيد وتحصيل الرزق , صحيح أن وضع المرأة  تغير بعد تحولهم لحياة المدن وبعد الطفرة البترولية التى أقترنت بالتأثير الوهابى - السعودى مما أجبر النساء على أرتداء العباءات السوداء وتخلوا عن ملابسهم التقليدية التى كانت تتميز بالألوان المختلفة , لكن هناك مقاومة لهذا التأثير الوهابى فيمكنك أن ترى المرأة الأماراتية تحتفى بالملابس التقليدية خلف العباءة السوداء ويظهر شعرها واضحاً بينما المرأة المصرية أسيرة ملابس مقيدة لحركتها وحريتها , وهنا فمستوى تطلعات المرأة الأماراتية - حتى فى ظل الأرتداد الذى حدث بعد تشكل المدن ثم الطفرة البترولية والمد الوهابى - هو بالتأكيد أرقى بكثير من مستوى طموح المرأة المصرية التى تتحرك فى دائرة قيم هى نفسها الحارس الأمين عليها فى غياب مشروع تنموى حقيقى لدولة بحجم مصر , وبينما المصريون يقتلون للثأر فى قضايا الشرف لا يقوم المواطنين فى الامارات بارتكاب مثل هذة الجرائم , وهناك مساحة كبيرة للتسامح . صحيح ان الخيانة الزوجية غير مقبولة لكن هذا لا يعطى الانسان الحق فى ازهاق أرواح الأخرين لمجرد ان اختياراتهم تغيرت أو لقرار خاطىء فى لحظة ما لأنسان يصيب ويخطىء .

السينما المصرية تعكس تلك القيم الرجعية, تكفى مقاطع من فيلم خيانة مشروعة الذى صور أبطاله كشخصيات متحررة أو علمانية بالمعنى الدارج , بينما أرتكبوا جرائم قتل فى حالات الخيانة الزوجية والسينما هنا تعكس صورة العقل الجمعى للمصريين , الذين أصبحوا مصدر مزايدة كبيرة على الشعوب الأخرى ومنهم شعوب الخليج نفسها , فعندما يعرف الخليجى أنك مصرى  سيعدل من سلوكه الطبيعى خوفاً من المزايدة المصرية التى يروا نموذج لها فى الافلام المصرية وفى الممارسات العادية لأبسط المصريين , ومشكلة ظاهرة التدين المصرى أنها أزمة نفسية مركبة , فالمصرى لا مانع لديه من تعاطى المخدرات وشرب الخمر ومعاشرة فتيات الليل بينما لا يمنع نفسه من المزايدة الدينية والاخلاقية على الأخرين وهنا الحضارة المصرية القديمة بريئة من هذة المسئولية فكما أشرت هناك انقطاع تاريخى وثقافى حدث ولا شك , فالمصريين القدماء كانوا يبحثون عن حلول لمشاكل الحياة , ففكروا فى البعث والخلود كحل لمشكلة الموت لكنهم لم يهتموا بتصنيف الشعوب على أساس الكفر والأيمان , اهتمت مصر بحماية حدودها لكنها لما خرجت لتصنع اول امبراطورية فى التاريخ لم تتحول الى دولة نهب استعمارى لانها ليست فى حاجة لخيرات هذة البلاد المتوفرة أصلا فى مصر , لم تكن تلك الشخصية عدائية أبداً بل بالعكس تصدت لمحاولات اجبارها على عبادة الـه واحد فيما يسمى بالثورة الدينية فى عهد اخناتون .
 وأتصور أن الهجرات من جنوب سوريا والأردن هى المسئولة عن نقل هذة التصورات المرتبطة ببدو مستقرين وليسوا رحل فى تخوم الحضارات القديمة , وأنه وراثة بعض العادات والمفردات اللغوية من الحضارية المصرية القديمة لا تعنى بأى حال استمرارها بل ان دور البيئة الحاكم الذى يعكس قيمه وتصوراته قد يتغير اذا تعرض لمؤثر خارجى أقوى من خلال وعى اخر تطور فى بيئة أخرى , وكثير من الشعوب التى غيرت دينها ولغتها وقيمها لتصبح تحت سلطة أفكار شعوب أخرى هى أكبر دليل على ذلك , هذا طبعا بالاضافة للمد الوهابى والمليارات التى أنفقتها السعودية لتحول الدين الى تجارة مربحة وهو ما عمق الازمة فى مصر التى دخلت فى حالة عزلة اختيارية , فربما كانت العزلة التاريخية لمصر القديمة مبررة  لأن مصر ظلت فترة ألف عام تتحدث الى نفسها تقريبا فى عالم واسع مظلم لم تتوفر فيه نفس الشروط الموضوعية التى سرعت تطور الحضارة المصرية لتحقق لها السبق فى الوصول الى درجة عالية من التطور , بينما كانت العزلة الاخيرة على مدار الأربعين سنة الأخيرة هى قرار باعتزال الحياة وتوقيع على مغادرة التاريخ من أبواب كامب ديفيد . ولهذا فان مصر تحتاج الى ثورة لا الى المزايدة على الشعوب الأخرى , ثورة نفسية كما يصفها الدكتور جمال حمدان ، بمعني ثورة علي نفسها أولا ، وعلي نفسيتها ثانيا ،أي تغيير جذري في العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها , ثورة في الشخصية المصرية وعلي الشخصية المصرية , ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر وكيان مصر ومستقبل مصر "1" .
وبالعودة الى الامارات, فتطور دبى وتحولها الى مدينة حديثة ساهم كعامل أضافى فى اتاحة الفرصة للقيم العلمانية خاصة أنها مدينة يعيش فيها عشرات الجنسيات المختلفة القادمة من ثقافات مختلفة ويستطيع العربى فيها أن يعيش بعيداً عن سلطة الأسرة الأبوية ويمكن أن تتكون الأسر الجديدة على أساس من الأختيار الحر بين الرجل والمرأة المستقلين مادياً والقادرين على اعالة أنفسهم , وهذا بالتأكيد يمثل عامل مؤثر على المواطنين الأماراتيين أنفسهم الذين تحكمهم قوانين مقيدة نوعا ما ومانعة للاختلاط بالجنسيات الأخرى, بينما لا يتعدى نسبة المواطنين 15% من نسبة السكان وهو ما يمثل عائق أمام تطور البلد ذاتياً, وهذا مجال الحديث عن المدينة وامكانات تطورها فى المقال القادم .

المقال القادم " عن المدينة واليها " .  


1- جمال حمدان , شخصية مصر , دراسة فى عبقرية المكان .

السبت، 9 يناير 2016

ثـلاث مقالات عن دبـى .

 
كتب / وليد سامى واصل

تقديم : هذة المقالات تعرض ارهاصات الأنطباع الأول عن زيارتى الأولى لدولة الأمارات العربية المتحدة , قضيت فيها مدة شهر بين دبى والشارقة, أنقلها بعين الراصد لا الباحث المتخصص لعلها تفتح مجالاً أوسع للبحث واعادة النظر فى النظريات المطروحة بخصوص التركيبة الاجتماعية فى منطقة الخليج وقيمها ودورهـا - الموصوم بالرجعية - فى اطار مشروع وحدوى عربى وباعتبار دولة الأمارات نموذجـاً مصغراً لتلك الوحدة .

المقال الأول / مدخل جيوسياسى " قراءة فى محددات السياسة الأماراتية " .


 تقع دولة الأمارات فى الجزء الشرقى من شبه الجزيرة العربية, يحدها شمالاً الخليج العربى " الفارسى " وامارة قطر, ومن الجنوب والغرب المملكة السعودية , بينما من الجنوب والشرق سلطنة عمان.
عرفت هذة المنطقة استيطاناً بشرياً منذ الاف السنين والأثار الموجودة عن بقايا المجتمعات البشرية القديمة التى سكنت هذة المنطقة تكشف عن ارتباطها بهجرات من الساحل الهندى بشكل واضح كما الحال فى أغلب الساحل العمانى حيث تكشف الحفريات عن أن أغلب سكان المنطقة القدامى هم أقرب للتركيبة الأثنية لسكان الهند منها الى الجزيرة العربية , وهناك اختلاف واضح فى مقاييس الجماجم بين عرب عمان من جهة وبين مقاييس الجماجم لدى سكان العربية الجنوبية الغربية وتهامة من جهة أخرى "1", يؤيد هذا الاستنتاج ويدعمه واقع جغرافى يجعل من الساحل العمانى منطقة مرور للهجرات البشرية التى كانت الهند موطناً رئيسياً للعديد منها .
الموقع الجغرافى لدولة الأمارات يضعها فى اطار محددات ثلاث لدور أقليمى , فهى اما تقوم بدور الترانزيت كمحطة تجارية وهذا كان نشاط السكان الرئيسى بالاضافة لصيد الأسماك وأستخراج اللؤلؤ من الخليج العربى " الفارسى " , أو تكون مجال حيوى لتمدد أحدى الامبراطوريات أو القوى الاقليمية وخاصة مراكز الثقل فى محيطها الأقليمى بين ايران وعمان والسعودية , أو أن تتحرك بشكل فاعل لتمارس سياسة مستقلة ولو نسبياً , وهو ما قد حدث نوعا ما بعد مشروع الوحدة والتى كانت ستشمل البحرين وقطر لتكون دولة كبيرة فى شرق الجزيرة يوازى دورها دور الامبراطورية العمانية التاريخى .
التاريخ يفسر أكثر الوضع الجيوسياسى لدولة الامارات العربية المتحدة , فـ فى العصر البرونزى  تظهر أثار مدن قديمة لعبت دور وسيط تجارى - فى موقع امارة رأس الخيمة الحالية - ونشطت تلك المدن فى التجارة بين الهند وميزوبوتاميا , أما فى عصر الحديد فقد أقام الفينيقيون محطات تجارية تظهر أثارها فى موقع امارة الفجيرة الحالية , ومع تمدد الامبراطورية الأخمينية الفارسية - التى أمتد نفوذها حتى مصر - خضعت منطقة الساحل العمانى والامارات للنفوذ الأخمينى ولم تتخلص منه الا بعد سقوط الدولة الأخمينية على يد الأسكندر المقدونى " قوة كوكبية غير اقليمية " الذى لم تكتمل مشاريعه للسيطرة على شبه الجزيرة العربية لتصبح المنطقة مجال فراغ استراتيجى فى ظل انحسار نفوذ القوة الأساسية الأقليمية المتمثلة فى ايران , وهو سيناريو سيتكرر عبر التاريخ مع صعود الامبراطورية العمانية وأنحسارها وكذلك الدولة السعودية ومراحل صعودها وانحسارها حتى قيام الدولة السعودية الثالثة فى القرن العشرين .
تبدأ منطقة القلب فى شبه الجزيرة العربية - الحجاز ونجد وحدود السعودية الحالية - فى لعب دور استراتيجى مهيمن ومؤثر على موقع الامارات والساحل العمانى مع ظهور الأسلام وتوسع الدولة فى عهد الخلفاء الراشدين , استطاعت دولة المتروبول الاسلامية سحق تمرد فى امارة الفجيرة ضد الحكم الاسلامى فى عهد الخليفة أبو بكر الصديق وهنا يظهر لنا أول صدام مع النفوذ الصاعد لمنطقة القوة الجديدة فى قلب الجزيرة وهو ما سيضعنا فى الصورة أمام الموقف الحالى من تنازع على مناطق النفوذ فى الخليج بين ايران ونفوذها التاريخى فى المنطقة وبين منطقة القوة الصاعدة فى شبه الجزيرة مع ظهور الاسلام ثم مع تأسيس المملكة السعودية فيما بعد ! "2" .
 لنفس الاعتبارات الجغرافية التى حددت دور الفينيقيين فى اقامة محطات تجارية على الساحل الاماراتى , كان عهد الخلافة الأموية فترة أزدهار للساحل الاماراتى الذى لعب دور وسيط فى حركة التجارة, بينما أحتفظت القبائل باستقلال ذاتى كبير فى عهد الدولة العباسية التى كان مركزها بغداد وكان مجال تأثيرها محدود فى شرق الجزيرة العربية .
لتبدأ المنطقة تعانى مرة أخرى مع ظهور قوة الاستعمار التجارى البرتغالي " قوة كوكبية غير اقليمية " الذين أقاموا محطاتهم التجارية الخاصة لضمان السيطرة على بحر العرب , حتى تظهر دولة اليعاربة والتى استطاعت التخلص من النفوذ البرتغالى وكان مركزها عمان وأمتد نفوذها فى الخليج العربى وسواحل شرق أفريقيا بل وفى عمق فارس نفسها .
مع بروز الدولة السعودية الأولى للوجود , كانت منطقة الامارات خاضعة للنفوذ السعودى فى مواجهة الحكم العثمانى الى أن قضى ابراهيم باشا على الدولة السعودية الأولى , بينما غرقت الدولة السعودية الثانية فى مستنقع خلافات داخلية قضت عليها الى أن استعادت نفوذها مرة أخرى مع اعلان الدولة الثالثة عام 1902 ثم اعلان تأسيس المملكة السعودية عام 1932 م بما توفر لها من نفوذ وقوة بعد اكتشاف النفط ودوره فى الانتاج الصناعى .

كانت المنطقة تعرف حتى الستينات من القرن العشرين باسم إمارات ساحل عمان أو امارات الساحل المهادن ؛ أما الإنجليز فكانوا يسمونها "ساحل القراصنة" حيث كانت الأمبراطورية البريطانية " قوة كوكبية غير اقليمية " تعتبر المنطقة جزءًا من إمبراطوريتها التجارية، وهو ما ساهم في اندلاع عدد من المعارك البحرية بين الأسطول البريطاني وبين القبائل ، وانتهت العلاقة المتوترة مع بريطانيا بالتوقيع على اتفاقية السلام الدائم عام 1853 لتحقيق السلام البحري وفض النزاعات القبلية واستقلال القبائل في إدارة شؤونها الداخلية، وقد عدلت الهدنة عام 1892 التي منحت بريطانيا شؤون الدفاع والعلاقات الخارجية، مع احترام سيادة مشايخ الإمارات المتصالحة أو إمارات الساحل المتصالح، وقد استمر العمل بهذه الاتفاقية حتى 1971.
فى نوفمبر 1971 - قبل الأتحاد بشهر واحد - تقوم أيران باحتلال الجزر الاماراتية " طنب الصغرى والكبرى وأبو موسى " فى الخليج لضمان السيطرة على الحركة الملاحية فى مضيق هرمز , ويبدأ الصراع يتصاعد مع انتصار الثورة الاسلامية فى ايران لتتحدد ملامح الصراع الاقليمى بين منطقة قلب الجزيرة بما توفر لها بعد اكتشاف البترول من نفوذ وثروة هائلة فى مواجهة النفوذ التاريخى والطبيعى للدولة الايرانية والقوة الأمبريالية الأمريكية التى ورثت دور القوى الكوكبية غير الأقليمية التاريخى بما لها من قواعد عسكرية فى الخليج العربى, وهو أصعب تناقض مـر على هذة الامارات التى لم تتجنب كثير من أثـاره السلبية الا من خلال قوة الأتحاد الذى مكنها من ممارسة سياسة استقلال نسبى يسمح فيها بهامش من المناورة السياسية .

من هنا أستطيع عرض بعض الاستنتاجات التى يمكن من خلالها فهم الخطوط العامة للسياسة الأماراتية الحالية , فمبدئياً يظهر تاريخياً ضعف التأثير القادم من العراق وسوريا ومصر على هذة المنطقة " الساحل العمانى وساحل الخليج " وأكتفت القوى الأقليمية فى هذة الدول باقامة محطات تجارية لها لكن دون القدرة على التأثير المباشر على مستقبل المنطقة وتوجهاتها وهو نفس الحال مع النفوذ العثمانى , ويبقى الدور الأهم لأيران ونفوذها التاريخى وتأثيرها الثقافى والأثنى أيضا باعتبار هذة المنطقة خلاط أعراق , سبقتها الهند فى الهجرات الأولى ثم قامت فارس بدور أكبر فى ظل الدولة العباسية , وهذا الدور نازعه تاريخيا النفوذ العمانى ثم صعود الدولة السعودية فى القرن التاسع عشر لاستعادة دور منطقة القلب فى الجزيرة العربية , بينما يظهر تاريخيا دور هذة القوى الاستعمارية الغير اقليمية بداية من التوسع المقدونى والذى قام بسحق القوة الأقليمية الفارسية وترك هذة المنطقة فى ظل حالة فراغ استراتيجى , وعلى العكس من الامبراطورية التجارية للبرتغاليين التى دخلت اشتباك مباشر مع المدن الساحلية الاماراتية ولم تكن تهتم باحداث توازن فى المنطقة أو أستخدام الصراع الاقليمى لصالحها , فقد قامت بريطانيا بدور مختلف حيث تدخلت فى المنطقة لتحقيق مصالحها فى مواجهة النفوذ الايرانى وأعادت احياء منطقة القلب فى الجزيرة العربية لتقوم بدور الوكيل الاقليمى للمصالح الاستعمارية برعاية أطراف دولية , أنتهت بالنفوذ الأمريكى فى الخليج العربى بعد تدمير الدولة العراقية ومحاولة تعميق حالة الفراغ الاستراتيجى بتدمير حزام الصد الشمالى المقابل لأوربا فى مصر والشام .

وبناء عليه يمكن فهم السياسة الاماراتية المؤيدة للسياسة السعودية فى مواجهة ايران , بينما نلاحظ تناقض ثانوى فى الملفات المتعلقة بفتح مجال للتعاون مع الأخوان واستخدامهم ضد النظام المصرى بعد 30 يونيو , أو حتى انطواء مصر داخل حدودهـا وذلك حجر زاوية فى السياسة السعودية تجاه مصر . والأمارات تدرك وضعها فى هذا الصراع , هى لا تريد أن تكون متطرفة تجاه ايران لكنها لا تستطيع التخلص من النفوذ السعودى الذى يفرض هيمنته اقتصاديا وثقافيا بين دول مجلس التعاون الخليجى , وهى لا تستطيع كذلك استدعاء مصر للخليج - وفق ما تفرضه أولويات الأمن القومى المصرى أيضا - طالما بقيت المملكة السعودية بنفوذها وممارساتها الأمبريالية التى تخدم مصالح الامبريالية الأمريكية , ثم أنها لا تتنكر لأيران تماما بل هناك اعتراف واضح بنفوذ ايران التاريخى والثقافى من خلال الحضارة الفارسية , لكن لا تستطيع أن تعلن معاداة تديين الصراع فى المنطقة تحت ما يسمى بمواجهة المد الشيعى .
من هنا  أستطيع أن أقول أن أمام السياسة المصرية مجالين للحركة نتيجتهما واحدة وهى صدام حتمى مع السعودية , فمصر أما أن تنسحب تماماً من الشرق الأوسط وتكف عن حضورات مؤتمرات القمة العربية وتكتفى بتأمين حدودها الشرقية والغربية وتتحرك باتجاه تأمين نفسها فى العمق الأفريقى وهذا اتجاه صدام مع السعودية التى تستثمر فى سدود أفريقيا على النيل للضغط على مصر وابتزازهـا كهدف مرحلى , وللقضاء على وجودها التاريخى كهدف استراتيجى . واما أن تتوغل مصر من كلا الاتجاهين لمحاصرة السعودية وتخليص رقبة الخليج من نفوذهـا وتحرير الشعب العربى من أثار مشروع الدين السياسى " الوهابية التكفيرية " وذلك بالاقتراب من ايران التى ليس من أهدافها تدمير مصر , فالخطأ الاستراتيجى التاريخى الذى حدث بعد الغزو الفارسى لمصر أدى لسقوط  فارس نفسها أمام الأسكندر الذى لم يجد حائط صد قوى يوقف تقدمه وتوغله فى المنطقة , وكانت استراتيجية جمال عبد الناصر فى اطار حركة تمدد القومية العربية بمحاصرة السعودية من الجنوب فى اليمن ومن الشرق فى ايران نفسها , وكانت هناك اتصالات بين النظام الناصرى وبين القوى الثورية المعادية لحكم الشاه , لكن تأخرت الثورة الأيرانية وكانت مصر قد خرجت من دائرة الصراع وربما من التاريخ نفسه منذ أربعين عاماً وحتى الأن . لكن يظل لدى مصر فرصة لأن تقوم بدور أقليمى أوسع فى هذا الظرف التاريخى فى اطار مشروع وحدوى عربى وبالتعاون مع دول الخليج نفسها , لكن على مصر قبل أن تقرر ما لمصلحتها أن تحسم توجهها ومحددات أمنها القومى بما يضمن ثورة ثقافية شاملة وتبنى مشروع للتحرر الوطنى والتنمية , قبل أدعاء أفضلية حضارية على مجتمعات الخليج المتهمة بالرجعية والبداوة , بينما قد تكون تلك الادعاءات نفسها اتهامات رجعية .

المقال القادم " اتهامات رجعية " .

1- لطفى عبد الوهاب يحي , العرب فى العصور القديمة " مدخل حضارى فى تاريخ العرب قبل الاسلام ", ص 44 , دار النهضة العربية للطباعة والنشر , بيروت . ص . ب 749 .
2- هناك علامات استفهام على الصعود والاختفاء المفاجىء للدور التاريخى لهذة المنطقة باعتبارها قلب لامبراطورية مترامية الاطراف بينما مواردها البشرية والمادية لا تؤهلها للقيام بهذا الدور , حيث انتقل مركز السلطة الى عواصم الحضارات القديمة ولم تستعيد تلك المنطقة نفوذها الا برعاية قوى الاستعمار الحديث مع تأسيس المملكة السعودية , وبرغم ذلك لم يتماسك هذا المشروع الا بعد اكتشاف البترول وتعهد الولايات المتحدة بحماية العرش السعودى .  

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

The battle of Maldon

التاريخ بيحكى جزاء التهاون فى مواجهة العدو وعدم اغتنام الفرصة للقضاء عليه ..
معركة مالدون سنة 991 م The battle of Maldon
لما توغلت مجموعات كبيرة من الغزاة الدانيين " غزاة الشمال " فى اقليم Ispwish بأنجلترا أثناء حكم الملك أثـرلد الثانى Aethelred II حفيد ألفريد العظيم , وهنا كان فيه واحد اسمه بيرتنوث Byrhtnoth وده حاكم الأقليم , فحاول يواجههم بكل ما استطاع جمعه من ميليشيا وعسكر ورفض دفع الجزية اللى قبلها الملك أثـرلد نفسه وكما ورد فى نص ملحمة سجلت أحداث المعركة الفاصلة فى مالدون كان رده " الجزية الوحيدة التى سوف أدفعها لكم سوف تكون من الرماح وحد السيف " ..
المعركة كانت عند منطقة بالقرب من نهر Black Water اللى كان بيفصل الجانبين واللى تبادلوا فيها الشتائم وقتل بعض الجنود من الطرفين فى اشتباكات جانبيه لحد ما وافق بيرتنوث على طلب الدانين بالسماح لهم بعبور النهر للقتال بصورة متساوية على الأرض والراجل بشهامة وافق على الطلب وكانت النتيجة مش بس قطع راسه ولكن هزيمة انجلترا كلها وخضوعها لحكم الدانيين بقيادة الملك سوين Swein وخضع له الملك أثرلد الثانى نفسه حفيد ألفريد العظيم .

السبت، 14 نوفمبر 2015

منشور لـلأنسانية .



كتب / د . معمر نصار

خطط العولمة السوقية وإفقار العالم (اتفاق ريجان تاتشر بأيدي الإسلاميين)

نقاط التقاء المشروع الديني والمشروع العولمي : تفريغ العالم من القدرة علي مقاومة الاحتكار والفقر
منشور للإنسانية:-
كتب:معمر أحمد يس
توصيف للوضع العام للإنسانية: تتعرض إنسانية البشر في الفترة الحالية لعملية كسح مستمرة عبر تجريف تربة نشط تستخدم فيها مكانس ناعمة أو خشنة في كل العالم بلا استثناء  فهي تشمل أوربا الغربية والولايات المتحدة وبقية البلدان الصناعية بجانب بلدان الأقل حجما وقوة.

 منذ منتصف الثمانينيات وللحقيقة منذ عام 1979 عام وصول مارجريت تاتشر للحكم في بريطانيا يجري سحب كل المكتسبات الأساسية التي حققها الإنسان الغربي عبر نضاله الطويل خلال مئتي عام ببطء ومراوغة أحيانا وبقسوة بالغة أحيانا أخري (تذكرو قانون العمل الذي ودع به جاك شيراك السلطة وترك خلفه اضطرابات في أغلب أحياء باريس و40 جامعة معطلة الدراسة بسبب الاضطرابات) من أول حقوق الرعاية الصحية والاجتماعية وإجراءات الضمان الاجتماعي إلى الديمقراطية وحرية التعبير والكسب فعن طريق اتفاقيات التجارة الحرة وحرية تنقل رؤوس الأموال والأفراد بات الإنسان الأوروبي محصورا في خيارين أحلاهما مر الأول: هو تقديم التنازل تلو التنازل عن حقوق التأمين الصحي والضمان الاجتماعي ودعم التسكين والزيادة السنوية للرواتب استجداء لبقاء المؤسسات الإنتاجية فقط لكي يحتفظ بفرصة عمل تضمن استمرار حياته, الخيار الثاني هو التمسك بهذه الحقوق والمكتسبات كاملة وبالنتيجة التضحية بهروب رؤوس المال تلك إلي بلدان أخري عن طريق حريات تنقل رؤوس الأموال وقوانين الاستثمار العولمية اللتي فرضها صندوق النقد الدولي , وبالضرورة فقدان الحقوق هذه كلها دفعة واحدة بما فيها فرصة العمل ذاتها.والمستبقى في كلا الحالين هو تهديد كل من  الديمقراطية والوفرة الميزة الأوضح لواقع حياة مختلف وأفضل حازته هذه الشعوب في مقابل الشعوب التي جمعت من قبل الفقر والديكتاتورية معاً في العالم النامي أو المتخلف  المائة والخمسين عامً الفائتة إذأ أصبحت الخيارات الديمقراطية   منذ إعلان تحالف لندن واشنطن في أوروبا وآسيا و أمريكا هي انتخاب أقدر السماسرة السياسيين على التنازل باسم الشعوب لمؤسسات الرأسمالية وتجمعات التجارة الحرة مقابل وتيرة أبطأ في الإفقار أي مجرد تمديد محدود لعمر دولة الرفاه الاجتماعي اللتي طالما سمعنها عنها في بلادنا, وقد لوحظ تأثير هذا الفساد السياسي في السنوات الماضية من خلال ضعف التصويت الانتخابي وتصاعد العنف الاجتماعي  ولجوء الجماهير الغربية إلي الشوارع أكثر من لجوئها إلي صناديق الانتخابات نتاجاً لتحول الخيارات السياسية إلى درجات لطيف واحد من الألوان جري الترويج له باعتباره قدرا لا فكاك منه. هذا هو المتاح لإنسان أوربا منذ صعود تاتشر والتقائها بسياسات رونالد ريجان. أصبح الكبار وأصحاب المصلحة معهم مدفوعين إلى ابتزاز شعوب المراكز الأوربية  باختراع ميادين حروب مستمرة لتضليل الرأي العام عن حقيقة ما يجري من سحق للشعوب بدأ علي يد تاتشر في استصدار قوانين صادرت بها أرصدة النقابات العمالية اللتي كانت تمكن النقابات من الصرف علي العمال فترات الإضراب والاعتصام لانتزاع حقوقهم من الشركات وبذلك ضربت النقابات في مقتل ثم افتعلت حرب الفوكلاند في أميركا الجنوبية من أجل تضليل الرأي العام عن حقيقة القوانين اللتي جري سلقها في البرلمان البريطاني لأجل سواد عيون الرسمالية الكبيرة اللتي تتطلع لوراثة العالم بعد أن تختفي منه امبراطورية الشر السوفييتية (حسبما سماه رونالد ريجان). في تلك الحرب جري توظيف فايض القوة الغاضبة لدي الشعب البريطاني في حرب قومية نشرت الغبار حول ما يجري في البرلمان وما يسلب من حقوق, وعندما اختفت إمبراطورية الشر السوفيتية كان ضروريا أن تبقي القوة الشعبية للجماهير الغربية في عمائها عما يجري طبخه في برلماناتها فاخترعت بمعاونة السعودية فزاعة الخطر الإسلامي وقامت السفارات الغربية بإصدار ألاف التأشيرات لأسر كاملة من المتشددين الإسلاميين لكي تفرض مشاهد النقاب واللحي والجلابيب والملابس الغريبة علي الثقافة الأوروبية حس الخطر المطلوب وتكفل العالم الإسلامي بجهله الممتاز بتوفير مشاهد إضافية مثل مظاهرات الرسوم المسيئة للرسول وحرق الكنايس في مصر وتحطيم تماثيل بوذا في أفغانستان وذبح الصحفيين في العراق غبارا إضافيا حول ما يجري في الكواليس السياسية في كل العالم الديمقراطي والديكتاتوري,   ومن أجل توظيف فائض القوة البشرية المحبط جري اللعب أيضا بورقة تهديد الأقليات الأجنبية في إيطاليا والنمسا متناسين فضل تلك الأقليات في نهوض أوروبا السريع من حطام الحرب العالمية الثانية خلال الخمسين عاماً الماضية , تم دفع هذه الشعوب لخوض حروب جديدة في مراكز الفقر والديكتاتورية في الدول النامية. ولكي يكون مفهوما ما نقول فقد أبدت بريطانيا تاتشر تفهمها وحالت دون ظهور إدانة دولية لعدوان أميركا علي ليبيا عام 86 بل أمدته بقطع حاملات طائرات إنجليزية وهي الحرب اللتي غطي غبارها علي الاعيب ريجان ضد معاشات المتقاعدين وحملته التشريعية لتخفيف الأطر التنظيمية الحاكمة لنشاط البنوك قامت تاتشر برد الجميل لريجان لأنه أيد وساعد بريطانيا تاتشسر في حرب الفوكلاند بمنع وجود أي إدانة دولية لعدوانها علي بلدان ذات سيادة في عام 82 وهي الحرب اللتي غطي غبارها علي ما فعلته تاتشر بالمجالس المحلية في بريطانيا وألاعيبها في البرلمان وقوانينها اللتي شلت المجتمع البريطاني العامل عن القدرة علي المناورة والضغط لانتزاع مستحقاته من الرسمالية الصناعية ليس فقط في حرب ليبيا بل دعمت بريطانيا برنامج حرب النجوم اللذي جدده بوش الأبن تحت عنوان جديد هو الدرع الصاروخية ضد روسيا.  خلال الثمانينيات دعما ريجان وتاتشر أحزاب اليمين واليسار في أوروبا علي التخلص التدريجي من قيود القوانين اللتي وضعت خلال الحقبة السوداء (وجود امبراطورية الشر) وتفكيك القيود علي نشاط البنوك والبورصات وحقوق الطبقات العاملة بحيث أصبحت السياسة الأوروبية تحمل عناوين يسارية ويمينية لكن المضمون واحد هو تخليص الرأسمالية من قيود الدولة  في الغرب وتحطيم الدولة بالكامل في بقية العالم بحيث يعمل الطيف الواحد المتاح ديمقراطيا في الغرب الأوربي على تسويق المصير القدري المحتوم اللذي هو شقان شق يعني أن الدولة لن تقوم مجددا بدور القاضي العادل بين الطبقات والشق الثاني هو أن الغرب مهدد بخطر خارجي لا يصح معه إلا التجرد لمحاربته باستمرار خارج الحدود في كل مكان وأن يستمر هذا الخطر في التفزيع وإثارة الغبار ولنتذكر رسائل بن لادن اللتي طالما أنقذت صانع السياسات الأمريكي من الالتزام بأي وعد بتحسين أوضاع الشعوب وجعل الميزانية العسكرية والأمن أولوية فوق أي شئ والأم فوق النقد والمحاسبة المالية. في الغرب الأوروبي الغير متورط كثيرا في حرب العدو الكوني تعمل الأحزاب اليمينة علي استثمار الصديق الأحمق الإسلامي بطريقة أخري من خلال بث أفكار الاجتثاث والتصفية للمهاجرين الأجانب وتسويغ النكبة الاجتماعية الحالية والمنتظرة كنتيجة لمزاحمة هؤلاء الغرباء وسلوكياتهم الخطيرة وطبعا دون أدني إجراء جدي يمنع دخول المنقبات والملتحين إلي أروبا بالعكس لاحظ المجتمع الغربي ازدياد أعداد هؤلاء المهاجرين المتشددين مع الحكومات اليمينة. إن إسهام تنظيمات الحاكمية بنشاط مشكور في توفير مشاهد مطلوبة لأجل الحفاظ علي ضغط الدم مرتفعا والعيون مشدوهة عما يجري في الغرب والشرق, ليتم له توريط الشعوب الغربية في حرب ساذجة وغبية ضد عدو وهمي جدا وضعيف حقا إسمه الإرهاب الإسلامي. يبدو واضحا أن بقاء العالم النامي مجوفاً من القدرة على الصد أو فرض دور الشريك الحضاري المعتبر هو العامل الحاسم في جعل المصير القاتم للرفاه الأوربي والمصير الأسود للشعوب الفقيرة قدراً محققاً. على شعوب أوربا أن تدرك أن نمو فائض المال لدى الشركات ليس دافعاً قدرياً للهروب به خارج الحدود وتسريبه هنا وهناك فإذا كان الوصول للتشبع المحلي محتوماً وهو كذلك أحيانا فتوظيف فائض الأرباح محلياً في مجالات أخرى أو في تعزيز دولة الرفاه هومطلب أساسي في تجنيب الإنسانية والغرب في مقدمته نزيف النفس الجاري الآن على قدم وساق, دون الحديث عن تعويض للبلدان التي سبق نزح ثرواتها في الماضي الاستعماري فلدى الشرق القدرة على التسامح في هذا الشأن. ماذا يتبقي لإنسان أوربا وفق السيناريو الجاري؟
ستبقى له حريات أنجزت قبل قرنين, سيبقى له إرث الاستعلاء العرقي الذي سيكبر ويتضخم بفعل إجهاد الإفقار والتشرذم ليعيد أوربا ذاتها إلى الفاشية والنازية لأن الجماهير تفقد الثقة يوما بعد يوم في قدرة الأليات الديمقراطية علي الإتيان بالممثلين النزيهين لطموحات الشعوب وربما تقطعت أوصال هذه القارة القديمة وانتكست بالكامل عن الديمقراطية الحقيقية هذا نذير نسمعه منذ عام 2000 في كتابات الكثيرين في الغرب. ستبقى مراكز التكنولوجيا العالية تدفع بوتائر أسرع إلى الإحلال محل الإنسان , بشر غرائزيون يندفع جسد كل منهم لحفظ بقائه ولو بالجريمة ( الرقيق الأبيض تجارة الفقراء الرائجة)
إنسان العالم النامي:-   ربما لم تتجمع ظروف القهر وسوء الحال كما تجمعت ضد هذا الإنسان الذي كل ذنبه أنه أنحبس لظروف موضوعية في أدوار حضارية تتفاوت بعداً عن نموذج الحضارة الحديثة أوروبية الصياغة لدى قيامها واتساع انتشارها خلال مائتي سنة الخالية.
وهو الإنسان الأكثر غيباً عن مواضع الغنم في السيناريو العالمي الحالي وأكثر بني الإنسان قرباً من مناطق الجحيم فيه فهو في الماضي القريب مصدر الخام الرخيص وقوة العمل الرخيصة ومتنفس الراكد من مخزون أزمة الرأسمالية لدى تطورها في أوربا ,عليه أن يغيرحياته وأدواته ويلقف فائض الإنتاج الكبير ( وقد يستمتع بها أقلية طبقية حسب فرصة توزيعها في مجتمعاته ) مستهلكاً فقط وهو في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وآسيا عليه أن يقنع بدور التابع الثقافي والاقتصادي أو تحتل أرضه وإرادته عسكريا إن أصر على دور الشريك الذي يعطي ويأخذ أو يتم ضربه وسحقه إن حاول أن يسلك طريقا يحقق له قدرا من تلك الشراكة  ( العدوان الثلاثي وضربة 1967 وضرب العراق 2003 والتحرش بسوريا ). لقد قدمت أوروبا للإنسانية نموذجا هو الأفضل في معالجة مشكلات قديمة فيما يخص العالم والغيب وتحديد الاختصاص واحترامه مع تحديد دفعت ثمنه هو الإنسان كمقدس وحيد من أجله ومن أجل حريته ورفاهته تدور عجلة الدولة و تصاغ الشرائع, لكن أوروبا بقيت بعيدة عن تعميم وعولمة مفاهيم عصر الأنوار لأن ما صاغ وجهها الدولي هو الرأسمالي الباحث عن الخامة والسوق , فهل آن للإنسان الأوروبي مراجعة هذه الرواسب التكوينية واستيدالها بصيغة التحالف العالمي من أجل الإنسان؟ ألم يأن لإنسان أوربا أن يتشجع ويراجع تخاذله عن تفعيل المفاهيم التي أرساها عصر الأنوار هذه المرة باتجاه الإنسان حيثما كان وكيف كان لونه ولسانه؟ خاصة وأنه يتبين مما سبق أن هذا المكون اليوجيني هو مصدر تنشيط في استحداث التصادم الهدام مع الإنسان غير الأوروبي والعرب بالذات؟ وأن هذا المكون هو مفتاح الصنبور الذي يبقى بيد القلة المستغلة والأنانية دائمة القدرة على استخدامه وقت الحاجة ( حاجاتها هي والتي يتضح الآن مدى تناقضها مع حاجات الإنسان الأوربي العام ).
عودة إلى أوربا:-
لكي يجني إنسان أوربا نصيبا من ثمار التقدم المعرفي والتكنولوجي ضحى بحياته الاجتماعية من قبل وتقبل تحطيم مجتمع الأسرة ليحل محله مجتمع الفرد الواحد قانعاً بما تعطيه الديمقراطية والعلمانية في المقابل من حريات لهذا الفرد وهذه الحريات بصدد التوسع باتجاه التسامح مع شذوذات الفرد , من ذلك التوسع في القبول العام لزواج المثليين مع تصاعد التاتشرية في بريطانيا بسحق جموع العمال والموظفين والتي تجاوبت معها الولايات المتحدة مع إدارة ريجان, والتطوير المذهل لوسائل منع الحمل وتبرير الإجهاض كل ذلك محملاً على إرث الحريات المدنية المستقرة في أوربا من القرن 19 رغم أنها بالأصالة معاندة لقيم العلمانية الحقة.
وهذه العوامل الأخيرة ستكون وقوداً إضافيا لتحديد عمر المكون اليوجيني في الذهنية الأوروبية بما يشجع على تجاوب جماهير أوربا مع الدعوات التي تجتاحها وسوف تستمر في اجتياحها مع تزايد الحاجة إلى تصريف مخزون القوة والغضب المتولدين من التاتشرية في صورتها العالمية الحالية, ( يعزوا بعض المفكرين الأوروبينن وضوح المكون العرقي واليوجيني في الذهنية الأوروبية إلى ضعف نسبة تمثيل سكان أوروبا إلى المجموع البشري العام وإلى أن مورث صفاته الظاهرية التشريحية Phenotype متنح تماماً أمام مورثات الشعوب الملونة وهو ما يشيع إحساس الخوف من اندثار الجنس ) ويتعين أن يعي كل إنسان في أوربا أن فترة التحصيل للحقوق الاجتماعية في القرن ال19 وحتي منتصف العشرين تحققت بسرقة الخام من بلدان المستعمرات وليس تحت ضغط الحركة العمالية الأوروبية وحسب. إنه لكي يحصد اليسار الأوروبي مزيدا من المكاسب للطبقة العاملة في أوروبا كانت الإدارة الاستعمارية تنهب مزيدا من الأراضي وتسرق مزيدا من الخام وتصنع البؤس في مزارع القطن والقصب في افريقيا وأسيا ولم يول اليسار الوروبي أي اهتمام ولم يسأل عن مصدر الرخاء الأوروبي وقتها بل أكتفي بان أمسك بتلابي الرأسمالية ليتقاسم معها حصيلة المسروقات. إن مثل هذه العلاقة الظالمة حيث رعي المستعمر الأوروبي نشر القراءة والكتابة ليتمكن الشعب المستعمر من قراءة المواد الإعلانية حسب تعبير جوردون عن السودان "قبل أن تبحثو كيف نسوق منتجاتنا في السودان لنعمل علي أن يتمكن السودانيون من قراءة إعلانات بضائعكم" هذه العلاقة تمت بوساطة من طبقة محلية ربحت من تصدير الخام وتجميعه ومن ورائها وقفت الملايين لا تجد قوت يوم ولا تملك حبة دواء لا فرش ولا غطاء. وبعد جلاء الاستعمار الأوربي عن أغلب مستعمراته السابقة حافظت نخب عميله له أو مستفيدة منه ( بالوساطة والسمسرة ) على إبقاء هذه العلاقة مستمرة لكن بلدانا كثير رفضت الاستمرار في هذه العلاقة الظالمة وأصرت علي المشاركة في صنع المنجز الحضاري وعدم الاكتفاء باستهلاكه ما أدي لأشعال ثورات أدت إلي تراجع كثير من مراكز الخام عن المضي في هذه العلاقة وقد أطل شبح الشيوعية مخوفا ودافعا لاستجابة الرأسمالية لمطالب اليسار ومنظماته العمالية وصنعت بتأثير الرعب الاشتراكي أغلب الحقوق الاجماعية التي خلقت نموذج دولة الرفاه الأوروبية لمواجهة النموذج الشيوعي الضاغط.
صارت الأمور إلي استحالة التراجع بعد رسوخ النمط الرفاهي الأوروبي , وهكذا تأجلت عملية الانسحاب من دولة الرفاه ( الرعاية الاجتماعية ) لحين القضاء على الشبح. وقد كان إن الخيانات العظمي التي مارستها أحزاب اليمين واليسار في أوروبا طوال الثمانينيات والتسعينيات أدت إلي الرضوخ لنموذج تاتشر ريجان.
أقطار نعم, دول ...لا
ويبدوا أن النموذج الذي يتم تحويل العالم كله إليه بآليات السوق العالمية المفتوحة سيأتي وقد بدأ فعلاً , بنكبات لن تنتهي, للرفاه الأوربي ويصحبه مزيد من تحطم نمط الإنسان الاجتماعي وتعزيز وحشتة الإنسان الأوربي بما يدفعه بتأثير مكون اليوجيني النشط إلى مزيد من العدوانات الداخلية ضد نفسه ( مظاهرات الطلاب في فرنسا ) ثم ضد آخرين , وفي الأخيرة تتولى مصانع المال والسياسة توجيهه نحو آخر من شوهد عند غرق الاتحاد السوفيتي (إنهم المسلمون ).
فهل يمثل المسلمون خطراً على الحضارة الحديثة والديمقراطية؟
لا ينكر عاقل أن أتعس سكان العالم وأقلهم قدرة على الفعل الإيجابي هم المسلمون ولا ينكر عاقل أن بطاعة جماعات العنف الإسلامية ( الفكرية ) هي حتى الآن من الضحالة والسذاجة بحيث لا يمكنها أبداً أن تحل كأيدولوجيا حل الأيدولوجية الماركسية فليس لدى هؤلاء نظرية متماسكة حول خلق العالم تختلف عما طرحه العهد القديم وحلت محلها نظريات طبيعية ( الانفجار والتمدد ) وأخرى فلسفية قدمت الماركسية الاجتهاد الأكبر فيها ( الوحدة والصراع ) وهي تقود إلى أن الخلق عملية مستمرة ولا نهاية تقود إلى ضرورة يستحيل أن تكون تمت في أي وقت مضى ,ولا لدى بن لادن وقاعدته نظرية في تفسير البؤس الاجتماعي وتفاوت المصائر الحاد الذي تشهده الإنسانية ولا هي تقدم للإنسان حتى المسلم أي إشارة معتبرة إلى فهم يؤدي إلى توقع ناجح بالمسار الذي يتعين سلوكه لحل معضلات التقدم والتأخر وإنهاء الظلم والتظالم في نسق فكري يهدد مرش الليبرالية والمؤسساتية الحديثة ولم تظهر في أوربا أي أدبيات تشير إلى التداعي الفكري اللازم لمواجهة نظريات مغايرة يطرحها بن لادن وقاعدته ولها العالم الإسلامي في إجماله , فهل مشكلة الإرهاب الإسلامي هي من الخطورة بحيث تتطلب هذا التداعي العسكري والسياسي؟ ولماذا هو غني عن التداعي الفكري؟
لأول مرة في التاريخ يتصدى سياسيون من الدرجة الثانية مثل جورج بوش للتنظير لهذا التداعي رغم أن هذا التنظير كان من المفترض أن يقوم به المفكرون والفلاسفة والاجتماعيون والاقتصاديون . لماذا ترك هذا العبث للسياسي الأوروبي فقط؟
نقول : لأن الخطر زائف وغير حقيقي . تصدت الكنزية والكنزية الجديدة لتقديم الحل الليبرالي بديلا للماركسية في المعضل الاقتصادي , فأين ما طرحه العالم الإسلامي أو بن لادن ؟ وأين مقابله الليبرالي في هذا المعضل؟ لا شيء.
إن الحضارة الحديثة والديمقراطية تتهدد بأحد طريقتين:- إما بخطر التدمير الشامل بحجم الحرب العالمية وهو دمار ثبت حتى الآن أن لا أحد يقدر عليه غير أوروبا, وحتى الآن لم يطلق بلد إسلامي واحد مدفعاً أو طائرة باتجاه بلد أوروبي فضلاً عن تدميره , فهل يقدر المسلمون على تدمير أوربا وهم يتسولون السلاح منها؟ وهل هم راغبون في تدميرها؟ إن وجود قوات الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وأسبانيا على أرض العراق يفصح بالعكس , أو بنسق فكري واقتصادي واجتماعي نقيض يتسلل عبر عقول الشباب الأوروبي؟ هذا ما لم تظهر له أية بوادر حتى الآن فكما يتسول المسلمون السلاح والتقنية من أوروبا لا زالوا يتسولون أفكارهم أيضاً.
النخب السياسية المالية في أوربا والولايات المتحدة:-
لا يخفى تداخل السياسي والمالي في مؤسسات الديمقراطية الغربية وقد سمح المالي في فترات الخطر السوفيتي بصعود اليسار الأوروبي إلى مقاعد السياسة المؤثرة ليعمل الأخير على تهذيب العلاقة بين الطبقات العاملة ( الأغلبية ) الأوروبية ومؤسسات ضاقت المال بما يحفظ تواجد كل منهما صحيحاً ( تزامنياً ) ويتضح تراجع المالي عن دعم هذا اليسار بعد انفتاح الطريق أمامه إلى السوق العالمية وبدء تسريب الثروة الأوروبية لكي تدور في أوعية متعددة الأبعاد غير محوطة جغرافياً ولا سياسياً أو اجتماعيا , كما تبين تماما أن اليسار الأوروبي راوح قناعاته القديم ليلعب دور السمسار الرحيم بالتضحية لإنسان أوربا ( لعام ) مساهما مع متطلبات العولمة بالترسيب , وهذه جميعاً قادت إلى ما أشرنا إليه من توحد طيف الخيرات أمام إنسان أوروبا ديمقراطيا وداعيا أكثر إلى العزوف عن الفعل الديمقراطي واللجوء إلى الصخب والعنف في الشوارع ( فرنسا وألمانيا ), عن عملية التسريب والتملص من الدور الاجتماعي للشركات تدريجياً يترك البشر الأوروبيين في حال أكثر بؤساً ربما من أندادهم في أي مكان آخر فها هم بعد أن أعطوا الرأسمالية حياتهم الاجتماعية عبر مائتي سنة تدير لهم الأخيرة لهم الظهر تاركة إياهم فقراء ومستوحش , فإن كان الأفريقي يعاني القلة في كل موجوداته إلا أنه يستأنس بالأسرة والقبيلة ويدفع غيلة الجوع بالحلم بعالم آخر أكثر رحمة إنسانية بينما سيجمع إنسان أوربا وحشته وعزلته وفقره الروحي إلى جانب معاناة القلة.
ويكاد المرء لا يميز الأصوات في أوروبا الآن بين النخب السياسية المتصدية في العقد الأخير , يجمعها جميعاً الحديث عن القدر الحتمي للتكيف والانسحاب وتعمل آلات علماء النفس على ابتزاز الفرد العاجز وتتعدد نظريات الوراثة السلوكية والتقنية وتتطابق معها رنينيا دعاوى الساسة عن الخطر الإسلامي.
محل اليوجينيا من النخب السياسية والمالية الأوروبية:-
إن النخب السياسية والمالية الغربية صارت إلى قناعة بأن الانتقاء الطبيعي لا يشمل فقط إقصاء الجماعات العرقية غير البيضاء بل وبعض البيض أيضا من الفاشلين وهو ما تظهره برامج التدريب النفسي في الولايات المتحدة والتي تركز على تصنيف الطلاب إلى قادرين أو عاجزين عن التكيف وهي في النهاية تلقي بالعبء على الفرد نفسه ( ليس السبب كونك فقير إنك ولدت في مزبلة بل لأنك لا تريد أن تخرج منها ).
فضح المسلمون القدماء في العالم العربي بإبداع أدبي هذا التضليل في قصة جحا مع جاره : أزمع الجار السفر واستودع عشر إوزات لدى جحا , الذي طمع في لحم الإوز في ليلة من الليالي فأمر امرأته فذبحت واحدة منها , ولما أتى الجار وتسلم إوزاته تنافر مع جحا في الإوزة الناقصة فجادله بأنها عشرة وليست تسعة فاستشهد بالجيران والمارة وجمع عشر شبان وطلب منهم أن يحمل كل واحد إوزة فبدأ الشبان في مطاردة الإوز وحصل كل منهم على واحدة بين ذراعيه عدا شاب منهم فلما صاح الرجل ها قد تبين كذبك يا جحا فهذا الشاب لم يحصل على إوزة فرد جحا ببرود: كان الإوز أمامه ولم يمنعه أحد.
سألت سيدة نعوم تشومسكي: أي نعوم كيف نطرد الأوهام وهي متمكنة من أناس كثيرين؟ فأجاب لن يتغير الوهم بالحديث في حجرة أو محاضرة لكن الحديث في الحجرة والمحاضرة ضروري لجمع الناس اللذين لن يلبث عددهم أن يزداد , مثلما في حركة السلام في الستينات لقد بدأت بأحاديث في غرف الطعام.
تقويض الدولة هدف عولمي:

باتجاه تقويض الدول الكبيرة نسبيا تؤكد الأدبيات , أن تقلص دور الدولة وانسحابها العنيف في العالم النامي من دور الرأسمالي الرحيم ( الاجتماعي (أو الضابط لإيقاع الحراك الاجتماعي والحارس لمنظومة قيم المجتمع عبر الآليات تملكها الدولة , مثل الرعاية الاجتماعية , العلاج المجاني , رعاية الأيتام ودعم الفقراء. كل ذلك يؤدي ( وهو كذلك بالفعل ) إلى عملية اغتراب يعقبها انسحاب مقابلة من جانب المواطنين إلى دوائر انتماء أضيق يتحقق للفرد من خلالها تأكيد الوجود والأهمية  تتباين حسب التكوين الأنثروجرافي والعقائدي لكل دولة من السكان ففي بلد  مثل مصر يتم الانسحاب إلى داخل المعطيات الدينية الروحية والسلوكية , وبالنسبة للأقلية العددية من الدين الثاني في الدولة يتم الانسحاب إلى دور العبادة والمعطيات الدينية الروحية والسلوكية وهذا الانسحاب ينعكس في الحرص على إبراز الاختلاف من خلال سمات مظهرية تتعرف بها الأغلبية إلى بعضها ( في الحالة الإسلامية الجلاليب واللحى وزبيبة الصلاة عند الرجال وأغطية الرأس عند النساء) كما تتعرف الأقلية العددية على بعضها مظهريا بالملابس والصلبان أو وضع رموز دينية مثل السمكة علي البيوت والسيارات . وليس خافيا أن انسحاب الأغلبية سابق زمنيا بالأفعال على انسحاب الأقلية العددية بفضل الوسايط الصوتية لمحاضرات الدعاة المتسعودين من أتباع الوهابية السعودية بتصنيفاتهم المختلفة واللتي نشطت تحت رعاية الأنظمة التابعة لإعلان واشنطن. وهذه الطرز والعلامات بمثابة أزياء عسكرية تساعد أفراد كل فصيل على اختيار الجهة التي سيحارب في صفوفها عندما تقع الاضطرابات.
ومن جهة البلدان التي تضم مجموعات سكانية إقليمية مثالية Minorities يكون الانسحاب أكثر وضوحا وخطورة ويتم ذلك عبر إحياء تقاليد اجتماعية خصوصية(استحداث مناسبات الحسينيات في العراق عقب إسقاط النظام البعثي الذي كل جريمته أنه رفض العولمة) واستدعاء المخزون من التراث اللغوي والأزياء ويدفع التحيز الجغرافي باتجاه وضوح الطرز المظهرية تلك وتزايد الإحساس بالتفرد والخصوصية . وينتج بالتداعي مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والناجم عن تراكم عجز الدولة وتحلل سيادتها داخل أراضيها ( لا ينكر أحد الطابع الدولي الاستقلالي وليس المؤسساتي لمواقع عمل ونشاط الشركات عابرة القوميات ) ووقوف الدولة عاجزة عن الحوكمة بفعل التوسع والإسراع في الخصخصة المصحوبة بفساد واسع, ينتج تعزز الانسحاب والرغبة المتزايدة في البحث عن الدفء القبلي والديني وطلب الأمان في التجمع مع البشر المشابهين فتتخلق جبهات متحيزة أو مجردة في عالم الفكر والاعتقاد.
تبدو هذه المصائر ممكنة التخفيف والعلاج ما لم يكن التقسيم السياسي والجغرافي معمولا عليه بقوى هائلة الحجم تكسبه اندفاعا قصورياً يجعل هذه المصائر محتمة والحاصل إن هناك نفس القوى بإمكانتها المالية الضخمة وبتحالفها مع السياسي الغربي الذي يكسبها زخما متعدد الاتجاهات والأبعاد, تعمل جميعا على تحقيقيقها. سوف تتشكل عشرات ومئات الدول الجديدة وفق هذا السيناريو بحيث يكتسب الواقع العالمي للمؤسسات الاقتصادية طابعاً أبدياً من خلال إضعاف مؤسسة الدولةالتاريخية إلي الأبد بالتفتيت غير القابل للاسترجاع. في هذا الواقع تلعب المؤسسات دور الدولة وتلعب الدولة دور المؤسسة التابعة إذ ينحصر نشاطها في حماية مصالح مؤسسات الاقتصاد وقمع الجموع المتضررة من الأوضاع الاحتكارية وتقسيم العمل وهنا يلتقي المشروع العولمي مع المشروع الوهابي لأسلمة المجتمعات حيث يقوم مشروع الأسلمة علي تفريغ الدولة لخدمة الإله في مشروع غيبي  ومطاردة المواطنين وتوجيه الرأي العام إلي قضايا مفارقة للواقع مع استخدام الدين كما هي العادة لديها في تبرير البؤس بتحميل المواطنين مسؤوليته باعتبارها جماهير مقصرة في المشروع الغيبي وهكذا ينخرط الجميع في مطاردة الحلم المستحيل متزامنا ذلك مع ضغط الدول الغربية مطلقة العولمة بحجج إعفاء الأقليات الدينية من عبئ المشروع الغيبي الإسلامي واللذي سيتحصن أصحابه وراء استحالة المساومة علي الدين في مقابل الوطن ولن تتردد تلك الحركات تحت ضغوط الغرب في القبول بصناعة قوانين مزدوجة واحدة للمسلمين والأخري للمسيحيين وهي حالة انتقالية مستحيلة ستكون بمثابة التدريب النفسي للمصريين علي القبول بمصر مقسمة سياسيا وعندها سيكون ميثاق حق تقرير المصير هو المخرج من حالة ازدواج القانون اللتي فرضتها تلك الحركات علي الدولة.
التنميط من أجل إنسان بلا هوية:

يتوجب أن تعمل الدولة على تنميط أفراد المجتمع بما يوافق متطلبات العمل في المؤسسة هذا التنميط يكون عالمي الانتشار يتشكل من:-
خطوط أفقية يتجاوز فيها الفرد انتماءات الولاء الوطني والقومي إلى ولاءات فوق أممية تتحدد بجبهة العمل عنوانها وطبيعة نشاطها الاحتكاري ومن صور هذا النوع انتماء أفراد مصريون لجماعات إسلامية فوق أممية تفرض نوعا من المواصفات والمقاييس تبعدهم وتعزلهم عن أوطانهم ومواطنيهم إلي عالم خيالي نوستالجي. يتجاوز الارتباطات القديمة المتعلقة بالموطن والعيش المشترك والتاريخ الفردي ( خطوط رأسية ) ومجموعة المكونات المجردة التي تشكل ذاكرة الفرد أي التحول من نمط سيال الذكريات إلى قفزات الشعور والتجارب والمنقطعة النظير في زمن حياة الفرد بما يقضي إلي ما أسميناه من قبل بالتجريف الروحي والنفسي. وإحلال الإنسان المندفع بغرائز البقاء محل الإنسان الاجتماعي المعروف منذ بدء الإنسانية. التجلي المعاصر لهذا النمط البديل , المدن الكوزموبوليتانية في هونج كونج, تايوان , سنغافورة, دبي , الكويت, وباقي إمارات الخليج العربي.
لكي يصبح هذا النمط ممكنا يتم العمل على تدمير القواسم المشتركة العليا التي تربط أحاد الناس بجماعات الإنسانية واسعة الانتشار الجغرافي وكما قلنا يتم ذلك بالانسحاب إلى المستويات ما دون القومية ( تم ذلك في السبعينات والثمانينات واتسع فى التسعينات. ثم مادون القطرية إلى المستويات سالفة الذكر من الدين ثم المذهب ( حال غياب عناصر التمايز الثقافي والعرقي ) والقبيلة ( حال غياب توافر عناصر هذا التعاون ) وقد تتشابك المكونات هذه تبادليا لاستحداث مستويات تقسيم أكثر رسوخا.
ومن الواضح أن توهين خيوط الربط الثقافي يستلزم تمزيق كل ما هو قيمي إنساني والإبقاء على خطوط الربط الضيق وتمتينها باحتضان إدارات الدول صاحبة المشروع  والغير مهدده في بقائها وفق النمط لقضايا التمييز والاضطهاد وتوسيع نطاقها وإيصال الحلول التوفيقية بشأنها إلى طريق مسدود للتعجيل بالغليان والوصول السريع إلى نقطة الانفجار ( التقسيم الفعلي ) ( السودان حالة نموذجية في الجنوب ودارفور وشرق السودان وجبال االنوبة) ادعى فوكوياما أن التاريخ لم يعد فيه متسع للتطور الإنساني لأن هذا التطور وصل أقصى مراحله مع تجاوز الرأسمالية إلي المستوى فوق الأممي والواقع يقول أن هذه العولمة تتم بالقصف والتدمير وقتل ملايين البشر في العراق وافتعال المذابح الدينية في مصر علي يد الجماعات الإسلامية وفي وجميع أنحاء العالم هذه القسرية في فرض العولمة تعكس أن هذا التطور ليس حتمية تلقائية أي ممكن أن تتم وفق معاني اللفظ المهذب  تطور evolutionوإنما وفق الطبيعة الداروينية التي تتستر وراءها الدعوى ، فالحرب والتخريب والتشريد وتدمير البلدان الأضعف هي معنى اللفظ المعروف  الانتخاب الطبيعي natural selection
هل ماتت النازية وانتهى النازيون إذا ؟
إن قوى الانتخاب الطبيعي المستحدثة ( الطائرات وحاملاتها وقذائفها والمستخدمة على نطاق واسع ليست آليات الطبيعة التي احتضنت الإنسان منذ ملايين السنين بل هي آليات الطبيعة البديلة أو الآلهة الجديدة التي لن ترحم سوى الراغبين في التكيف والقادرين عليه إذا من قال أن من يبقى حيا بعد هذا الجحيم يضمن مكانة حتى في نمط التجريف ؟.
إن آلهة العالم الجديدة تحكم بالموت على كل من تتسرب الإوزة من بين ذراعية إذا ما الحل ؟ ما هو الطريق ؟
الطريق هو وحدة الإنسانية وتكاتف البشر الواعين في كل مكان وفي داخل كل ثقافة لإنهاض نضال عولمي ضد التسييد والفرز وفرض المصير بالسحق العسكري والفتن الدينية ويقع العبئ الأكبر في هذا على إنسان أوربا إذ من داخل أرضه تنطلق مكونات النمط وإن تقاعس فسوف يعاني فرزاً عنيفاً على يد الألهة الجديدة (قوي المحركة للسوق) إذا نجحوا في سحقنا في الشرق وفي أمريكا اللاتينية يقع علي مصر برسوخها التاريخي عبئ التصدي للتنميط ومشروع إنهاء ظاهرة الدولة. إن الحس الفطري عند المصريين باستحالة تصور حياة ليس فيها مصر بصورتها التاريخية يضع إمكانية كبيرة في أن تستطيع قواها المدنية هزيمة المشروع الوهابي الريجاني التاتشري كما قضت علي أحلام الأحلاف في الخمسينات في الشرق الأوسط وكما أنهت مصر ظاهرة الاستعمار القديم في السويس فإنها مرشحة بثقلها التاريخية وبشرط إنهاض وعي معرفي تاريخي لدي أبنائها للقضاء علي مشروع ريجان تاتشر عبر هزيمة طليعته الوهابية أولا  , يجب أن نمارس في عالمنا كل وسائل المقاومة في العراق والسودان ومصر وإيران وتركيا وأمريكا اللاتينية ضد التنميط وتعجيز الدولة, يتعين أن ينمو وعي أصحاب الحضارات القديمة في الإقليم بحقيقة وجود المشروع العولمي المناهض للدولة والوعي بوجود حلفاء له في المنطقة هي الدول الصحراوية صاحبة المصلحة في تحطيم محور الحضارات القديمة واللتي أصبحت تلملم نفسها وتتكتل في تحالف ملكي واضح جدا وأن الأوان ليتشكل وعي المحور المتحضر لا بقومية عربية ولا بمشروع إسلامي موهوم تاريخيا ولكن وعي بوحدة العدو ووحدة المصير. وبالنسبة لظواهر العنف غير محدد الاتجاه من لدن جماعات الإسلام السياسي في أفغانستان وغيرها فإن صلاتها بالمشروع العولمي أصبحت من الوضوح لدرجة لا تحتاج للتنظير العميق للكشف عنها فتلك القوي حضرت في كل مكان اراده المشروع التاتشري في أفغانستان وحول النيل وفي العراق والبلقان والشيشان لا يعمل في مكان إلا وخلف وراءه حالات انقسام دولي من أول تجربة الباكستان المخزية إلي التجربة السودانية والصومالية في عمق مصر الامني والأن تتأهب للزحف علي مصر فيا أهل مصر انتبهو. إن القوي الإسلامية الراديكالية هي المنقذ الرئيسي للمشروع التاتشري وهي على يمين العالم الإسلامي تمثل طاقة الأمل لليوجينية العالمية في حشد فوائض القوة والغضب لإنجاح العمل.
النداء موجه للإنسان الأوروبي العام بأن يشرع بالتفكر متخلصا من مركزيته التي خلفت ملايين القتلي طيلة 100 عام وأن يتفاعل مع إرثه الفلسفي مصحوبا بشعور بالمسئولية تجاه البشر وليس لحل مشكلات الأبيض وكأنه هو العالم والعالم هو.
النداء موجه للمحور الحضاري في الإقليم (مصر" بعمقها النيلى الافريقى " - تركيا - إيران - الهلال الخصيب – تونس – اليمن - عمان) ايضا بالذات بأن يوقفو مسلسل الاستغفال الذي بدأ منذ الحرب الأفغانية ويسير لليوم إن قطار عولمة الليبرالية الجديدة يدهس من الجثث ما يكفي ويلقي بأحلام شعوب قاتلت في الخمسينيات والستينيات من أجل أن تكون شريكا محترما في الحضارة الإنسانية إلي كهف النسيان. فلا تتشتتو عن الثورة الأساسية ثورة الحصول علي مقعد مستحق علي ظهر الكوكب وليس هذا العبث المسمي بالحاكمية. إن الاستعمار الجديد عبر الشركات المتعددة الجنسية والوكلاء المحليين في تجارة الدول يسعون لتشييد عالم ما بعد الدولة عالم حالة القطر اللادولة  حيث قتال الشوارع سيموت في الحروب الأهلية عشرات أضعاف ضحايا النضال من أجل إنقاذ الدولة, أنقذو الدولة تكتلو حولها واحموها من حلف أعدائها  الثنائي العولمة \ الحاكمية الإلهية .

تأملات في واقع البحث العلمي بين مصر وايران .


كتب د / معمر نصار


واقع البحث العلمي طبقا لأرقام الهيئة الدولية لحماية الملكية الفكرية المأخوذة علي موقع الأمم المتحدة من أرقام وزارات البحث العلمي في عدة دول عام 2010 تقول إنه لكل مليون من عدد السكان تنتج مصر 102ورقة بحث منشورة في حين تنتج إيران 377 ورقة بحث بما يقترب أن يكون أربع أضعاف و قد تكلمت في المسألة سابقا, دول الخليج النسب فيها أعلي من مصر وايران بسبب العلماء المجلوبين باجور عالية من الخارج لكن الدلالة الواضحة في ايران ومصر تعكس وضع الدولة في البلدين ففي مصر تنسحب الدولة من مجالات الانتاج وهو صنو البحث العلمي ومحركه الأساس في حال غياب الوفرة النقدية الريعية التي لدي دول الخليج, وتعكس وضعية البحث المتدنية في مصر أيضا وهو مالم تتضمنه التقارير ارتفاع كلفة البحث العلمي في مصر عنه في إيران بشدة بسبب الاعتماد علي سياسة الوكيل المحلي وهو انعكاس للطابع الكمبرادوري الوساطي للاقتصاد وهو وضع بديل عن الاقتصاد الانتاجي المستقل الموجود لدي إيران والذي كان موجودا لدي مصر قبل عام 1983 وهو العام الذي تقرر فيه الغاء نظام المشتريات الاكاديمية واستبداله بنظام الوكيل المحلي اللذي رفع كلفة مدخلات البحث إلي أضعاف لا تقل عن ستة أو سبعة في أبسط الأحوال.
كما يعكس أيضا الوضع التبعي للبحث العلمي لاحقا بقطار التبعية الاقتصادية الشبه كاملة فمجالات البحوث في مجالات البيولوجيا والزراعة وعلم الحشرات والعلوم الحيوية عموما والكيمياء الحيوية تكتسحها بحوث البيولوجيا الجزيئية علي حساب بحوث الاستقلاب ودراسات الكينتيكا والديناميكا الحيوية ودراسات التركيب الثلاثي الأبعاد للجزيئات الحيوية العملاقة ودراسات سلوك الحيوان وعلوم البيئة بشكل عام فهي تجنح الي التخديم علي مجالات العلوم التي تغلب علي العائدين من المنح الاوروبية أو المشروعات البحثية المعروضة للتمويل من قبل الهيئات الاوروبية أو الخليجية (المقلدة بدورها بسبب طوفان المتعاقدين من علماء الغرب في جامعات الخليج) حيث تنهمك المراكز والجامعات هناك في سباقات محمومة لتسجيل اكبر قدر من البياتات وتسجيل براءات الاختراع اللتي تتحول هناك الي تطبيقات تعني ملايين وربما مليارات الدولارات في حين تهمل قضايا كبري كبحوث الامراض المزمنة ودراسة البروتينات المعقدات المعدنية البروتينية لامراض الشيخوخة أو التصلب النسيجي و غيرها (هذا المجال انتاج مصر فيه من البحوث يقارب الصفر في مقابل حوالي 1000 بحث منشور من إيران في ذات العام 2010) ويجدر أن أدعي أني كنت ربما أول من حاول العمل علي التركيب ثلاثي الابعاد للجزيئات العملاقة ولم أجد استجابة من أي مكان ولا حتي من اللجنة القومية للبلورات اللتي كانت تجهل الموضوع جهلا تاما وقتها ثم انتهي الامر في السنوات الاخيرة الي افتتاح خجول لهذا المجال لطلاب كليات الهندسة واللذين يلاقون صعوبات رهيبة بسبب ضعف أدواتهم الرياضية بسبب تأثير التبعية علي تركيب مقررات الرياضيات في المرحلة قبل الجامعية والجامعية أيضا فضلا عن قصور أدواتهم في مجال البيولوجيا حيث لا يزيد عملهم علي تقليد نمذجة لا يدرون الهدف منه أو الثمر المتوقع من إجراء الدراسات فضلا عن غياب شامل لاي تجهيزات علمية مادية في البلاد لهذا النوع من الدراسات ولا يغيب عنا هنا تأثير هشاشة النموذج التنموي والضعف العام للدولة بتراجعها عن مجالات الإنتاج وتركها للقطاع الخاص اللذي أعاد توجيهها بحيث عاود نشاطه الكمبراوري التبعي اللذي امتهنه قبل 90 عام مضت مع قوانين نقل صناعات الاستهلاك من دول الاستعمار إلي المستعمرات مع نهاية الحرب العالمية الثانية. ما يحزن ليس هو الوضع النسبي الأفضل لأيران فهي دولة تستحق الاحترام من حيث اصرارها علي التواجد ورفضها دخول ثلاجة الموتي بإرادتها ومقاومتها للضغوط في هذا الاتجاه المحزن حقا هو الوضع في مصر وما حرك شجون الواحد هو الاخبار عما جري لمعتصمين من حملة الدراسات العليا من اعتقال واهانة فقط لأنهم يطالبون بالعمل بمؤهلاتهم في بلد يفتقر للبحوث وللباحثين وحسب تقدير شخصي غير مؤكد فإن قرابة تسعة اعشار انتاج مصر من البحوث يتم علي حساب طلاب الدراسات العليا المسجلين علي نفقتهم الخاصة من داخل وخارج مصر (الوافدين من السودان واليمن وليبيا بالتحديد) وبجهودهم المباشرة حيث يمكن لمن يريد أن يتثبت من هذا التقدير أن يستطلع عدد دارسي الماجستير والدكتوراه في أي مؤسسة في مصر ويستقضي نسبة المعينين منهم في درجات وظيفية بحثية ونسبة من يقومون بالدراسات علي حسابهم, أي إن هنك طاقة ترفض الموت في مصر أيضا لكنها طاقة أفراد أحاد من الشباب يتمسكون بالامل ويدفعهم حبهم للبحث علي مزاولته دون أجر بل يدفعون من مدخراتهم ومن رواتبهم في أعمال أخري أو حتي علي حساب ذويهم. ويبدو حتي الأن أن كل هذا التدهور (نص كلمة التقرير الوارد من وزارة البحث العلمي المصرية ) لا يلفت صانع القرار السياسي اللذي يسارع في استكمال مشوار الاستهلاك العارم الذي أدمنته الطبقة الرأسمالية المصرية فتلحق المؤسسة العسكرية بسباق المشتروات من الجاه من الأسلحة دون أدني محاولة لتقليد دولة إيران التي استطاعت أن تخلق بمشروعها للصواريخ والطاقة النووية جيث تمكنت بالتحدي من سد ثغرات هندسية كبيرة جدا بتصميم وتصنيع اجهزة الطرد المركزي الفائق السرعة باعداد مهولة بلغت حاليا قرابة عشرين ألف جهاز وغيرها من المشاريع الهندسية أن تستوعب طاقة العمل كاملة من خريجي الجامعات بل وجعلت دراسة الهندسة بصعوباتها مجالا متقدما علي قائمة اختيارات الطلاب للدراسة بعد كل من الولايات المتحدة وروسيا علي مستوي العالم, ولا أدري هل كان من الممكن بدلا من استهلاك مدخرات الطبقة الوسطي في مشروع توسيع أو تفريع قناة السويس بجني مكاسب نقدية محتملة في مستقبل متوسط هل كان ممكنا استعمالها في مشروع قومي للصواريخ أو إعادة تشغيل شركات القطاع العام الهندسية الموقوفة بقرار كمبرادوري إمبريالي منذ التسعينيات وتحريك الوضع المتردي للعلم والعلماء والمتعلمين بشكل عام في مصر هل كان ممكنا إصلاح وتطوير المراجل البخارية والغزل والنسيج وإحياء مزارع الدولة اللتي لطالما شغلت وشجعت البحوث في كليات الزراعة والبيطرة بالاضافة لدورها في الحفاظ علي اسعار الالبان والمنتجات الحيوانية من الصعود الجنوني اشباعا لشهوات الثراء وتكديس الثروات لدي بعض المحتكرين الان ألم يكن ممكنا إصلاح صناعة الزيوت من جديد واعادة الاعتبار من ثم لمهنة المهندس والكيماوي والفني يا من صدعتمونا بالحديث عن التعليم الفني.